issue17271

Issue 17271 - العدد Thursday - 2026/3/12 اخلميس كتب BOOKS 17 برنارد لويس عبد هللا العروي تعقيب على مقالة «فضل االستشراق على العرب» الحماسة بوصفها معيقا ذاتيا للبحث الموضوعي نـشـر الـزمـيـل د. هـاشـم صــالــح، صفحة مارس (آذار) مقاال بعنوان 4 «كتب» بتاريخ «فـــضـــل االســـتـــشـــراق عــلــى الــــعــــرب: إضـــــاءات نـفـذت إلــى عمق أعـمـق الـــتـــراث». وقــد جاءنا التعقيب التالي على املقال): هل فعال نفعنا املستشرقون نفعًا ال > أغــراض من ورائــه وال مصالح أو مطامح أو مطامع بالسيطرة علينا؟ من الجميل أن يندفع الكاتب في التعبير عــن حماسته ملــوضــوع مــا مــن املـوضـوعـات، فيدبج مقالة مألى بخواطر، تثير في نفوس الــقــراء االهـتـمـام. وقــد تنجح فـي نقل عـدوى الحماسة إليهم فيكون الكاتب محققًا لغرضه مـــن مــقــالــة تـــبـــدو فـــي ظـــاهـــرهـــا مــوضــوعــيــة، بينما هــي باطنيًا تـغـص بـالـذاتـيـة. وتكمن حـراجـة هــذا الـتـفـاوت بشكل مخصوص في ذاك الـنـوع مـن املـوضـوعـات اإلشـكـالـيـة التي تنطوي على كثير مـن االخـتـ ف والتشكيك مثل موضوعه «االستشراق». ولــيــس مـمـا يـلـذ فــي الـحـمـاسـة املـفـرطـة عــلــو كــعــب األنــــويــــة، فـيـغـتـبـط كـــاتـــب املـقـالـة أو يـغـتـم عـلـى هــــواه مـــن دون أن يـكـتـرث إن كـان ذلـك يرضي الـقـراء أو ال. صحيح أن من الـــجـــائـــز لـــه أن يـكـشـف لـنـفـسـه عـــن خـــواطـــره متجنيًا ومقصرًا أو موبخًا ومقرعًا، غير أن من غير الجائز له أن يفترض أن تلك الخواطر سترضي القراء جميعهم. أسوق هذه التوطئة وأنا بصدد التعقيب عــلــى مـــقــالــة األســــتــــاذ هـــاشـــم صـــالـــح «فـضـل االسـتـشـراق على الـعـرب: إضـــاءات نفذت إلى 2026 مــارس 4 عمق أعمق الـتـراث» املنشورة فـي جـريــدة «الـــشـــرق األوســــــط». وفـيـهـا مجَّد الكاتب «االستشراق» بعمومه ومجمله، أعني األوروبـــــي الـقـديـم واألمــيــركــي الـجـديـد أيضًا. ومصدر هذا التمجيد متأت من حماسته في تبني فـكـرة «أن االســتــشــراق هــو الـعـلـم الــذي يشق دياجير الظالم. ثم يشتمون االستشراق بعد كل ذلك... فهل نرفضه؟ إننا عندئذ نضر أنفسنا كثيرًا» فكأن املستشرقني أفاضوا في نعمهم عـلـى الـثـقـافـة والـفـكـر إفــاضــة تحتاج مــنــا نــحــن الـــعـــرب تـحـمـيـد قــضــهــم وتـبـجـيـل قضيضهم من دون أي استثناء. ونـظـرًا للحماسة الكبيرة الـتـي اعترت الــــكــــاتــــب، لــــم يـــقـــصـــر فــــي الـتـعـبـيـر عــــن هـــذا التبجيل بجمل رنانة من قبيل أن االستشراق «كشف الكشوف، فتح الفتوح. إضـــــــاءات تــتــلــوهــا إضـــــــاءات عـــن تـــراث الـــــعـــــرب واإلســـــــــــــ م» و«الـــــعـــــلـــــم الــــــــذي يــنــيــر األبصار» واملحصلة من وراء ذلك كله أنوية الـتـعـبـيـر الـــذاتـــي «شـــكـــرًا لــهــم وألــــف شــكــر... أشعر بأني أولـد من جديد». ولكن هل فعال كــان االسـتـشـراق علمًا وعـبـقـريـة؟ وهــل فعال نفعنا املستشرقون نفعًا ال أغراض من ورائه وال مصالح أو مطامح أو مطامع بالسيطرة علينا وإنما هي «متعة الكشف العلمي التي ال تعادلها متعة»! مــا ال ريـــب فـيـه أن جــهــود املستشرقني لــيــســت جـمـيـعـهـا عــلــى حـــالـــة واحـــــــدة. األمـــر الــــــذي ال يــســمــح لـــنـــا أن نــصــفــهــم بــالــعــمــوم وصفًا إيجابيًا؛ فالقدماء منهم غير الجدد. ومــنــاهــجــهــم الـــتـــي لــــم تـــتـــجـــاوز الـــفـــرويـــديـــة واملاركسية والداروينية والتاريخية املادية، تـطـورت الـيـوم إلــى مجموعة اختصاصات، ولـــكـــل اخـــتـــصـــاص مــنــاهــجــه الـــخـــاصـــة. وال نـــعـــدم أن كـــثـــيـــرًا مــــن أولــــئــــك وهـــــــؤالء كـــانـــوا دائمي التركيز على ترويج فكرة أن العصور الـــوســـطـــى - الـــتـــي شـــهـــدت قـــيـــام الـــحـــضـــارة العربية اإلسالمية - كانت مرحلة انحطاط، وأن العرب لم ينهضوا من سباتهم إال بسبب الحمالت التبشيرية في القرنني الثامن عشر والتاسع عشر. وعلى صعيد األدب العربي، شــكــك املــســتــشــرقــون فـــي كــثــيــر مـــن املـــصـــادر واألصول األدبية، وعدُّوها غير عربية. ولقد فات كاتب املقالة موضع التعقيب وهـــــــو يـــســـتـــشـــهـــد بــــاملــــوســــوعــــة اإلســــ مــــيــــة وغــيــرهــا الـتـحـفـظـات الـكـثـيـرة الــتــي سجلها الباحثون العرب عليها. ومـن خاللها أكـدوا أن لالستشراق عالقة وثقى باملركزية الغربية والسلطة االستعمارية، مؤشرين على مواطن تعصب املستشرقني بمقاييسهم املـاديـة من أجل تغريب الفكر اإلسالمي وإثارة الشبهات حــــــول وقـــــائـــــع مـــهـــمـــة مـــثـــل «ثـــــــــورة الــــزنــــج» والــقــرامــطــة والـــحـــ ج والــبــاطــنــيــة و«إخـــــوان الـصـفـا»، نـاهـيـك عــن تـصـويـرهـم الـصـراعـات في زمن الرسول الكريم والخلفاء الراشدين بـــأنـــهـــا ســيــاســيــة دارت بــــ يـــمـــ ويـــســـار، وتصويرهم اإلســ م ثـورة مجتمعية وليس رســـالـــة ســمــاويــة إنــســانــيــة، وكـــذلـــك وصفهم الــتــصــوف بــأنــه ثــــورة عـلـى اإلســــ م ورجـــوع بـه إلــى التثليث املسيحي، وعــدّهـم الفلسفة اإلسالمية ثمرة الفلسفة اليونانية... إلى آخر ذلـك مـن الـتـصـورات التي كـان لها أكبر األثـر في صياغة رؤى غربية عن اإلسالم، ساهمت فــي تشكيل مــواقــف الــغــرب مــن الــشــرق عامة وبالد العرب خاصة. وهـــنـــا نـــتـــســـاءل هــــل ثـــمـــة مــــن يــنــكــر أن املستشرق كــارل هيرش بيكر، مؤسس مجلة اإلسالم األملانية قام بدراسات تخدم االستعمار األملاني في احتالل أفريقيا؟ وهل ثمة من ينكر أن املـسـتـشـرق بــارتــولــد مــؤســس مـجـلـة عـالـم اإلســـــ م خـــدم مـصـالـح الـــــروس فـــي السيطرة على آسيا الوسطى؟ ثم أليس املستشرقون هم على أنها فتنة 1860 الذين صوروا أحداث عام بني املسلمني ومسيحيي لبنان ألجل عزل هذا البلد عن الدولة العثمانية؟. وإذا تـــركـــنـــا ذلــــــك كــــلــــه، وأقــــــررنــــــا بـــأن املـسـتـشـرقـ قـــدمـــوا لــنــا عــلــومــ ونــظــريــات، فــإن ذلــك يبقى أيـضـ نسبيًا بـمـحـدوديـة أي علم، وعدم ثبات أي نظرية بوصف النظرية مجموعة فروض تقبل الصواب والخطأ ومن ثم ال وجود لعلم نظري يقدم تفسيرًا أصيال ونـهـائـيـ لـلـحـيـاة الــتــي هــي نفسها ال ثبات فيها وال كمال. ومــــــعــــــلــــــوم أن االســـــــتـــــــشـــــــراق الــــقــــديــــم «األوروبي» كان قد تجرأ على اإلسالم والقرآن ونــبــيــنــا الــــرســــول الـــكـــريـــم. أمــــا االســـتـــشـــراق الـــجـــديـــد «األمـــــيـــــركـــــي» فــــعــــرف كـــيـــف يـتـلـفـع بالثقافة والفكر واجـهـة، يـــداري مـن خاللها عـلـى أغــراضــه الـسـيـاسـيـة. فـغـدت الــدراســات الثقافية طـريـقـ لـلـخـوض فــي مـسـائـل الـــذات واآلخــر والهوية والهامش والتابع ومـا إلى ذلك من ثيمات تكشف عن حقيقة أن الصراع بني الشرق والغرب هو صراع فكري. ومــنــذ أن أكَّــــد إدوارد سـعـيـد حقيقة أن ال وجــــــود ملــؤســســة تـعـلـيـمـيـة عــربــيــة قـــــادرة عــلــى مــضــاهــاة مـــا لــــدى جــامــعــات أكــســفــورد وهــــارفــــارد مـــن مــجــ ت ومـــراكـــز أبـــحـــاث، فـإن الحاجة ما تزال ماسَّة إلى إقامة مشروع «بناء دائـرة معارف إسالمية جديدة» نستطيع من خاللها مواجهة موقف التنقيص من اإلسالم وخصوصية الذات العربية. ومن دون ذلك يظل االتباع حاكمًا علينا، مصيبًا ذواتنا بالعمى املــعــرفــي فــنــرى «الـشـخـصـيـات االسـتـشـراقـيـة كــبــرى» تـجـدد نفسها ومـنـاهـجـهـا، بينما ال نقدر نحن على ذلك. ومـــــن ثــــم يـــكـــون واجــــبــــ «أال يـسـتـغـنـي عنها أي طالب منخرط في الدراسات العليا عــن اإلســـــ م، ال فــي جـامـعـة الـــســـوربـــون، وال جـامـعـة الـــقـــاهـــرة...» بـهـذا الـشـكـل االتـبـاعـي، نبقى ملزمني بأن نردد بال اكتراث أقوال تلك الشخصيات مـثـل أرنــســت ريــنــان الـــذي يـرى أن عنصرنا العربي أبعد ما يكون عن العلم والفلسفة أو نؤيد املستشرق جيب في قوله إن حـــضـــارة الـــعـــرب أســـطـــورة وأن الـفـ سـفـة املـــســـلـــمـــ فـــــي الــــعــــصــــور الــــوســــطــــى كـــانـــوا مـــجـــرد نــاقــلــ ووســـطـــاء لــلــتــراث الـيـونـانـي والروماني!. ومن يقل عكس ذلك فموسوم بـ«اإليمان املتعصب االنغالقي الكاره لآلخرين واملكفر لــهــم بـشـكـل مــســبــق» وهـــكـــذا تـبـقـى الـقـنـاعـة راســــخــــة بـــــ«شــــتــــان مــــا بــــ عــقــلــيــة الــــقــــرون الـوسـطـى وعـقـلـيـة الـــقـــرون الــحــديــثــة»، وكــأن عقلية القرون الوسطى لم تنتج إرثًا فلسفيًا كــبــيــرًا كــــان سـبـبـ فـــي بــــزوغ فـلـسـفـة الــقــرون الحديثة. وستنسحب تلك القناعة أيضًا على قرننا الـحـالـي؛ حتى ال أصـالـة لــدى الباحث العربي إال إذا كــان طالبًا يتلقف مـا يبتكره الغربيون من مناهج علمية حديثة «يطبقها عــــلــــى تـــــراثـــــنـــــا» ومـــــــن دون ذلـــــــك ســتــحــكــمــه «الـــعـــقـــلـــيـــة األصــــولــــيــــة» الــــتــــي غـــــرق بــــرنــــارد لـــويـــس فـــي الــبــحــث فــيــهــا، وسـتـهـيـمـن عليه «اآليـديـولـوجـيـا الديماغوجية الغوغائية»، وهــــذا نـسـف مـتـحـمـس وغــيــر مـــشـــروع ملـئـات األعــــمــــال الــبــحــثــيــة الـــتـــي تــبــنــاهــا املـــفـــكـــرون الـعـرب، ورفـضـوا مـن خاللها وصـايـة الغرب الفكرية علينا مثل عبد الله العروي وهشام جــعــيــط وأنـــــــور عـــبـــد املـــلـــك وهـــــــادي الــعــلــوي ومهدي العامل ومحمد أركون وغيرهم. ولقد أجحف الكاتب هاشم صالح بحق املفكر إدوارد سعيد حني وسم موقفه من نقد االستشراق بالوقوع في «الفخ»، مع أن سعيدًا أول مفكر من أصل عربي واجه الفكر الغربي مـــن عــقــر داره، وتـــصـــدى لـــه بـلـغـتـه نـفـسـهـا، فكشف حقيقة أن عالقة الغرب بالشرق عالقة حكم وهيمنة أوروبية على كل الشعوب، وأن االستشراق صنيعة الجغرافيا املتخيلة أكثر من كونه حقيقة طبيعية. وهذا كله أثَّر بشكل جــوهــري فــي أجــيــال مــن الـبـاحـثـ الغربيني الـذيـن صـــاروا - فـي الـثـ ثـ سنة األخــيــرة - يـرفـضـون مـفـردة االسـتـشـراق، واستبدلوها بــ«الـدراسـات الشرقية» وصــاروا يستنكفون من وسمهم باملستشرقني، ويفضلون بدلها لفظة «مستعربني». أمـــا مـــا أضـــافـــه إدوارد سـعـيـد للطبعة الثانية من كتابه ذائع الصيت «االستشراق» فكان ردًا على بعض نقاده. وبه وطَّد نظريته فـــي أن الــثــقــافــة والــعــلــم مـــجـــرد قـــنـــاع تخفى الـغـرب السياسي خلفه «أعتقد شخصيًا أن القيمة الـكـبـرى لـ سـتـشـراق تكمن فـي كونه دلـــيـــ عـلـى الـسـيـطـرة األوروبــــيــــة األمـيـركـيـة عـلـى الــشـرق أكــثــر مــن كــونــه خـطـابـ صـادقـا . ووصـف 50 حــول الـشـرق» االسـتـشـراق، ص الذين نقدوا كتابه بأنهم «ليسوا في حقيقة األمـــــر مـــن املــنــاهــضــ لــإمــبــريــالــيــة، بـــل في صــفــوف عـمـ ئـهـا الــســريــ » تعقيبات على . وننصح بأمانة أن تُعاد 47 االستشراق، ص قــــراءة هـذيـن الـكـتـابـ قــــراءة ثـاقـبـة مــن أجـل التخلص من «مستنقع التخلف»، بيد أن هــذا كله ال يـقـر بـه مـن يتحمس لالستشراق فيراه «وحده الذي كشف لنا عن الـــصـــورة الـتـاريـخـيـة والــواقــعــيــة الحقيقية» و«حرر تراثنا من خلفيات العصور الوسطى وظلماتها نيابة عـنـا» ومــن تستحكم عليه الـحـمـاسـة واالتــبــاعــيــة، فـلـن يـــرى أنــــوار تلك الــعــصــور الــذهــبــيــة، وســيــســأل نـفـسـه: «مـتـى سيدخل العرب التاريخ من جديد»؟ وهو ما ختم الـكـاتـب صـالـح مقالته بــه، فجافى لغة النقد التي تتقبل الـرد والخصومة والجدال والـــحـــوار. ودخـــل فــي منطقة األنـــا املتعالية حــيــث الـــــذات تُـــصـــادر غــيــرهــا بـوصـفـهـا هي السائلة املجيبة معًا!. د. نادية هناوي المؤرخ اإليطالي جِنتيليه يشرّح ظاهرته بعين «الطبيب الشرعي» كيف تحوّل موسوليني من معارض اشتراكي إلى زعيم فاشي؟ ثمة كتب تُعيد رســم خـرائـط الـفـهـم، ال تضيف معلومات جديدة فحسب، بل تُزلزل ما استقر في األذهـــان من يقينيات. وكتاب املـــــؤرخ اإليـــطـــالـــي إيـمـيـلـيـو جِــنـتـيـلـيـه «قـبـل أن يـصـبـح الـــدوتـــشـــي»، الـــصـــادر حـديـثـ في ترجمته الفرنسية عن دار نشر «سيرتامني»، هـو مـن هـذا الصنف الـنـادر مـن الكتب، فهو ال يُحاكم موسوليني وال يُعظّمه، بل يُعيد تشريح ظاهرته بعني الطبيب الشرعي: كيف وُلد الشيطان قبل أن يتحول إلى أيقونة؟ ملن ال يعرف الكاتب إيميليو جِنتيليه فــهــو أســـتـــاذ فــخــري فـــي جــامــعــة السـابـيـنـزا بروما وصاحب أكثر من عشرين مؤلفًا في تـاريـخ الفاشية اإليـطـالـيـة، وهــو يُــعـد اليوم املـــرجـــع األول عــاملــيــ فـــي هــــذا الــحــقــل حيث قضى نصف قـرن يفحص هـذه الظاهرة من زوايــــا مـتـعـددة: آيديولوجيتها وطقوسها وعالقتها بالدين. في هذا الكتاب يهتم جِنتيليه بمرحلة غالبًا ما أُسـدل عليها الستار في الدراسات الكبرى عن موسوليني، تلك املرحلة السابقة لــصــعــوده إلـــى الـسـلـطـة وتــحــديــدًا الـسـنـوات املــمــتــدة بـــ نـشـاطـه فـــي الــجــنــاح الـيـسـاري لــــلــــحــــزب االشــــــتــــــراكــــــي اإليـــــطـــــالـــــي ونـــهـــايـــة عـشـريـنـات الـــقـــرن املـــاضـــي. يــبــدأهــا الـكـاتـب بطفولة بنيتو موسيليني فــي كـنـف أســرة يسارية بسيطة: أب حدّاد وناشط اشتراكي وأم مـعـلـمـة مـتـديـنـة، ثـــم مـرحـلـة ســفــره إلـى ســـويـــســـرا بــحــثــ عــــن عـــمـــل، وطـــــــرده بـسـبـب تزوير جواز سفره، غير أن هذا الطرد حوّله إلى بطل في أوساط االشتراكيني اإليطاليني املــهــجــريــن الـــذيـــن احـــتـــجّـــوا ألجـــلـــه وأعــــــادوا إليه اعـتـبـاره. عـاد موسيليني إلـى إيطاليا ليُكمل تشكيله اآليـديـولـوجـي فـي املواجهة األكـثـر إثـــارة فـي مسيرته، حيث حضر عام نـقـاشـ علنيًا مــع قـــس إنـجـيـلـي حـول 1904 وجـــــــود الــــلــــه فــــرفــــع ســـاعـــتـــه ووجّــــــــه تــحــديــ شهيرًا: «أمنح الله خمس دقائق ليُصيبني بالصاعقة إن كان موجودًا. إذا انقضت هذه الدقائق دون أن يفعل شيئًا، فذلك دليل على أنه غير موجود». هذه اللحظة ترسم املزاج الذي طبع خطابه طوال سنوات وهو خطاب مـسـرحـي، اســتــفــزازي، ومُــحـكـم فــي توظيف الكلمة بوصفها أداة تعبئة. ســيــق مـوسـولـيـنـي إلــى 1911 فـــي عــــام الـــســـجـــن خـــمـــســـة أشــــهــــر بـــســـبـــب تــحــريــضــه ضـد الـحـرب الليبية، تلك الـحـرب الـتـي رأى فـيـهـا اســتــغــ ال لـلـعـمـال فــي خــدمــة مصالح الـــبـــرجـــوازيـــة، سـمـعـتـه كــمــعــارض اشـتـراكـي بـــدأت تنتشر وهـــو فــي الـسـجـن، حـيـث كتب سيرته الذاتية األولى وتدريجيا ارتفع اسمه وطار صيته في أوساط االشتراكية الثورية اإليطالية. الـــحـــجّـــة الـــجـــوهـــريـــة لـــكـــتـــاب إيـمـيـلـيـو جِـــنـــتـــيـــلـــيـــه تــــقــــوم عـــلـــى مــــــــادة أولـــــيـــــة ثـــريـــة استثنائية: وهي كتابات موسوليني ذاته، مـقـاالتـه فـي جـريـدة «أفـانـتـي» لـسـان الحزب االشــتــراكــي حــ كـــان مــديــرهــا، ثــم فــي «إيــل بوبولو ديتاليا» التي أسّسها بعد قطيعته ، فضال عن 1914 مع الحزب االشتراكي عـام خـطـبـه وتـــقـــاريـــر الــشــرطــة عــنــه ومــراســ تــه الــــخــــاصــــة، حـــيـــث يـــســـتـــعـــرض املــــؤلــــف هـــذه الـوثـائـق بـدقـة املــــؤرِّخ، لـرصـد الكيفية التي تحوّل بها معجم موسوليني السياسي: من لـغـة الــصــراع الطبقي واألمـمـيـة االشـتـراكـيـة إلــى خطاب اإلرادة والـقـوة واألمـــة و«العنف الخ ّق». يجمع املؤلف في منهجه بني مسارين مــــــتــــــوازيــــــ : ســــــــرد زمـــــنـــــي ملــــــراحــــــل حـــيـــاة موسوليني السياسية، وتحليل موضوعي لــبــنــيــة الـــفـــاشـــيـــة األولـــــــى ومــعــجــمــهــا، وفـــي الـــصـــمـــيـــم أطــــــروحــــــة مـــفـــاجـــئـــة فـــــي بــســاطــة صياغتها وهي كالتالي: الفاشية اإليطالية لـــم تـــولـــد فـــي قــلــب الــيــمــ املـــحـــافـــظ وال في دهاليز الكاثوليكية السياسية، بل انبثقت مـــن رحــــم الـــيـــســـار الــــثــــوري ذاتــــــه، بـوصـفـهـا تمرّدًا على االشتراكية املؤسّسية كما فهمها جـيـل الـــحـــرب. فـمـوسـولـيـنـي الــــذي كـــان عـام زعـيـم الـجـنـاح األقــصــى داخـــل الـحـزب 1912 االشـــــتـــــراكـــــي اإليــــطــــالــــي ومـــــديـــــر صـحـيـفـتـه املـــركـــزيـــة «أفـــانـــتـــي»، والــــرجــــل الـــــذي أقـصـى اإلصالحيني ورفــع لــواء الـثـورة االجتماعية دون هــــــوادة، هــــذا الـــرجـــل نـفـسـه تـــحـــوّل في غــــضــــون ســـنـــتـــ فـــقـــط إلـــــى داعــــيــــة لــلــحــرب بــوصــفــهــا «ثـــــــورة بـــديـــلـــة»، قــبــل أن يُــقـصـى مــــن الــــحــــزب ويــــؤســــس صـحـيـفـتـه وحــركــتــه الجديدة. يُظهر جِنتيليه أن هذا التحوّل لم يكن ارتدادًا خيانيًا مفاجئًا، بل كان متدرِّجًا وذا منطق داخلي مفهوم. وكـان موسوليني قد أعلن لصديقه املثقف بريتسوليني آنذاك أن لديه إحساسًا بأنه «ضيف غريب حتى وسط الثوريني». كما يكشف كتاب «قبل الدوتشي» بتفصيل نادر كيف أنه لم يتخل في البداية عـــن قـــامـــوس الـــثـــورة والــــعــــداء لـلـرأسـمـالـيـة، بــــــل أعــــــــــاد تــــوجــــيــــهــــه: حــــيــــث أحــــــــــل «األمــــــــة البروليتارية» محل «البروليتاريا األممية»، وأبـــــدل بــــ«الـــحـــزب االشـــتـــراكـــي» «الـفـصـائـل» والكتائب املسلحة، واستعاض عن «الصراع الـطـبـقـي» بــــ«الـــصـــراع الــحــضــاري الـقـومـي». وهـــــذا االنــــزيــــاح املــفــهــومــي الـــتـــدريـــجـــي، من املـاركـسـيـة إلـــى الـقـومـيـة الـثـوريـة املتعطشة لــلــعــنــف، لــيــس قــطــيــعــة كـــامـــلـــة مـــع الــيــســار، حسب جِنتيليه، بقدر ما هي انزياح جذري فـــي داخــــلــــه: حــيــث تـسـتـبـقـي لــغــتــه الــثــوريــة الجياشة وتُفرغها من محتواها االجتماعي وترفدها بنفَس قومي وحيوي. مـــــن أبـــــــرز مـــــا يـــمـــيّـــز هــــــذا الــــكــــتــــاب عـن الـــــــدراســـــــات الـــســـابـــقـــة حــــــول مـــوســـولـــيـــنـــي: تأكيده الصريح على هشاشة موقع الرجل فــي الــســنــوات الـتـي سبقت تـأسـيـس النظام الــفــاشــي، فـمـوسـولـيـنـي الــــذي جــسّــد صــورة القائد الكاريزمي القوي الـذي يقرأ النفوس ويـــعـــبّـــر عـــن روح الــجــمــاهــيــر، ال أثــــر لـــه في صــفــحــات جِــنـتـيـلـيـه الـــتـــي تـسـتـحـضـر بـدلـه الـــشـــاب الـــــذي يــتــخــبّــط ويـــتـــذبـــذب ويـــواجـــه الفشل املتكرر دون أن يفقد براعته في إعادة اخــتــراع نفسه. انـتـخـابـات نوفمبر (تشرين البرملانية كانت أبلغ تعبير عن 1919 ) الثاني هــذه الـهـشـاشـة: لـم يحصل موسوليني في ميالنو إال على بضعة آالف مـن األصـــوات، مقابل مئات اآلالف للحزب االشـتـراكـي، في هزيمة مـدوّيـة دفعته جديًّا إلـى التفكير في االنــســحــاب مــن الـحـيـاة الـسـيـاسـيـة. ثــم أتـت ، حــيــث بنى 1922-1920 املـــرحـــلـــة الـــ حـــقـــة موسوليني نفسه وحـركـتـه مـن جـديـد على قاعدة العنف املنظّم والتحالفات االنتهازية مـع امللكية والـجـيـش والـبـرجـوازيـة الكبيرة الخائفة من املّد الشيوعي. يقدّم جِنتيليه من خالل هذه التفاصيل صــــورة لـزعـيـم هـــو فـــي جـــوهـــره «مــغــامــر في كل الــدروب»، رجل يتقدّم بالتجربة والخطأ، يــتــ عــب بــمــواقــفــه بــعــقــل بـــراغـــمـــاتـــي قـــــاسٍ، وال يــــتــــردد فــــي نـــقـــض مـــاضـــيـــه االشـــتـــراكـــي الـــثـــوري إذا اقــتــضــت مــعــادلــة الـسـلـطـة ذلـــك. يستخلص جِنتيليه مـن تحليله التاريخي لبدايات موسوليني استنتاجًا نظريًا بالغ األهـمـيـة: الفاشية ليست برنامجًا عقائديًا مـــكـــتـــمـــ ومــــــوحَّــــــدًا، بــــل هــــي «تــــركــــيــــب» مـن الــنــفــي واإلثـــــبـــــات، مــــن الـــتـــمـــرد عــلــى الــقــديــم واستحضاره في الوقت نفسه. فهي تعادي الكاثوليكية املؤسّسية وتتحالف مع الكنيسة عند الحاجة، وثورية في لغتها لكنها رفيقة للملكية واملــؤســســة الـعـسـكـريـة، ومناهضة لــــ«الـــعـــالـــم الــــبــــرجــــوازي» ومُـــوظِّـــفـــة ملـــالـــه في تــمــويــل الــعــنــف الـــســـيـــاســـي. هـــــذا الـتـنـاقـض ليس عرضًا لضعف آيديولوجي بقدر ما هو الـقـوة الحقيقية للفاشية بحسب جِنتيليه: قدرتها على استقطاب مجموعات اجتماعية متباينة في وقت واحـد. دار النشر الفرنسية «ســـيـــرتـــامـــ » الـــتـــي تــــولّــــت نـــشـــر الــتــرجــمــة الفرنسية املـــــزودة بمقدمة املــــؤرخ فـريـدريـك 344 لـو مـــوال، وصفت هــذه الــدراســة البالغة صـفـحـة بـأنـهـا «درس تـاريـخـي بــالــغ الــدقــة» يبّدد مختلف املختزالت واملسلّمات املتعلقة بالفاشية ومولدها العاصف. باريس: أنيسة مخالدي إيميليو جِنتيليه يستخلص جِنتيليه من تحليله التاريخي لبدايات موسوليني استنتاجا نظريا بالغ األهمية: الفاشية ليست برنامجا عقائديا مكتمال بل هي «تركيب» من النفي واإلثبات، من التمرد على القديم واستحضاره في الوقت نفسه

RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==