لــيــســت المــشــكــلــة فــــي الـــقـــصـــف المـــتـــكـــرر عـــلـــى إقـلـيـم كُــردسـتـان بوصفه حـادثـا أمنيا عــابــراً، بـل فـي الوظيفة السياسية التي يراد تحميلها له، فحين تتكرر الضربات عـلـى أربــيــل ومحيطها وحـقـولـهـا ومـنـشـآتـهـا الـحـيـويـة، لا يبدو الأمــر مجرد ارتـــداد جانبي للصراع الأمـيـركـي - الإيراني، بل محاولة واعية لإعـادة تعريف موقع الإقليم داخل معادلة إقليمية لم يختر الانخراط فيها أصلاً، هنا لا يعود السؤال: من أطلق الصاروخ أو المسيَّرة فقط؟ بل: من يحتاج إلى تحويل كُردستان من مساحة توازن نسبي إلى ساحة اشتباك، ولماذا؟ الـــقـــراءة الأرجــــح، أن مــا يـجـري لا يــنــدرج فــي إطــار ردود فعل عسكرية مـعـزولـة، بـل فـي سـيـاق سعي منظم لــخــلــط الأوراق بــــن هـــدفـــن مـــتـــداخـــلـــن: الـــضـــغـــط عـلـى الـــولايـــات المــتــحــدة عـبـر بـيـئـة وجـــودهـــا ومـصـالـحـهـا في الإقـــلـــيـــم، ومــعــاقــبــة كـــردســـتـــان لأنــــه مـــا زال يــمــثــل، داخـــل عــراق مضطرب، نموذجا مختلفا فـي الأمــن والاستثمار والانـــفـــتـــاح؛ ولـــهـــذا اتــســعــت الأهــــــداف مـــن مـحـيـط المــطــار والـقـواعـد والمــقــار الدبلوماسية إلــى البنية الاقتصادية نـفـسـهـا؛ حــقــول الـنـفـط والـــغـــاز، ومـــراكـــز الــطــاقــة، وأبــــراج الاتصالات، وأحيانا مرافق مدنية وخدمية، وحين ينتقل الاستهداف من الرمزية العسكرية إلى شرايين الاقتصاد، فــإن الرسالة تصبح أوضــح: المقصود ليس فقط توجيه إنـذار إلى واشنطن، بل خنق نموذج استقرار يـراد له أن يفشل أو يبقى هشّا وقابلا للابتزاز. ومـن هـذه الـزاويـة، يصعب قــراءة معظم الضربات بوصفها مـبـادرات منفلتة أو ردودا عفوية؛ فالمؤشرات المـتـراكـمـة تـوحـي بــأن عـــددا كبيرا منها يرتبط بفصائل محلية مسلحة تدور في الفضاء الولائي الموالي لإيران، أو تعمل من مناطق خاضعة لنفوذها السياسي والأمني في الوسط والجنوب، وكذلك في كركوك وسهل نينوى وجـنـوبـه المـتـاخـم لـإقـلـيـم، ولا يعني ذلـــك أن كــل حـادثـة موثقة قضائيا باسم جهة مـحـددة، لكن نمط الأهـــداف، وجــغــرافــيــا الــتــهــديــد، وصـــــدور أكــثــر مـــن إشـــــارة رسمية عراقية في بعض الحالات إلى معرفة المنفذين من دون أن يعقب ذلك ردع حاسم، كلها تجعل فرضية الضلوع المنظم لتلك الفصائل أقـرب إلـى التفسير السياسي من فرضية «الـجـهـات المـجـهـولـة»، فــالــذي يملك الــقــدرة عـلـى الـضـرب المتكرر، ويجد لنفسه غطاء سياسيا يمنع محاسبته، لا يعود مجرد فاعل أمني، بل يتحول جــزءا من بنية قرار مــوازيــة لـلـدولـة، وهـنـا تـحـديـدا تتضح الوظيفة الأعمق لهذا القصف، فهذه الفصائل ليست مجرد ذراع ميدانية فـي الاشـتـبـاك مـع الــولايــات المتحدة أو إسـرائـيـل، بـل هي أيـضـا جـــزء مــن تـيـار سـيـاسـي مـتـشـدد يمتلك امـــتـــدادات بـرلمـانـيـة وحـكـومـيـة ونـــفـــوذا واســعــا فــي مـفـاصـل الــقــرار؛ لذلك لا يبدو استهداف كُردستان منفصلا عن استخدام التوتر الـخـارجـي لإعـــادة ضبط الـتـوازنـات الداخلية في بـغـداد، فكلما تصاعد الضغط الإقليمي، اتسعت حاجة هذا التيار إلى ساحات يثبت عبرها حضوره العسكري والـسـيـاسـي مــعــا، وإلــــى خــصــوم داخـلـيـن يــلــوّح بـهـم أو يضغط عليهم، ومــن هنا يصبح الإقـلـيـم، بحكم وضعه الـــدســـتـــوري المـخـتـلـف، وعــاقــاتــه الــخــارجــيــة الطبيعية، ونــجــاحــه الـنـسـبـي فــي بــنــاء بـيـئـة أكــثــر اســـتـــقـــراراً، هدفا مثاليا لتلك الرسائل المركبة. بل يمكن القول إن هذه الفصائل لم تعد تستخدم السلاح فقط لفرض إيقاعها الأمني، بل لتكييف الحياة السياسية العراقية نفسها، فتعطيل التسويات، وتأخير تشكيل الحكومات، وتعقيد انتخاب رئيس الجمهورية، والضغط على مسارات التفاهم بين بغداد وأربيل، كلها ملفات يصعب فصلها عن نفوذ هـذا التيار الـذي يجمع بــن الـوظـيـفـة المـسـلـحـة والــحــضــور الـبـرلمـانـي والامـــتـــداد داخـــــل بــعــض مـــؤســـســـات الــــدولــــة، والأخــــطــــر مـــن ذلــــك أن تأثيره لا يتوقف عند حـدود «البيت الشيعي»، بل يمتد إلى استثمار الانقسامات داخل المكونين الكردي والسني أيضاً، فكلما ازداد الضغط الأمني على الإقليم، تراجعت قدرة النخبة الكردية على إدارة خلافاتها بهدوء، وازدادت قابلية الـسـاحـة الـكـرديـة للتجاذبات الـخـارجـيـة، والأمــر نفسه ينسحب على البيئة السنية فـي نينوى وكركوك ومحيطهما، حيث تتداخل هشاشة التمثيل مع النفوذ الأمني ومع الصراع على الجغرافيا والتمثيل والموارد. لــكــن الـــســـرديـــة الـــتـــي تـــحـــاول تــبــريــر هــــذا الإقـــحـــام تصطدم بحقيقة الموقف الكردي الرسمي المعلن والمتكرر، فـإقـلــيـم كُـــردســـتـــان لـــم يـعـلـن يـــومـــا أنــــه جــــزء مـــن الــحــرب الجارية، ولم تصدر عنه أي إشـارة سياسية أو ميدانية تــوحــي بـرغـبـتـه فــي تـحـويـل أراضـــيـــه مـنـصـة لاسـتـهـداف إيــــران، عـلـى الـعـكـس مــن ذلـــك، ظــل الـخـطـاب الـرسـمـي في أربـــيـــل يـــؤكـــد أن الإقــلــيــم لا يـــريـــد أن يـــكـــون مـنـطـلـقـا لأي تهديد ضد دول الجوار، وأنـه يتمسك بعلاقات طبيعية مع إيران وتركيا وسوريا ضمن منطق المصالح المتبادلة والاسـتـقـرار الإقليمي، وهــذا ليس موقفا دعائيا طارئاً، بل هو خيار سياسي ثابت عبّرت عنه قيادة الإقليم في أكثر مـن مناسبة، كما أن هـذا المـوقـف لـم يبق فـي حـدود الـتـصـريـحـات، بــل تــرافــق مــع الـــتـــزام عـمـلـي بالتفاهمات الأمنية الخاصة بضبط الحدود ومنع استخدام أراضي الإقليم في أي عمل ضد إيـران، فالاتفاق الأمني الإيراني - العراقي - الكردستاني بشأن إبعاد الجماعات الكردية الإيرانية المسلحة عن الشريط الحدودي لم يكن تفصيلا ثـانـويـا، بـل كــان مـؤشـرا واضـحـا على أن أربـيـل اخـتـارت الـــنـــأي بــالــنــفــس عـــن أي وظــيــفــة هــجــومــيــة، حــتــى وهــي تستضيف معارضين ولاجئين إيرانيين في إطار إنساني وقـــانـــونـــي، وهــنــا يـنـبـغـي الـتـمـيـيـز بـــن وجــــود مـعـارضـة ســيــاســيــة أو لاجـــئـــن عــلــى أرض الإقـــلـــيـــم، وبــــن وجـــود قرار كُردستاني رسمي باستخدامهم في حرب إقليمية، الـفـارق بـن الأمـريـن جـوهـري، وأي خلط متعمد بينهما لـيـس ســـوى مـحـاولـة لـتـولـيـد ذريــعــة مسبقة لاستباحة الإقليم. والأهــــم أن سـجـل الإقـلـيـم الـسـيـاسـي فــي الـسـنـوات الأخــــيــــرة لا يـــشـــي بــوظــيــفــة هــجــومــيــة أصـــــــاً، بــــل بــــدور وســطــي مـعـتـدل، فـقـد سـعـت قــيــادة الإقــلــيــم، وخـصـوصـا الرئيس مسعود بــارزانــي، إلـى دعـم مـسـارات الـسـام في تركيا، وإلــى تشجيع الحلول السياسية بـدل الاحـتـراب، كـمـا لعبت أربــيــل أدوارا مـعـروفـة فــي تخفيف الـتـوتـرات المحيطة بالساحة السورية، ودعمت التفاهمات التي تقلل احتمالات الانفجار وتمنح المكونات، وفي مقدمتها الكُرد، فرصة للاندماج في ترتيبات أكثر استقراراً؛ ذلـك يعني أن كُردستان لا يقدم نفسها باعتباره «خندقا متقدماً» في محاور الصراع، بل بوصفه مساحة توازن ومصلحة فـي خفض الـحـرائـق لا فـي توسيعها؛ لـهـذا فـــإن الـسـؤال الصحيح ليس: لماذا يُقصف كُردستان؟ بل: لماذا يُعاقَب حــيــاده؟ فــالــذي يـــراد اســتــدراجــه إلـــى الــحــرب لـيـس طرفا اخــتــارهــا، بــل طـــرف حـــاول الـبـقـاء خـارجـهـا، والـضـربـات الـــتـــي تـــطـــول مــنــشــآت الإقـــلـــيـــم وفــــضــــاءه الاقـــتـــصـــادي لا تبدو، في هذا المعنى، ردا على دور قام به، بقدر ما تبدو ضغطا عليه كي يتخلى عن دوره المختلف، أي أن يتحول مـن مساحة اسـتـقـرار نسبي إلــى جبهة أخـــرى فـي حرب الآخرين، أو على الأقل إلى ساحة رخوة تُستخدم لتبادل الرسائل وتصفية الحسابات. إن من يستدرج كُردستان إلـى الـصـراع الأميركي - الإيراني لا يستهدف فقط وجـودا أميركيا هنا أو هناك، بل يستهدف معنى سياسيّا أعمق: أن يبقى في العراق نـمـوذج لا يحكمه كليا منطق الميليشيا، ولا تنجح في إخــضــاعــه روايـــــة الــتــخــويــن، ولا يُـــــدار بــالــكــامــل بمنطق المـــحـــاور المـغـلـقـة؛ ولـــذلـــك فــــإن الـــدفـــاع عـــن الإقــلــيــم هـنـا لا يبدأ من إدانــة الصواريخ وحدها، بل من تفكيك الرواية التي تسبقها وتمهد لها: روايــة تحويل الضحية طرفاً، والحياد تهمةً، والاستقرار استفزازاً، وحين تعجز الدولة عن ردع الميليشيا، يصبح من الطبيعي أن يتحوَّل الحياد نفسه هدفا للنار. Issue 17269 - العدد Tuesday - 2026/3/10 الثلاثاء أدَّى إسقاط نظام الأســد وقيام السلطة الجديدة في إلى تصاعد آمال السوريين ورغباتهم في 2024 أواخر عام تـجـاوز مـا خلفته الــحــرب، وتطبيع حياتهم وإعــــادة بناء ســوريــا، وهــو هــدف عـريـض وجــد دعـمـا معلنا مـن محيط إقليمي ودولـــي، تتقدمه الـولايـات المتحدة، وكــان مـن أبـرز نتائجه رفــع الـعـقـوبـات، وفـتـح بــوابــات الاتــصــال والبحث في الحاجات، وتوقيع مذكرات تعاون، وبدء تنفيذ بعض اتــفــاقــيــات ومــشــاريــع الـــتـــعـــاون، لـكـنـهـا مـــا زالــــت مــحــدودة الـــنـــتـــائـــج، ولا تــعــكــس طـــمـــوحـــات ورغــــبــــات الـــســـاعـــن إلــى إنهاض سوريا وإعادة بنائها. ولـلـحـق، فــإن مـسـار إنـهـاض سـوريـا وإعــــادة بنائها، لــم يـكـن مقتصرا عـلـى جـهـود الـحـكـومـة الــســوريــة، بــل كـان بفضل جـهـود كثير مـن الـسـوريـن مـن فعاليات سياسية واقتصادية واجتماعية من المقيمين ومن أعضاء الجاليات فـي الـخـارج للقيام بــدور هدفه الأدنـــى تحسين مستويات الحياة مـن جهة، ومساعدة الحكومة فـي إنـهـاض سوريا وإعادة بنائها من جهة أخرى، خاصة في ظل أمور ثلاثة. الأول، مـحـدوديـة قــــدرات الـحـكـومـة فــي ظــل مجموعة عــوامــل مـوضـوعـيـة وذاتـــيـــة تـحـيـط بــهــا، مــن الأولــــى حجم الدمار المادي والبشري الذي خلفه النظام البائد، وضعف المــــوارد والـعـقـوبـات الـدولـيـة، والأهـــم فـي الثانية إمكانات الحكومة وتوزيع أولوياتها بين كل المرافق. والأمـــر الـثـانـي، إحـسـاس الـسـوريـن بجوهر التغيير في سوريا، وبخاصة لجهة أنه صار بإمكانهم القيام بدور مباشر وعملي في رسـم مصير بلدهم وأهلهم، وهـو دور لطالما مُنعوا مـن القيام بـه فـي ظـل النظام الأســـدي، ومما يعزِّز تلك الرغبة والــدور أن سوريين في المغتربات لديهم أمـــــوال واســتــثــمــارات يــرغــبــون تشغيلها فــي ســوريــا كليا أو جـزئـيـا، ولـــدى كثير مــن الـاجـئـن والمـهـاجـريـن خـبـرات ومـــعـــارف وأمــــــوال، تـسـاعـدهـم عـلـى بـــدء حــيــاة جــديــدة في بلدهم الأم، إضافة إلى رغبة كثير من سوريي الخارج في الــعــودة إلــى بلدهم بعد سـقـوط نـظـام الأســـد، وبـــدء مسار جديد من الحياة السورية. الأمــــــــر الــــثــــالــــث، أســـــاســـــه أن الــــحــــضــــور والمــــشــــاركــــة المجتمعية تقليد شـائـع فـي الـحـيـاة الـسـوريـة، ســـواء عبر النشاط الخاص أو عبر تكوينات عائلية أو أهلية ومدنية، حيث يقدم سوريون أموالا وخدمات لذوي الحاجة بصورة فردية ومن خلال شبكات عائلية، وقد تكون المساعدات عبر جمعيات خيرية، أو عبر نشاطات منظمات المجتمع المدني، في تجربة 2000 وقد شهدت الأخيرة نموا ملموسا بعد عام »، وفرضت 2011 ربيع دمشق، ثم توسَّعت أكثر بعد «ثورة حضورها بشكل ما في مناطق سيطرة النظام، وقد صارت الـــيـــوم بـــوابـــة لـــــدور مــتــعــدد المـــجـــالات لمــســاعــدة ومــشــاركــة سوريين في تحسين ظروفهم وتطوير حياتهم. لقد سجَّل السوريون في الخمسة عشر شهرا الأخيرة حراكا واسعاً، لم يقتصر على النشاط السياسي والثقافي والاجــتــمــاعــي والاقـــتـــصـــادي الـــهـــادف إلـــى تـغـيـيـرات تـدعـم وتساند جـهـود الـخـروج مما خلَّفه نـظـام الأســـد فـي حياة الـسـوريـن، وفـتـح أبـــواب اسـتـعـادة الـحـيـاة إلــى طبيعتها، وكــانــت فــي جـمـلـة تـعـبـيـرات الـــحـــراك ظــاهــرة إعــــادة إطــاق المنتديات الفكرية والسياسية، وعقد الندوات والملتقيات، وتأسيس الجماعات والتنظيمات المختلفة وإطلاق مراكز البحث والتدريب غير الربحية. وأغـــــلـــــب مــــخــــرجــــات الـــــحـــــراك الـــــســـــوري كــــــان هــدفــهــا التغيير، وليس تجاوز المشاكل القائمة من طـراز التركيز عـلـى اســتــبــدال المــســاعــدات الـغـذائـيـة بتشجيع المحتاجين ومـسـاعـدتـهـم لـلـذهـاب إلـــى الـعـمـل، وفـتـح أبــــواب الـتـدريـب والتعليم، لا سيما في مجالات عملية وأعمال مطلوبة في سوق العمل. ومـمـا لا شــك فـيـه، أن تـجـربـة الــحــراك الـــســـوري، التي أطلقت تجارب وتكوينات خيرية ومدنية وإداريـة في مدن وقـــرى كـثـيـرة، ومـــبـــادرات أشــخــاص وفـعـالـيـات اقتصادية واجتماعية وثقافية، كـانـت تـجـارب مهمة مـن الناحيتين الكمية والـنـوعـيـة، وفــي اهتماماتها وطـــرق عملها، وكـان يمكن لـهـذه الــتــجــارب أن تـتـضـاعـف، وأن تـقـدم مــزيــدا من النجاحات لو كانت البيئة المحيطة أفضل. وإذا أردنـــــا الإشــــــارة إلـــى مــامــح الـبـيـئـة الأفـــضـــل في تعزيز الـحـراك الــســوري، فـــإن أهــم المـامـح، يكمن فـي خلق اســـتـــقـــرار أفـــضــل مـــن الـنـاحـيـتـن الـسـيـاسـيـة والأمـــنـــيـــة، لا ســيــمــا لــجــهــة تـــبـــريـــد وحـــــل الــــصــــراعــــات الـــتـــي ظـــهـــرت فـي الساحل والجنوب بصورة بعيدة عن العنف واحتمالاته على نحو ما انتهت إليه الحال في شمال شرقي سوريا، حيث اندمجت المنطقة في الحياة السورية، كما في الملامح ضــــرورة تـوجـه الـحـكـومـة الـسـوريـة إلـــى معالجة مشكلات الفقر والبطالة، وتشجيع الـسـوريـن على الـذهـاب لإقامة مشروعات عمل صغيرة لتلبية احتياجاتهم الضرورية في الغذاء والخدمات والسكن، التي تشكل إلى جانب الصحة والتعليم أهـــم احـتـيـاجـات الـسـوريـن فــي المـرحـلـة الـراهـنـة وأساس انتقالهم نحو الأفضل. إن تـــوفـــيـــر هـــــذه الــبـــيـــئـــة غـــيـــر مــمــكــن فــــي الإعــــانــــات والأمـنـيـات، بـل مـن خــال الـخـطـوات العملية نحو توسيع مشاركة الأكثرية في الحياة الوطنية، واعتماد توجهات وخطط واضحة ومدققة وشفَّافة في سياسات ومسارات عمل الحكومة بطابعه الاجتماعي، وتأكيد تطبيق القانون، والمضي نحو استكمال المرحلة الانتقالية، ومعالجة الملفات الــحــرجــة مــثــل مــلــف المــخــيــمــات ومـــلـــف الــاجــئــن فـــي دول الجوار، وكلها ستدفع المزيد من السوريين، لا سيما رجال المـال والأعـمـال والخبرات للمجيء، والانـخـراط في الحراك الـــســـوري لـتـحـسـن أوضـــــاع الــســوريــن ومـسـتـقـبـلـهـم، مما يشجع غيرهم مـن عــرب وأجـانـب على المـشـاركـة فـي إعــادة إعمار سوريا. مــــع اتــــســــاع المــــواجــــهــــة بــــن إيــــــــران مــــن جــهــة، والـــــولايـــــات المـــتـــحـــدة وإســـرائـــيـــل مـــن جــهــة أخــــرى، استهدفت الأولى دول الخليج -رغم عدم انخراطها في الحرب- في محاولة لنقل تكلفة الصراع. وتشير آلاف صاروخ 3 الأرقام المعلنة إلى إطلاق ما يقارب وطائرة مُسيَّرة منذ اندلاع الحرب باتجاه دول في المـنـطـقـة، اسـتـهـدفـت مـنـشـآت مـدنـيـة وبـنـى تحتية حيوية. هذه الأرقام لا تعكس مجرد تصعيد عسكري؛ بل تكشف عن منطق استراتيجي محدد يقوم على تـوسـيـع دائـــــرة الـــصـــراع ورفــــع تـكـلـفـتـه الإقـلـيـمـيـة. منطق يـتـصـور أن مـواجـهـة الــــدول الـقـريـبـة أسهل وأقــل تكلفة مـن مواجهة الخصوم البعيدين. غير أن الـتـجـربـة الـتـاريـخـيـة أثـبـتـت أن هـــذا المـفـهـوم لم يكن تعبيرا عن قوة بقدر ما كان علامة على مأزق استراتيجي؛ فاستهداف الدول القريبة لم يؤد إلى إضــعــافــهــا؛ بـــل عــــزَّز تـمـاسـكـهـا وكــشــف مـحـدوديـة القوة لدى من تبنَّى هذا المنطق. ففي أدبيات الحروب غير المتكافئة، تُستخدم هـــذه الاسـتـراتـيـجـيـة بــهــدف تـــوزيـــع الأضـــــرار على أطــــــــراف مــــتــــعــــددة، عـــلـــى أمــــــل أن يـــــــؤدي الــضــغــط الاقــتــصــادي والـسـيـاسـي الـنـاتـج عــن ذلـــك إلـــى دفـع تلك الـدول للتأثير على مسار الصراع، أو الضغط لإنهائه. غير أن هــذه المـقـاربـة -عـلـى الـرغـم مـن قدرتها عـلـى إحــــداث ضـجـيـج عـسـكـري فــي لـحـظـة الــحــرب- غالبا ما تتحول إلى خسارة سياسية بعيدة المدى. فالقانون الدولي واضح في حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، كما أن استهداف دول لم تنخرط فـي الــنــزاع يـقـوِّض الأســـس القانونية والسياسية الـتـي تنظم الـعـاقـات بـن الــــدول. وعـنـدمـا تتحول المـــدن والـبـنـى المـدنـيـة فــي دول الــجــوار إلـــى أهـــداف لـلـصـواريـخ والــطــائــرات المُــســيَّــرة، فــإن ذلــك لا يغير فــقــط مـــعـــادلات الـــحـــرب؛ بـــل يـــتـــرك أثـــــرا عـمـيـقـا في طبيعة العلاقات الإقليمية. مــن هـــذه الـــزاويـــة تــحــديــدا يـمـكـن فـهـم المـوقـف السعودي. فمنذ بداية الأزمة اختارت المملكة نهجا يـــقـــوم عــلــى ضــبــط الــنــفــس والــحــكــمــة الـسـيـاسـيـة، متمسكة بمنطق الدولة ومسؤولياتها في الحفاظ عـلـى الاســـتـــقـــرار الإقــلــيــمــي. وقـــد جـــاء هـــذا المـوقـف امتدادا لسياسة سعودية راسخة تقوم على احترام قــواعــد الــقــانــون الـــدولـــي، وتـغـلـيـب الـدبـلـومـاسـيـة، والـعـمـل على خفض التصعيد فـي منطقة تعاني أصلا من فائض في الأزمات. هــــذا الــنــهــج لا يـعـكـس ضـعـفـا ولا تــــــردداً؛ بل يــعــكــس فــهــمــا عــمــيــقــا لــطــبــيــعــة الـــنـــظـــام الــــدولــــي، ولــحــقــيــقــة الـــجـــغـــرافـــيـــا الـــســـيـــاســـيـــة فــــي المــنــطــقــة. فـالـحـروب -مهما اتسعت- تظل أحـداثـا مؤقتة في التاريخ السياسي. أما الجغرافيا فهي حقيقة ثابتة لا تتغير. الــقــوى الـبـعـيـدة الـتـي تـدخـل الـصـراعـات الإقليمية قد تنسحب أو تعيد ترتيب أولوياتها مع مرور الوقت، ولكن الـدول المتجاورة تبقى مرتبطة بمصير إقليمي واحد. ولهذا، فإن استهداف الجيران لا يغيِّر ميزان القوى بقدر ما يخلق مشكلة سياسية طويلة المدى. فالعلاقات بـن الـــدول المـتـجـاورة تقوم فـي النهاية عـــلـــى قـــــدر مــــن الـــثـــقـــة المـــتـــبـــادلـــة، حـــتـــى فــــي حــــالات التنافس أو الـخـاف. وعندما تتعرض هـذه الثقة لصدمة بهذا الحجم، يصبح من الصعب إعادة بناء المسارات الدبلوماسية التي تسمح بإدارة الخلافات بشكل مستقر. ومــن هنا يمكن وصــف هــذه السياسة بأنها أقــــرب إلــــى الانـــتـــحـــار الــدبــلــومــاســي. فـمـهـمـا كـانـت نتائج الحرب الحالية، فإنها ستنتهي في لحظة ما بـتـوازن جديد أو بتسوية سياسية. وعند تلك الـلـحـظـة سـتـعـود الـــقـــوى الــدولــيــة إلـــى حساباتها الخاصة، بينما تبقى دول المنطقة مطالبة بإعادة بناء نظام إقليمي قابل للحياة. غير أن استهداف الـــجـــيـــران فـــي لـحـظـة الأزمـــــة يــتــرك أثــــرا طـــويـــا في الذاكرة السياسية للدول، ويجعل إعادة بناء الثقة أكثر صعوبة. كما أن هــذه السياسة لا تنتج ســوى نتيجة مـعـاكـسـة لمــا يُــــراد مـنـهـا. فــبــدلا مــن تفكيك مـواقـف دول الجوار أو دفعها إلى الضغط السياسي، غالبا ما تـؤدي مثل هـذه الضربات إلـى تعزيز التنسيق بينها، وتسريع مشاريع التعاون الدفاعي والأمني. وفــي النهاية يتحول الضغط المفترض إلــى عامل يعزز التماسك الإقليمي لدى الأطراف المستهدفة. فـــي الــنــهــايــة، لا تُـــقـــاس قــــوة الــــــدول بـقـدرتـهـا على إطـاق الصواريخ ولا توسيع دوائـر الصراع؛ بــل بـقـدرتـهـا عـلـى إدارة الأزمــــات بعقلانية تحمي مــصــالــحــهــا بـــعـــيـــدة المـــــــدى. فـــالـــدولـــة الـــواثـــقـــة مـن مـشـروعـهـا لا تـنـشـغـل بــمــحــاولات الـتـشـغـيـب على مسارها الأساسي القائم على الاستقرار والتنمية ورعاية مصالح شعبها؛ بل تتعامل معها بهدوء وثقة، مستندة إلى القانون الدولي وإلى شبكة من العلاقات المتوازنة. أما الـدول التي تفقد البوصلة الاستراتيجية فتنجرف غالبا إلـى خـيـارات قصيرة النظر؛ حيث تتحول المغامرة العسكرية إلى بديل عن السياسة، ويتحول استهداف الجيران إلى وسيلة لتعويض العجز في إدارة الصراع. ولهذا فإن ما نشهده اليوم -بغض النظر عن النتائج النهائية للحرب- يكشف حقيقتين متلازمتين: رعونة الذهاب إلى الحرب من دون حسابات سياسية متزنة، وكارثية استهداف الجوار الجغرافي الذي ستبقى العلاقات معه بعد أن تـنـتـهـي الــــحــــروب. وهـــمـــا فـــي الــجــوهــر وجــهــان لـعـمـلـة واحــــــدة: عــــدم الإصـــغـــاء إلــــى صــــوت الـعـقـل، وتجاهل منطق القانون والأعراف التي تقوم عليها العلاقات بين الدول. فايز سارة يوسف الديني كفاح محمود OPINION الرأي 14 استهداف الجيران انتحار سياسي شراكة المجتمع والسلطة في سوريا كُردستان والصراع الأميركي ــ الإيراني؟
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky