د. ياسر عبد العزيز Issue 17275 - العدد Monday - 2026/3/16 الاثنين الإعلام 17 MEDIA ترند أدوات «ميتا» لدعم الفيديوهات تُغيّر مستقبل تقديم الأخبار على المنصات أعلنت شركة «ميتا» عن حزمة تحديثات جديدة لتعزيز إنتاج الفيديو على حساب الروابط، في خطوة ذكرت أن هدفها إتاحة تجربة متكاملة عبر تطبيقاتها الـــرقـــمـــيـــة، إلا أن خــــبــــراء عـــــــدَّوا هـــــذه الـــخـــطـــوة تـــحـــولا استراتيجيا يؤثر على مستقبل مؤسسات الأخبار التي لا تزال تعتمد حركة الإحالات لنشر محتواها. للعلم، «ميتا» ذكرت خلال مارس (آذار) الحالي أنها عزّزت أدوات الفيديو في تطبيق «إيديتس»، الذي كانت قد أطلقته الشركة ليتكامل تقنيا ومنصاتها («فيسبوك» و«إنستغرام» و«واتساب» و«ثريدز») بآليات مستحدثة لـتـحـريـر الــفــيــديــو. وتـــرمـــي الــتــحــديــثــات إلــــى «تـبـسـيـط» تجربة صناعة المـحـتـوى، وتعزيز قـــدرات المبدعين على المنصات التابعة للشركة، وتسهيل عملية النشر المباشر. وأيضاً، شملت التحديثات الأخيرة مجموعة من الأدوات الـتـي تـركّــز على الـجـوانـب البصرية، مـا يسمح بتحرير الفيديو بالكامل عبر تطبيقات «ميتا» من دون الحاجة إلى الخروج أو استخدام أدوات خارجية. مراقبون رأوا في ذلـك أن اتجاه «ميتا» نحو دعم الفيديو ينسجم مـع استراتيجية «الـحـدائـق المغلقة»، وهـــي أنـظـمـة رقـمـيـة مـغـلـقـة تُــسـيـطـر عـلـى كـــل جـــزء من تجربة المستخدم وتدفق البيانات، وهو ما يعني ضمان بــقــاء المـسـتـخـدم داخــــل التطبيق مــن دون الـحـاجـة إلـى الخروج لروابط خارجية، مثل مواقع الأخبار. وفـي تقرير نشرته المنصة البريطانية «فيوتشر ويك» خلال يناير (كانون الثاني) الماضي، فإن كبريات الشركات مثل «ميتا» و«غوغل» و«أمازون» صارت تتبع هذا النمط (الحدائق المغلقة) المُعزّز بالذكاء الاصطناعي، «وذلك بهدف الاستحواذ الكامل على بيانات المستخدم، ومن ثم ضمان السيطرة على المعلنين». أســــامــــة عــــصــــام الـــــديـــــن، خـــبـــيـــر تـــطـــويـــر مــنــصــات التواصل الاجتماعي، وصانع محتوى تقني بالمملكة العربية السعودية، رأى، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن الــفــيــديــو هـــو «لـــغـــة مــنــصــات الـــتـــواصـــل الـــجـــديـــدة»، وأضـــــاف «صـــــارت تـتـشـكـل المــنــصــات الـــيـــوم مـــن مقاطع الـــفـــيـــديـــو والــــخــــوارزمــــيــــات الــــتــــي تــــعــــرض اهـــتـــمـــامـــات المستخدمين، بعيدا عـن المسمى الأسـاسـي الــذي نشأت عليه هـــذه المـنـصـات (الــتــواصــل الاجــتــمــاعــي)». وتـابـع: «أظن أن (فيسبوك) بات أبعد ما يكون اليوم عن ركيزة التواصل، إذ صار منصة ترفيه ومتابعة اهتمامات أولاً، والفيديو هو محرك ذلك، ثم منصة بيع وشراء ثانياً». واعـتـبـر عــصــام الــديــن أن «المـنـصـة تــريــد محتوى يبقي المستخدم أطـــول فـتـرة ممكنة، ولـذلـك فهي تقلل وصـــول أي محتوى يضم روابـــط تُــخـرج المستخدم من المــنــصــة، حــتــى إن كــانــت روابـــــط فــيــديــو؛ ولــــذا حــاولــت جاهدة استنساخ نموذج (يوتيوب) لصناعة ومشاركة الأرباح مع صناع المحتوى». ثم أشـار إلـى أن «التفاعل مع الأخبار النصَّية هو الآن فــي أدنـــى مستوياته الـتـاريـخـيـة، فالمستخدمون، خصوصا الشباب، صــاروا يـريـدون استهلاك المحتوى الــذي لا يتطلب منهم قــراءة ومتابعة عميقة، مفضلين المحتوى المشاهد الذي لا يشكل عبئا على أنفسهم عند استهلاكه، حتى إن لم يتسم ذلـك الاستهلاك بالتركيز الكامل». وقـــال مـن ثــم: «الأخــبــار لا تـــزال مُــحـركـا؛ لكن تغير الـــــدور... ويـظـل مـا يميز الخبر النصي المـكـتـوب اليوم هــو اسـتـخـدامـه مـرجـعـا، لـيـس للمتابع فـقـط؛ بــل حتى لـــخـــوارزمـــيـــات نــــمــــاذج الــــذكــــاء الاصـــطـــنـــاعـــي الـــتـــي قـد تستخدمه مصدرا لها». مـــن جــهــة ثـــانـــيـــة، تـــحـــدّث شــــون ســـايـــمـــون، مـديـر الهندسة فـي فريق «ثــريــدز»، عبر حسابه الرسمي في التطبيق، أخيراً، عن «إطلاق مجموعة دردشة لاستقبال طلبات التحديث والملاحظات الفورية من المستخدمين، فـضـا عـن رصــد يـومـي للمقترحات لضمان استجابة الأداة لمـتـطـلـبـات صـــنـــاع المـــحـــتـــوى المـــتـــغـــيـــرة، لـضـمـان نـجـاح التجربة وجـــذب مـزيـد مـن المستخدمين وصناع المحتوى». قـال المحاضر والباحث في الإعــام الرقمي، محمد صـاح عبد المـوجـود، إن «التحوّل نحو الفيديو بــات ضـــرورة لـلـنـاشـريـن»، وأبـلـغ «الــشــرق الأوســــط» أن «صحافة الفيديو بــدأت عنصرا تكميلياً، لكنها باتت مــنــصــة أســـاســـيـــة لــلــنــشــر، لا ســيــمــا مــــع اتــــجــــاه جـمـيـع التطبيقات للمحتوى المرئي. وهـذا الاتجاه ليس وليد قـــرار، إنـمـا استراتيجية متكاملة بـــدأت تتكشف خلال العامين الماضيين. وهكذا كان حتميا اتجاه المؤسسات الصحافية للاعتماد على الفيديو في عـرض القصص الخبرية وتناول القضايا الصحافية التي تهم الجمهور بالشكل الفني الذي يجذبه». عـبـد المــوجــود أشـــار إلـــى تـقـريـر «الأخـــبـــار الرقمية » الصادر عن معهد «رويترز»، الذي أورد أن 2026 لعام في المائة من مستخدمي الإنترنت يفضلون 50 «أكثر من مشاهدة الأخبار عبر الفيديو بدلا من قراءتها، خاصة الــفــئــات الـعـمـريـة الــشــابــة. ولــــذا يـجـب عـلـى المـؤسـسـات الصحافية مـواكـبـة هــذه الـتـغـيـرات فـي غــرف أخـبـارهـا، من خـال توفير المعدات والأجـهـزة اللازمة لإنتاج هذه المواد المرئية، واستخدام الذكاء الاصطناعي في تحويل الـنـصـوص إلــى مقاطع فيديو جــاذبــة، مـا يـوفـر الوقت والمجهود داخــل غـرف الأخـبـار، وأيـضـا يضمن تحقيق أرباح في حال زيادة نسبة المشاهدة». ووفــــق عــبــد الــــجــــواد، فــــإن تــوجــه «مــيــتــا» وجـمـيـع المـنـصـات نحو الفيديو انـعـكـاس لتغيير لحق بسلوك الجمهور؛ لأن «الجمهور بات يميل إلى المحتوى الممتع والتفاعلي، حتى فيما يخص الأخبار. ووفقا لبيانات سابقة فإن مقاطع الفيديوهات الإخبارية تُحقق معدلات وصول وتفاعل أفضل مقارنة بالمنشورات النصّية». القاهرة: إيمان مبروك السوشيال ميديا القبيحة تربح في الحرب الإيرانية في زمن تهاوت فيه الحدود بين الرصاصة والكلمة، وبين ساحة المعركة وشاشة الهاتف المـحـمـول، لـم تعد الـحـروب تُـــدار بـالمـدافـع والـصـواريـخ والمُــسـيّــرات وحـدهـا، بل بصنوف من الخديعة تُبطل مفعول الحقيقة باطراد. فعلى امتداد الأيام الدامية للحرب الإيرانية الحالية، لم تكن الطائرات المُسيّرة والصواريخ، وحدها التي تعبر الأجـواء، بـل عـبـرت معها جحافل مـن الأكــاذيــب والــروايــات المسمومة، الـتـي صيغت بعناية في مختبرات رقمية، لتستقر في عقول الملايين. إنها حرب موازية، تخوضها «السوشيال ميديا» القبيحة، التي أثبتت أنها قـــادرة على كسب مـعـارك قـد لا تستطيع الجيوش ربحها. ليست المصادفة وحدها ما يجعل الذكاء الاصطناعي حليفا وثيقا للحرب النفسية في هذا الصراع. فما كانت بالأمس أدوات دعائية بدائية، صارت اليوم تقنيات دقيقة تعيد تشكيل الواقع بصور مُفبركة وأصوات مُركبة. مـشـاهـد لـنـاطـحـات سـحـاب تلتهمها الــنــيــران، وأخــــرى لـحـامـات طـــائـــرات تغرق فـي مـيـاه الخليج، كلها كـانـت مـجـرد خـــداع بـصـري مُــتـقـن، غايته الأسـاسـيـة تضخيم الانتصارات الوهمية وإيهام المشاهد بأن معادلة الردع قد انقلبت رأسا على عقب. وفي خضم هذا الضجيج البصري والمعرفي، تذوب الحقيقة كقطعة ثلج على صفيح ساخن. غير أن الخطر الأشد إيلاما لا يكمن في خداع العدو، أو استهدافه بالحرب النفسية والترويع المعنوي، بل في تغذية الانقسام بين الأشقاء، وزرع الفتنة بين الحلفاء. هنا تبرز بشاعة الوجه الشائن لـ«السوشيال ميديا» في أبهى تجلياته: توظيف الانتماءات الوطنية والـخـافـات المذهبية والـهـويـات الفرعية وقـــودا لإشـعـال فتنة تـأكـل الأخضر واليابس. وعلى مدار الأيام الماضية، رصد باحثون ومحللون متخصّصون حملات مُنسقة تستهدف الجمهور العربي، ليس لإقناعه بعدالة موقف طرف في مواجهة طرف آخر فــي تـلـك الــحــرب الــدامــيــة، بــل لـبـث سـمـوم الـشـكـوك حـــول نــوايــا الـشـعـوب إزاء بعضها بعضاً. تُصنع هويات مزيفة لعرب من دول الخليج ومصر والشام، ثم تُطلق تغريدات نارية تتهم دولا عربية بالتخاذل أو بالتواطؤ، في محاولة ممجوجة لتمزيق النسيج الاجتماعي الحساس في زمن الملمات. إنها لعبة «فــرِّق تسد» بــروح العصر الرقمي. فحين يشتعل العالم العربي نـاراً، يكون أعـداء شعوبه في أمَــس الحاجة إلى شغل الـرأي العام بقضايا جانبية، وتغذية نعرات لا تخدم إلا مصالحهم. وفـــي هـــذا الـسـيـاق، يـبـرز دور «الـكـتـائـب الإلـكـتـرونـيـة»، الـتـي تُــــدار مــن خـــال دول وجماعات وأجـهـزة متخصّصة، بحيث تكون مهمتها الأساسية الهجوم على وحـدة الصف، وليست الدفاع عن طرف أو قضية، عبر تضخيم أي خلاف ثانوي وتحويله إلى ساحة معركة وطنية أو طائفية أو إثنية لا هوادة فيها. ولا غرو أن تتزامن هذه الحملات مع محاولات حثيثة لتفتيت وشائج الترابط العربي، والتشكيك في المواقف والنوايا، واستدعاء ادعاءات تاريخية منزوعة من سياقها لتعميق الانقسام وتعميم التشظي. في مواجهة هذا الطوفان، لا يكفي التنديد والاستنكار، بل يلزم حضور وعي نقدي يجرد هـذه الأدوات مـن سلاحها الأقـــوى: التضليل. فليس كـل مـا يُكتب على منصات التواصل صحيحاً، وليس كل ما يُبث من مشاهد حقيقياً. لقد حذر مفكرون وخبراء من أن «حرب الروايات الفاسدة» قد تكون أطول أمدا وأصعب مراسا من الحرب التقليدية ذاتها؛ لأنها تستهدف الذاكرة الجمعية وتصيبها بالوهن والارتباك. وبات من الواجب على النخب العربية والإعــام المسؤول ممارسة دور «الـحـارس والـشـارح»، الـذي يفكك الأكاذيب قبل أن تستقر في الوعي الجمعي. والسبيل إلـى ذلـك يبدأ بــإدراك أن منصات «التواصل الاجتماعي» لم تعد مجرد فضاءات حـرة بريئة، بل ساحات معارك تخضع لمنطق القوة والتوجيه في كثير من الأحيان. فعلى المستخدم العادي أن يتعلم قراءة ما بين السطور، والتشكيك في الصور المثيرة للجدل، والرجوع إلى المصادر الموثوقة. وعلى الدول العربية أن تتعاون في إنشاء آليات رصد وتفنيد مشتركة، تكشف بالدليل القاطع محاولات الاختراق والتضليل، قبل أن تتحول الفتنة الإلكترونية إلى اقتتال حقيقي في الميادين. فما يُصنع في المختبرات الرقمية لا يلبث أن يتجسد صراعات على الأرض. وفــي خضم الـصـراعـات والاضــطــرابــات الـقـاسـيـة، تبقى الحقيقة أغـلـى مـا يملكه الإنسان، وحين تُهدر قيمتها في معرض الأكاذيب، يصبح الجميع خاسرين. الحرب الإيرانية الحالية ليست مجرد صـراع جيوش، بل اختبار وجـودي لوعي الشعوب العربية وقدرتها على تمييز الخيط الأبيض من الأسود في ليل تُعمّق ظلماته «ذئـاب إلكترونية» لا تهدأ. وحدها الصحوة النقدية، ومعها الوعي الجمعي، قادران على إجهاض المؤامرة قبل تمامها، وإعادة «السوشيال ميديا» إلى حجمها الطبيعي: أداة بيد الإنسان، لا وسيلة تقوده إلى الهاوية. بعد تداول شائعات وصور مولّدة حرب إيران تزيد مخاوف «التضليل المعلوماتي» بينما تـتـواصـل المــعــارك العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيـران مـــن جــهــة أخــــــرى، انــدلــعــت حــــرب أخـــــرى على منصّات التواصل الاجتماعي، إذ جرى تداول صور ومقاطع فيديو لآثـار المعارك ثبت أنَّها مولّدة بالذكاء الاصطناعي، ما أثـار مخاوف متصاعدة بشأن معركة «تضليل معلوماتي» بموازاة الحرب الدائرة. ولـــقـــد عـــلّـــق خــــبــــراء بـــالـــقـــول إن الـــذكـــاء الاصــطــنــاعــي بـــات أداة مــركــزيــة فـــي «حـــروب المــعــلــومــات»، لا سيما مــع قــدرتــه عـلـى إنـتـاج محتوى مضلّل بسرعة وبتكلفة منخفضة. وطالبوا بوضع قواعد لحوكمة التكنولوجيا؛ لمــــواجــــهــــة الـــتـــأثـــيـــر المـــتـــصـــاعـــد لـــ«الــتــضــلــيــل المعلوماتي». جدير بالذكر، أن مرتادي مواقع التواصل الاجتماعي تداولوا أخيرا قائمة تضمَّنت مدنا وأهدافا أميركية عـدة، زعموا إن إيـران تعتزم استهدافها. إلا أن بحثا أجراه «معهد بوينتر» الأميركي المتخصِّص في الدراسات الإعلامية، أكّد أن «القائمة المتداولة غير صحيحة. وأنها اعتمدت على أخبار قديمة تضمَّنت تنبؤات بطبيعة الأهداف المحتملة في الحرب». كذلك، إبـان معارك «حـرب إيــران» نشرت صـحـيـفـة «طـــهـــران تــايــمــز» الإيـــرانـــيـــة صــــورة تظهر مـقـارنـة بـن مــعــدّات رادار أميركية في قاعدة قيل إنها على أرض قطر قبل «تدميرها بالكامل». وبعد ذلك نشرت «وكالة الصحافة الـفـرنـسـيـة» أن بـاحـثـن اكـتـشـفـوا أن الـصـورة مـــــأخـــــوذة مـــــن «غـــــوغـــــل إيـــــــــرث» وتـــــعـــــود إلـــى الـــعـــام المـــاضـــي، وهـــي تـظـهـر قـــاعـــدة أمـيـركـيـة فـــي الــبــحــريــن جــــرى الـــتـــاعـــب بــهــا بــواســطــة الذكاء الاصطناعي. وعليه، حذَّر الخبراء من تداعيات انتشار «التضليل المعلوماتي» في الحروب، لا سيما مع ازدياد واقعية المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي. دور الذكاء الاصطناعي الــدكــتــور حـسـن عـبـد الــلــه، نــائــب رئـيـس جامعة شرق لندن بالعاصمة البريطانية، قال لــ«الـشـرق الأوســـط» خـال لقاء معه: «إن زمن الــحــروب والأزمـــــات يشهد تـصـاعـدا ملحوظا فــــي ظــــاهــــرة الـــتـــضـــلـــيـــل المـــعـــلـــومـــاتـــي، حـيـث تتحوَّل المعلومات إلـى سـاح مــواز للأسلحة الـعـسـكـريـة». وأردف: «وفـــي سـيـاق الـتـوتـرات والـــــحـــــروب المـــرتـــبـــطـــة بـــــإيـــــران، يـــبـــرز الـــذكـــاء الاصطناعي بوصفه أداة مزدوجة الاستخدام؛ إذ يمكن أن يسهم فــي تـسـريـع الــوصــول إلـى المعلومات وتحليلها، لكنه في المقابل، يتيح أيضا إنتاج ونشر محتوى مضلل بسرعة غير مسبوقة». وأوضـــح عـبـدالـلـه: «الــذكــاء الاصطناعي يساعد على إنتاج نصوص وصـور ومقاطع فيديو تبدو واقـعـيـة للغاية، وهــذا مـا يُعرف بالتزييف الـعـمـيـق»، مـشـيـرا فــي هـــذا الـصـدد إلى «أزمات دولية سابقة شهدت تداول مقاطع مــفــبــركــة لـعـمـلـيـات عــســكــريــة أو تـصـريـحـات منسوبة لقادة سياسيين لم تحدث في الواقع. والـــحـــال، أن التضليل المـعـلـومـاتـي فــي عصر الـذكـاء الاصطناعي لا يعتمد فقط على الكذب، بل على إنتاج روايات مقنعة يصعب التحقُّق منها بسرعة». وطــــرح عــبــد الــلــه أســبــابــا عــــدة لانـتـشـار حملات التضليل إبــان الــحــروب، مـن أبـرزهـا: «الـــتـــأثـــيـــر فــــي الـــــــرأي الــــعــــام، وإضــــعــــاف ثـقـة المـجـتـمـعـات بــالمــؤســســات الــرســمــيــة، وإربــــاك الــخــصــوم عــبــر نــشــر مــعــلــومــات مـتـنـاقـضـة». وتــابــع أن «الـــحـــروب الـحـديـثـة أظــهــرت كيفية انــــتــــشــــار الــــشــــائــــعــــات بـــســـرعـــة عـــبـــر وســـائـــل التواصل الاجتماعي، خصوصا عندما تكون المعلومات الرسمية محدودة أو متأخرة». ثـم استطرد: «فـي الـحـروب المعاصرة لم تعد المعركة عسكرية فقط؛ بل أصبحت أيضا معركة على المعلومات والـــروايـــات... فـي ظل الـــتـــوتـــرات بـــن الـــولايـــات المــتــحــدة وإســرائــيــل مـن جهة، وإيـــران مـن جهة أخـــرى، بـرز الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة مـؤثـرة فـي تشكيل الـسـرديـات الإعـامـيـة، ونـشـر محتوى مضلل على نطاق واسع». ولفت إلى «انتشار صور ومقاطع فيديو ادعت تدمير قواعد عسكرية أو سقوط طائرات حربية، تَبي لاحقا أن بعضها مُولَّد بالذكاء الاصـطـنـاعـي، أو مـــواد قديمة جــرى تعديلها رقـــمـــيـــا وإعــــــــادة نـــشـــرهـــا فــــي ســـيـــاق جـــديـــد»، وتـطـرّق إلـى «حــالات أخـرى جـرى فيها تـداول مـقـاطـع قـيـل إنــهــا تــوثِّــق ضــربــات صـاروخـيـة أو معارك في المــدن، لكنها في الحقيقة كانت مقتطفات من ألعاب فيديو عسكرية مثل لعبة )، الــتــي اســتُــخــدمــت مـــــرارا في Arma - (أرمـــــا التضليل الإعلامي بسبب واقعية رسومها». وواصل الدكتور حسن عبد الله شرحه، موضحا أنــه «فــي مواجهة هــذه التحديات، بــــــدأت الـــحـــكـــومـــات بـــوضـــع قــــواعــــد لـتـنـظـيـم المــحــتــوى الـــرقـــمـــي، مــثــل (قـــانـــون الــخــدمــات )، وقواعد الشفافية المرتبطة DSA / الرقمية بالذكاء الاصطناعي في الاتحاد الأوروبي... ثـم إن هــذه الـتـطـورات تكشف عـن أن الـذكـاء الاصــطــنــاعــي يـمـكـن أن يــتــحــوَّل إلــــى ســاح إعــــامــــي بـــقـــدر مــــا هــــو أداة تــكــنــولــوجــيــة». واخـــــتـــــتـــــم بــــالــــتــــشــــديــــد عــــلــــى أن «حــــمــــايــــة الحقيقة في زمن الحروب لم تعد مسؤولية الـــصـــحـــافـــيـــن وحـــــدهـــــم، بــــل بــــاتــــت تـتـطـلـب أيضا تعاون الحكومات والمنصّات الرقمية والمـــؤســـســـات الإعـــامـــيـــة لــضــمــان أن تبقى المعلومات الموثوقة أقوى من التضليل». أوقات الحروب والنزاعات وكما سبقت الإشارة، يزداد انتشار الصور المُـــعـــدَّلـــة بـــالـــذكـــاء الاصــطــنــاعــي و«الــشــائــعــات المضللة» في أوقات الحروب والنزاعات. وحقاً، تـــكـــرَّر المــشــهــد ذاتـــــه خــــال الـــحـــرب الـــروســـيـــة - الأوكرانية، وخلال احتجاجات لوس أنجليس فــي الـــولايـــات المـتـحـدة الــعــام المــاضــي، مــا يثير مـخـاوف بـشـأن تأثير هــذا الـنـوع مـع المحتوى عــلــى الــجــمــهــور وصُـــنـــاع الــــقــــرار، لا سـيـمـا مع اعــــتــــمــــاد كـــثـــيـــريـــن عـــلـــى مـــنـــصـــات الـــتـــواصـــل الاجــتــمــاعــي لـلـحـصـول عـلـى مـعـلـومـات بـشـأن الحروب والنزاعات. وخـال حـوار مع «الشرق الأوســـــــــــط»، قــــالــــت الــــدكــــتــــورة ســــالــــي حـــمـــود، الباحثة الإعلامية اللبنانية في شؤون الإعلام المعاصر والذكاء الاصطناعي، وأستاذة الإعلام والتواصل: «في أوقات الحروب تصبح الساحة مــفــتــوحــة لـنـشـر الـتـضـلـيـل المــعــلــومــاتــي، وفــي عــصــر الـــذكـــاء الاصــطــنــاعــي، الــــذي يــقــود هــذه الحرب، بات الإعلام ونشر المعلومات جزءا من أسلحة أطراف النزاع». القاهرة: فتحية الدخاخني روبوت يعمل بتقنية الذكاء الاصطناعي (أ.ف.ب) مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار القصف الإسرائيلي (أ.ب) في مواجهة التحديات المستجدّة بدأت الحكومات الغربية بوضع قواعد لتنظيم المحتوى الرقمي
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky