issue17275

الثقافة CULTURE 18 Issue 17275 - العدد Monday - 2026/3/16 الاثنين الشخصية القبطية في الأدب المصري صدر عن دار «العين» للنشر في القاهرة كتاب «الشخصية القبطية في الأدب المصري» لـــلـــدكـــتـــورة نــيــفــن مـــســـعـــد، أســـــتـــــاذة الــعــلــوم الــســيــاســيــة بــجــامــعــة الــــقــــاهــــرة، والــحــاصــلــة على جـائـزة الـدولـة التقديرية الـعـام الماضي. ويـسـعـى الــكــتــاب لمــقــاربــة صــــورة الشخصية القبطية على مدار عقود طويلة، ولدى أجيال مختلفة مـن الأدبــــاء، ويـتَّــخـذ مـن ثـــورة يناير مــرحــلــة مـفـصـلـيـة في 2011 ) (كـــانـــون الــثــانــي تـحـولات تمثيل هــذه الشخصية فـي الأعـمـال الروائية. يــبــدأ الــكــتــاب بـمـقــدِّمـة مـقـتـضـبـة كتبها الــــروائــــي المـــصـــري نــعــيــم صـــبـــري، ثـــم مـقـدمـة المــؤلــفــة الــتــي تــشــرح فـيـهـا تـــاريـــخ اهـتـمـامـهـا بـالمـوضـوع، بـــدءا مـن دراســـة مطولة نشرتها ، ثم عودتها 1999 في إحـدى المجلات في عـام مـؤخـرا لـهـذه الــدراســة وتحويلها إلــى كتاب، ومــحــاولــتــهــا رصــــد وتـحـلـيـل مـعـظـم الأعــمــال الروائية التي تقدم الشخصية القبطية عقب ، وما حدث في تقديمها من اختلاف بين 2011 روايات القرن الماضي وروايات ما بعد الثورة. فــصــول رئـيـسـيـة، 3 يــتــكــوَّن الــكــتــاب مـــن الأول نــظــري بــعــنــوان «الـشـخـصـيـة القبطية بــــن تــــاريــــخــــن»، تـــشـــيـــر فـــيـــه إلــــــى أن هــنــاك بالكتابة عن 2011 اهتماما كبيرا منذ يناير الأقـــبـــاط، وأن أبـــرز أهــــداف هـــذا الاهــتــمــام هو مـحـاولـة الـنـفـاذ إلـــى داخـــل المجتمع القبطي، وجعل الأقباط يعبِّرون عن أنفسهم، بـدلا من الكتابة عنهم وعــن مجتمعهم مـن خارجهم. وكذلك إعادة قراءة تاريخ بعض الشخصيات الـقـبـطـيـة الأكـــثـــر خــافــيــة، فـــضـــا عـــن تـوثـيـق وإضـــــاءة المــســاحــات غـيـر المــعــروفــة فــي حياة الأقباط. الـــفـــصـــل الـــثـــانـــي بـــعـــنـــوان «الــشــخــصــيــة القبطية فــي الأدب المــصــري قـبـل ثـــورة يناير »، وتـــتـــوقَّـــف فـــيـــه عـــنـــد عـــــدد كــبــيــر مـن 2011 الــــروايــــات، ومــنــهــا روايــــــات لـنـجـيـب مـحـفـوظ ويـــحـــيـــى حــــقــــي، ويــــوســــف إدريـــــــــس، وإدوار الخراط، وإبراهيم عبد المجيد، وبهاء طاهر، وســلــوى بـكـر، ونـعـيـم صــبــري، ونـبـيـل نـعـوم، وغــيــرهــم. وتـخـلـص مـــن خـــال دراســــــات هـذه نـقـطـة تـلـخـص خـصـائـص 17 الــــروايــــات إلــــى تقديم الشخصية، ومنها خلو تلك الأعـمـال من خصائص شكلية ينفرد بها الأقباط، كما تخلو مــن صـفـات ذاتــيــة تـازمـهـم، كـمـا كانت الـشـخـصـيـة الـقـبـطـيـة تتخلل مختلف أنـحـاء الـــوطـــن وســـائـــر الأعـــمـــال والمـــهـــن، كـمـا تتخلل رقائق النسيج الاجتماعي المصري في الواقع، وتتضافر مع خيوطه في جديلة واحدة. الـــــنـــــقـــــطـــــة الأخــــــــــيــــــــــرة، ضـــــمـــــن الــــنــــقــــاط ، تـتـصـل بــالــبُــعــدَيــن الــوطــنــي والــقــومــي 17 الـــــــ لـلـشـخـصـيـة الــقــبــطــيــة، ومـــوقـــف الأقــــبــــاط من العروبة. وتشير المؤلفة إلى أن «الأقباط ليست لهم مشكلة مع العروبة، بل يجدون أنفسهم في إطارها، ولا يحسنون التعبير عن ذواتهم إلا بــلــســانــهــا». وتــشــيــر إلــــى مـــواقـــف الأقــبــاط الواضحة «من القضايا القومية عموماً، ومن القضية القومية المركزية، أو الصراع العربي - الإســــرائــــيــــلــــي خـــصـــوصـــا، وكــــيــــف تــفــاعــلــت الشخصيات القبطية بكل عمق مـع تطورات هذا الصراع». الفصل الثالث «الشخصية القبطية في »، قـــــراءة في 2011 الأدب المــصــري بـعـد ثــــورة روايـة قدَّمت هذه الشخصية عقب الثورة. 28 وتُخصِّص الكاتبة مقالا منفردا عن كل رواية، وتخلص مـن هــذه الـــقـــراءات إلــى ظـهـور نزعة واضحة للتمرُّد على السلطة الأبوية للكنيسة بعد الــثــورة، رغــم أن نـــوازع هــذا الـتـمـرد على السلطة البطريركية كانت موجودة قبل هذا الـتـاريـخ، لكن الـفـرق فـي المساحة التي أخـذت تتمدَّد فيها روح التمرُّد بعد الثورة. القاهرة: «الشرق الأوسط» حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل رغم أن جذورها تعود إلى حقبة ما قبل المـيـاد، فـإن دمية الـعـروس في مصر تحمل فـي نسختها الشعبية العديد من الأشكال والمفارقات، تتنوع ما بين دلالات وطقوس وحكايات تدعو للتأمل. هــــذا مـــا تـــؤكـــده الــفــنــانــة التشكيلية والــــبــــاحــــثــــة ســــمــــاء يـــحـــيـــى فـــــي كــتــابــهــا «الـــعـــروســـة فـــي الــفــن والـــحـــيـــاة»، الــصــادر أخيرا عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» ضــمــن سـلـسـلـة «آفـــــاق الــفــن الـتـشـكـيـلـي»، لافـــتـــة إلـــــى أن الــــدُمــــى كـــانـــت تـــوضـــع فـي حــقــب زمــنــيــة ســابــقــة فـــي قـــبـــور الأطـــفـــال الــصــغــار، وكـأنـهـا تـبـعـد عـنـهـم الـوحـشـة، وهو ما يعكس قوة حضورها في الثقافة الشعبية. تــشــيــر المـــؤلـــفـــة إلــــى أن «الـــعـــروســـة» هــــي تــشــكــيــل نــحــتــي يُـــصـــنـــع عـــلـــى هـيـئـة إنسان أو حيوان بحجم صغير وخامات مــخــتــلــفــة لأغــــــــراض الـــلـــعـــب أو لأغــــــراض تزينيية وطقسية وفنية، وتعد واحدة من أقـــدم التشكيلات النحتية الـتـي صنعها الإنسان، ويعود تاريخها في رأي بعض الباحثين إلى ما قبل ظهور الحضارة. ومن الواضح أن افتتان الإنسان الأول بالجسد وخـيـالاتـه الأولـــى فـي التجسيد جعله يحاول تقريب صـور الطبيعة لكي تـشـبـه شـكـلـه وأشـــكـــال مــخــلــوقــات أخـــرى مألوفة لديه ليخلق فـي مخيلته اعتقادا بــأنــه يستطيع أن يـقـتـرب مـنـهـا أو يقوم بطقس ليتقي شرها، فكانت هناك عرائس لمـوسـم الـحـصـاد فـي بـدايـة عصر الـزراعـة والأمـــطـــار وأخــــرى لجلب الــــرزق والصيد فـــي المـجـتـمـعـات الـــرعـــويـــة، كــذلــك عـرائـس مــنــحــوتــة كـتـمـائـم وآلــهــة صُــنـعـت من الـــــــقـــــــش والـــــعـــــظـــــم وعــرائــس لأغــراض الــــــــــــخــــــــــــصــــــــــــوبــــــــــــة والإنجاب. نـــــجـــــد أيــــضــــا أن الإنــــســــان الأول صــــنــــع تـــشـــكـــيـــات مـن خـامـات البيئة المــــــــحــــــــلــــــــيــــــــة مـــــثـــــل الـــــطـــــن والـــــبـــــوص والأخـــــــــــشـــــــــــاب فـــي مــحــاولــة لتجسيد الآبـــــــــــاء الــــراحــــلــــن الأعـــــزاء عـلـى نحو يــجــعــلــه قـــــــادرا عـــلـــى أن يـــتـــواصـــل مـعـهـم ويـحـدثـهـم بـمـا يــجـول فــي خـــاطـــره. حتى فـــي الــطــقــوس الـسـحـريـة والإيـــــــذاء، كـانـت صـــنـــاعـــة دمــــيــــة عـــلـــى شـــكـــل الـــــعـــــدو أمـــــرا شائعا في عصور ما قبل التاريخ، حيث تخلق الـدمـى نوعا مـن التواصل الحسي والحركي مع البيئة وتفتح المجال للخيال ونـــمـــو الـــعـــقـــل لـــــدى الأطـــــفـــــال، فـــالـــظـــروف البيئية فـي العصر الحجري على سبيل المثال كانت من العوامل المهمة التي قامت حــولــهــا طــائــفــة مـــن الــعــقــائــد والــطــقــوس القديمة. حرف وصناعات تلفت سماء إلى أنه ترتب على ذلك قـيـام مجموعة مـن الـحـرف والصناعات والـفـنـون لنجد أن الـطـقـوس الـديـنـيـة أو السحرية اتخذت من تلك الحرف وسيلة لحفظ هذا التراث الإنساني من الضياع، بل ربما كانت ضمانا لارتقاء تلك الحرف والصناعات. عُثر على العديد مـن نـمـاذج الدمى فـــي الــعــصــور الأولـــــى المــبــكــرة لـلـحـضـارة المــصــريــة الــقــديــمــة، لا سـيـمـا فـــي كـــل من «نقادة» و«البداري»، كما وُجدت بأحجام وخــامــات وأشــكــال مـنـوعـة فــي سيبيريا ووســــط آســيــا والـبـلـطـيـق، وابــتُــكــرت في أشـــكـــال مـخـتـلـفـة بــمــابــس أو مـــن دون، وألبست حليا تشبه تلك التي يستخدمها أهــل المنطقة ولُــوّنــت فـي بعض الأحـيـان مثل الدمى السومرية الملونة، كما وُجدت منها نـمـاذج فرعونية مكسوة بالذهب والمطعمة بالملابس. ومــــع هــــذا الـــتـــاريـــخ الــعــظــيــم الــثــري مـــــن اســــتــــخــــدام الــــعــــرائــــس والـــــدمـــــى فـي الـتـعـبـيـر الــفــنــي والــثــقــافــي والمـجـتـمـعـي فـي مـصـر، فــإن المـؤلـفـة تـاحـظ أن النظر إلـى «العروسة» كعنصر مهم من الممكن الاســـــتـــــفـــــادة مـــنـــه فـــــي الــــفــــن الــتــشــكــيــلــي المـــصـــري الــحــديــث بــكــل مـــجـــالاتـــه، وهـــذا لـــم يــلــق الــعــنــايــة الــكــافــيــة مـــن الـفـنـانـن التشكيليين المصريين المعاصرين. وبـيـنـمـا اقــتــصــرت أغـلـبـيـة الأعــمــال الــتــشــكــيــلــيــة المــــعــــاصــــرة فــــي مـــصـــر عـلـى «تيمة عــروس المـولـد» فـي أعـمـال نحتية وتـــــصـــــويـــــريـــــة، لــــــم يــــهــــتــــم إلا قـــلـــيـــلـــون بــاســتــخــدام مـفـاهـيـم وتــشــكــيــات أخـــرى لــدمــى مـصـريـة لـهـا خـصـوصـيـة مـتـفـردة واستلهامها في تطوير أساليب وأعمال فنية ذات فــرادة، وفي الوقت نفسه يقبل على مشاهدتها الجمهور العادي لأنها ليست غريبة على ثقافته وذائقته، وإن كان هذا لا ينفي قيام بعض التشكيليين بــمــحــاولات رائــــدة فــي هـــذا الــســيــاق مثل جــمــال الـسـجـيـنـي، وعــبــد الـغـنـي الــشــال، ومــــــمــــــدوح عـــــمـــــار، ومـــصـــطـــفـــى الــــــــــرزاز، وفرغلي عبد الحفيظ، ورمزي مصطفى، وعصمت داوستاشي، وحلمي التوني. أشهر النماذج تـــعـــد «دمـــــيـــــة فــــــرن الــــخــــبــــز» أشـــهـــر عـروس في منازل المصريين الذين كانوا حــتــى وقــــت قــريــب يـصـنـعـون الــخــبــز في منازلهم، مـن وجــه بـحـري حتى أقاصي الصعيد، وهى تُصنع من قطعة صغيرة من العجين، وتخلطها الأمهات والجدات بــالــســمــن وبـــعـــض الـــســـكـــر، ثــــم يـشـكـلـهـا الأطـــفـــال عـلـى هـيـئـة دمـــى بــدائــيــة قريبة الــشــبــه جــــدا بتلك الــــتــــي شُـــكـــلّـــت فـي عـــصـــور فـرعـونـيـة قــديــمــة تـــعـــود إلــى ما قبل الأسرات. تــــــــــــــــــــخــــــــــــــــــــرج «عــروســة الخبيز» وقــد نضجت بنار الـــفـــرن فــيــفــرح بها الـــصـــغـــار ويــلــهــون بــــــــــهــــــــــا قــــــــــبــــــــــل أن يأكلوها في طقس بـــــــســـــــيـــــــط يــــحــــمــــل مــــعــــانــــي الـــبـــهـــجـــة والاحـتـفـال، وربما كـــــان مــــتــــوارثــــا مـن أعياد ومناسبات سحيقة لا يُعرف عنها شيء الآن. أمـــا ثــانــي الــدمــى المـهـمـة فــي الـحـيـاة الاجــــتــــمــــاعــــيــــة المــــصــــريــــة فــــهــــي «عـــــــروس الــقــمــح»، أو بـالـلـهـجـة الـشـعـبـيـة «عـــروس الـــغـــلـــة»، الــتــي تُــصــنــع مـــن ســنــابــل الـقـمـح الخضراء المضفرة في تركيبة تشبه علامة «الـــعـــنـــخ» أو «مـــفـــتـــاح الـــحـــيـــاة» المــصــري الـــقـــديـــم، الــتــي تــعــلّــق عــلــى أبـــــواب المــنــازل وفوق النوافذ للاحتفال وجلبا للخير. وكانت الدمية تُقدم ومعها وعاء من القمح كقربان للإلهة «رنتوتت» في مصر الـقـديـمـة كـنـوع مــن الـشـكـر لـهـا عـلـى بركة الـــحـــصـــاد، وهــــى الآن تُــصــنّــع وتـــبـــاع في أعياد «شم النسيم» ويطلق عليها «مشط الفريك» وتعلق على الشرفات والعتبات. وتـــذكـــر ســمــاء أنـــه مـــن أشــهــر الـدمـى الشعبية فـي هــذا الـسـيـاق «خـيـال المـآتـة» وهي تشكيل يوضع في الحقول الزراعية لــتــخــويــف الـــطـــيـــور يــتــكــون مـــن خشبتين مـــتـــصـــالـــبـــتـــن، ويـــصـــنـــع لـــهـــمـــا رأس مـن القماش أو يلبس قبعة من القش، وقديما كـــان يُــصـنـع لـهـا رأس مـخـيـف مـــن الـطـن ويطلق عليه لقب «أبو خف». أيـضـا تـوجـد دمـيـة الـحـسـد الـورقـيـة الشهيرة التي تُقص من ورقــة على شكل إنساني، ثم تخرم بالإبرة الغشيمة التي لـيـس لـهـا عـــن ثـقـبـا بــاســم كـــل مـــن تـحـوم حــولــه الــشــكــوك فــي أنـــه حــاســد أو يحمل شراً، ثم تُحرق في موقد صغير مع بخور الحسد ولبان وشبّة، ثم يخطو المحسود فوق الموقد سبع مرات ويقال إنه تظهر في رماد الدمية وجوه الحساد. القاهرة: رشا أحمد هابرماس... حارس الحداثة الذي احترقت أدواته في أتون غزة لــــيــــس مـــــؤلمـــــا فــــــي مــــــــوت الــــفــــاســــفــــة أن أجــســادهــم تــرحــل؛ بــل أن أفــكــارهــم تُستدعى فـي لحظة الــــوداع لتُحاكم على ضــوء العالم الـــــذي خـــلَّـــفـــوه وراءهــــــــم. هـــكـــذا يـــغـــادر عـالمـنـا يــــورغــــن هــــابــــرمــــاس، آخـــــر حــــــــرّاس الـــحـــداثـــة الـكـبـار، فـي وقــت يـبـدو فيه العقل الـــذي دافـع عــنــه طـــويـــا عـــاجـــزا عـــن تـسـمـيـة المــذبــحــة في غزة، والحوار الذي بشّر به ضيقا عن احتواء صـراخ الضحايا. فماذا يبقى من «العقلانية الــتــواصــلــيــة» حـــن تـتـكـلـم الــقــنــابــل، ويـخـتـار المــفــكّــر أن يـخـتـار ذاكـــــرة أوروبــــــا عـلـى كونية الإنسان؟ مات الفيلسوف الألماني في اللحظة التي كــان فيها إرثـــه أحـــوج مـا يـكـون إلــى محكمة، لا إلـــــى تــــأبــــن. فـــالـــرجـــل الــــــذي أمـــضـــى عــمــره يـدافـع عـن المـجـال الــعــام، وعــن حـق البشر في بـلـوغ الحقيقة عبر الــحــوار الـحـر، انتهى في لحظة غزة إلى لغة تضيق بالحقيقة، وتضع للضحايا سقفا أخلاقيا لا يجوز لهم تجاوزه. لذلك يأتي رحيله بوصفه لحظة كاشفة لمصير تقليد فلسفي كامل: تقليد أراد إنقاذ الحداثة، ثــــم وجـــــد نــفــســه عــــاجــــزا عــــن إنــــقــــاذ إنــســانــهــا المستعمَر من العمى الأوروبي القديم. توفي هابرماس -حسبما أعلن ناشره- ، مخلِّفا 2026 ) مارس (آذار 14 ، السبت الماضي وراءه إرثـا فكريا ضخما هيمن على الساحة الفلسفية والاجتماعية الغربيّة أكثر من ستة عـــقـــود، أهّـــلـــه لــيــكــون الـــوريـــث الأبـــــرز لمــدرســة فرانكفورت النقدية، والشخصية التي حاولت تـرمـيـم مـــشـــروع الـتـنـويـر الأوروبـــــــي، وإعــــادة الثقة في العقلانية بعد الفظائع التي شهدها القرن العشرين. فـي مدينة دوســلــدورف، 1929 وُلـــد عــام وعـاش طفولته في ظل صعود النازية، وهي التجربة التي شكّلت وعيه السياسي المبكر. وقد عانى من تشوه خلقي في الحنك (الشفة الأرنـبـيـة)، مـا سبب لـه صعوبات فـي النطق، ربــطــهــا مــتــابــعــوه بـاهـتـمـامـه الـعـمـيـق لاحـقـا بمفهوم «التواصل» واللغة. تلقى تعليمه في جـامـعـات بـــون وغـوتـيـنـغـن وزيـــوريـــخ، وعمل مساعدا للفيلسوف تيودور أدورنو في معهد البحوث الاجتماعية بفرانكفورت. تــمــثــل أعــــمــــال هـــابـــرمـــاس -وخـــصـــوصـــا «نظرية الفعل التواصلي» و«التحول البنيوي لــلــمــجــال الــــعــــام»- مــــحــــاولات جـــــادة لـصـيـاغـة ديــمــقــراطــيــة تـــقـــوم عــلــى مـــبـــدأ الـــحـــوار الــحــر، فطرح فكرة أن المجتمعات الحديثة تعاني من «استعمار العالم المعيش» أي تغلغل منطق الــربــح المـــــادي والآلـــيـــات الإداريــــــة الــجــافــة إلـى تفاصيل حياتنا اليومية وقيمنا الأخلاقية؛ فـــيـــتـــم تـــنـــحـــيـــة «الــــــــحــــــــوار»، وإبـــــــــــراز «المــــــــال» و«السلطة» كوسائل وحيدة للتنظيم. وبـدلا من أن يتفاهم البشر حول غاياتهم المشتركة، تُحيلهم الـبـيـروقـراطـيـة إلــى مـجـرد «زبــائــن»، وتُحوّلهم الرأسمالية إلــى «مستهلكين»، ما يـؤدي إلـى تآكل الـروابـط الاجتماعية وفقدان المعنى. ونظّر بأن الخلاص يكمن في استعادة الإنسان لقدرته على التفاهم العقلاني، وبناء سد منيع من «الديمقراطية التداولية» يحمي المـــســـاحـــات الإنـــســـانـــيـــة مــــن طـــغـــيـــان الأنــظــمــة البيروقراطية والرأسمالية. ارتبط اسمه بالماركسية منذ بداياته في مـدرسـة فـرانـكـفـورت، ولكنه قـدم قـــراءة نقدية وتــعــديــلــيــة واســـعـــة لــلــمــاركــســيــة الـتـقـلـيـديـة. فـبـيـنـمـا ركّــــز مـــاركـــس عـلـى «الــعــمــل» و«قـــوى الإنـتـاج» كمحرك للتاريخ، رأى هابرماس أن ذلك يغفل جانبا حيويا هو «التفاعل اللغوي» أو «الـتـواصـل»، وزعـم أن التحرر الإنساني لا يتحقق فـقـط عـبـر تغيير عــاقــات المـلـكـيـة أو السيطرة على الطبيعة؛ بل عبر تحرير اللغة من الزيف والإكـــراه. وقد خلص إلى أن «دولة الــرفــاهــيــة» فــي الــغــرب اسـتـطـاعـت امـتـصـاص حدة الصراع الطبقي الماركسي التقليدي، ما يوجب نقل المعركة إلى «المجال العام» لضمان شرعية ديمقراطية حقيقية. في هذا السياق، كان يسمي نفسه «ماركسياً» من حيث الالتزام بـالـتـحـرر ونـقـد الـرأسـمـالـيـة المــتــأخــرة، ولكنه يرفض الحتمية الاقتصادية، ويفضل عليها ما أطلق عليها وصف «العقلانية التواصلية». تمحورت فلسفته حول مفهوم «العقلانية الــــتــــواصــــلــــيــــة» هــــــــذا، مـــفـــرقـــا بـــــن نــــوعــــن مـن الــعــقــانــيــة: «الــعــقــانــيــة الأداتــــيــــة» الــتــي تهتم بـــالـــوســـائـــل لــتــحــقــيــق الأهـــــــــداف والـــســـيـــطـــرة، و«الـــعـــقـــانـــيـــة الـــتـــواصـــلـــيـــة» الـــتـــي تـــهـــدف إلــى الـــوصـــول إلــــى تــفــاهــم مــشــتــرك. ويُــنــســب إلـيـه ابتكار مفهوم «المجال العام»، أي تلك الفضاءات الـتـي يلتقي فيها الأفــــراد كـمـواطـنـن لمناقشة القضايا العامة بحرية، معتبرا أن الديمقراطية الحقيقية تعتمد على جودة هذا النقاش وقدرة «الحجة الأفـضـل» على الإقـنـاع دون استخدام الــقــوة. كما طـــوّر «أخـاقـيـات الـخـطـاب»، وهي الـقـواعـد الـتـي تجعل الــحــوار عــــادلاً، مـثـل حق الجميع في المشاركة، وصدق المتحدثين، وخلو النقاش من الضغوط الخارجية. مــثــلــت عــاقــتــه بــالــفــاســفــة المــعــاصــريــن صراعا بين «بقاء الحداثة» و«ما بعد الحداثة». فـي مواجهة ميشيل فـوكـو، انتقد هابرماس اخـتـزال كـل شـيء فـي «عـاقـات الـقـوة»، وأصـر عــلــى وجـــــود مـعـايـيـر عـقـانـيـة كــونــيــة يمكن الاحـتـكـام إليها، متهما الفيلسوف الفرنسي الراحل بأنه يقدم تشريحا للسلطة يفتقر إلى معيار أخلاقي للتغيير. أمـــــا فــــي ســـجـــالـــه مــــع جـــــاك دريــــــــدا، فـقـد انتقد «التفكيك» الذي قد يؤدي إلى العدمية، مفضلا بناء جسور التفاهم. وبالنسبة لجان فرنسوا ليوتار، رفض هابرماس فكرة «نهاية السرديات الكبرى»، معتبرا الحداثة «مشروعا لـم يكتمل» يحتاج إلــى مـواصـلـة العمل بـدلا من التخلي عنه. وفي مقارنته مع حنا أرنت، يتفق معها لناحية أهمية الفعل السياسي في الـفـضـاء الــعــام، ولكنه يضيف إليها شروطا تداولية وقانونية أكثر صرامة. يـــأتـــي غــيــابــه فـــي وقــــت يـشـهـد فــيــه إرثـــه الفكري هـزة عنيفة بسبب مواقفه السياسية الأخيرة تجاه الحرب في غزة؛ إذ كان قد أصدر بيانا بعنوان «مبادئ التضامن» في نوفمبر ، دافع فيه عن رد الفعل 2023 ) (تشرين الثاني الـعـسـكـري الإســرائــيــلــي، وصــــوره «مـــبـــررا من حيث المــبــدأ». هــذا المـوقـف أثـــار مـوجـة عارمة مـن النقد؛ حيث رأى كثيرون فـي هــذا البيان «احتراقاً» لكامل مشروعه الفلسفي. يــجــد الـــنـــقـــاد -ومـــــن بـيـنـهـم أســــاتــــذة من المــدرســة النقدية نفسها- أن هـابـرمـاس خان أهم مبادئه في هذا الموقف. فالفيلسوف الذي قـضـى حـيـاتـه يبشر بــ«الـكـونـيـة» الإنـسـانـيـة، سـقـط فــي فــخ «الـخـصـوصـيـة» الألمــانــيــة، بعد أن ربط التضامن مع الدولة العبرية بالهوية الديمقراطية الألمـانـيـة، وضـــرورة التكفير عن «الـهـولـوكـوسـت»، مـا اعـتـبـره بعض المفكرين نوعا من عمى «المركزية الأوروبية» التي ترى ضحايا «الهولوكوست» وتعمى عن ضحايا الاستعمار والاحتلال. وبــيــنــمــا طـــالـــب فـــي كــتــبــه بــفــتــح المــجــال العام لكل الأصــوات، يرى منتقدوه أنه ساهم في إغلاق هذا المجال في ألمانيا. فالبيان الذي أصــــدره حــــاول وضـــع حــــدود لمــا يــجــوز قـولـه، مـعـتـبـرا أن تـوجـيـه تـهـمـة الإبــــــادة الـجـمـاعـيـة لإســرائــيــل يـمـثـل «انـــزلاقـــا فـــي المــعــايــيــر»، في تـــنـــاقـــض تـــــام مــــع فـــكـــرتـــه عــــن «الـــــحـــــوار غـيـر المشروط»؛ إذ وضع قيودا مسبقة على البحث عـــن الـحـقـيـقـة؛ خـصـوصـا مـــع تــحــرك الـقـانـون الدولي ومحكمة العدل الدولية للنظر في هذه التهم بجدية. تجلّت فـي موقفه أزمـــة فلسفية تتعلق بــتــعــريــف «الآخــــــــر»، واتـــهـــمـــه بـــاحـــثـــون بـأنـه يميز بين «الآخـر الأقـرب» (الأوروبــي أو الذي يشبهه) وبين «الآخر الأقصى» (الفلسطيني أو غير الأوروبـــــي). إن تواصلية هابرماس التي يفترض أن تكون عالمية، بدت في لحظة غــزة وكـأنـهـا حـــوار حـصـري بـن الأوروبــيــن حـــــول مــآســيــهــم الـــخـــاصـــة، مــــع تـــجـــاهـــل تـــام لـلـمـعـانـاة الـفـلـسـطـيـنـيـة والــظــلــم الـتـاريـخـي الواقع عليهم. أدى هذا الموقف إلى شعور تلاميذه في الـعـالـم الـعـربـي والـجـنـوب الـعـالمـي بـالـخـذلان. فـإذا كان الفيلسوف الـذي يُنظر إليه كحارس للقيم الديمقراطية والكرامة الإنسانية يعجز عـن مـد هــذه القيم لتشمل شعبا يـــرزح تحت القصف والـحـصـار، فــإن مصداقية «الكونية الأوروبية» برمتها تصبح محل شك. ووصف البعض هــذا الـتـحـول بـأنـه «إفـــاس أخـاقـي» لــلــفــلــســفــة الــــغــــربــــيــــة؛ حـــيـــث يـــتـــم الــتــضــحــيــة بالعقل النقدي لصالح الحسابات السياسية وسياقات «الشعور بالذنب» المحلية. يـمـضـي يــورغــن هــابــرمــاس تــاركــا خلفه مفارقة كبرى؛ فبينما تظل أدواتـه التحليلية عن المجال العام والفعل التواصلي ضرورية لفهم أعطاب المجتمعات الرأسمالية المعاصرة، فإن تطبيقه الشخصي لهذه الأدوات في لحظة الحقيقة التاريخية كشف عـن فـجـوة عميقة بـن النظرية والمـمـارسـة. وسيبقى فـي ذاكــرة الـفـكـر بـوصـفـه الـفـيـلـسـوف الــــذي حــــاول بـنـاء عالم من الحوار، ولكنه تعثر في فهم لغة الألم خــــارج حــــدود قـــارتـــه، فـاحـتـرقـت فلسفته في أتون غزة قبل أن يوارى الثرى. لندن: ندى حطيط الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس هيمن على الساحة الفلسفية والاجتماعية عقود 6 الغربيَّة أكثر من

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky