الثقافة CULTURE 17 Issue 17270 - العدد Wednesday - 2026/3/11 األربعاء رسالة في وصف الصيد واالنقضاض على الفرائس ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد األموي برزت فنون الصيد في زمن خالفة بني أمـيـة، وشكّلت أسـاسـا لتقليد أدبـــي خاص بها يتغنّى بمآثرها، كما يشهد نص نثري يعود إلى تلك الحقبة، يُعرف بـ«رسالة في وصـــف الـصـيـد»، صـاغـهـا عـبـد الحميد بن يـحـيـى الـــــذي شــغــل مـنـصـب كـــاتـــب الـحـاكـم األموي والخليفة الالحق مروان بن محمد. يــتــحــدّث صـاحـب هــــذا الـنـص عـــن خــروجــه مــــع طـــائـــفـــة مــــن املــقــتــنــصــن «إلــــــى الــصــيــد بأعدى الجوارح، وأثقف الضّواري، أكرمها أجـــنـــاســـا، وأعــظــمــهــا أجـــســـامـــا، وأحـسـنـهـا ألوانا، وأحدّها أطرافا، وأطولها أعضاءً»، وينقل صـــورة أدبــيّــة حـيّــة عـن هــذه الرحلة بــمــحــطّــاتــهــا املــــتــــعــــدّدة، وفـــيـــهـــا يــمــعــن فـي وصــف انـقـضـاض الـصـقـور على فرائسها، وإمـــعـــانـــهـــا فــــي ذبـــحـــهـــا. عـــلـــى مــــثــــال هـــذه الطيور الجارحة، تفنّن الصيادون في ذبح طرائدهم، وشكّلت هذه املمارسة طقسا من طقوس هـذه الرياضة، كما تشهد لوحتان أمـويّــتـان استثنائيتان، تـشـكّــ ن جـــزءًا من جداريات قصير عمرة في بادية األردن. يــحــوي قـصـيـر عــمــرة قــاعــة مـكـونـة من إيــــوانــــات، وتــقــع هـــاتـــان الــجــداريــتــان في 3 اإليوان الشرقي، حيث تحتل إحداهما صدر الـــجـــدار الــشــمــالــي، وتــحــتــل األخـــــرى صــدر الـــجـــدار الــجــنــوبــي. تـجـمـع الــلــوحــة األولــــى بي الصيد والذبح في تأليف متقن يتميّز بـــالـــحـــركـــة الـــتـــي تـــلـــف مــخــتــلــف عـــنـــاصـــره، بـهـائـم من 6 رجـــال فــي مـواجـهـة 6 وقـــوامـــه فــصــيــلــة الــحــمــيــر الـــوحـــشـــيـــة. يـــحـــل هــــؤالء الرجال وسـط حلقة تحدّها شبكة عريضة منصوبة على سلسلة مـن األعــمــدة. يظهر فـي النصف األعـلـى صـيـاد يـغـرز رمـحـه في صــــدر حــمــار يـقـفـز مـــن أمـــامـــه، فـــي حـضـور حمار آخر يعدو في حركة معاكسة، مالمسا بـقـائـمـتـيـه األمــامــيــتــن الـشـبـكـة املـنـصـوبـة. في الطرف املقابل، يظهر صياد آخـر يرفع سـ حـه فـي اتـجـاه حـمـار ينقض مـن فوقه، كــأنــه يـــحـــاول اإلفـــــ ت مــنــه. يـكـتـمـل مشهد هـــذا الـصـيـد فــي حـضـور حـمـار رابـــع يعدو بــن الــطــريــدتــن. مــ مــح هــذيــن الـصـيّــاديـن واضـحـة وجلية، وهما فـي وضعيّة نصف جانبية، ولباسهما واحد، ويتمثّل بجلباب أبــيــض وفــضــفــاض وُشـــحـــت ثــنــايــاه بــدقّــة، وفـقـا لـلـطـراز الكالسيكي الـقـائـم على مبدأ التجسيم والتظليل. في املقابل، يظهر في النصف األسفل رجـــــال يــنــقــضــون على 3 مـــن هــــذه الـــلـــوحـــة جــثــتَــي فـريـسـتـن مــمــددتــن أرضـــــا. امـحـت بعض مكوّنات هـذه الـصـورة، لكن تأليفها ظـل جليا. يغرز أحـد هـؤالء رمحه في ظهر الـفـريـسـة املــلــقــاة أرضــــا مـــن أمـــامـــه، محنية بـرأسـهـا فــي اتــجــاه قائمتيها األمـامـيـتـن، بينما يشرع رفيقاه بسلخ الفريسة األخرى، ويصعب تحديد وضعيّة هذه البهيمة بدقّة بسبب امـحـاء جـزء كبير مـن بدنها. يرافق هذا الجمع رجل رابع يظهر واقفا في طرف الـصـورة، رافـعـا ساقه اليمنى نحو األمــام، كأنه يهم بالخروج من هذه الحلقة. تـــمـــثّـــل الـــلـــوحـــة الـــتـــي تــحــتــل الــحــائــط الــجــنــوبــي مـشـهـد ذبــــح فـصـيـلـة أخـــــرى من الـــطـــرائـــد، وهــــي هــنــا مـــن األيـــــل كــمــا يـبـدو مـن قرونها املستقيمة الطويلة. يـحـل هذا املشهد فوق تل صخري ترتفع قممه وسط سماء زرقاء. يحضر في النصف األعلى من الــصــورة رجـــ ن يـذبـحـان أيـــ مـعـا. يمسك أحدهما بــرأس البهيمة املـمـددة أفقيا على ظهرها، بينما يبقر اآلخــر بطنها. املالمح واحـــــدة، والــلــبــاس واحـــــد، كـمـا فـــي الـلـوحـة املقابلة التي تحتل الحائط الشمالي. يظهر أيل ثان ملقى أفقيا عند قدمي الرجل الذي يقف فـي وسـط الـصـورة. ويظهر أيـل ثالث مـلـقـى عــمــوديــا مـــن خــلــف هــــذا الـــرجـــل. في الـــجـــزء األســـفـــل مـــن الـــلـــوحـــة، تــتــمــدّد جـثّــتـا أيـلـن أرضـــا فــي وضـعـيـة املــواجــهــة، الـــرأس مــقــابــل الــــــرأس، ويــظــهــر مـــن خــلــف إحــداهــا طـيـف صــيــاد ثــالــث امــحــت مـ مـحـه بشكل كبير، فبدا أشبه بطيف. راجــــــــت حــــمــــ ت الــــصــــيــــد فـــــي الـــعـــالـــم القديم، وانتشرت في العالم اليوناني كما فـي الـعـالـم اإليــرانــي بأقاليمهما الـواسـعـة، وتردّد صدى هذا االنتشار في عالم الفنون بــصــنــوفــه املـــتـــعـــدّدة. ســــار األمــــويــــون على هـــذا الـــــدرب، واقـتـبـسـوا مــن الــــروم والـفـرس كثيرًا مـن طـرق الصيد والقنص، فاتخذوا الــجــوارح، وعلّموها صيد الطير، واقتنوا كـــ ب الـسـلـوقـي املختصة بصيد الظبيان والــــغــــزالن والــحــمــيــر والـــثـــيـــران الـوحـشـيـة، واستكثروا الخيول «املـوصـوفـة بالنّجابة والجري والصّالبة»، كما نقل عبد الحميد بن يحيى الكاتب، وتفننوا في تضميرها، وأنــشــأوا فـي الــواحــات املحيطة بقصورهم حلبات يخرجون إليها ملمارسة أنواع شتّى مــن الـصـيـد، كـمـا تـنـاقـل الـــــرواة، وظـهـر أثـر هذه الحلبات في العديد من املواقع األموية األثـــريـــة الــتــي كـشـفـت عـنـهـا حــمــ ت املـسـح والتنقيب في األزمنة املعاصرة. تجلّى الوله بهذه الرياضة في ميراث األمويي األدبي كما في ميراثهم الفني. في هـــذا الــســيــاق، تــبــدو صـــور مـشـاهـد الصيد مألوفة، وتكشف في قصير عمرة عن بروز الطراز الروماني الكالسيكي بشكل أساسي، كما يتجلّى في الحركة الواقعية الحية التي تطبع هذه املشاهد، وفي األسلوب املعتمد فــــي إبــــــــراز عـــنـــاصـــره الـــتـــصـــويـــريـــة بـشـكـل يحاكي املثال الواقعي. مـــن جــهــة أخــــــرى، تــحــتــل لــوحــتــا ذبــح الـفـرائـس مكانة استثنائية؛ إذ ال نجد ما يماثلهما فــي مــا وصـلـنـا مــن هـــذا املــيــراث. صحيح أنـنـا نـقـع عـلـى صـــور مـشـابـهـة في الـظـاهـر فـي الـعـاملـن الـرومـانـي والـفـارسـي، غـيـر أن هـــذه الــصــور تـظـهـر ضـمـن مشاهد مـــغـــايـــرة تـــتـــصـــل اتـــــصـــــاال وثـــيـــقـــا بــتــقــديــم األضـــــاحـــــي فــــي املــــمــــارســــات الـــديـــنـــيـــة، وال تدخل أبدًا في ميدان الصيد. من هنا، تبدو جدارّيتا قصير عمرة فريدتي من نوعهما، وتعكسان تقاليد شكّلت كما يبدو فرعا من فــــروع الــفــنــون الــخــاصــة بـمـمـارسـة ريـاضـة الصيد. تتميّز هاتان الجداريّتان بموضوعهما االســتــثــنــائــي، كــمــا تـــتـــمـــيّـــزان بـأسـلـوبـهـمـا الفني الرفيع، وتشكّالن وثيقة فريدة، تحتل مـكـانـة عـالـيـة فــي الـفـنـون املـتـوسّــطـيـة التي تجمع وتمزج بي الطرز املتعدّدة. صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة األموية في بادية األردن محمود الزيباوي سؤال مر يجدد نفسه مع كل صراع على النفوذ أو البقاء أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟ لـــــيـــــس ثـــــمـــــة مــــــــا هــــــــو أقــــــســــــى عـــلـــى الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مـــضـــطـــريـــن» لــلــكــتــابــة عــــن الـــــحـــــرب، فـي لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها املـشـتـعـل وكــوابــيــســهــا الــخــانــقــة. وســــواء كـــانـــت أســــبــــاب هـــــذا االضـــــطـــــرار مـتـصـلـة بـالـضـغـوط الـنـفـسـيـة واالجـتـمـاعـيـة التي يواجهها هـــؤالء، مـن قبَل املنادين بفكرة االلــــتــــزام، بـمـعـنـاهـا الــضــيــق والـسـطـحـي، أو بــــاألعــــراف املــــوروثــــة الـــتـــي تــجــعــل من الـشـاعـر لـسـان الـجـمـاعـة فــي انتصاراتها وانـكـسـاراتـهـا، فإنها فـي الـحـالـن تفرض على املشتغلي باألدب والفن شروطا غير عادلة، ال تمت إلى جوهر الكتابة بصلة. وقد تكون هذه األعـراف بالذات، هي التي ال تــزال تملي على الشعراء الوقوف في الصفوف األمامية للمواجهة مع أعداء الـــداخـــل والــــخــــارج، وتــحــويــل الـــنـــص إلــى بيان سياسي تتم كتابته غب الطلب، مع الفارق املتمثل باستبدال الحزب بالقبيلة، واآليديولوجيا برابطة الدم، وفي الحالي مـــعـــا يـــتـــم الـــنـــفـــخ املــــتــــواصــــل فـــــي أبــــــواق الترويج الدعائي واألفـكـار الجاهزة. كما أن أكثر الـذيـن يبالغون فـي حـث الشعراء واملبدعي على جعل قصائدهم وأعمالهم أدوات لــلــنــزال والــتــعــبــئــة الــعــاطــفــيــة، هم مـن الـذيـن ال تعني لهم الكتابة بمعناها العميق شيئا يُــذكـر، ولـم يضعوا القراءة والتحصيل املعرفي في طليعة أولوياتهم. الـ فـت فـي هــذا الـسـيـاق أن إشكالية العالقة بي الكتابة والواقع، تكاد تضمر إلــى حـد الـتـ شـي فـي أزمـنـة السلم ورغـد الـعـيـش والـتـعـاقـب الــرتــيــب لـــأيـــام، حتى إذا اشـــتـــعـــلـــت حـــــــرب مــــــا، أو اســـتُـــبـــدلـــت سلطة بـأخـرى، أو تعرض نظام سياسي لـلـتـصـدع، عـــادت اإلشـكـالـيـة إلـــى الظهور بـــكـــامـــل احـــتـــدامـــهـــا، وانـــــبـــــرى الـــكـــثـــيـــرون ملـــطـــالـــبـــة الـــــشـــــعـــــراء والـــــكـــــتـــــاب بـــمـــواكـــبـــة اللحظات التغييرية «املفصلية» عبر سيل من األهازيج والخطب الحماسية، كما لو أن الشعر الـعـربـي، أو بعضه على األقــل، مـصـاب بـنـوع مـن «داء املـفـاصـل» الـــذي ال يكف عن الفتك به عند منعطفات األزمنة، أو اندالع الحروب، أو انقالب األحوال. صـحـيـح أن الـبـعـض مـمـن يمتلكون قـــدرًا عـالـيـا مــن املـنـاعـة اإلبــداعــيــة والفهم الـعـمـيـق ملـعـنـى الــكــتــابــة، يــظــلــون بـمـأمـن مـــــن هــــــذا الــــــــــداء، ويــــرفــــضــــون اإلمـــــــــ ءات املفروضة عليهم من خــارج النص، ولكن البعض اآلخر يخضعون لهذه اإلمالءات، أو يــتــبــنــونــهــا بــشــكــل طــــوعــــي، مـقـتـنـعـن بـ تـــردد بــأن ال فـــارق يـذكـر بـن منصات الــكــتــابــة ومــنــصــات إطــــ ق الـــنـــار، أو بي صرير األقالم وأزيز الطلقات، وأن «الكلْمة اللي ما تبْقى رصاصة ملعونة وخاينة»، كـــمـــا جــــــاء فـــــي إحــــــــدى أغـــــانـــــي الـــحـــمـــاس الثوري. ولعل مشكلة هؤالء تكمن في كونهم يضعون الـنـدى فـي موضع السيف، على مـا يقوله املتنبي، ويستخدمون للكتابة أدوات القتال، مستعيدين معجم الحرب ومتعلقاته، مـن مـفـردات الصخب املسلح والـــعـــنـــف الــــدمــــوي والـــتـــهـــديـــد والـــوعـــيـــد، ومـتـنـاسـن أن لـــإبـــداع شــروطــه وأدواتــــه الخاصة به، وأن الشعر الحقيقي ال يتكئ على موضوعه، مهما كان ساميا ونبيالً، بــــل تـــنـــهـــض بــــه مـــوهـــبـــة الـــشـــاعـــر ولــغــتــه وكشوفه. وكيف لهؤالء وغيرهم أن ينسوا أن العمل اإلبــداعــي ال يـولـد فـي كنف اإلرادة القصدية والـوعـي املباشر، بل هو يخرج مــــن أحــــشــــاء املــنــطــقــة املــلــتــبــســة الخـــتـــ ط الــوعــي بنقيضه، إضــافــة إلـــى أن الشاعر ال يـخـلـق لـحـظـة اإللـــهـــام وال يتحكم بها، بــــل هــــو فــــي األعـــــــم األغــــلــــب يــتــلــقــاهــا فـي حــاالت الغفلة، واللحظات غير املنتظرة. واستنادًا إلى ما تقدم، فإن الكتابة ال يتم إنـجـازهـا بـنـاء عـلـى طـلـب هـــذا أو ذاك من الراغبي في استيالدها ألسباب ال عالقة لــهــا بــــاإلبــــداع، بـــل هـــي ابــنــة الــحــريــة غير املشروطة، واالنبثاق الداخلي للكلمات. وإذا كــــنــــا نــــجــــد عــــلــــى الـــــــــــــدوام مــن يـــنـــبـــرون لــلــقــول بــــأن الــشــعــر والـــفـــن هما االبنان الشرعيان لللم واملعاناة، فليس بــالــضــرورة أن تتمظهر عـلـى نـحـو مــادي مـحـسـوس، بــل تتخذ فــي بـعـض األحـيـان أشكاال وجودية متصلة بالحب والحرية والـــعـــدالـــة والـــحـــيـــاة واملـــــوت والـــغـــربـــة عن الـعـالـم. كما أن املـعـانـاة حـن تـتـجـاوز في جـانـبـهـا املــبــاشــر حــــدود املــعــقــول، تعطل آلـــيـــات الــتــعــبــيــر، وتـــشـــل قـــــدرة املـــــرء على اإلفـــصـــاح، وتـتـركـه فــي حـالـة مــن الـخـرس الــتــام والــتــشــوش الـهـذيـانـي. كـــأن الحياة وهي تتحول إلى أشالء، أو تنحدر باتجاه حضيضها األســـفـــل، تـصـبـح تـحـت اللغة تـــمـــامـــا، وخـــــــارج نــطــاقــهــا الـــحـــيـــوي. كـمـا أن هـجـاء الـجـوع ليس أول عمل يـقـوم به الـجـائـع، بـل هـو يـجـد فـي البحث عـن أول رغيف يصادفه. ومن هدمت بيته الحرب، ال يبحث عن بيت شعر يأنس في كنفه، بل عن مسكن يؤويه، والعريان ال يبحث عن لوحة يطرب لجمالها ناظراه، بل عن ثوب يستر عريه. ولـــعـــل أكـــثـــر مـــا يــعــانــيــه الـــكـــتّـــاب في أزمنة الحروب هو انشطارهم املأزقي بي مــا يـرتـبـه عليهم دورهــــم كـمـبـدعـن، ومـا يرتبه دورهـــم املقابل كمواطني عاديي. فــأن يكون املــرء شـاعـرًا أو فنانا، ال يعني تحوله إلى كائن فوق أرضي، أو استقالته الـــتـــامـــة مــــن شــــــؤون الـــحـــيـــاة وشــجــونــهــا وأكالفها. وألن الشياطي امللهمة للشعراء والـفـنـانـن ال تعمل عـلـى نـحـو دائــــم، فهم يملكون الكثير مـن الـوقـت لسد الفجوات الـفـاصـلـة بــن «انـخـطـافـن»، والـقـيـام بكل مـا ترتبه عليهم التزاماتهم االجتماعية والوطنية واإلنسانية. وكــثــيــرًا مـــا عـــبّـــر هــــذا االنـــشـــطـــار عن نفسه على أرض الواقع، من خالل تجارب بـالـغـة الـقـسـوة اخـتـبـرهـا كــتّــاب وفـنـانـون عــــديــــدون، حـــن كــــان عـلـيـهـم أن يــخــتــاروا بـن االكتفاء بــأدوارهــم كـأفـراد متميزين، ومعنيي بتحويل الــحــروب الـدامـيـة إلـى أعــــمــــال فـــنـــيـــة، وبـــــن االنـــــخـــــراط فــــي تـلـك الـحـروب، انتصارًا للقضايا العادلة التي تجسدها. وإذا كان بي هـؤالء من ضحى بـمـوهـبـتـه عــلــى مـــذبـــح الــــواجــــب الـوطـنـي واإلنساني، فإن ثمة من زاوج بي الدورين مــــعــــا، حـــيـــث ربــــــح فـــــي آن واحــــــــد فـــرصـــة االنــــخــــراط فـــي الـــحـــيـــاة، وفـــرصـــة الـكـتـابـة عـــنـــهـــا. وهــــــو مـــــا نـــجـــد أفــــضــــل شــــواهــــده فـــــي حـــــالـــــة الــــكــــاتــــب األمـــــيـــــركـــــي أرنــــســــت همنغواي، الذي مكنه انخراطه إلى جانب الجمهوريي في الحرب األهلية اإلسبانية مـن استلهام عمله الــروائــي الشهير «ملن تقرع األجراس؟». كــمــا حــــذا الـــشـــاعـــر الــتــشــيــلــي بـابـلـو نـــــيـــــرودا حــــــذو هـــمـــنـــغـــواي فــــي الــتــوفــيــق بـــن الــــدوريــــن، فـلـم يــرتــض الـــوقـــوف على الـــحـــيـــاد بـــن الــضــحــايــا والــــجــــ ديــــن، بل عمل على استثمار منصبه سفيرًا لبالده فـــي إســبــانــيــا، فـــي مــــــؤازرة املـــدافـــعـــن عن الـــجـــمـــهـــوريـــة، وعـــلـــى اســتــثــمــار مـوهـبـتـه مبدعا في كتابة ديوانه الشعري «إسبانيا فــي الـقـلـب»، مــن جـهـة أخــــرى. وكــذلــك كـان األمـــــر مـــع الـــكـــاتـــب الــفــرنــســي أنــــطــــوان دو سـانـت إكــزوبــيــري، الـــذي لـم يحل التزامه بـخـدمـة بــــ ده، كـطـيـار عـسـكـري محترف، دون استثمار موهبته العالية في الكتابة، فقدم إلى العالم أعماال أدبية متفردة، مثل «األمير الصغير» و«أرض البشر»، قبل أن يقضي نحبه في حادثة طيران مأساوية، وهو ال يزال في ذروة شبابه. ومــــا يــصــح عــلــى الـــشـــعـــراء والــكــتــاب والفناني، أخـيـرًا، يصح على اإلعالميي واملـراسـلـن الحربيي واملــصــوريــن، حيث كثيرًا مـا وجــد هـــؤالء أنفسهم فـي حـاالت انـــشـــطـــار قـــصـــوى بـــن االكـــتـــفـــاء بـــدورهـــم الــوظــيــفــي فـــي نــقــل الــتــقــاريــر الـــوافـــيـــة عن مجريات الحرب، وبي مساعدة الضحايا الــــذيــــن يـــحـــتـــاجـــون، فــــي مــــا يـــتـــعـــدى نـقـل معاناتهم إلــى الـعـالـم، إلــى مـن يــرد عنهم وطــــــأة األلـــــــم، ومـــحـــنـــة الــــتــــشــــرد، وقــتــامــة املصير. لعل أبلغ دليل على ذلك هو ما روته اإلعــ مــيــة الـلـبـنـانـيـة الــراحــلــة نــجــ ء أبـو جـهـجـة، عــن وقـوفـهـا الـحـائـر أمـــام مشهد األطــــفــــال املــحــتــرقــن فـــي ســـيـــارة إســعــاف ، وعن 1996 بلدة املنصوري اللبنانية عام تمزقها الصعب بي أداء واجبها املهني، كمراسلة إلحــدى املحطات، وبـن االلـتـزام بـواجـبـهـا األخـــ قـــي، الـــذي يـفـرض عليها مساعدة الضحايا، وإنـقـاذ مـن تستطيع إنــــقــــاذهــــم مــــن املــــصــــابــــن. وقــــــد اخــــتــــارت نجالء، وفق ما بات معروفا لدى الجميع، أن تفي بااللتزامي معا في اآلن ذاته. نجالء أبو جهجة بابلو نيرودا شوقي بزيع الشعر الحقيقي ال يتكئ على موضوعه مهما كان ساميا ونبيال بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه الغموض والتشويق في رواية إنجليزية في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الــــصــــادرة عـــن دار «الـــكـــرمـــة» بــالــقــاهــرة، تــرجــمــة إيـــنـــاس الـــتـــركـــي، تـــقـــدم الـكـاتـبـة اإلنـــجـــلـــيـــزيـــة لـــيـــســـا جــــويــــل مـــزيـــجـــا مـن الـــغـــمـــوض والـــتـــشـــويـــق بــــن شـخـصـيـات نسائية، على نحو يجعل الــقــارئ يلهث سريعا وراء حبكة ألغاز تقود إلى سلسلة من املفاجآت. وتــــــــــدور األحــــــــــــداث حـــــــول «ألـــيـــكـــس ســــــمــــــر»، صــــاحــــبــــة بـــــودكـــــاســـــت شـــهـــيـــر، الـتـي فــي أثــنــاء احتفالها بعيد ميالدها الخامس واألربعي تصادف امـرأة تُدعى «جــــــوزي» تـحـتـفـل أيــضــا بـعـيـد مـيـ دهـا الخامس واألربعي في اليوم نفسه. بعد بضعة أيام تلتقيان مجددًا، وقد استمعت «جـــــــــــوزي» إلــــــى بــــودكــــاســــت «ألــــيــــكــــس»، مـــا جـعـلـهـا تــظــن أنـــهـــا تــصــلــح أن تـكـون موضوعا شائقا لـهـذا الـحـوار اإلعـ مـي، خصوصا أنها على وشك إجراء تغييرات كبيرة في حياتها. تبدو حياة «جوزي» غريبة ومعقدة، وعـــلـــى الــــرغــــم مــــن أن «ألـــيـــكـــس» تـجـدهـا شـــخـــصـــيـــة مــــربــــكــــة، فـــإنـــهـــا ال تـسـتـطـيـع مــــقــــاومــــة إغـــــــــراء االســـــتـــــمـــــرار فـــــي تــقــديــم حـلـقـات حــواريــة مـعـهـا، وتــــدرك تدريجيا أن ضيفتها فـي الـبـرنـامـج تخفي أســـرارًا مـــظـــلـــمـــة لـــلـــغـــايـــة، ولــــكــــن بـــعـــد أن تـــكـــون «جـــــوزي» قـــد تـسـلـلـت إلـــى حـيـاتـهـا وإلـــى منزلها. وكــمــا ظــهــرت الشخصية الغامضة املــــريــــبــــة فـــــجـــــأة، فـــإنـــهـــا تـــخـــتـــفـــي فـــجـــأة، وحــيــنــهــا فــقــط تـكـتـشـف «ألـــيـــكـــس» أنـهـا خـلـفـت وراءهــــــا إرثــــا رهـيـبـا ومــرعــبــا، ما جعلها أصبحت موضوعا للبودكاست، كـــمـــا بـــاتـــت يـــهـــددهـــا املـــــــوت، فـــمـــن تــكــون «جوزي» تلك؟ وماذا فعلت؟ وُلــــــدت لــيــســا جـــويـــل فـــي لـــنـــدن عــام ، وهـي أكثر مؤلفة مبيعا ألكثر من 1968 روايـة، وقد بيع من رواياتها أكثر من 20 ماليي نسخة حول العالم، وتُرجمت 10 لغة. 30 إلى أكثر من ومن أجواء الرواية نقرأ: «ســــــارت جـــــوزي عـــائـــدة وهــــي تـفـكـر في مـنـزل ألـيـكـس، مــن الــواجــهــة مـنـزل أنـيـق وسـط صـــف مـــن الــبــيــوت لـــه نـــافـــذة كـبـيـرة ال يختلف عـن أي مبنى آخـر على الـطـراز الفيكتوري في لندن، لكن من الداخل كان األمر مختلفًا. جدران زرقـــاء بلون الحبر وأضـــواء ذهبية ومطبخ بدا كأنه أكبر مـن املـنـزل بأكمله على نحو غريب، بــه خــزائــن ذات لـــون رمــــادي حـجـري وطـــاوالت مـــن الــــرخــــام كــريــمــي الـــلـــون وصـــنـــبـــور ينضح مـاء مغليًا بلمسة زر واحــدة، وفـي طرفه جدار مـخـصـص لـــرســـومـــات الـطـفـلـن فـــقـــط. تــذكــرت أنها كانت تعلق رسومات الفتاتي على الثالجة بـاملـغـنـاطـيـس. وكــــان والـــتـــر يــعــتــرض ويـزيـلـهـا ألنها تبدو فوضوية، ثم الحديقة بأضواء الزينة املعلقة بها، والطريق املتعرج والسقيفة الساحرة عند طرفها التي تحوي عاملًا آخر من العجائب، وحتى القطة ال تشبه أي أخـرى رأتها من قبل، سيبيرية على ما يبدو وصغيرة ومنفوشة ولها عينان خــضــراوان كبيرتان كعينَي أمـيـرة في كارتون ديزني. امـتـدت يدها إلـى الجيب الداخلي لحقيبة يـــدهـــا، حــيــث ملــســت الـــغـــ ف الــنــاعــم لـكـبـسـولـة القهوة التي أخذتها مـن دون أن تنتبه أليكس، كانت هناك جـرة ضخمة ممتلئة بالكبسوالت على الــرف خلف مكتب التسجيل كلها بألوان مختلفة مثل األحـجـار الكريمة كبيرة الحجم. لم تكن تمتلك ماكينة لصنع القهوة في املنزل، لكنها أرادت فـقـط أن تمتلك القليل مــن بريق ألــيــكــس وتــضــعــه فـــي درج بـشـقـتـهـا املـتـهـالـكـة وتعرف أنه موجود هناك. كـــان والــتــر أمــــام حــاســوبــه املــحــمــول عند الــنــافــذة، عـنـدمـا وصـلـت إلـــى املــنــزل نـظـر إليها بـــفـــضـــول وبـــــــدت عـــيـــنـــاه كـــبـــيـــرتـــن مــــن خـــ ل العدستي القويتي لنظارة الـقـراءة الخاصة به، كـانـت قــد أخـبـرتـه بـأنـهـا ستقابل تـلـك األم من املدرسة مرة أخرى. رفع حاجبه ولم يقل شيئًا، لكنه قال اآلن: - ما الذي يدور حقًا؟ تــــدفــــقــــت خـــــــ ل جــــســــدهــــمــــا دفـــــعـــــة مــن األدرينالي: - ماذا تعني؟ قــــال: أعــنــي أنـــك تـغـيـبـت فــتــرة طـويـلـة وال يـمـكـن أن تــكــونــي قـضـيـت كـــل هــــذا الـــوقـــت في تناول القهوة. قالت: ال، ذهبت لزيارة جدتي بعد ذلك في املقبرة. كانت هذه كذبة خططت لها سابقًا». القاهرة: «الشرق األوسط»
RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==