issue17274

المثقف العربي بشكل عام والمصري بشكل خاص، مر بمراحل فارقة وتحولات حادة في النصف الثاني من القرن العشرين الثقافة CULTURE 17 Issue 17274 - العدد Sunday - 2026/3/15 الأحد «عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ يـحـيـلـنـا الــــروائــــي الـــعـــراقـــي خــضــيــر فليح الزيدي في روايته الجديدة «عـن الهراتي» إلى فضاء ســردي مشتبك مـع بـؤر التاريخ المنسي، مـن خـال توظيف التاريخ مـع حفريات الـذاكـرة الـشـعـبـيّــة، ومـــن مـنـظـور وذاكــــرة تــعــدّدت فيهما مستويات السرد التي ارتكزت على تعدّد الرواة، ودفـق الحكايات، والبؤر الثانويّة التي تنافذت وتــضــافــرت مـــع الـحـكـايـة الإطــــاريــــة، والمـضـمـون المـــــركـــــزي الــــــــذي تـــــصـــــدّى لـــقـــصّـــة بــــنــــاء سـفـيـنـة القصب (دجلة) وتهيئتها إلى «الطيران»، ومن ثــــم تـــعـــرّضـــهـــا لـــلـــحـــرق عـــلـــى ســــواحــــل جـيـبـوتـي ، ومـــا بـــن أيــــام الــبــنــاء، وتـحـقـيـق كل 1978 عـــام المستلزمات مـن قبل عالم الأعـــراق والـحـضـارات الـــقـــديـــمـــة (تــــــور هـــيـــرالـــد) وبـــمـــســـاعـــدة (الــشــيــخ مسعد)، إلـى اشتباكه مع العشائر والعمّال في منطقة القرنة. تـبـدأ أحـــداث الــروايــة مـن سعي الشخصية المــــحــــوريــــة (أحــــمــــد فـــــــؤاد فــــتــــاح) لـــنـــيـــل شـــهـــادة الـــــدكـــــتـــــوراه حــــــول هــــــذه الـــســـفـــيـــنـــة الـــفـــضـــائـــيـــة العجائبيّة وكشف أسرارها وعلاقتها بأساليب الإبـــحـــار فـــي الـــحـــضـــارات الــرافــديــنــيــة، ومــــا دار حولها من حكايات ومرويّات وشخصيّات، وقد كـلّــفـه أســـتـــاذه (أكــــرم مصطفى الـــشـــاوي) أسـتـاذ الـــحـــضـــارات الــقــديــمــة بــقــســم الأنــثــروبــولــوجــيــا المستحدث في الجامعة فضلاً، عن وصيّة الأب وتــــمــــنــــيّــــاتــــه الــــشــــخــــصــــيّــــة فــي الـــبـــحـــث عـــــن الآثـــــــــار والـــعـــلـــوم الإنسانية. وبذلك تبدأ مسيرة الـــرحـــلـــة المــضــنــيــة والــغــامــضــة والـــــعـــــصـــــيّـــــة مــــــن قــــبــــل طـــالـــب الدكتوراه لسبر أغوار التاريخ والـحـوادث، والتقاط كل ما من شـأنـه أن يـعـمّــق دراســـتـــه لنيل الــشــهــادة. واقـتـضـى مـنـه الأمــر القيام برحلة شائكة إلى مدينة الـبـصـرة للبحث عـن شخصية الــدكــتــور (عــبــد الـغـنـي مجيد) الذي يوجد في مقهى بمنطقة الـــعـــشـــار: «هـــــذا الـــرجـــل كــــان ظـــــا لــهــيــرالــد وهــو الـكـنـز المـــدفـــون وعـــارفـــا بــــأدق الأســــــرار، والكثير مما خُــفـي عـن السفينة ورحـلـتـهـا، والــرجــل كان محكوما بالإعدام، والغريب في قصته أنّه خرج مــن الـسـجـن بـعـد سـقـوط الــنــظــام، وقـبـيـل لحظة ينجو من الموت 2003 ) التنفيذ في أبريل (نيسان بأعجوبة. ويحاول الدارس إقامة علاقة معه لفك .)28 : أسرار هذه الرحلة» (الرواية وقــــــبــــــل الـــــــخـــــــوض فـــــــي الـــــــبـــــــؤر والأبـــــــعـــــــاد والتقنيات والـظـواهـر الفنيّة، يـتـوجّــب التوقف عند دلالـة العنوان «عين الهراتي»، وما ينطوي عليه مـن إشــــارات ودلالات، فهو عـنـوان متعدّد الــــدلالات ومـفـتـوح عـلـى الـتـأويـل والإحـــالـــة، وقـد وردت معان مختلفة له في الرواية. و«الـــهـــراتـــي» هـــو نـــوع مـــن الــديــكــة الـقـويـة، وثـــاقـــبـــة الــبــصــر يــتــم اســتــخــدامــهــا فـــي حـلـبـات الــــصــــراع أو الــــنــــزالات بـــن الـــديـــكـــة، بــمــراهــنــات اشتهرت بها أجـــواء المقاهي والأمـاكـن الخاصة بهذا النوع الـذي يعتمد على المقامرة والرهان، ومـــا يـحـدث فيها مــن تـنـافـس عـلـى الــفــوز وربــح المــــال. و(زعـــبـــول الــهــراتــي) هــو الــديــك الــــذي كـان يراهن به (سمير القاص) أو (صاحب الهراتي)، وهــــو مــفــتــاح خـــزانـــة الأســـــــرار لأنّـــــه الأقــــــرب إلــى شــخــصــيّــة (عـــبـــد الـــغـــنـــي)، ولا يــمــكــن الـــوصـــول إليه إل من خلاله، فيما الديك الهراتي يمكن أن يرمز إلى فكرة المغامرة أو المقامرة التي قام بها عالم الأعراق النرويجي (تور هيرالد) في أجواء مشحونة وعوالم غائرة بشعبيتها وخرافاتها وأســاطــيــرهــا، إذ تـتـفـشّــى الـتـقـالـيـد الـعـشـائـريـة الـــحـــاكـــمـــة والــــخــــرافــــة الــــتــــي تـــحـــكـــم الـــســـلـــوكـــات والسحر والصراعات الاجتماعية. وعلى وفـق هـذه المـامـح فــإن الـروايـة تمثّل نمطا مـن الـسـرد الـقـائـم على البحث والـتـحـرّي، وسبر أغــوار الألـغـاز والطلاسم والأســـرار، وهي ثيمة شـاعـت فـي مثل هــذا الـنـوع مـن الــروايــات، وأصبحت ثيمة كونيّة كما حصل في رواية «اسم الوردة» لأمبرتو إيكو، والبحث عن أسرار الكهنة والـــديـــر والـتـحـقـيـق فـــي الـــجـــرائـــم الـــتـــي ارتـكـبـت فيه، ونجدها فـي روايــة «الخيميائي» لكويلو، وعربيا نجدها في «الطريق» لنجيب محفوظ، و«المـــــخـــــاض» لــغــائــب طـعـمـة فــــرمــــان، إذ يبحث البطل فـي هــذه الــروايــة عـن أهـلـه وتـاريـخـه بعد ردح من الغربة. وروايــــة البحث والـتـحـرّي وكـشـف الأســـرار تــحــقّــق نـــوعـــا مـــن الــتــشــويــق والإثـــــــــارة، وتـتّــخـذ مـن المهمّة طابعا بوليسياً، وبـــؤرة للكشف عن المــخــفــي، والمــســكــوت عـنـه والمـــدهـــش، مــمّــا ينتج طــــاقــــة لــــجــــذب اســـتـــقـــطـــاب المـــتـــلـــقّـــي، وإســـهـــامـــه ذهـنـيـا فــي الـتـشـبّــع، ومـتـعـة الـكـشـف عــمّــا خُفي مــــن الــــتــــاريــــخ. وهــــــذه المـــعـــطـــيـــات تــحــمــل كــثــيــرا مــن المــحــمــولات الـجـمـالـيـة والــفــكــريّــة والإحــــالات والإشـــــــــــــــارات المــــــتــــــعــــــدّدة، أي تــــوظــــيــــف الـــشـــكـــل البوليسي وشـكـل الــســرد الـقـائـم عـلـى الـتـحـرّي، وجعله فضاء ومساحة يمرّر بها الكاتب كثيرا ممّا يرمي إليه من أفكار ورؤى، وكشف وإحالات، وبما يعزّز المعنى الكلي للعمل الـروائـي المؤطّر بهذا الشكل من البناء الفني القادر على التعبير عن التناقضات والثنائيات المتضادة. وذلـك ما نــجــده قــد تـجـلّــى فــي روايــــة «عـــن الــهــراتــي» من مفارقة الصدام بين «الخرافة والعلم» في مجتمع الـقـرنـة العشائري والشعبي، بـن عـالـم الأعـــراق «تــور هيرالد» وبـن الـصـراع الاجتماعي القائم بـن الشخصيّات داخـــل هــذا المجتمع، وانتشار الحسد والسحر والانتقام الغريزي، وبين مهمة الـسـفـيـنـة الــتــي تـسـعـى لـلـبـرهـنـة عـلـى الـتـواصـل بـــن الـــحـــضـــارات عــبــر الـــتـــاريـــخ، والــــغــــوص في تـاريـخ الـحـضـارات القديمة، وربطها بمنجزات العصر، واختيار علومها ومنجزاتها. ونلحظ مــن الـخـصـائـص الـفـنـيـة فــي الــــروايــــة، ارتــكــازهــا على السرد الذاتي بصيغة ضمير المتكلّم، على لــســان الـشـخـصـيّــة (أحـــمــد فــــؤاد فـــتــاح) ووصــف كــــل تـفـاصـيـل رحــلــة الاســتــكــشــاف فـــي مجاهيل وحوادث قديمة وملتبسة. وبحسب تصنيف «جـيـرالـد جينيت» فـإن بطل الرواية ينتمي إلى النمط المتماثل حكائيا أي السارد المشارك «الضمني» في أحداث ووقائع الـروايـة، غير أن لعبة السرد تنقلب فجأة حيث يتحوّل (أحمد فؤاد) إلى مروي له، من قبل سارد أو راو جديد هو (سمير القاص) الذي يروي ويــســرد الأحــــداث ويتعمق في ســيــرة (عــبــد الــغــنــي) وإيـــداعـــه فــي الـسـجـن والاعــتــقــال بسبب رســــــالــــــة وصــــلــــتــــه مــــــن زوجــــــة (تــــــور هـــيـــرالـــد) تــبــلّــغــه بــمــوت الأخـــيـــر، مـــمّـــا جــعــل الـسـلـطـات تــتــهــمّــه بــالــتــجــســس، ويـحـكـم عــلــيــه بـــــالإعـــــدام مــــع (ســـرحـــان المـــــاركـــــســـــي) و(الـــــــحـــــــاج عـــبـــد) الشخصيّة الدينية، وبإشراف الضابط المكلف بالإعدام (عبد المجيد مري). يجسد (سمير القاص) نمطا من الحكّاء المـاهـر المـخـاتـل، وهــو رمــز للحقيقة المخاتلة وهشاشة المــرويــات، ويمكن الاســتــدلال على تــوصــيــف الـــســـرد داخـــــل الــــروايــــة بـــأنـــه ســرد يرتكز على استلهام تقنيّة النسق الكرنفالي، وذلـــــك لمــيــل الــــروايــــة إلــــى اســتــثــمــار المــفــارقــة الـــــحـــــادّة والــــــدالــــــة، بــــــدءا مــــن الـــتـــنـــاقـــض بـن المجتمع فــي الـقـرنـة، وبـــن شخصيّة الـقـادم مــن الــنــرويــج، وتـــصـــادم الـبـيـئـتـن، والـــروايـــة تتعمّق في توليد سلسلة من المفارقات التي تـتـضـمّــن الـبـعـد الــســاخــر عـبـر المــفــارقــة، وقـد تصل بحمولتها أحـيـانـا إلــى الكوميديا أو الـتـهـكـم المــــرّ، لا سـيـمـا قــصّــة الــحــب والـعـشـق بـن الفتاة الريفية (غـالـيـة) وعشقها للعالم أو صـــانـــع الــســفــيــنــة (هـــيـــرالـــد) الــنــرويــجــي، ومـن ثم المـرويـات المتناقضة حـول انتحارها حرقاً، أو أنّها وقعت ضحية «القيل والقال»، والمــــفــــارقــــة أن (أحــــمــــد فـــــــؤاد) يـــهـــدي جــهــده العلمي إلى روح (غالية)، وهي رمز الحقيقة التي يغتالها التناقض، أو يعبث بها الرواة الحّكاءون المهرة، فـالإهـداء يقول: «إلـى روح (غــالــيــة) أنــثــى هـــذه الأطـــروحـــة، الـبـنـت التي ظلمها (القيل والقال)، أرفع لروحها الطاهرة أســمــى آيــــات الـتـقـديـر والـتـبـجـيـل يـــوم ضـاع دمـهـا بــن الـقـبـائـل المتشاطئة مــا بــن نهري دجلة والـفـرات فـي مدينة القرنة، عند نقطة التقائهما، إذ حدث ما لا يصدّقه العقل، حتّى غدت البنت كبش فداء هذا العالم، لولاها لما تـوَصّــلـت إلــى اكتشافات مهمّة حــول سفينة بُنيت من قصب، وأبحرت على نحو من (عفو الخاطر) حتى أصبح للسفينة المعنى الجديد .)7: من أصل هذه الدراسة» (الرواية وتـتـولـد أنـسـاق المـفـارقـة الكرنفالية أيضا بــإطــاق ســـراح (عـبـد الـغـنـي) مــن حـبـل المشنقة والإعـــــــــدام مــــع (ســــرحــــان المــــاركــــســــي) و(الــــحــــاج عبد)، وتلك هي مفارقة كرنفالية سوداء أخرى، عكست ذروة من الحدث الدرامي بين قرار الإعدام الـــــذي أُلـــغـــي بـسـبـب ســـقـــوط الـــنـــظـــام، والـــهـــروب الفوضوي، وهو ما يرويه الضابط (عبد المجيد مرّي) حين اقتاد من تقرّر تنفيذ الإعدام بحقّهم إلى منطقة بعيدة على أطـراف الفلّوجة لتنفيذ هذه المهمّة، ولعل المفارقة الكرنفالية والسخرية المرّة تكشف عنها «الرسائل» التي كانت السبب في اعتقالهم ومن ثم قرار الإعدام بحقّهم، وهذا يحيلنا إلى أن الرواية استثمرت ووظّفت جانبا من تقنية أو أسلوب (السرد الرسائلي)، وتجلَّت الـرسـائـل الـتـي أدت إلــى الـهـاويـة والإعــــدام على أنّــهــا مـحـركّــات مــركــزيّــة، وبــــؤرة درامـــيّـــة لصنع الحدث الفادح. د. سمير الخليل عمر شهريار يكتب عن تحولاته في روايات علاء الديب «موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب عــلــى غـــــرار «مـــــوت المــــؤلــــف» لــلــنــاقــد الــفــرنــســي رولان بـــــارت، أطــلــق الــشــاعــر عــمــر شــهــريــار عــلــى كــتــابــه الــصــادر أخـــيـــرا اســــم «مــــوت المـــثـــقـــف»، وهــــو رســـالـــة عـلـمـيـة يـنـاقـش فيها حضور المثقف ودوره عبر تمثيلات الإنتلجنسيا في السرد الـروائـي، متخذا من إبــداع الـروائـي المصري الراحل عـــاء الــديــب نـمـوذجـا لـلـرصـد والتحليل والـتـطـبـيـق، وفـي ظلال رؤية نقدية كاشفة لطبيعة المثقف ووقوعه في حبال التناقض، ما بين أقصى المع والضد. لكن لماذا موت المثقف، وهو أمر يفضي إلى العدم، وليس انتحاره، باعتباره موقفا رافــضــا لـلـحـيـاة وعـبـثـيـتـهـا؟ هــل أحـكـمـت دوائــــر الاغــتــراب والاســـتـــاب عـلـى روحــــه وجــســده فـأصـبـح غـريـبـا عــن ذاتــه وواقـــعـــه وأحـــامـــه فــي عـالـم تـتـعـدد فـيـه المـفـاهـيـم والــــرؤى، وتـتـشـابـه الــنــصــوص وطـــرائـــق الــنــســج، ويــحــتــار الإنــســان ثقافيا ومعرفيا في البحث عن بوصله توصله للحقيقة؟! صدر الكتاب عن «بيت الحكمة» بالقاهرة، ويقع في صفحة من القطع التوسط، ويستهله شهريار بمقدمة، 258 يؤكد فيها أن المثقف شخصية إشكالية بطبيعتها، لافتا إلـى أن المثقف العربي بشكل عــام، والمـصـري بشكل خاص، قـد مــر بـمـراحـل فـارقـة وتــحــولات حـــادة فـي النصف الثاني مــن الــقــرن الـعـشـريـن، وبـــدايـــات الــقــرن الــحــادي والـعـشـريـن، زادت مــن هـمـومـه وإحـسـاسـه بــالاغــتــراب وعـــدم الـتـآلـف مع كـــل المـحـيـطـن بـــه، كـمـا تـعـمـق إحــســاســه بــعــدم قـــدرتـــه على الانـــدمـــاج مـــع المـجـتـمـع. ثـــم يـنـاقـش دور ومــفــهــوم المـثـقـف، فــي الـلـغـة والــثــقــافــة، وفـــي أفــكــار وآراء كـثـيـر مــن الباحثين والمـفـكـريـن الـعـرب والأجـــانـــب، مثل إدوارد سعيد، وبـرهـان غليون، ومحمد عابد الجابري، وعلى شريعتي، وغرامشي، ويرى أنهم جميعا ينطلقون «تقريبا من الربط بين المثقف ودوره، وليس بما يمتلكه من معرفة، ومـن ثم فـإن المثقف يأخذ جدارته ووجوده من دوره النقدي المناوئ لكل ما هو تقليدي ومستقر». السؤال الـذي يطرح نفسه هنا من باب التعليق على هذه الآراء: أَليس امتلاك المعرفة من أهم الأدوار والأســلــحــة الــتــي تــعــزز دور المــثــقــف، فـــي مــواجــهــة العسف والقمع والنفي؟! ثم إن المثقف لا يرتقي بأفكار الطبقة التي صـعـد إلـيـهـا بـحـسـب غــرامــشــي، أيـــا كــانــت هـويـتـهـا، وإنـمـا يرتقي ويصعد بأفكاره هو، بما يحلم به، وما يريده لواقعه والعالم من حوله أن يكون. الثقافة ليست مرمية على قارعة الطريق، إنما هي علم ومعرفة وبناء، تصعد وترتقي بتراكم الخبرات والتجارب وتعدد زوايا النظر والرؤية. ومــن بــاب رصــد أفـعـال الشخصية ومــدى تفاعلاتها بأفكارها وعواطفها وواقعها سياسيا واجتماعياً، يدلف شـهـريـار إلــى صـــورة المثقف فـي إبـــداع عــاء الــديــب، ويـرى أن المـثـقـف فــي أعـمـالـه الــروائــيــة ينتمي للطبقة المتوسطة بكل شرائحها، التي عصفت بأحلامها تحولات سياسية واقـتـصـاديـة واجـتـمـاعـيـة عنيفة، شـهـدهـا الــواقــع المـصـري على مدار نحو نصف قرن، منذ حقبة الخمسينات، مرورا ، مثل: منير عبد الحميد فكار في رواية «أطفال 67 بهزيمة بلا دموع »، لافتا إلى أن المثقف في ظل هذه الحقبة الممتدة حتى الثمانينات يظل حـاضـرا بوعيه وقـدرتـه قـــادرا على رؤية المجتمع الذي يكتسحه الطوفان، لكنه غير قادر على الفعل، ما يضاعف من إحساسه بالعجز والهزيمة. يعاين المؤلف ردود فعل هذا العجز، من داخل طبيعة المثقف نفسه ليضعنا أمـــام أنـمـاط متنوعة مـن النكوص تؤطر شخصيته، فهناك المثقف المنسحب، مثل: عبد الخالق المــســيــري بـطـل روايـــــة «زهـــــرة الـلـيـمـون »، وهـــنـــاك «المـثـقـف الـخـائـن» الـــذي يـخـون أفــكــاره ويـنـفـر مــن طبقته، ويتحين الفرصة للحاق بالطبقة الأعلى، وهناك «المثقف المستَلب» الــــذي يــواجــه إحـسـاسـا بـالـعـجـز والاغـــتـــراب عــن الـــواقـــع ما يدفعه إلى الرضوخ والتعايش معه كأمر واقع، فوعيه يظل دائما مستلبا بقوة اللامبالاة واللاشعور، مثل شخصية الدكتورة سناء فراج بطلة رواية «قمر على المستنقع» فهي تحكي الرواية كمونولوج طويل عن مشاعرها وانكسارها، وإحــســاســهــا المــمــض بــالــهــزيــمــة. وهـــنـــاك «المــثــقــف المــســخ» الـــذي يمثله نـاصـر منير فـكـار بطل وســـارد روايـــة «عيون البنفسج»، فهو شخصية مشوهة شديدة التناقض، وبرغم كـونـه شــاعــرا ومثقفا لا يستطيع أن يـتـجـاوز تناقضاته، بـــــدءا مـــن عــاقــتــه بــزوجــتــه المــســتَــلــبــة وبـــالـــواقـــع والـــوطـــن، وهناك «المثقف المـقـاوم» الـذي يحوّل ضعفه وانهزامه إلى قـوة يواجه بها ما حوله من قبح وفوضى وعشوائية، ثم «المثقف المتمرد فردياً»، مثل فتحي بطل روايـة «القاهرة»، فهو غير قـــادر على الــتــواؤم مـع مـا يحيط بـه مـن أوضــاع اجـتـمـاعـيـة والـتـعـايـش مـعـهـا، فـظـل فــي حــالــة اغـــتـــراب تـام عن كل المحيطين به. ثم «المثقف المبعد» كما في شخصية أمين الألفي بطل رواية «أيام وردية» المؤمن بعدالة القضية الفلسطينية إلى حد القلق والأرق، وأخيرا «المثقف المهاجر» سواء من هاجر إلى الخليج المتباهي بأمواله والمنشغل بها دائماً، على عكس المهاجر إلى الغرب، الذي يجد نفسه أمام نموذج مجتمع حر، متقدم علميا وإنسانياً. ويـــرصـــد الـــكـــتـــاب فـــي فــصــلــه الـــثـــالـــث عـــاقـــة المـثـقـف والجماعة، عبر دوائر عدة، لافتا إلى أنه لا يمكن فهم المثقف بمعزل عن هـذه الـدوائـر، وفـي مقدمتها طبقته، أو جماعة المثقفين التي ينتمي إليها، فهي تؤثر من بعيد أو قريب في موقفه ورؤيته لذاته وللعالم، ويرى أن هذا يتجلى ويتعمق فـــي روايـــــــات عــــاء الــــديــــب، ســـــواء فـــي الـــحـــدث أو فـــي بـنـاء الشخصيات، وطــرائــق توظيف المـكـان والــزمــان، فالمثقف، في الغالب الأعم، يعاني حالة من عدم التآلف مع الجماعة، ومـع الأمكنة والـزمـن، ثم إن ما يشهده العالم من تحولات يبدو أعنف وأكبر من قدرته على التكيف أو التعايش. ومن ثــم يتكشف عـبـر هـــذه الـــروايـــات الانـفـصـال والقطيعة بين أبطالها المثقفين وكل شخوص الرواية. لكن هل للمثقف أمكنة تخصّه، وكيف يتم التعامل مـعـهـا روائــــيــــا؟ فـــي الــفــصــل الـــرابـــع «أمــكــنــة المــثــقــف» يـركـز الكتاب على فاعلية المـكـان فـي الـسـرد وتحريكه، وتهيئته لـلـشـخـوص لتلعب أدوارهــــــا، بــل تــولــد مــن رحــمــه أحـيـانـا، لافتا إلى أهمية المكان، ليس كخلفية للحدث، إنما كعنصر حكائي قائم بذاته، تربطه وشائج قوية بالزمن الروائي، وبقية العناصر الأخرى المكونة للفعل الروائي. ويــــؤكــــد شـــهـــريـــار عـــلـــى ضــــــــرورة دراســــــــة الـتـشـكـيـل الجمالي للمكان فـي روايـــات عــاء الـديـب، لفهم شخصية المثقف التي تحتل مكانة مركزية، وكذلك معرفة مدى تناغم هذه الأمكنة مع التكوين النفسي لهذه الشخصية. فالمكان يعتبر تجسيدا مـاديـا للشخصية الـتـي تسكنه. ويتطرق إلى الطبيعة المادية للأمكنة، وما تتميز به، وتتشابه من خلاله، فهناك المكان المقفل مثل البيت، والمفتوح كالشوارع والمـــيـــاديـــن، والمـــكـــان المـــؤقـــت كــالمــقــاهــي والــــبــــارات، والمــكــان الملاذ والأثر، والمكان المأمول والمستعاد وغيرها، مؤكدا أن الأماكن في أعمال علاء الديب واقعية، ولها وجود حقيقي عاينه المثقف، ورآه وعاش فيه يوما ما، لكنها تتجاوز هذا الـوجـود الفيزيقي، إلـى وجــود ذهـنـي، وظلت تسكنه أكثر مما يسكنها، فبخلاف بيت الطفولة ثمة أمكنة كثيرة في روايـــات الـديـب، يستعيدها أبطالها كـذكـرى بعيدة تركت آثـــارا فيهم، كما تـركـوا آثـارهـم فيها، وعـــادة مـا يكون هذا المـكـان مرتبطا بالبحر وبالطبيعة، وأيـضـا بحب قديم لم يزل يعيش عليه البطل. يقول على لسان البطل مستعيدا جماليات المكان والمشهد في روايـة «زهـرة الليمون»: «الماء أزرق والـرمـال بيضاء، أقدامه العارية، وأقدامها تتلاقيان في ماء دافئ، وجسدها القوي الحر المليء بالأسرار يبعث فيه نشوة وهدوءاً». جمال القصاص 2026 دورة جديدة من معرض لندن الدولي للكتاب حضور نوعي ومبادرات رائدة عــــادت الـعـاصـمـة الـبـريـطـانـيـة لــنــدن لـتـكـون بوصلة من معرض لندن 2026 النشر العالمي مع انطلاق دورة عام ) فــي مـركـز «أولمــبــيــا» الـعـريـق. هـذا LBF( الــدولــي للكتاب الـعـام، لـم يعد المـعـرض مجرد منصة لبيع وشـــراء حقوق الـنـشـر، بـل هـو مختبر حـي لمناقشة مستقبل الـكـتـاب في عـصـر الــذكــاء الاصـطـنـاعـي، ونــافــذة تـطـل منها الثقافات الـعـالمـيـة عـلـى بعضها الــبــعــض، وهـــو أيــضــا لـيـس مجرد تجمع للناشرين، بـل هـو «غـرفـة عمليات» كبرى تقودها أضخم دور النشر في العالم. وشهد المـعـرض هــذا الـعـام حـضـورا لافتا لمجموعات ) الــتــي يــقــودهــا نـايـجـل Bloomsbury / مــثــل (بـــلـــومـــزبـــري نيوتن، وبونيير بـوكـس، وغيرهما، بـالإضـافـة إلــى كبار النشر الأكاديمي والتعليمي مثل ويلي، ومطبعة جامعة بـرنـسـتـون. لا تكتفي هـــذه المـؤسـسـات بـعـرض نــمــاذج من إصـــداراتـــهـــا فــقــط، بــل تـسـتـخـدم المــعــرض كمنصة لإعــان الانــــدمــــاجــــات الـــكـــبـــرى، وتـــوقـــيـــع عـــقـــود عـــابـــرة لـــلـــقـــارات، وتحديد «الترند» القادم في عالم الـقـراءة، سـواء كان ذلك في أدب الناشئين أو كتب تطوير الــذات التي تعتمد على البيانات. من الورق إلى الخوارزميات يـعـمـل المــعــرض كـمـحـرك أســاســي لـتـطـويـر صناعة الكتاب من خلال مسارات رئيسية هي: ثـــورة الــذكــاء الاصـطـنـاعـي والتخصيص، إذ لم > يعد الـذكـاء الاصطناعي مجرد أداة للكتابة، بـل تحول إلى محرك لاكتشاف الكتب. وكالة «بوك 2026 في دورة ديــســكــفــري»، مــثــاً، نـاقـشـت فــي جـلـسـات المــعــرض كيف يـمـكـن لــلــخــوارزمــيــات مــســاعــدة الـــقـــراء فـــي الــعــثــور على كتبهم المـفـضـلـة بـعـيـدا عــن تـحـيـزات وإغــــــراءات «الأكــثــر مـــبـــيـــعـــا»، مـــمـــا يــمــنــح الـــكـــتـــاب المــســتــقــلــن فـــرصـــة أكــبــر للوصول لقرائهم. اســــتــــدامــــة ســـاســـل الــــتــــوريــــد: فــــي ظــــل الأزمــــــات > اللوجيستية العالمية والتوترات الإقليمية، ركز المعرض ) والطباعة POD( » على تقنيات «الـطـبـاعـة عند الـطـلـب المحلية لتقليل التلوث الكربوني واحتراق الوقود الناتج عن الشحن الدولي، وهو ما يغير جذريا نموذج العمل التقليدي الذي يعتمد على المخازن الضخمة. :)Cross-Format Rights( سوق الحقوق المتقاطعة > تطورت صناعة الكتب لتصبح صناعة محتوى، وليست صــنــاعــة ورق؛ حــيــث تـــم فـــي المـــعـــرض الـــتـــفـــاوض على تحويل الكتاب إلى بودكاست، أو مسلسل لمنصات البث الرقمي، أو حتى تجربة تفاعلية في «الميتافيرس»، مما يطيل عمر العمل الأدبي ويزيد من عوائده الاقتصادية. :)Accessibility( مــعــايــيــر الــــوصــــول الــعــالمــيــة > مـــع دخــــول قـــوانـــن تـــــداول المــطــبــوعــات الأوروبــــيــــة حيز التنفيذ، تحول المعرض إلى ورشـة عمل كبرى لضمان ) والصوتية متاحة EPUB3( أن تكون الكتب الإلكترونية للجميع، بما في ذلك لذوي الاحتياجات الخاصة، مما يوسع قاعدة القراء عالمياً. المشاركة العربية شــهــد هــــذا الـــعـــام حـــضـــورا عــربــيــا اسـتـثـنـائـيـا تميز بالانتقال من «الـعـرض» إلـى «التفاعل المباشر» مع سوق النشر العالمي، مما يشير أن الأدب العربي لم يعد معزولاً، بـــل أصـــبـــح شــريــكــا فـــاعـــا فـــي صــيــاغــة مـسـتـقـبـل المــعــرفــة. والنجاح الحقيقي للمشاركة العربية هـذا العام يتجسد في تلك الجسور التي بُنيت بين الناشر العربي والوكيل الأدبـــــي الــعــالمــي، مـمـا يَـــعِـــد بـــوصـــول الـصـنـاعـة الإبــداعــيــة العربية إلى أرفف المكتبات في كل مكان. وشاركت المملكة العربية السعودية بقوة عبر هيئة الأدب والنشر والترجمة. وركز الجناح السعودي على بناء شراكات دولية لترجمة الأدب السعودي إلى لغات العالم. كما شـاركـت جـهـات كـبـرى مثل مجمع المـلـك سلمان العالمي للغة العربية ودارة الملك عبد العزيز، مما عكس .»2030 تنوع المشهد الثقافي السعودي ضمن «رؤية جانب من المعرض لندن: فيء ناصر

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky