الثقافة CULTURE 18 Issue 17269 - العدد Tuesday - 2026/3/10 الثلاثاء هل ما زالت القراءة الحرة حرّة؟ القراءة هي أعلى درجات الحرية، وهذا هو ما كنا نظنه ونتصوره عــن الـــقـــراءة، وهـــذا الـحـس هــو مــا كـــان يصنع متعتنا، ومـــن ثــم يطور معرفتنا بخيار مطلق منا. وتتجلى هذه الحرية في المقارنة مع حالي الكتابة والتحدث، وفيهما نقع تحت طائلة شروط كثيرة حيث نراعي معهما حـالات الخطاب ومقامات التعبير شعورا منا بواجبات القول وأخـاقـيـات التلفظ. وكـذلـك هـو شـعـور بـشـرط مهنية الأداء، بما أننا فيهما نقدم كشف حساب ذاتيا أو مرافعة اجتماعية تتحدد فيها قيمتنا أمام من يستقبل حديثنا أو كتابتنا. ومـــنـــذ مــطــالــع الــثــقــافــات يـــجـــري الـــحـــث عــلــى شـــــروط فــعــل الـــقـــول، «فلسانك حصانك إن صنته صانك وإن خنته خانك». وقالوا «الأسلوب هو الرجل»، أي أن لفظنا هو معنانا، وبمقدار ما نكسو ألفاظنا بالمعاني التي نود توصيلها، فإن المنطوق أو المكتوب هو وجهنا وقيمتنا عند غيرنا، وكذلك مسؤوليتنا، وكثيرا ما يكون مصيرنا مرتبطا بهما. وفي قصة المتلمس مع ابن أخته طرفة بن العبد، وردت عبارة «ويل لهذا من هـذا»، وأشـار بيده إلى لسان طرفة وإلى رقبته، وهي الحكاية التي انتهى فيها طرفة مقتولا بسبب لسانه. وفي الإعلام الحديث، نرى كم من تغريدة في منصة «إكس» قد تودي بمصير مغردها، في حين كان يظن أنها مجرد تعبير تلقائي، ولكن التلقائي دوما ما يكون هو القاتل. أما القراءة فقد ظلّت تمثل لنا ملجأ آمنا نهرع إليه كلما حاصرتنا ظروف الوقت. وسادت صناعة النشر في العالم، لأن المنشور ظل مادة مطلوبةً، ومن ثم مربحة بما توفره الكتب من متعة روحية ونفسانية، أو ما تقدمه من فائدة تنمو معها مهاراتنا الذهنية واللغوية. ولا يتم ذلك إلا مع الكتب التي نختارها نحن بمرادنا الخاص، وحسب ميولنا التي تكشفها وقفاتنا الطويلة في سوق الكتب، ونحن نقلب صفحات أي كتاب نفكر بشرائه لكي نتأكد أنه يستجيب لحاجتنا له متعة أو فائدةً. وكانت هذه حالة تسوق مقبولةٍ، ولا قسر فيها، وقد حدث لي أن قرأت كتبا كاملة فـي مكان بيعها مـن المكتبات الكبرى، خاصة حـن ظهرت المقاهي في تلك المكتبات كجزء من التكسب عبر أكــواب القهوة، ولكن تعلم الناس أن يستخدموها لاستعراض الكتب قبل شرائها، وكانت متعتي الجمع بـن ترشف القهوة وتصفح عــدد مـن الكتب التي أكـون جمعتها كي أختار قــراري الأخير معها، وأنتهي عــادة بشراء بعضها وترك أخريات، وحينها كانت قراءتي واشترائي تتم بحرية كاملة، وهي متعة من أجمل ذكرياتي في مكتبات أميركا وبريطانيا في السبعينات والثمانينات وما بعد. ولكن فجأة ظهرت حيلة تجارية عبر حرص الناشرين على تغليف الكتب بـغـاف لصيق لا يسمح لـك بـــذاك الـخـيـار الـــذي كــان حـــرّاً، وهـذه الحركة هي أخطر حيلة في التقييد على حرية القراءة وحرية الشراء، وهو تصرف تولد عن فكرة التسويق والإغــراء وفرض شروط التجارة على حال القراءة، بما أن القراءة أصبحت مجلبة للمال ومادة للمتاجرة، وكان لا بد من صناعة الحيل لتنشيط سبل الربحية. ولهذا نشأت مثلا جائزة البوكر حين فكّر مجموعة من الناشرين في سبل تحفيز الشراء، وصمموا جائزة ظاهرها تكريم الكتاب، ولكن نيتها توسيع حالات البيع، فجعلوا الفوز يمر بمراحلَ، أولاها اختيار ستة وثلاثين كتابا لتكون في القائمة الطويلة للجائزة، ويعلن عنها وتنزل الكتب في السوق لبضعة أسابيع لكي تبيع ما تبيع بوصفها كتبا اختارتها لجان متخصصة من أهل الصنعة وكبار النقاد. وهذا سيغري جموع القراء لاقتناء هذه الكتب المختارة علميا ومنهجيا كما هو ظاهر الأمر، وتعززه الأخبار المدوية بأسماء تدهش وتلفت، ثم تأتي القائمة القصيرة بستة كتب فتبيع ما تبيع في وقت مفتوح لها إلى أن يحين وقت الدهشة الكبرى بالإعلان عن الكتاب الوحيد الفائز. وهذه ملحمة تجارية تصنع أرباحا تتضاعف بالتدرج، وبتوالي الأحاديث عن هـذه الجائزة التي بمقدار ما تُشهر الكتب والأسـمـاء فإنها تجني الربح وتضاعفه، ما يحقق رغبات الناشرين. وفي هذه الحركة يجري توجيه مسارات الذائقة القرائية وفرضها عبر كون الكتب هي خيارات الكبار من أهل الصنعة، أو كونها محمية بـــورق تغليف يمنعك مــن الـنـظـر والـتـصـفـح، وهـــذا يـفـرض عليك ذوق غيرك الــذي أعلن لك قوائم يقول لك إنها الأعلى والأرقـــى، وفـي الوقت ذاته يسلب منك حق الاختيار والاختبار والتصفح. ولذلك تفقد القراءة مزية كونها حرة كما كنا نسميها ونميزها عن القراءة الإجبارية في المـقـررات الـدراسـيـة التي تعودنا على كراهيتها والتعالي عليها بعد الـفـراغ منها لأنها إجـبـاريـةٌ. وهـكـذا نخرج مـن إجـبـار إلـى إجـبـار آخـر، ولكنه هنا إجبار تجاري يتقرر بلعبة الإغـراء والتسويق. وكل جائزة تعلن تلاحقها الربحية بمثل أعداد القراء الذين يتحول عندهم إعلان فــوز كـتـاب مـا إلــى دعـــوة لحفلات البيع الـتـي ستملأ مـداخـل المكتبات الكبرى مع كل مناسبة من مناسبات الفوز، غير أننا ظللنا نظن أننا أحــرار فيما نقرأ وكيف نقرأ ومـاذا نقرأ، ولكن صناعة الكتاب تغيرت مع شروط اقتصاديات السوق مذ ظهرت سوق النشر وضغط الإغراء كحال أي سلعة تجارية. ولــكــي تــكــون مـتـمـيـزا فـعـلـيـك أن تــكــون مـثـل غـــيـــرك، وهــــذه مـفـارقـة تسويقية خداعة. وكم اشترينا من كتب تحت حس الواجب لكيلا نبدو خــارج الــواقــع، وكــم وجـدنـا أنفسنا مضطرين للكتابة عـن أي فائز في نوبل مثلاً. وستكون فضيحة لأي مثقف أن يقول إنه لا يعرف ذلك الفائز، وقـد يضطر للكذب بـأن يتظاهر أنـه كـان يعرف الكاتب قبل فــوزه، رغم أنه لم يسمع به إلا بعد انتشار خبر فوز ذلك المخطوط الذي سيتصدر واجــهــات الـصـحـف، كما واجــهــات دور الـبـيـع. وكــم مـن دار ستربح من مبيعات الكتاب الفائز رغم أن ثلاثة أرباع من يشترون الكتاب لن يقرأوه كما تقول الاعترافات. وهنا ندرك كم فقدنا من حريتنا مع أمر كان هو أعلى درجـات حريتنا وأعلى درجـات الامتحان لذائقتنا الخاصة التي لـم تعد خـاصـة بسبب مـا تتعرض لـه مـن إكـراهـات تجعلك أسير الجو الثقافي الـــذي يتحكم فـي أنفاسك وذوقـــك وخـيـاراتـك فقط لتكون مثل غيرك رغم إيهامك بأنك صاحب الخيار والاختيار. عبد الله الغذامي مثقفون عراقيون ينعون الكاتبة الراحلة بعيدا عن مدينتها وحياتها الأولى لطفية الدليمي الشاهدة على تحوُّلات زمن عراقي عاصف هذا يوم حزين لبغداد، المدينة التي تعذَّبت كثيراً، وعذَّبت أهلها ونساءها بطموحها وفرادتها، لكنها اليوم أشد حــزنــا مــن ســــواه؛ فـقـد فــقــدت مؤرختها 1939« المتفردة الكاتبة لطفية الدليمي »، ومما يزيد من فجيعة المدينة 2026 - المنكوبة أن رحيل الكاتبة قد حصل في يـــوم «المـــؤنـــث الــعــالمــي» لــلــمــرأة، والمــــدن، والبلدان كلها، فكل ما هو «مؤنث» هو أم، وأصل ثابت للحياة والحكايات كلها. وهذه مصادفة تليق بالكاتبة الراحلة؛ فلطفية الدليمي ترحل «خالدة» في يوم يحتفل فيه العالم كله بالمرأة وكفاحها وحكاياتها المختلفة حقاً. للكاتبة ميسلون هادي صديقتها، ورفيقة عمرها، كل الحق في أن تصف هذا اليوم بالحزين في الثقافة العراقية؛ فـقـد أسـهـمـت الـكـاتـبـة الـراحـلـة فــي رسـم مـــســـارات هـــذه الـثـقـافـة؛ إذ «أســســت كل طــــيَّــــة مــــن فـــضـــاءاتـــهـــا بــــمــــادة مــعــرفــيــة عميقة، وخبرات حياتية متراكمة». وقد كان لها هذا المجال بما عاشت من حياة طـويـلـة منحتها «مــعــلــومــات تـاريـخـيـة مـوثـوقـة»، ولغة «ثـريـة حسية متحركة أقـل ما يقال عنها إنها ساحرة نابضة بـالـحـيـاة والـعـاطـفـة، فــوَّاحــة بالعطور، مـــنـــغَّـــمـــة بــمــوســيــقــى مـــشـــهـــديـــة رفــيــعــة المـــســـتـــوى». ولا عــجــب أن نــجــد شــاعــرا أو كـاتـبـا مــن جـيـل آخــــر، مـمـن ولـــد بعد عــقــود مــن تــرسُّــخ اســـم لطفية الدليمي بصفتها الكاتبة المؤسِّسة، يكرر معنى كلام الكاتبة ميسلون هـادي، فصاحبة «عشاق وفونوغراف وأزمنة» تمثِّل لدى الــشــاعــر عـمـر الـــســـراي الــلــســان الـنـاطـق «بـــاســـم هــمــوم المـجـتـمـع مـــن ستينيات الــــــقــــــرن الــــعــــشــــريــــن بـــــأدبـــــهـــــا الــــرصــــن وتجربتها العميقة التي حاكت ما مر به أبناء شعبها». «المرأة الكاتبة» في سياق ثقافة ذكورية وبـــرغـــم أن الــكــاتــبــة الـــراحـــلـــة كـانـت تــرفــض بــاســتــمــرار، كـمـا تــقــول الـنـاقـدة إشـــــــــــــــراق ســــــــامــــــــي، وصــــــــــف أعــــمــــالــــهــــا الأسـاسـيـة بصفة النسوية فإنها تظل المـرأة الكاتبة في ثقافة تزخر بـ«سيادة ذكـــوريـــة للمنتجين فـــي حــقــول الإبــــداع والأدب». وهـذه مفارقة تستحق التأمل كما يرى الشاعر عارف الساعدي، مدير دار الــــشــــؤون الــثــقــافــيــة الـــعـــامـــة، حيث عــمــلــت هـــنـــاك صــحــافــيــة ومـــــحـــــررة، ثـم مديرة تحرير لمجلة «الثقافة الأجنبية»؛ فالثقافة الـتـي كـانـت تطردها للهامش كـانـت هــي ذاتــهــا مــن أعـلـت مــن شأنها، بـعـد أن أثـبـتـت حـضـورهـا المـتـفـرد على مستويات إبداعية مختلفة؛ فهي كاتبة قـصـة، وروايــــة، وهــي مترجمة، ونـاقـدة أدبية، وكاتبة مقالة صحافية من طراز مـتـفـرد. كـانـت حـقـا، والـــكـــام للساعدي «رقما صعبا في مضمار الأدب، وأحسب أنها استطاعت أن تخط لها مسارا عجز عن خطه مبدعون كبار». ومـــــمـــــا لـــــه صــــلــــة عـــمـــيـــقـــة بــــأصــــول رفــضــهــا لإدراج نــصــوصــهــا فـــي خـانـة «الأدب الــــنــــســــوي»، تـــعـــلُّـــق نـصـوصـهـا الأســـاســـيـــة بـــمـــا يــســمــيــه الـــنـــاقـــد عـقـيـل عبد الحسين في شهادته بـ«الإليغوريا الـوطـنـيـة فــي الـــروايـــة الـعـربـيـة» المعبرة عـــن «تــطــلــع الـــكـــتّـــاب إلــــى دولـــــة وطـنـيـة تـحـكـمـهـا قــيــم الــحــريــة والــــعــــدل»، فلما انــتــهــت تــلــك الإلـــيـــغـــوريـــا الــوطــنــيــة إلــى سياقات «متعالية وإقصائية ومدمرة لـــإنـــســـان والـــبـــيـــئـــة»، نــجــد أن الـكـاتـبـة لطفية الـدلـيـمـي، تـحـديـدا فــي روايـتـهـا الأخـــيـــرة «مـــشـــروع أومـــــا»، تـسـعـى، كما يـضـيـف عــبــد الــحــســن، إلــــى «اســتــبــدال بــــالإلــــيــــغــــوريــــا الــــعــــالمــــيــــة الإلــــيــــغــــوريــــا الــــوطــــنــــيــــة، تـــلـــك الــــتــــي تـــــوحِّـــــد الـــعـــالـــم ومشكلاته السياسية والثقافية في نمط كتابي لا ينشغل بالتمايزات في الهوية وفي الانتماءات الآيديولوجية والدينية وغـيـرهـا، ويخلص لـإنـسـان، ولمــا ترى فيه مبدأه ومنتهاه، وهـو الأرض، الأم، أو البيئة الحاضنة لوجوده ولإمكاناته فـــي الــعــيــش والإحــــســــاس، ويـــحـــرره من نـــيـــر الــتــصــنــيــفــات الــتــقــلــيــديــة: مـــذكـــر/ مؤنث، أنا/ آخر، عراقي/ عربي، عربي/ أجـنـبـي». ولا بــد أن الــتــحــوُّلات الكبرى لبلادها، العراق، كانت وراء هذا النزوع الإنساني الشامل في منطقها وأدبها. ذاكرة أخرى للأدب والحياة وللكاتبة الراحلة فضل كبير على الأدب في العراق؛ فقد تمكَّن سردها، كما يرى الناقد علي سعدون، رئيس تحرير مجلة الأقـــام، من التحوُّل إلـى «ذاكــرة» حـكـائـيـة شــامــلــة، أو تـــكـــاد؛ فقصصها الــقــصــيــرة وروايــــاتــــهــــا صـــــارت بـمـثـابـة «ذاكـــرة حية للحياة العراقية والعربية حــــيــــث ســــجَّــــلــــت مــــــن خــــــــال قــصــصــهــا القصيرة ورواياتها ومخيلتها الخصبة أهـــم الـعـتـبـات الـتـاريـخـيـة والـسـيـاسـيـة والـثـقـافـيـة وتـحـولاتـهـا الـــحـــادة عـراقـيـا وعــــــربــــــيــــــا. إنــــــهــــــا نـــــــمـــــــوذج لـــلـــمـــبـــدعـــة العصامية التي واكبت الأحداث فكتبت عنها بـحـراجـة الــراهــن وأهـمـيـتـه». وقد يـــكـــون عــلــيــنــا، فـــي ســـيـــاق الــكــتــابــة عن الــذاكــرة الإبـداعـيـة كما تقدِّمها روايـــات وقــــصــــص، وحـــتـــى مــــقــــالات وتـــرجـــمـــات الـــكـــاتـــبـــة الــــراحــــلــــة، أن نـــاحـــقـــهـــا عـلـى المـسـتـوى الشخصي للكاتبة، لا سيّما أن ذلـك التاريخ الشخصي، كما يجادل الناقد علي حسين الفواز، شاهد «على تحولات زمـن عراقي عاصف، اختلطت فـــيـــه الــــرومــــانــــســــيــــة بـــالآيـــديـــولـــوجـــيـــا، الـــروايـــة بــالــذاكــرة، والـسـيـاسـة بالحلم، إذ كـانـت فـيـه لطفية الـدلـيـمـي الــســاردة والمترجمة وصاحبة المـشـروع النقدي، وصانعة الشخصيات الاستثنائية، في تـمـردهـا وفـــي وعـيـهـا، وفـــي بحثها عن الحرية والمعنى». وقــــد لا يـبـتـعـد كــثــيــرا الــحــديــث عن الــــــذاكــــــرة الـــخـــصـــبـــة لـــلـــكـــاتـــبـــة الـــراحـــلـــة عـــلـــى صـــعـــيـــدي الـــنـــصـــوص الأدبــــيــــة أو الحياة الشخصية، ما يمكن أن نلمسه مــن تـأثـيـر كـبـيـر مــارســتــه الـكـاتـبـة على أجيال أدبية مختلفة. مثل هـذا التأثير المختلف، المؤسِّس غالباً، لمنطق الفرادة في سياق تيار الستينيات العراقي ذي الـعـوالـم العجائبية نــجــده، ابـــتـــداءً، في نـصـوص الكاتبة الأولــــى؛ فهي الكاتبة الــســتــيــنــيــة الـــتـــي «تـــغـــامـــر» و«تــــصــــدر» مجموعتها القصصية الثانية «إذا كنت تـحـب»، وهــو عـنـوان «رومــانــســي»، كما يـقـول الـكـاتـب عـبـد الـسـتـار البيضاني، وقـــد حـمـلـت الـقـصـص غــافــا مـفـارقـا لما كـــان ســائــدا فــي كـتـب تـلـك الـحـقـبـة، فقد اخـــتـــارت الـكـاتـبـة «لمـجـمـوعـتـهـا صـــورة فوتوغرافية لحقل تـداعـب الـريـح زرعـه بغنج. وكان هذا خير معبر عن مضامين مجموعتها، حيث دفء اللغة وعذوبة الـقـص». سـوى أن الإحـسـاس بالألفة لم يكن حصة البيضاني نفسه، إنما هو ما شاركه فيه زملاؤه من الجيل الثمانيني؛ فقد تحوَّل مكتبها في مجلة «الطليعة الأدبـيـة» إلـى ملتقى لأبناء ذلـك الجيل، فـ«وجدتهم يتحلقون حول مكتبها في المجلة، وصارت غرفتها هي مكان موعد لـقـاءاتـنـا». فهي الأم الـــرؤوم كما تظهر لدى الكاتب الروائي لؤي حمزة عباس، وهـــو مــن جـيـل أدبـــي لاحـــق، أو هــي الأم الــكــونــيــة مـثـلـمـا يــحــلــو لــهــا أن تـسـمِّــي نفسها. فهي المبدعة و«راعية أحلامنا، السيدة التي رسمت روحها بين سطور كتاباتها، افتح أي كتاب من كتبها: في الـــروايـــة، والـقـصـة الـقـصـيـرة، والمــســرح، والـرحـلـة، والـبـحـث، وأعـمـالـهـا العديدة فــــي الـــتـــرجـــمـــة، ومـــؤلـــفـــهـــا الــجــمــيــل عـن النبات، تجدها حاضرة، حيَّة بابتسامة الأم الرؤوم ونظرتها الحانية». وفيما كتبته الـنـاقـدة والأكاديمية الأردنـــيـــة الــدكــتــورة مــريــم جـبـر فـرحـات تــعــلــيــقــا عـــلـــى رحــــيــــل الـــكـــاتـــبـــة المـــحـــزن مـصـداق للتأثير الكبير الـــذي مارسته الكاتبة الراحلة ليس على أبناء وطنها، ولا على مدينتها بـغـداد فحسب، إنما تـلـمـسـه الـــنـــاقـــدة الأردنــــيــــة عــلــى مـديـنـة عمان التي اتخذتها الكاتبة وطنا بديلا بــعــد أن ضـــاقـــت بــهــا الـــســـبـــل؛ فــصــارت بلادها ومدينتها بعيدة عنها؛ فـ«عمان حـــزيـــنـــة بـــفـــقـــد قــــامــــة إبــــداعــــيــــة عـظـيـمـة ومؤثرة». وعـنـدي، أنـا المـولـود بعد عقود من القصة الأولــــى، والـكـتـاب الأول للكاتبة لطفية الدليمي، فإن الأثر الباقي للكاتبة يظل ذا سـيـاق متَّصل وآخـــذ بالاتساع والــدوام، وهو شأن النصوص الأصيلة المعبِّرة عن عصرها وثقافتها وبلادها وحياتها. وإذ أكـتـب الـيـوم عـن الكاتبة لطفية الدليمي فإني أستعيد عشرات، وربما مئات المحادثات مما جمعني مع الكاتبة الراحلة على «الماسنجر» وغيره. وكــــــان لــــي أن أكـــتـــب مـــقـــالـــة أولـــــــى، كـمـا أفترض، عن روايتها الأخيرة «مشروع أومَّــــــا»، وقـــد نـشـرتـه «الـــشـــرق الأوســــط» الــــغــــراء. لـكـنـي أســتــعــيــد، هـــنـــا، رغـبـتـي الجامحة في ثمانينيات القرن الماضي بـــنـــشـــر نـــصـــوصـــي فــــي المـــجـــلـــة الأدبــــيــــة التي كانت تـحـرِّر فيها لطفية الدليمي القصص وما يتصل بها. نعم، أستعيد تـلـك الـرغـبـة، ذلـــك الـشـغـف الــجــارف بـأن تظهر نصوصي من تحت يدي الكاتبة الـكـريـمـتـن، ولـــكـــن... هــيــهــات؛ فـقـد ظل حلما جميلاً. لطفية الدليمي مع عناوين بعض كتبها بغداد: د. حمزة عليوي رغم أن الكاتبة الراحلة كانت ترفض باستمرار وصف أعمالها الأساسية بصفة «النسوية» فإنها تظل المرأة الكاتبة في ثقافة تزخر بـ«سيادة ذكورية»
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky