الـكـتـابـة الـسـيـاسـيـة لـيـسـت مـهـنـة تـنـجـيـم. وهـي أيـــضـــا لــيــســت لـــــوح مــــعــــادالت ريـــاضـــيـــة عــلـى طـريـقـة األكـــاديـــمـــيـــن. كــونــهــا تــتــعــامــل مـــع عـــقـــول ال تـصـرح بأغراضها خارج دائرة محدودة للغاية، فهي تحتاج إلى الخيال الروائي بقدر احتياجها إلى املعلومة. هــــذا املـــقـــال مـــحـــاولـــة لـتـخـيـل مـــا يـــــدور فـــي عقل إسـرائـيـل ولـيـس تـرويـجـا لوجهة نظر أي مـن أطــراف الــصــراع. إسـرائـيـل تـضـررت مـن إيـــران امليليشياوية، التي رعت ميليشيات طوَّقت املنطقة، وهـدَّدت أمنها. لـم تكن تلك امليليشيات تـريـد سـامـا عـــادال كما حال املـعـتـدلـن فـــي املـنـطـقـة. لـكـنـهـا اسـتـغـلـت الـــــرأي الـعـام اإلقليمي الـــذي يشجع كـل نكاية فـي إسـرائـيـل، حتى لـو أسـفـر عـن ضــرر مباشر لـــدول مثل لبنان والـعـراق واليمن وسوريا. تحت شعار الحرب على إسرائيل وسعت إيران دائــرة التهديد لجاراتها، حيث وضعتها في مرمى استهدافها. ورغــم ذلـك ظلَّت تلك الـــدول تسعى إلى الــحــفــاظ عــلــى االســـتـــقـــرار، وقـــصـــرت مـطـالـبـهـا على أن تــكــف إيـــــران تــهــديــداتــهــا. ثـــم تـخـطـت «حـــمـــاس»، املحسوبة على إيـران، خطا أحمر بهجومها الواسع على مدنيي إسرائيليي. وكانت النتيجة ضربات قوية متلحقة على مــدار سنتي امـتـدت إلــى خـارج حـــدود غـــزة، فـكـسَّــحَــت خـطـر امليليشيات فــي لبنان والحلفاء فـي سـوريـا. ثـم تـطـورت إلــى ضـربـات غير مسبوقة داخل إيران نفسها. ربما يختلف املراقبون حول نتائجها العسكرية، لكنَّهم يتفقون على تراجع هيبة النظام اإليراني. هـنـا، حـــدث تـحـول سـيـاسـي كـبـيـر. سـقـوط نظام األســـــد خــلــق «عـــاهـــة مـــســـتـــدامـــة» فـــي جــســد املـــشـــروع اإليراني. لم يعد املوضوع انتظار ظرف سياسي موات إلعــــادة تسليح املـيـلـيـشـيـات. طــريــق الـــبـــارود انـقـطـع، وممر التموين انسد، واألطـــراف صـارت عبئا تحتاج إلى من يرعاها. لكن هناك عامل أهم. إن سقوط األسد غيّر معادلة النفوذ في املنطقة، ومعادالت التحالفات اإلقـلـيـمـيـة، ووجـــهـــات الـنـظـر حـــول مستقبل التعامل مــع إيــــران. وهـــذا يعني أن التخطيط اإلسـرائـيـلـي ثم العمليات العسكرية لم ينتهيا بالنتيجة التي أرادتها. بل ربما كانت مضرة لها على املـدى البعيد بشكل ال يقل عن الخطر اإليراني السابق. ومرة أخرى، فإن الرأي العام املنقلب على إسرائيل بعد عمليتها املدمرة في غزة مهّد األجواء لضياع آمال السلم التي بـرزت من قبل، وأحيا اللغة العدائية. ال سـيـمـا بـسـبـب إصـــــرار بـنـيـامـن نـتـنـيـاهـو وغـــيـــره في مؤسسة الحكم اإلسرائيلية الحالية على أن التوصل إلـــى اتــفــاق ســـام لــم تـتـوصـل إلـيـه املــفــاوضــات سيعد مكافأة لـ«حماس». مــــن وجــــهــــة نـــظـــر قــــيــــادة إســــرائــــيــــل الــســيــاســيــة الـحـالـيـة، هـــذا يعني أن الـخـطـر لــم يختف بإضعاف إيران، حيث إيران الضعيفة ربما تفتح املجال لخطر على الدولة العبرية ال يقل عن إيران امليليشياوية. وال يحتاج املوضوع إلى قدر عظيم من الخيال لتوقع ما توصل إليه العقل السياسي اإلسرائيلي. ال يريد إيران ضعيفة مـعـزولـة، كما لـم يــرد إيـــران قـويـة هجومية. خــــيــــاره األفــــضــــل إيـــــــران مــتــمــاســكــة وعـــلـــى اســـتـــعـــداد للتحالف معه. وللواليات املتحدة أيضا مصلحة في هذا. أوال بالنظر إلى منافستها مع الصي، فإن نظاما حليفا لها في طهران سيكون نقلة مؤثرة للغاية على رقعة الشطرنج. وثـــانـــيـــا فــــي املـــنـــطـــقـــة، أمـــيـــركـــا ال تـــريـــد أن تـــرى إسرائيل معزولة محاطة بلون واحــد، فهذا أبعد ما يــكــون عـــن غـرضـهـا وقـــت إســـقـــاط نــظــام األســـــد. هـذه مـــحـــاولـــة لـتـبـسـيـط مـــا أتــخــيــل أنــــه يـــــدور فـــي الـعـقـل اإلسرائيلي. أما السؤال عما إذا كان ينجح فأمر آخر. ســقــوط الـنـظـام فــي إيــــران ال يـعـنـي مـبـاشـرة أن يحل محله نظام على املواصفات الغربية. النظام اإليراني نظام ديني تأثيره فـي وعــي أتباعه أقــوى مـن تأثير نـظـام شيوعي أو اشـتـراكـي. تـولـى السلطة مـا يقرب مــن نـصـف قـــرن، كـــان خـالـهـا املــصــدر الـوحـيـد لـلـرأي والتعليم والدعاية ورؤيـة العالم. سيكون احتضاره عملية طويلة وشاقة. كـانـت أصـــوات الــغــارات اإلسرائيلية املـــتـــواصـــلـــة عـــلـــى الـــضـــاحـــيـــة الــجــنــوبــيــة لـــــبـــــيـــــروت تــــقــــطــــع نــــقــــاشــــا مــــســــائــــيــــا عــن مستقبل بلدنا بعد الحرب، لكن األخبار العاجلة عن االعتداءات جنوبا، وطلبات اإلخــاء املمنهجة التي أفضت إلـى إفـراغ شـبـه كـامـل لـسـكـان مـنـاطـق جـنـوب النهر مـن سكانها، وإفـــراغ كبير لشماله وصل إلـــــى حــــــدود مـــديـــنـــة صــــيــــدا، كـــانـــت أعــلــى حساسية ودقـــة بالنسبة إلــى الجالسي في تلك األمسية، خصوصا أن غالبيتهم جنوبيون. فــــــــي تــــــلــــــك الـــــلـــــحـــــظـــــة أيـــــــقـــــــظ قــــائــــد األوركــــســــتــــرا الـــلـــبـــنـــانـــيـــة، الـــســـيـــد لــبــنــان بـعـلـبـكـي، وهــــو مـــن قــريــة الــعــديــســة على الـحـافـة الــحــدوديــة، الـتـي دُمّــــرت بالكامل فـي الـحـرب السابقة، هـواجـس الجالسي عندما طرح «سؤال العودة». قـــال بـعـلـبـكـي مـوجـهـا ســـؤالـــه إلـيـنـا: هـــل أصــبــحــنــا؛ نــحــن أهــــل جــنــوب الـنـهـر، »، أم «الجــــئــــن لــبــنــانــيــن»؟ 26 «عــــــرب الـــــــــ مـسـتـنـدًا إلـــى مــا جـــرى مــع الفلسطينيي بعد إعلن دولة الكيان اإلسرائيلي، حي قُــسّــمـوا بـن قلة بـقـوا فـي أرضـهـم وأُطـلـق » أو «فلسطينيي 48 عليهم لقب «عـرب الـــ الـــداخـــل»، ومَـــن خــرجــوا ولــم يــعــودوا إلـى .»48 اآلن فأصبحوا «الجئي الـ بـــــن رحــــلــــة الـــــنـــــزوح املـــــؤقـــــت، الـــتـــي قـــد تــتــحــول إلــــى لــجــوء طــويــل عـــن بـلـدتـه الـعـديـسـة، إلــى مقتل راعـــي أبـرشـيـة بلدة الـقـلـيـعـة الــجــنــوبــيــة؛ األب بـيـيـر الـــراعـــي، عـلـى يـــد جـيـش الـــعـــدو اإلســرائــيــلــي، ومـا بينهما من إنذارات باإلخلء أو تهديدات تـطـول قـــرى مسيحية مـثـل عـلـمـا الشعب ورمـيـش، والـخـوف مـن أن تطول إنـــذارات اإلخـــــــــاء مـــــا تـــبـــقـــى فـــــي قــــــرى كـــفـــرشـــوبـــا والعرقوب ومرجعيون... تكتمل التغريبة الجنوبية. » هم «لبنانيو الـداخـل»؛ 26 «عــرب الــــ إذا سُــــمــــح لــبــعــضــهــم بــــــأن يــــبــــقــــوا، وإذا تمكن البعض مـن الـعـودة الحــقــا... فهذه هي الحرب األولــى التي يداهم فيها أهل الــجــنــوب خــطــر وجــــودي عــنــوانــه الـبـقـاء، ، لـــم يــغــادر 1978 واجـــتـــيـــاح 1948 فــبــن سكان الحافة الـحـدوديـة بلداتهم. وبعد االجتياح وإنشاء الشريط الحدودي بقي جــــزء كـبـيـر مـنـهـم فـــي مــنــاطــقــهــم، وحـتـى ووصــــــــول اإلســـرائـــيـــلـــي 1982 فــــي حـــــرب إلـــى بـــيـــروت، وانـسـحـابـه الـتـدريـجـي إلـى ، لم 1978 املــنــاطــق الــتــي اجــتــاحــهــا ســنــة يغادر الجنوبيون مناطقهم. لـكـن مــا يـحـدث اآلن مختلف تماما؛ مـــــن «حـــــــــرب إســـــنـــــاد غـــــــــزة» إلـــــــى «حـــــرب إســـنـــاد طـــهـــران»، أي مـــن «حــــرب املـقـتـلـة» إلــــى «حــــرب االنــــتــــحــــار»... ذرائـــــع لـــم يكن يـحـتـاجـهـا اإلسـرائـيـلـي لـتـثـبـيـت خططه الـتـي بــدأ تنفيذها منذ الـحـرب السابقة. وقــــد أبــــدى رئــيــس الــــــوزراء اإلســرائــيــلــي، بــنــيــامــن نــتــنــيــاهــو، رغــبــتــه فـــي تـوسـيـع كـيـلـومـتـرات 7 املـنـطـقـة الــعــازلــة أكــثــر مــن داخل األراضي اللبنانية؛ مما يعني قضم أراض جديدة جنوب نهر الليطاني. فــــي الـــكـــيـــلـــومـــتـــرات الــســبــعــة األولـــــى تنهي إسرائيل عـودة سكان قـرى الحافة الــــحــــدوديــــة. أمـــــا فــــي تــوســعــتــهــا، إذا مـا قــــورنــــت بــعــمــلــيــات اإلخـــــــاء واإلنـــــــــذارات وحجم الدمار الناتج، إضافة إلى عمليات التقدم البري، فإن الخوف يتوسع ليشمل أجــــزاء واســعــة مــن مـنـاطـق جــنــوب النهر التي قد تصبح مدمرة بالكامل، ومهجّرة بـالـكـامــل، أو مـحـتـلـة بـالـكـامــل، وفــــق ما يخطط له نتنياهو. الــــــســــــؤال الــــــــذي يــــطــــرح نــــفــــســــه: هــل الـــصـــواريـــخ الــســتــة الـــتـــي أطــلــقــهــا «حـــزب الــلــه» عـلـى إســرائــيــل، مــن حـيـث أهميتها االســـتـــراتـــيـــجـــيـــة، تــــــوازي مـــا يـــحـــدث اآلن للجنوبيي ولكل اللبنانيي من مخاطر وجــــوديــــة؛ صــــواريــــخ لـــم تـــكـــن إال ذريـــعـــة لتغريبة لبنانية طويلة؟ عــــــودة إلـــــى الـــســـيـــد لـــبـــنـــان بـعـلـبـكـي ومــــنــــزل والـــــــده الــــرســــام الــتــشــكــيــلــي عـبـد الحميد بعلبكي الــذي خسره فـي الحرب الـــســـابـــقـــة... لـــم يــكــن بـــيـــت الــعــائــلــة بـقـدر مـا كــان متحفا جـمـع تـراثـا ثقافيا وفنيا جنوبيا ولبنانيا، وكان جزءًا من ذاكرتنا ومــــعــــرفــــتــــنــــا. والـــــــيـــــــوم، نــــحــــن مـــــهـــــددون بـخـسـارة كــل شـــيء؛ مـاضـيـنـا وحـاضـرنـا ومستقبلنا... حتى إن أغلبنا خـرج ولم يحمل في يديه إال القليل، تاركا ذكريات معلقة عـلـى جــــدران قــد تُــســوَّى بـــاألرض، وأشياء كثيرة ستتحول إلى ركام... حتى إنــنــا نـسـيـنـا أن نــحــمــل، كالفلسطينيي الذين خرجوا مع أمل العودة مرة أخرى، مفاتيح بيوتنا. OPINION الرأي 12 Issue 17272 - العدد Friday - 2026/3/13 اجلمعة رأي في وسط ما يجري »26 جنوبيو لبنان... «عرب الـ وكيل التوزيع وكيل االشتراكات الوكيل اإلعالني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] املركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 املركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى اإلمارات: شركة االمارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 املدينة املنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب األولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية املوجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها املسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة ملحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي باملعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com خالد البري مصطفى فحص نسينا أن نحمل مفاتيح بيوتنا كالفلسطينيين 48 الذين خرجوا في على أمل العودة مرة أخرى انـــزلـــق الـــصـــراع وانــتــقــل أتــــون الـــحـــرب اإلسـرائـيـلـيـة - األمــيــركــيــة عــلــى اإليـــرانـــيـــة إلــــى لــبــنــان وأصـــبـــح لـبـنـان بـكـامـلـه تـحـت نــيــران الـــصـــواريـــخ. فــالــدخــول املـبـاشـر في الـــحـــرب يــضــع هــــذا الــبــلــد فـــي ســـاحـــة مــواجــهــة مـفـتـوحـة لـــهـــا تـــداعـــيـــاتـــهـــا الـــســـيـــاســـيـــة واألمــــنــــيــــة واالقـــتـــصـــاديـــة واالجتماعية، إلى جانب مشكلة وأخطار تهجير ونزوح السكان من مناطقهم إلـى مناطق أخــرى نتيجة القصف اإلسـرائـيـلـي، بخاصة فـي املـنـاطـق الجنوبية والبقاعية وغيرها، مما يكبّد خسائر بشرية وغير بشرية، مباشرة وغير مباشرة، ال سيما على مستوى الدورة االقتصادية، وينعكس شلل فـي قطاعات واسـعـة ويعمّق االنكماش، بخاصة أن االقـتـصـاد اللبناني هـش ولــم يـتـجـاوز حتى اآلن تداعيات االنهيار املالي، ما يجعل قدرته على تحمّل صدمة جديدة أضعف بكثير. على وقــع حــرب إقليمية – دولـيـة تطبع آلــة الحرب تداعيات معقدة وخطيرة على االقتصاد اللبناني. وبعد انــدالع الحرب يتّجه النقاش نحو البعد العسكري، لكن البعد االقتصادي سيكون قنبلة موقوتة تمس كل مَن وما على األرض اللبنانية. وفي هذا السياق، فإن املواجهة الواسعة في الخليج تضع العالم في وضع صعب ومحرج بعد توقف مضيق هرمز، ما يضع إمـــدادات النفط العاملية في ورطـة كبيرة مما يسبب ارتـفـاعـا ملحوظا فـي أسـعـار الـنـفـط. ولبنان الذي يستورد كامل حاجاته من املحروقات سيجد نفسه أمـام حالة سيئة جدًا وموجة تضخم تضرب كلفة النقل والــكــهــربــاء واملـــــواد الــغــذائــيــة والــســلــع األســـاســـيـــة، وهـــذا يعني تآكل إضافيا في القدرة الشرائية التي فقدت معظم قيمتها، حيث تُعد هذه كارثة تحل على املجتمع اللبناني الذي أصبح في حالة استنزاف اقتصادي ومالي. كـــمـــا أن ارتـــــفـــــاع كـــلـــفـــة الـــشـــحـــن الـــــبـــــري والـــتـــأمـــن سيضاعف فـاتـورة االستيراد التي تبقى رهينة تقلبات األســـواق، خاصة وأن لبنان يعتمد على استيراد معظم مواده الغذائية، فإنه سيؤثر بشكل كبير جدًا على ارتفاع أسعار الطاقة والحبوب... ما يُنتج تضخما يطول الفئات األكثر فقرًا وهشاشة. كان لبنان في طور انتعاش اقتصادي محدود كان قـــد بــــدأه بـعـد ســـنـــوات مـــن األزمـــــة االقـــتـــصـــاديـــة، فـجـاءت الحرب مدمّرة على االقتصاد واملجتمع، خاصة أن معظم قــطــاعــات االقـــتـــصـــاد الـلـبـنـانـي قـــد تــوقــفــت. وقــــد يتفاقم الــوضــع إذا اسـتـمـرت الــحــرب مــا قــد يـــؤدي إلـــى مـزيـد من االنخفاض من ناتجه املحلي اإلجمالي وزيـادة في عجز املوازنة وانهيار مالي بنسبة كبيرة، ال سيّما أن اإلنفاق يتقلّص أكـثـر فأكثر وســط املـعـانـاة والتهجير. هــذا وقد مليار دوالر 8.5 بلغت خسارة الحرب األخيرة على لبنان أميركي وفقا لتقرير البنك الـدولـي، كما خسر ما يقارب في املائة من الناتج املحلي اإلجمالي الذي 11 إلى 10 من أفضى إلى نمو سلبي. يشهد العالم ضغوطا اقتصادية تتزايد يوما بعد يوم نتيجة الحرب الجارية وتداعياتها الكارثية على أسـواق النفط والـغـاز العاملية، إذ ترتفع أسـعـاره بشكل ملحوظ وتبقى رهينة التقلبات العاملية. أما في لبنان، فأي ارتفاع في أسعار النفط يـؤدي إلى زيـادة في كلفة الكهرباء التي تعتمد بشكل كبير على املـولـدات الخاصة، كما تتصاعد كلفة النقل والشحن البحري والتأمي على الحاويات، ما ينعكس سلبا على أسعار املواد الغذائية املستوردة، وكل هـذا يزيد من التضخم كما يضعف قـدرة الليرة الشرائية وقيمتها التي أصبحت سلعة بعد أن أصبح السوق مدولرًا لـيـرة لبنانية لــلــدوالر األمـيـركـي. 89.000 وأصـبـح بسعر ونـظـرًا الرتـفـاع معدل الــدولــرة فسترتفع أسـعـار الـــواردات نتيجة سعر النفط وكلفة التأمي، خاصة أن لبنان يعتمد أساسا بشكل كبير على البضائع والسلع املستوردة. ومع كــل اهــتــزاز فــي الــــدوالر وتــدهــور جـديـد فــي سعر الصرف ترتفع األسعار في ظل اقتصاد مدولر فعليا. ويتصدّر قطاع السياحة والتجارة والخدمات قائمة القطاعات املتضرّرة وتتبعه قطاعات املحروقات املتأثرة باألسعار العاملية املتصاعدة. وتتّضح الصورة أن إطالة أمـد الـحـرب سيهدّد بانهيار اقتصادي شامل فـي لبنان يـطـول مختلف الـقـطـاعـات: الـسـيـاحـة وهـــي آخـــر مـصـادر الـعـمـلـة الـصـعـبـة وحـــركـــة املـــطـــار بــعــد أن أوقـــفـــت معظم شـــركـــات الــطــيــران - بـخـاصـة الـخـلـيـجـيـة - رحــاتــهــا إلـى مطار بـيـروت، والصناعة والــزراعــة بعد نــزوح املـزارعـن الجنوبيي من أرضهم بعد أن أصبحت أرضـا محروقة، والــتــجــاريــة، وإغــــاق أبــــواب بـعـض الــشــركــات واملـصـانـع وهجرة الصناعيي وتسريح موظفيهم... إن كـل مـا تـقـدم - وغـيـره - قـد يـدفـع باالقتصاد إلى انكماش جديد مع ركود عميق ويوصل األمان االجتماعي إلى مرحلة تدهور اجتماعي تداعياته خطيرة، وخاصة بــعــد نـــــزوح قـــســـري ألهــــل الـــقـــرى والـــبـــلـــدات مـــن بـيـوتـهـم وقراهم واضطرار بعضهم إلى الخضوع لرحمة املؤجرين أصحاب املنازل املعروضة لإليجار بأسعار مرتفعة في مناطق أخرى، ما قد يفضي إلى تغييرات ديموغرافية. هـــــل يـــســـتـــطـــيـــع االقـــــتـــــصـــــاد الـــلـــبـــنـــانـــي امـــتـــصـــاص الصدمات إذا امـتـدت فترة الـحـرب فـي وقـت تتقاطع فيه االعتبارات األمنية مع الضغوط االقتصادية واملعيشية فـي ظـل محاولة السلطات اللبنانية احـتـواء األزمـــة عبر خطط طـوارئ وتكثيف االتصاالت الدبلوماسية لخفض التصعيد؟ الحرب على لبنان وتداعياتها سعاد كريم
RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==