فـــي أول رد فــعــل إيـــرانـــي عــلــى الــهــجــوم الأمــيــركــي– فـبـرايـر (شــبــاط) المــاضــي، تعرضت 28 الإسـرائـيـلـي يـــوم عواصم عربية عدة لهجمات بصواريخ باليستية إيرانية، وأعلنت إيران إغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة البحرية، الأمــــر الــــذي أفــضــى إلــــى ارتـــفـــاع فـــي ســعــر بــرمــيــل الـنـفـط بالأسواق الدولية، وهو أمر متوقع جداً. خــــال مــؤتــمــر صــحــافــي عـــقــده الــرئــيــس تــرمـــب بعد الضربة، سئل عن ارتفاع سعر النفط، فأجاب إن ما حدث ». وهو مصطلح يطلق على خلل Glitch« لا يعدو أن يكون في نظام الحاسوب، يستخدم في أغلب الأحيان لوصف خـطـأ عـابـر يـقـوم بتصحيح نـفـسـه. واسـتـعـارتـه مــن قبل الـرئـيـس تـرمـب مجانبة لـلـصـواب، والــهــدف هــو التقليل مــن شـــأن ارتـــفـــاع أســعــار الـنـفـط وتـأثـيـراتـه عـلـى المـواطـن الأميركي وعلى غيره من شعوب العالم. الـــحـــرب الـــدائـــرة الآن ضـــد إيـــــران أعـــــادت الـنـفـط إلـى الــواجــهــة بـعـد غــيــاب أربـــعـــة أعـــــوام، أي مـنـذ بـــدء الـحـرب الأوكرانية - الروسية. عودته إلى الواجهة وبقوة أبانت أن نفوذه ما زال قوي التأثير في حركة اقتصادات العالم. ارتفاع سعر البرميل إلى ما فوق مائة دولار أميركي خلال الأيام القليلة الماضية أوضح برهان. إغلاق خط الملاحة في مضيق هرمز من قبل إيران أو من قبل أي فاعل سيؤلب دول العالم عليه؛ لأن هذا المضيق تمر عبره مصادر كثيرة للطاقة، لإضاءة مدن، وتشغيل مصانع، وبناء منازل، وإقامة مشاريع عملاقة، ولولا هذه الطاقة لتوقف كل شيء. تجاوز سعر البرميل خط مائة دولار أميركي، وأعاد إلـى الأذهـــان مـا حـدث للعالم فـي السبعينيات مـن القرن الماضي، حين قررت الدول المصدِّرة للنفط حظر التصدير؛ ما أدى إلى تصاعد سعر البرميل الواحد أربعة أضعاف خلال أشهر قليلة. وأيضا ما حدث من ارتفاع في الأسعار عقب نشوب الحرب الأوكرانية منذ أربعة أعوام. الإحـــصـــاءات الـــصـــادرة عــن وكــالــة الـطـاقـة الـدولـيـة، في 30 تبين أن نسبة الاعتماد على النفط عالميا تصل إلى المائة، وأن العالم يستخدم ضعف ما كان يستخدمه في السبعينيات من النفط. وهـذا يعني ببساطة، -استنادا إلـــى آراء خـــبـــراء- أن مـسـافـة زمـنـيـة طـويـلـة جـــدا تفصل بين عالمنا وبـن حلمه في الوصول إلـى مرحلة «مـا بعد النفط». بـنـاء على ذلــك، يتضح أن مـا يــدور مـن أحـاديـث في وسائل الإعلام عن عالم خال من النفط في المدى المنظور ليس سوى طموح نظري مشروع، إلا أنه يصطدم بحقائق الــواقــع الجيوسياسي؛ إذ لا تـــزال الـقـوى العظمى تعيد رسم خرائط نفوذها بناء على مواقع آبار الخام وممرات شحنه. وبذلك يبقى النفط -كما كان- هو المحرك الفعلي للتاريخ والجغرافيا معاً. فـي فنزويلا، كـان النفط الـدافـع الأول وراء تحرك الإدارة الأمـيـركـيـة للتخلص مــن الـرئـيـس الـفـنـزويـلـي نـــيـــكـــولاس مــــــــــادورو. وبـــالـــتـــخـــلـــص مـــنـــه تــمــكــنــت مـن الــوصــول إلـــى هـدفـهـا: الـسـيـطـرة عـلـى أكـبـر احتياطي نفطي في العالم. بعد فنزويلا تحركت واشنطن نحو كوبا، ليس بغرض الاستحواذ على النفط -لأن كوبا لا تنتجه- بل لتحويل النفط إلى سلاح سياسي فعَّال، من خـال حرمانها من وصـول شحنات النفط الفنزويلي الـتـي كـانـت تصلها مجانا مـن الـرئـيـس مــــادورو، لقاء توفير الحماية الأمنية الشخصية لـه. النفط في هذه الحالة تحول إلـى سـاح سياسي ضد النظام الكوبي بهدف إسقاطه. النفط كذلك لم يغب عن ذهن الرئيس ترمب في هـذه الـحـرب؛ إذ تفادت الطائرات الأميركية المقاتلة والقاذفة ضـرب المـوانـي النفطية الإيرانية في براميل 10 مـن كـل 9 جـزيـرة خـــرج؛ حيث يتم تصدير نفط تنتجها إيـــران. السبب في ذلـك يعود إلـى حرص واشنطن على عــدم إربـــاك أســـواق النفط أكـثـر، وكذلك الـــخـــوف مـــن أن يــــؤدي تـدمـيـرهـا إلـــى الـــضـــرب الأعـمـى ونـــشـــر الــفــوضــى عــلــى نـــطـــاق واســــــع. وذكــــــرت تـقـاريـر إعلامية بريطانية أن شاحنات النفط الضخمة ما زالت حتى هــذا الأســبــوع تـأتـي إلــى الـجـزيـرة لشحن النفط الإيراني. أمـيـركـا وإســرائــيــل تمتلكان استراتيجية عسكرية واضحة فيما تودان إنجازه في الميدان العسكري، ولكنهما تفتقدان لاستراتيجية سياسية للغاية منها. والعكس صــحــيــح فــــي حـــالـــة إيــــــــران؛ أي وضــــــوح الاســتــراتــيــجــيــة السياسية: المحافظة على عدم سقوط النظام، بتبني مبدأ «الغاية تبرر الوسيلة». هناك من المعلِّقين الغربيين من يرى أن مبدأ «الغاية تـبـرر الـوسـيـلـة» لـيـس مـجـرد اسـتـراتـيـجـيـة إيـرانـيـة فقط لـلـحـفـاظ عـلـى الــنــظــام؛ بــل يــكــاد يــكــون المــحــرك الضمني لكافة الأطراف المتصارعة؛ خصوصا واشنطن التي ترى في النفط وسيلتها المثلى لتحقيق غاياتها في تحجيم وتقليص الدور الصيني دوليا واقتصادياً. في قرار جماعة «حزب الله» الزّج بلبنان في الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيــران، رسالة واضحة لكل اللبنانيين: بقاء النظام الإيراني أهم منكم، حتى إن كان الثمن هو إعادة احتلال الجنوب، أو دفع البلاد إلى شفير حرب أهلية جديدة. كان الحزب أمام خيارين: الأول هو استغلال الحرب لمحاولة تأكيد هويته اللبنانية ومحاولة الحفاظ على مكاسبه السياسية داخلياً، في ظل تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، أو ربط مصيره بالكامل بمصير نظام أجنبي يخوض حربا وجودية مع أكبر قوة عسكرية في العالم. قد ترى في الخيار الأول سذاجة سياسية، لكنَّه على المدى الطويل قد يبقى أقل خطورة من أن يراك الجميع ميليشيا إيرانية تعمل من لبنان. أعـلـم أن تحليلا كـهـذا يمكن أن يـجـر عـلـى صاحبه في لبنان اتهاما بالتخوين ودعــوة إسرائيل لاستباحة البلد. لكن الحقيقة أنَّه يمكن للمرء أن يكون ضد الاحتلال الإســرائــيــلــي لأي أراض عــربــيــة، وضـــد الــنــظــام الإيــرانــي ومشروعه في آن. مــن هـــذه الـــزاويـــة، فــــإن مــوقــف جـمـاعـة «حــــزب الـلـه» الأخير يكمل تحولا امتد على مــدار ربـع قــرن: من حركة مقاومة مدعومة من إيــران لكنَّها تحظى بتأييد شعبي وشـــرعـــيـــة داخـــلـــيـــة، إلــــى أداة فـــي الــســيــاســة الــخــارجــيــة الإيرانية ضمن ما يسمى محور الممانعة الذي ضم نظام بـشـار الأســـد فــي ســوريــا وميليشيات الـحـوثـي اليمنية وحــركــة «حـــمـــاس» ومـيـلـيـشـيـات «الــحـشــد الـشـعـبـي» في الــعــراق. تـحـول لبنان بالنسبة لـــ«حــزب الـلـه» خــال تلك مع إسرائيل، من قضية 2006 السنوات، تحديدا بعد حرب رئيسية إلى بيئة حاضنة ينبغي إبقاؤها تحت السيطرة مهما كانت التكلفة، ولكن دون هدف سياسي «لبناني» واضـــح. ويكفي هنا التذكير بــأن جبهة الـجـنـوب بقيت عــامــا، ولـــم يفجرها ســـوى إسـنـاد 17 هــادئــة تـمـامـا لمـــدة «طوفان الأقصى» في غزة، وليس بقاء مزارع شبعا تحت الاحتلال طوال هذه المدة. وصــــف حــســن نــصــر الـــلـــه، أمــــن عــــام الــــحــــزب، قـــرار بالمغامرة المدروسة، فانتهت 2023 الدخول في الحرب عام بمقتله هو ومعظم عناصر قيادته، ناهيك بمقتل أكثر من آلاف لبناني وإلحاق دمار هائل ببلد يعاني أصلا من 4 أزمة اقتصادية ساحقة. يـقـول أنــصــار الــحــزب إن إسـرائـيـل كـانـت تـعـد الـعـدّة أصلا لحرب جديدة في لبنان، دون أن يخبرونا كيف أدى قرار الاستباق إلى نتيجة أفضل للبنان، أو حتى للحزب نفسه؟ الواقع أن الحزب تعرّض لأسوأ انتكاسة منذ عقود، نتيجة فشل فاضح في تقدير طبيعة الـقـرار الإسرائيلي تحت هيمنة اليمين المتطرف، وفي إدراك حجم الاختراق الاستخباراتي العميق لمنظومته الأمنية والسياسية. الـــــيـــــوم فـــلـــســـطـــن لـــيـــســـت حــــتــــى فـــــي عـــــنـــــوان هــــذه المواجهة، ولكنَّها بالطبع جزء من التفسير. لو لم تحتل إسرائيل فلسطين وتغزو لبنان (لطرد منظمة التحرير الفلسطينية) لمــا كـــان هـنـاك داع لـلـمـقـاومـة. لـكـن هـــذا لا يبرر مصادرة قرار بلد كامل، ولا يبرر جر اللبنانيين إلى حروب خاسرة عسكريا واقتصاديا حتماً، خصوصا أن أثبت عدم قدرة ميليشيا «حزب 2023 ما حدث في حرب الله» على فرض ردع فعلي لإسرائيل. لـم يكن هناك فـي أي يـوم مـن الأيـــام إجـمـاع شعبي في لبنان على أن يكون البلد رأس حربة الكفاح الإقليمي لتحرير فلسطين، لكن اختياره منصة إطــاق لحركات المـــقـــاومـــة كـــــان مـــريـــحـــا لـــنـــظـــام الأســـــــد، الــــــذي لــــم يـطـلـق ، وللنظام 1973 رصـاصـة واحـــدة لتحرير الـجـولان منذ الإيراني الذي لا يختلف كثيرا عن إسرائيل في تفضيله البقاء في صراعات مفتوحة، حتى إن اختلفت الدوافع والأسباب. الـيـوم يجد لبنان نفسه أمـــام عـــدوان إسـرائـيـلـي قد يمتد إلى بعد انتهاء الهجمات على إيران، لأن الحكومة الإسرائيلية التي يهيمن عليها المتطرفون لا تمانع في إعــــادة احــتــال الـجـنـوب رغـــم تـــردد المـؤسـسـة العسكرية. في المقابل، قد يمنح هذا الاحتلال ميليشيا «حزب الله» ذريعة للتمسك بالسلاح لتدور الحلقة من جديد. بــن شـقـي الــرحــى يـقـف الـعـهـد الـجـديـد، الـــذي الـتـزم نــــزع ســــاح المـيـلـيـشـيـات وحــصــر الـــقـــرار الــعــســكــري بيد الدولة، لكن دون قدرة حقيقية على التنفيذ الكامل ما لم يتعاون «حــزب الـلـه». حـاولـت الحكومة، عبر قــرار حظر الأعـمـال العسكرية للحزب، تجنيب لبنان مخاطر الـرد الإسـرائـيـلـي. وبـعـدمـا فشل ذلـــك، طــرح الـرئـيـس جوزيف عــــون مــــبــــادرة لــلــتــفــاوض المــبــاشــر مـــع حــكــومــة بنيامين نتنياهو، على قـاعـدة وقـف الـحـرب وانسحاب الاحتلال من الجنوب. إسرائيل حتى الآن لم ترد. الـحـديـث الــيــوم فــي لـبـنـان عــن خــيــارات أحــاهــا مـر: توجيه الجيش بنزع سلاح «حزب الله»، وهو ما قد يهدد بحرب أهلية، أو تقديم تنازلات لإسرائيل دون القدرة على الوفاء بما تطلبه، أو تحمّل خسائر حرب لم يسع معظم اللبنانيين إليها. هــنــاك بـالـطـبـع احـتـمـال أن تنتهي الــحــرب بسقوط النظام الإيـرانـي أو إضعافه بما فيه الكفاية، ليرفع يده عن جماعة «حزب الله» التي قد تتوقف عندها عن الدفاع عن إيران حتى آخر لبناني. يستعيد لبنانيّون كثيرون، هذه الأيّام، حـــالات تـاريـخـيّــة مــعــروفــة، كتقسيم بولندا غير مرّة نتيجة وقوعها بين روسيّا وألمانيا، أو حياد بلجيكا في الحرب العالميّة الثانية الـــــذي لـــم يــحــتــرمــه الــــنــــازيّــــون فـــي هجمتهم الكاسحة على الـدول الديمقراطيّة المجاورة. وقـــــد يـــذهـــب طــــــاّب الـــتـــاريـــخ الـــقـــديـــم أبـــعـــد، مستشهدين بـتـجـربـة مـيـلـوس الــتــي عـرّفـنـا بــهــا تـــأريـــخ المــــــؤرّخ الإغـــريـــقـــي ثـوسـيـديـدس لـلـحـرب البيلوبونيسيّة. فـقـد حــاولــت دولــة مــيــلــوس الـضـعـيـفـة، والــقــائــمــة فــــوق جــزيــرة صغيرة، البقاء على الحياد خلال تلك الحرب الدائرة بين أثينا وإسبارطة. بيد أن رغبتها في النأي بنفسها عن الصراع، لم تُعفِها من مطالبة أثينا لها بالاستسلام، ومن تعرّضها للغزو الأثيني تالياً. أمّا المبدأ القاسي الذي يــصــيــغــه ثـــوســـيـــديـــدس فـــهـــو أن «الأقـــــويـــــاء يـفـعـلـون مـــا فـــي وســعــهــم فــعــلــه، والـضـعـفـاء يتحمّلون ما ينبغي عليهم تحمّله». أصـــدر الـكـاتـب والصحافي 2010 وفــي الـــبـــريـــطـــانـــي ديــفــيــد هــيــرســت كــتــابــا ســمّــاه «احـــــــذروا الــــــدول الــصــغــيــرة: لــبــنــان، سـاحـة معركة الشرق الأوســط»، ينسج على المنوال نفسه. فقد رأى الـراحـل هيرست، الــذي أقـام معظم سني عمره في بيروت، أن لبنان غدا، وعلى نحو متكرّر، مسرحا لصراعات القوى الإقليميّة والدوليّة، وأن هذا عائد في معظمه إلى بُنيته الداخليّة الطائفيّة المعطوفة على موقعه الاسـتـراتـيـجـيّ، مـا يحرمه التصرّف كفاعل سياسيّ. وعــــلــــى الـــنـــحـــو هــــــذا تـــســـتـــحـــق الــــــدول الـصـغـيـرة أن تُــعـامَــل بـالـحـذر لأنّــهــا شـديـدة الـقـابـلـيّــة لـلـتـحـوّل ســـاحـــات خـطـيـرة لنفوذ الدول العظمى. وهذا بالفعل ما عشناه مرارا ولا نزال نعيشه كمسار متعاظم. لــكــنّــنــا، فـــي المـــقـــابـــل، نــقــع عــلــى حـــالات معاكسة، حيث رعت دول كبرى دولا صغرى، محترمة ضعفها أو حيادها، كحالة أوروبا الديمقراطيّة في علاقتها بسويسرا والنمسا وبلجيكا ودول الـشـمـال، أو حـالـة الـولايـات المتّحدة حتّى سنة خلت في علاقتها بكندا. وهــذا ما يعني أن نقد الــدول الصغرى لا يكفي، أو لا يكتمل، دون نقد الدول الكبرى المجاورة لها والمحيطة بها. كائنا ما كـان الأمــر، نلاحظ في الحرب الدائرة راهنا في لبنان مفارقة لافتة: فهي، كما يُفترض، من متفرّعات الحرب الأميركيّة – الإسـرائـيـلـيّــة – الإيــرانــيّــة، إل أنّـــه مـن شبه المؤكّد أن توقّف الثانية، إذا توقّفت، لن يوقف الأولـى. وهذا إنّما ينمّ، بين أمور أخرى، عن أن المـــحـــاربـــن فـــي لــبــنــان أكـــثـــر إيـــرانـــيّـــة من الإيــــرانــــيّــــن، وأن المـــحـــاربـــن الإســرائــيــلــيّــن ينظرون إليهم بصفتهم هذه، يشجّعهم على ذلك التجاور الجغرافي وأحوال مستعمرات الـشـمـال الإســرائــيــلــيّ. وقـــد بـــات واضــحــا أن الـــوقـــوع تــحــت الاحـــتـــال الإســـرائـــيـــلـــيّ، بعد المــوت والتدمير والتهجير ومـذلّتـه، هو ما اختاروه لأنفسهم ولشعبهم محاربو لبنان، وكان في وسعهم أن يتجنّبوه. هـــكـــذا لـــم يــكــن مـــن الـــصـــدف أن ينتشر تعبيرا «الانـتـحـار» و«الانـتـحـار الجماعيّ»، كــمــا لـــو أن لــبــنــان «مــعــبــد الـــشـــعـــب» – تلك الحركة الدينيّة التي قـادهـا المـهـووس جيم ، إلى «انتحارها الثوريّ» 1978 جونز، أواخر فـي جونز تــاون بجمهوريّة غيانا. فما بين اخـــتـــيـــار الـــبـــعـــض وإجــــبــــار الـــبـــعـــض الآخـــــر، تــــنــــاول ثــــوريّــــو «المــــعــــبــــد» مـــشـــروبـــا مـنـكّــهـا ممزوجا بالسيانيد والمهدّئات وغادروا هذه الـدنـيـا «المـــدنّـــســـة». لـقـد فـــاق عـــدد الضحايا منهم 300 شخص، أكثر مـن 900 يـومـذاك الــــ كانوا أطفالاً. لــكــن المـشـكـلـة الأخـــــرى، وهـــي أكــبــر وإن كـانـت أقـــل مـبـاشـرةً، فتتعلّق بضعف الــدول الــضــعــيــفــة وبــــأســــبــــاب هـــــذا الـــضـــعـــف. فــــإذا صـــحّ، كـمـا قـــال هـيـرسـت وســــواه، أن معطى تكوينيّا وبُــنـيـويّــا كالطائفيّة هـو مـا يحكم عـلـيـهـا بــالــضــعــف، فــمــا الــعــمــل حـــن تـكـون الطائفيّة، أو ما يعادلها، المُــقـوّم الأوّل الذي نهض عليه هـذا البلد. ومـا العمل تاليا إذا كانت هذه الطائفيّة عماد الشكل الخاص من الديمقراطيّة اللبنانيّة، فيما تقول التجارب الكثيرة في المنطقة إن التخلّص منها طلبا للقوّة إنّما يمهّد للاستبداد أكثر كثيرا ممّا يـمـهّــد لـلـقـوّة. ثـــم مــا هــي طبيعة هـــذه الـقـوّة التي يُفترض نشدانها؟ في المقابل، وتبعا لمدى تمكّن التكوين الطائفيّ، فــإن الـرهـان على تغيير وإصــاح يـحـدّثـان المجتمع سلما ســـوف يبقى وهما كما كان دائما في السابق. وسط هذه الأدغال كيف يمكن للسياسة ممثّلة بـالـدولـة أن تعمل؟ فغنيّة بـالـدلالات حقيقة أن كـل محاولة للخروج مـن الحرب، أو لضمان عدم تكرارها، تقود إلى التهديد بـــحـــرب أهـــلـــيّـــة وبـــانـــشـــقـــاق يـــشـــرخ الـجـيـش الوطنيّ؟ والـلـبـنـانـيّــون الــيــوم يـحـمـلـون عجزهم عن مساءلة أنفسهم وتكويناتهم إلى محطّة جديدة أخطر من كل محطّة سابقة. فـ«حزب الــــلــــه» نـــجـــح فـــعـــا فــــي اســـتـــدعـــاء الـــتـــوحّـــش الإسرائيلي في زمن انعدم معه توازن القوى كـلّــيّــا، ولــم يعد ســـرّا أن الــدولــة اللبنانيّة لم تعد تجد أذنا تصغي إليها في العالم، فيما الإسرائيليّون يوالون الضغط والاعتصار. أو إلى 1949 أمّا عروض كالعودة إلى هدنة فلم تعد مقبولة بتاتاً. 1983 أيّار 17 اتّفاقيّة وإذا كانت واشنطن عامذاك، في عهد ريغان، قد تبنّت الموقف اللبناني ودافعت عنه، في مواجهة المطالب الإسرائيليّة، فإنّها اليوم ليست في هذا الوارد. وهذا بالإضافة إلى أن الأخيرة نفسها تخوض حربا في إيران، فيما اهتمامها بحربها وبما يحصل في الخليج، ومعهما الـتـداعـيـات الاقـتـصـاديّــة الضخمة ذات البُعد العالميّ، لا تترك للبنان شيئا ممّا درج اللبنانيّون على التعويل عليه. OPINION الرأي 12 Issue 17274 - العدد Sunday - 2026/3/15 الأحد المقاومة الإيرانية حتى آخر لبناني هرمز في الواجهة تأمّلات في الحالة اللبنانيّة الراهنة وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com حازم صاغيّة علاء شاهين صالحة جمعة بوكليب
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky