مــــا أقـــــــرب الـــشـــبـــه بــــن شــخــصــيــة بــنــيــامــن نـتـنـيـاهـو فــي تــل أبــيــب، وشـخـصـيـة بــاخــوم في إحـدى قصص ليو تولستوي الـذي عـاش ومات في روسيا أيام القياصرة الروس. وألن الــقــصــة مـــن إبـــــداع تــولــســتــوي، فـإنـهـا كبقية روائــعــه تـظـل عــابــرة فـــوق حـــدود الــزمــان، وتظل موحية فـي كـل وقــت لتفسير الكثير مما يجري فـي دنيا الـنـاس. كـان بـاخـوم يتطلع إلى امـــتـــاك املــســاحــة األكـــبـــر مـــن األرض فـــي مـكـانـه، وكــــان الـطـمـع يتلبسه ويـحـكـمـه، وكــــان صاحب األرض قد أدرك ذلـك فــأراد أن يختبره، وكــان أن دعـاه إلـى أن ينطلق بحصانه في األفـق املفتوح أمامه ليحصل على ما يتطلع إليه. كـــــان االتــــفــــاق بــيــنــهــمــا أن يــحــصــل بـــاخـــوم على كل مساحة يستطيع أن يقطعها فوق ظهر الحصان، ولكن، كان هناك شرطان اثنان، أولهما أن ينطلق مع شــروق الشمس، واآلخــر أن يعود قبل املغيب. فـإن عـاد في املوعد من دون تأخير حصل على كل مساحة مر بها في الذهاب وفي اإليــاب، وإن تأخر عن الغروب لحظة واحـدة فل شيء سوف يحصل عليه. بــــــــدا نـــتـــنـــيـــاهـــو حــــــن وقــــــــف يــــخــــطــــب فــي الـجـمـعـيـة الــعــامــة لــأمــم املــتــحــدة فـــي سبتمبر (أيلول) قبل املاضي، وكأنه باخوم وهو يقطع مــســاحــات األرض أمـــامـــه. كــــان قـــد وقــــف يلقي كلمته أمـام الجمعية العامة، وكـان كثيرون من مـنـدوبـي الــــدول قــد غــــادروا الـقـاعـة عـلـى الـفـور، وكانوا قد فعلوا ذلك احتجاجًا على ما أصاب الفلسطينيي في غزة وفي الضفة على يديه، أما هو فإنه أكمل كلمته بغير أن يبالي بانصراف املندوبي، وراح يفرد خريطة للمنطقة أمامه، ثم يقول إن حكومته تخوض حربًا عليها فوق سبع جبهات! وقـــــد أحـــصـــاهـــا بـــــــدءًا مــــن جـــبـــهـــة «جـــمـــاعـــة الـحـوثـي» فـي الـيـمـن، ومــــرورًا بجبهة «حـمـاس» في قطاع غـزة، وجبهة الضفة الغربية، وجبهة «حزب الله» في جنوب لبنان، ثم انتهاء بجبهة الـــجـــمـــاعـــات الـــتـــي كـــانـــت تـــهـــاجـــم إســـرائـــيـــل مـن األراضي السورية وقتها، وكذلك جماعات «حزب الــلــه الـــعـــراقـــي» أو «الــحــشــد الــشــعــبــي» فـــي بــاد الـرافـديـن، وفــي النهاية كـانـت الجبهة السابعة هي جبهة إيران. كــان بـاخـوم فـي القصة الـروسـيـة قـد أخذته الحماسة إلى حد االندفاع الذي ال يرى العاقبة، وكانت حماسته قد انقلبت نوعًا من التهور الذي تُعمى به األبصار، وكان قد ألهب ظهر الحصان لعله يقطع املسافة األطول واملساحة األكبر، وكان قـد نسي أنـه ملتزم بالعودة قبل الـغـروب، وأنـه إذا فاته غـروب الشمس قبل أن يكون عند نقطة البداية، فخسارة كل مساحة قطعها مؤكدة. الــقــصــة تـــقـــول إن بــطــل تــولــســتــوي قـــد عــاد مرهقًا منهكًا، وأن تـقـديـره قـد خـانـه فـي لحظة من اللحظات، وأنه سقط من اإلعياء قبل العودة بـقـلـيـل، فـخـسـر كـــل شــــيء ولــــم يـحـصـل عــلــى أي شــــــيء، وراح ضـــحـــيـــة لـــخـــيـــاالت وربــــمــــا أوهـــــام استبدت به فأهلكته في آخر اللحظات. صورة كهذه تستطيع أن ترى لها ظلال في الجبهات السبع؛ ألن رئيس حكومة التطرف في تــل أبـيـب نـسـي أن عليه أن يـعـود إلـــى إسـرائـيـل مهما تعددت الجبهات التي يراها، وأن عودته ستفرض عليه أن يواجه ما ال يريد أن يواجهه مـنـذ بـــدايـــات الـــحـــرب عـلـى غـــزة فـــي الــســابــع من ، وأن هـــروبـــه 2023 ) أكـــتـــوبـــر (تـــشـــريـــن األول املتواصل إلى األمام من جبهة إلى جبهة ال ينفي أنــه سيكون عليه فـي اآلخــر أن يـواجـه مـا يهرب منه باستمرار. الفكرة لم تكن في الجبهات التي أحصاها فــي قــاعــة األمــــم املــتــحــدة عـلـى مــــرأى مــن الـعـالـم، حتى ولو بلغت مائة جبهة وجبهة، وإنما الفكرة كانت في مدى قدرته على أن يهضم ما يريد أن يبتلعه. ومما نتابعه منذ بـدأ حـروبـه وهروبه نرى أن اللقمة التي يرغب في ابتلعها أكبر من فمه، وأن فمه إذا اتسع لها فمعدته أضعف من أن تهضمها، وأن املعدة إذا هضمتها فجسده أوهن مـن أن يتمثلها، وأنــه فـي النهاية سيجد نفسه مثل باخوم قبل العودة بقليل. يعرف رئيس حكومة التطرف في تل أبيب أنــه يـهـرب مـن شيئي، وأنـــه كلما واصـــل الهرب وأمعن فيه، وجدهما في انتظاره عند كل مساء، واكتشف أنهما يشاركانه مخدعه في الليل كما يرافقانه في كل خطواته بالنهار. يــكــتــشــف أوال أن هــــروبــــه مــــن الـــقـــضـــاء فـي الداخل لن يعفيه من املثول أمـام القاضي، وأنه ما لم يحصل على عفو من الرئيس اإلسرائيلي إســـحـــاق هـــرتـــســـوغ، فـاملـحـكـمـة سـتـظـل تنتظره كلما فرغ من جبهة وراء جبهة. هناك استحقاق ال مفر منه في انتظاره، والعفو الذي كان يراهن عليه تاه في مكتب الرئيس هرتسوغ، واإللحاح الـــذي يـمـارسـه تـرمـب على الـرئـيـس اإلسرائيلي بهذا الشأن يزيده تمسكًا بأن القرار قراره ال قرار الرئيس األميركي. يكتشف نتنياهو هذا، ثم يكتشف ثانيًا أن الحرب التي دمـر بها قطاع غـزة لم تـزد القضية في فلسطي إال حضورًا، وأن كل مساحة دمرها فـي غــزة أضـافـت دولـــة أو أكـثـر فـي قائمة الــدول املـــعـــتـــرفـــة بــفـلـسـطـن فــــي املــنــظــمــة الـــدولـــيـــة فـي نـيـويـورك، وقـد تـوالـت الـــدول املضافة حتى بلغ العدد ثلثي الدول األعضاء في املنظمة! كانت الجبهات السبع هروبًا في حقيقتها من جبهة أهم تنتظره في إسرائيل، وكانت هذه الـجـبـهـة األهـــــم هـــي الـــتـــي ال تــتــبــدل وال تـتـغـيـر. فـالـتـبـدل فـيـهـا مـــرهـــون بـالـحـسـم، والــحــســم في الــداخــل مـرهـون بالعفو، أو دخـــول الـسـجـن، وال يوجد اختيار ثالث. ومرهون في فلسطي بقيام دولـــة فلسطينية، أو بـقـاء إســرائــيــل بـعـيـدة عن اإلحـــســـاس بــاألمــن فــي كــل وقــــت، وهــنــا أيــضــ ال يوجد بديل وال اختيار ثالثًا. Issue 17271 - العدد Thursday - 2026/3/12 اخلميس تــعــد حــالــة الـــحـــرب عــنــد املـــؤرخـــن أحــد األطوار الحتمية، فهي من «ذروات التاريخ». إنـــهـــا تــلــد تــشــكــيــا جـــديـــدًا ونــمــطــ مختلفًا عــلــى املــســتــويــات الـسـيـاسـيـة واالقــتــصــاديــة والجغرافية. هــــذه األيــــــام نــعــيــش حـــالـــة االســـتـــهـــداف الـــســـافـــر لـــــدول الــخــلــيــج مـــن قــبــل إيــــــران بكل حـــمـــولـــتـــهـــا الــــتــــاريــــخــــيــــة واآليــــديــــولــــوجــــيــــة والسياسية، إذ تقصف مصالحه الحيويّة، وهو استهداف سوف يؤثر على كل العالم. والـتـحـدي األسـاسـي فـي هـذه الـحـرب أن يقوم املفكرون بصناعة الوعي، وإن من يدرك الـحـرب ال يصفها إال بعد انتهائها، بيد أن ثمة من استطاع استثمار الحروب في سبيل إنتاج نظريات حيوية مؤثرة. نـــعـــم؛ مـــن الـطـبـيـعـي أن تـــؤثـــر الـــحـــروب عـلـى الـفـاسـفـة وســيــاســات أفــكــارهــم ونـمـط اشتغالهم. نعلم كيف أثــرت الـحـرب األهلية في إنجلترا على فيلسوف كبير مثل توماس هـــوبـــز، وبـــعـــدهـــا أســــس نــظــريــتــه فـــي الـعـقـد االجتماعي التي كانت ملهمة ملن كتبوا بعده، وأبرز املتأثرين به الفيلسوف األميركي جون راولز، الذي عدّه أهم من طوّر في نظرية العقد االجــتــمــاعــي فـــي كـتـابـه األســـاســـي: «الــعــدالــة كإنصاف». ومـــن بـــن مـــن تـــأثـــرت فـلـسـفـتـه بـالـحـرب الـفـيـلـسـوف الـلـبـنـانـي عـلـي حــــرب، حـيـث قـرأ وهو في صلب الحرب األهلية كتاب ميشيل فـــوكـــو، «الــكــلــمــات واألشــــيــــاء» وقــــد تـــأثـــر به كـــثـــيـــرًا، ذلـــــك أن الـــــحـــــروب تــمــحــض األفـــكـــار وتـشـدهـا، وتجعل الـرؤيـة فـي قمة صفائها، ولــذلــك يــقــول هـيـراقـلـيـطـس عــن الــحــرب إنها «ربّة األشياء». فـي حـــوار مـع الـكـاتـب علي حــرب تطرّق إلـى الحرب األهلية في لبنان، يقول: «كانت الحرب في لبنان حدثًا فاصل نقلني من طور إلـى آخـر، بعد أن اكتشفت، من وراء ضجيج الـــشـــعـــارات وزيــــف الــــدعــــوات، أن كــــل مـــا كــان يجري على األرض هو عكس ما كان يُطرح من عناوين ثورية لتغيير الوضع القائم. بذلك تحرّرت من سجون اآليديولوجيا، وتشكّلت لدي عي نقدية حملتني على إعادة النظر في مجمل قناعاتي الفكرية ومواقفي السياسية. وال شــك أنّـــه كــان للشتغال بالفلسفة، التي هـي فـي األصــل نشاط نقدي عقلي تنويري، أثره الفعال في تغيير نظرتي إلى العالم. ثمّة أناس لم تبدّل الحرب حرفًا في قناعاتهم، بل زادتهم إيمانًا وتعصّبًا وعماية». لكن ملـاذا تؤثر الحرب على الفيلسوف؟ يجيب بــأن: «الفيلسوف شاغله الـكـام على الــكــائــن والـــحـــيـــاة واإلنــــســــان، أو عــلــى الـعـقـل والهوى والفضيلة أو على املجتمع والعدالة والحرية، وسواها من مفردات الوجود، وبما يتعدّى االنتماءات الهويّاتية والتصنيفات اآليـديـولـوجـيـة إلــى طـوائـف ومــذاهــب أو إلى مدارس ومعسكرات». مـهـمـة الــفــيــلــســوف، يـجـيـب عــلــي حـــرب: «هي أن ينتج مفهومًا عن الهويّة يُعنى به كل ذي هويّة. وقد يدافع عن الحرية، لكن األَولى بـــه الــتــحــرّر مـــن سـلـطـة أفـــكـــاره وأوهـــامـــه في مقاربته للمسائل. كذلك قد يدافع عن حقوق اإلنسان، لكن ما يُنتظَر منه أن يفسّر لنا كيف أن الناس ال يحسنون سـوى انتهاك املبادئ واإلساءة إلى الحقوق. وتلك هي املشكلة، كما تصدمنا تـجـارب التحرير والتغيير: تحوّل املظلوم إلى ظالم والضحية إلى جلّد». يـــرى عـلـي حـــرب أيــضــ أن منطلقه كـان مــــن الــــحــــرب فــــي نـقـد اإلنـــــســـــان، فــمــنــذ بــــدأت أكــتــب عـلـى وقـــع الـــحـــرب الــتــي فـتـكـت ببلدي لـبـنـان قــــررت أن أفــتــح مـلـف إنـسـانـيـتـنـا كما صنعتنا بمفردات النخبة والقداسة والعظمة واملركزية والنرجسية، وغيرها من املقوالت التي كانت تحتاج إلى أن توضع على مشرحة الكشف والتعرية، إذ هي مكمن العلّة ومصدر املشكلة. مـن هنا تـتـردد فـي كتاباتي مقولة إن اإلنـــســـان هــو املـشـكـلـة بصيغها املختلفة واملتعدّدة. الــخــاصــة، أن الـــحـــروب تــؤســس لصيغ وقواني وأسس مختلفة عن ذي قبل. تذهب الحروب باألفكار والفلسفات نحو منحنيات مختلفة، لذلك اتهم الفيلسوف مارتن هيدغر بالنازية، وكـل قواعد العقد االجتماعي وما نـنـعـم بـــه الـــيـــوم مـــن قـــوانـــن ونـــظـــم ومـــبـــادئ لـــم يــكــن لـــه أن يـــكـــون لــــوال الـــتـــدافـــع الـبـشـري والصراعات والحروب. وبــرأيــي أن شـــرط االنــتــصــار هــو ربـاطـة الـــجـــأش، ثـمـة مـــن يـشـمـت بــــدول الـخـلـيـج من بعض املؤدلجي الذين أيـدوا العدوان، وهذا سببه الرئيسي أن نـمـوذج دول الخليج هو األعظم عبر تاريخ العرب كله. إن الحرب تولّد األحـقـاد وتكشف املكنون من املشاعر، ولكن على هؤالء أن يعلموا أن النموذج الخليجي هو القدوة وعليهم «محاولة» االقتداء به أو الوصول إلى بعضه. مـن يـحـاول فهم الـحـرب الـراهـنـة فـي املنطقة من خـــال تـصـريـحـات الـرئـيـس األمــيــركــي دونـــالـــد ترمب وأركـــان إدارتـــه، يدخل في متاهة عميقة. فالتضارب فـــي الـتـصـريـحـات حـــول أســـبـــاب الـــحـــرب، وأهــدافــهــا، وكيفية إنهائها، كان سمة بارزة في الخطاب الصادر عن واشنطن، متسببًا في حيرة وارتباك واسعي. فــي مناسبتي مختلفتي يـــوم االثــنــن املـاضـي أعلن ترمب أن الحرب «اكتملت تقريبًا»، وأن الهدف العسكري «أُنجز إلى حد كبير»، في ما بدا إشارة إلى أن العمليات العسكرية فـي نهايتها. لكن فـي اليوم ذاتــــه نــشــرت وزارة الــحــرب األمـيـركـيـة تـغـريـدة تقول فيها: «لقد بدأنا القتال للتو»! كان طبيعيًا أن يلتقط الصحافيون هذا التناقض بـــن الــرئــيــس ووزارة حـــربـــه. وعــنــدمــا ســـألـــوا تـرمـب الحقًا أي الروايتي أدق -تصريحه أن الحرب «انتهت تقريبًا» أم كـام الـــوزارة «أنـهـا بــدأت للتو»- جـاء رده مثيرًا للمزيد من الحيرة حي قال: «حسنًا، أعتقد أنه يمكن أن تقول كل األمرين (صحيح)»! غير أن هذا االرتباك لم يكن حادثة عابرة، بل بدا أقرب إلى السمة الغالبة في خطاب واشنطن منذ بداية الــحــرب. فـخـال األســبــوع األول وحـــده قـدمـت اإلدارة األميركية سلسلة مـن التفسيرات املختلفة للعملية العسكرية، تباينت في مضامينها وتناقضت أحيانًا. فمع انطلقها وصفها ترمب بأنها رد على عقود من العدوان اإليراني، ومهمة لتدمير برنامج الصواريخ، ومنع طهران من امتلك سلح نووي، وفرصة للشعب اإليراني لإلطاحة بحكومته. وزير الحرب بيت هيغسيث كان متفقًا مع الرئيس بشأن األهداف العامة للحرب، لكنه حاول أن يقول إن تغيير النظام ليس هدفًا، وإن كان قد شجع اإليرانيي فــــي الــــوقــــت نــفــســه عـــلـــى اســـتـــغـــال الـــفـــرصـــة لـتـغـيـيـر حـكـومـتـهـم. فــي هـــذه الـنـقـطـة كـــان االرتـــبـــاك واضــحــ ، ألن الضربة التي استهدفت القيادات اإليرانية وأدت إلـى مقتل املـرشـد علي خامنئي فـي الساعات األولـى مـن الحملة، عـــززت االعـتـقـاد بــأن العملية العسكرية ال تقتصر على احتواء الخطر النووي والصاروخي اإليراني، بل تتجاوز ذلك إلى محاولة تغيير النظام بأكمله، أو فرض تغييرات في بنيته من دون إطاحته، أي تغيير على غرار سيناريو فنزويل. وزيــــر الــخــارجــيــة األمـــيـــركـــي مـــاركـــو روبـــيـــو قــدم بـــــدوره تـفـسـيـرًا مـخـتـلـفـ لـشـن الـعـمـلـيـات، إذ قـــال إن الواليات املتحدة تحركت ألن إسرائيل كانت تخطط لـــضـــربـــة عــســكــريــة عـــلـــى أي حــــــال، وأن إيـــــــران كــانــت سترد بالهجوم على القوات األميركية، لذلك تحركت واشنطن بشكل استباقي. هـذا التصريح أثــار ردود فعل واسـعـة، ألنـه أوحــى بـأن إسرائيل هـي مـن وضع أميركا أمام األمر الواقع، وجرتها للحرب. لــكــن تـــرمـــب ســـــارع إلــــى رفــــض هــــذا الــتــوصــيــف، مـؤكـدًا أن قــرار الـحـرب كـان قـــراره الشخصي بالكامل وليس نتيجة ضغط إسرائيل. وقـال للصحافيي إن الـتـقـاريـر الـتـي كـــان يتلقاها مــن مـسـتـشـاريـه جعلته يقتنع بأن إيـران كانت على وشك الهجوم أوالً، لذلك قرر التحرك قبلها. هـــذه الـتـبـايـنـات تثير الــتــســاؤالت ألنـهـا تكشف غياب هدف متسق للحرب. وإلى جانب هذا الغموض االســـتـــراتـــيـــجـــي، بـــــدأت تــظــهــر مــــؤشــــرات أخـــــرى على وجــود ثغرات في التنسيق العملياتي بي واشنطن وتل أبيب. اللحظة األكثر داللة جاءت عندما قصفت إسـرائـيـل مستودعات الـوقـود اإليـرانـيـة، مـا أدى إلى انـــــدالع حـــرائـــق ضـخـمـة وأثـــــار اضـطـرابــ فـــي أســــواق النفط العاملية. وكـان رد الفعل في واشنطن صريحًا على نحو غير معتاد. فقد أقـر مسؤولون أميركيون كــبــار بـــأن تـلـك الـهـجـمـات تـــجـــاوزت بـكـثـيـر مـــا كـانـوا يتوقعونه، فيما دعــا السيناتور ليندسي غـراهـام - أحد أبرز داعمي نتنياهو ومن أشد مؤيدي الحرب - إسرائيل علنًا إلى «توخي الحذر» في اختيار أهدافها. تكشف هذه الواقعة عن قلق أعمق في واشنطن. فاملسؤولون األميركيون يخشون أن تتعامل إسرائيل مع الحرب كأنها شيك على بياض وتختار األهـداف وفــــق مـنـطـقـهـا الــــخــــاص. فــاملــنــشــآت الــنــفــطــيــة تمثل نقطة شـديـدة الحساسية، لــدول املنطقة فحسب، بل للقتصاد العاملي برمته. كما أن أي تصعيد إضافي قد يهدد امللحة في مضيق هرمز ويدفع العالم نحو صدمة اقتصادية حادة. التطور املقلق اآلخر يتمثل في التحول التدريجي فـي اللغة املستخدمة فـي سياقات الـحـرب. فـبـدال من االعـتـمـاد حـصـرًا على املــبــررات العسكرية واألمـنـيـة، بـــدأت بعض األصـــوات تقحم خطابًا دينيًا صريحًا. وإلــــــى جـــانـــب تـــصـــريـــحـــات نــتــنــيــاهــو املــــتــــكــــررة ذات الحمولة التوراتية، استخدم وزيـر الحرب األميركي هــيــغــســيــث أيـــضـــ لـــغـــة تــحــمــل ظــــــاال الهـــوتـــيـــة عـنـد الحديث عـن الـحـرب، واختتم مخاطبته للعسكريي األميركيي بعبارات واقتباسات دينية. خـطـورة هــذا األمــر ليست فـي الجانب الخطابي فحسب، بل في نتائجه االستراتيجية أيضًا. فالحرب التي تدور حول أهداف واضحة مثل تدمير الصواريخ أو املـنـشـآت الـنـوويـة يمكن نـظـريـ أن تنتهي عندما تُفكك تلك الـقـدرات. أما إقحام الكلم عن حرب دينية بشكل صريح أو مستتر، فهو أمر مقلق ألنه يخاطر بـتـحـويـل مـواجـهـة جـيـوسـيـاسـيـة إلـــى مـواجـهـة أكثر تعقيدًا وخطورة. كل هـذه األمــور تضيف إلـى الجدل والقلق حول مسار الحرب، وكيف ومتى يمكن أن تنتهي، في وقت أحــوج مـا تكون فيه املنطقة والعالم إلـى وضــوح في الرؤية لتجنب مزالق املواجهات الطويلة، والحروب املتمددة. الكالم عن حرب دينية أمر مقلق ألنه يخاطر بتحويل مواجهة جيوسياسية إلى مواجهة أكثر تعقيدا وخطورة فهد سليمان الشقيران عثمان ميرغني سليمان جودة OPINION الرأي 14 ضباب الحرب في واشنطن حالة الحرب وضرورة صناعة الوعي هي سبع جبهات... ولكن جبهة أهم تنتظر في تل أبيب العفو الذي كان يراهن عليه نتنياهو تاه في مكتب الرئيس هرتسوغ
RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==