كـــان الـــروائـــي الـبـرتـغـالـي أنـطـونـيـو لوبو أنــتــونــيــس، الــــذي رحــــل الـخـمـيـس املـــاضـــي عن عـامـا، غـزيـر اإلنــتــاج، وجعلت منه روايـاتـه 83 مـــتـــعـــددة الـــطـــبـــقـــات، الـــتـــي شـــرّحـــت تــصــدعــات املجتمع الـبـرتـغـالـي، عـمـاقـا أدبــيــا فــي مسقط رأسه وخارجه. روايــــة ومجموعة 30 عـلـى مـــدار أكـثـر مــن مـن الكتابات األخـــرى، رصـد أنتونيس ببراعة خروج البرتغال املتعثر من حقبة الديكتاتورية الــخــانــقــة لــلــدكــتــاتــور أنــطــونــيــو دي أولــيــفــيــرا ،1968 إلـى 1932 ســـاالزار، التي امتدت من عـام ومـــا تـاهـا مــن حـــروب اسـتـعـمـاريـة فـاشـلـة في أفريقيا. وسـمـح لــه نهجه الـتـجـريـبـي الـــجـــريء في صياغة الشكل الروائي بتجاوز هويته ككاتب «صعب املـراس» قادم من دولة أوروبية ثانوية غالبا ما يتم التغافل عنها. وكان اسمه حاضرًا بـقـوة فـي الـقـوائـم القصيرة للعديد مـن النقاد املرشحني لنيل جائزة «نوبل لــآداب»، بل رأى الـبـعـض أنـــه كـــان يستحقها أكــثــر مــن مـواطـنـه البرتغالي خوسيه ســارامــاغــو، الـــذي فــاز بها ، فيما ذكــر أصــدقــاؤه أنــه كــان يشعر 1998 عــام بشيء من املرارة لعدم نيله الجائزة. وقــــــــد حــــقــــقــــت روايـــــــتـــــــه «ذاكـــــــــــــرة الــــفــــيــــل» شـهـرة واســعــة بــ عشية 1979 الـــصـــادرة عـــام وضحاها، وهي روايـة تمحورت حول تجاربه كـطـبـيـب عـسـكـري فـــي حـــرب بــــاده فـــي أنــغــوال. بعنوان «فــادو 1983 أمــا روايـتـه الــصــادرة عــام ألكساندرينو»، فقد ســردت االعـتـرافـات املؤملة ألربــــعــــة مــــن املــــحــــاربــــ الــــقــــدامــــى فــــي حــــروب البرتغال االستعمارية، وهي ذات نسيج سردي مـتـمـاسـك بـفـضـل الـحـيـويـة املــتــوقــدة لـصـورهـا البلغية اآلسرة. واسـتـخـدم أنتونيس تقنيات مماثلة في روايــــــات كــبــرى أخـــــرى، مــثــل «دلـــيـــل املـحـقـقـ » ، التي ركزت على سيرة وزير 1996 الصادرة عام وحـشـي سـابـق فـي عهد ديـكـتـاتـوريـة ســـاالزار؛ بـعـنـوان «مــاذا 2001 أمــا روايــتــه الــصــادرة عــام عساي أن أفعل عندما يحترق كل شـيء؟»، فقد صورت الرحلت الذهنية املضطربة البن إحدى الشخصيات االستعراضية في لشبونة. بـيـد أن بـعـض الــنــقــاد لـــم يـقـتـنـعـوا تماما بأساليب أنتونيس، فقد كتب دوايت غارنر في صحيفة «نيويورك تايمز» أنـه على الرغم من أن أسلوب «تيار الوعي» لدى املؤلف قد يكون «رائـــعـــا» فــي بـعـض األحـــيـــان، فـــإن روايــــة «مـــاذا عساي أن أفعل عندما يحترق كل شيء؟» كانت تجربة مضنية للغاية، وأضـــاف: «أفضل خلع أظفر إصبع قدمي بكماشة صدئة على أن أسير املرهقة مرة أخـرى». كما 585 عبر صفحاتها الــ كـتـب نـاقـد آخـــر فــي الصحيفة، وهـــو ريـتـشـارد إيـدر، أن لجنة «نوبل» اتخذت القرار الصحيح بــاخــتــيــار الــســيــد ســـارامـــاغـــو وتـفـضـيـلـه على أنتونيس. ومــــن وجـــهـــة نــظــر أنـــتـــونـــيـــس، فــــإن غـيـاب الـحـبـكـة الــواضــحــة هـــو األقـــــرب لـلـطـريـقـة الـتـي «يعيش» بها الناس حياتهم فعليا في الواقع. إذ قـال ملـاريـا لـويـزا بلنكو، التي نشرت كتابا : «ال أريد من الناس 2001 من الحوارات معه عام أن (يقرأوا) رواياتي قراءة عابرة فحسب، وإنما أريــدهــم أن يعايشوها ويـتـفـاعـلـوا مـعـهـا، وأن (يُصابوا بها) كما يُصاب املرء باملرض». ينتمي أنـطـونـيـو لــوبــو أنـتـونـيـس، الــذي ولد في لشبونة في األول من سبتمبر (أيلول) ، إلـــى الـفـئـة الـبـرجـوازيـة العليا في 1942 لـعـام لـــشـــبـــونـــة، لـــكـــن يـــصـــف طـــفـــولـــتـــه بـــأنـــهـــا كــانــت «مــحــمــيــة لــلــغــايــة، وشـــبـــه قــبــلــيــة». والــــــده هو جـواو ألفريدو دي فيغيريدو لوبو أنتونيس، طبيب أعـصـاب وأسـتـاذ جامعي، ووالـدتـه هي ماريا مارغاريدا ماتشادو دي أمليدا ليما. كان أنطونيو األكبر بني ستة أشقاء، برز عدد منهم كأطباء مرموقني، بينما شغل شقيقه األصغر «مانويل» منصب سفير البرتغال لدى اململكة املتحدة. كــــانــــت تــنــشــئــة أنـــتـــونـــيـــس تـــتـــســـم بــشــيء مــــن املـــحـــافـــظـــة والـــتـــكـــلــف فــــي أوســـــــاط الـنـخـبـة الـبـرجـوازيـة الـعـلـيـا، وكــانــت مدينته لشبونة، املـتـاشـيـة والـكـئـيـبـة املـطـلـة عـلـى الـبـحـر، التي قضى فيها حياته كلها، تظهر غالبا كخلفية مهيمنة في أعماله. فقد كتب في روايــة «فـادو ألكساندرينو»: «في الخارج، في الشارع، كانت أمطار مارس (آذار) املنسابة من الليلة السابقة تترنح منسالة على الـواجـهـات املتهالكة مثل مكياج امرأة عجوز باكية». وعـلـى الــرغــم مــن ثـقـافـة والــديــه الـواسـعـة، فـــإنـــهـــمـــا حـــافـــظـــا عـــلـــى مـــســـافـــة عـــاطـــفـــيـــة مـن أبـنـائـهـمـا الـسـتـة، فـقـد وصـــف عـاقـتـه بـوالـدتـه 2005 فــي مـقـابـلـة مــع صحيفة «لــومــونــد» عـــام بأنها كانت «عـاقـة رسمية للغاية». كما كان أنطونيو الشاب يخضع الختبارات أسبوعية حول القراءات املفضلة لوالده. وفي تلك األثناء، كانت الديكتاتورية السلطوية تخنق املجتمع البرتغالي، علما بـأن والــد أنتونيس كـان أحد أطباء ساالزار الشخصيني، وتقمع أي معارضة تجاه الحروب االستعمارية البرتغالية. يقول أنتونيس ملجلة «باريس ريفيو» في (كانون الثاني): «في نشأتي، كان من 2011 عام الطبيعي أال تملك جواز سفر، وأال تتحدث في السياسة، وأال تستخدم حتى كلمة ديمقراطية. وأتذكر أنني سألت والدي ذات مرة وأنا صبي: ما هي الديمقراطية؟ فأجابني: اصمت وكُل». ومــــع تــقــدمــه فـــي الـــعـــمـــر، تـــوتـــرت عـاقـتـه بوالده، فعندما نشر أنتونيس روايته األولى، قال له والده: «يمكن للمرء أن يدرك أن هذا عمل مــبــتــدئ». وذكــــر املــؤلــف لصحيفة «لــومــونــد»: «بعد ذلــك، لم نتحدث عن أعمالي األدبـيـة مرة أخـرى، رغم أنه أخبر أحد إخوتي بعد سنوات طويلة بأنه معجب بي». بـــدأ أنـتـونـيـس دراســتــه للطب فــي جامعة ، وتخرج طبيبا قبل أن يبدأ 1959 لشبونة عام . وفي العام نفسه، 1970 خدمته العسكرية عام تـــزوج مــن مــاريــا خـوسـيـه زافـيـيـر دا فونسيكا إي كـــوســـتـــا، وأنـــجـــب مــنــهــا ابـــنـــتـــ : «مـــاريـــا» و«جــــوانــــا». ثـــم تــــزوج الحــقــا مـــن مـــاريـــا جـــواو إسبيريتو سانتو بوستورف سيلفا، وأنجب مـنـهـا ابــنــتــه الــثــالــثــة «مـــاريـــا إيـــزابـــيـــل». وبـعـد 2010 طلقه الثاني، تزوج للمرة الثالثة في عام من كريستينا فيريرا دي أمليدا. ، عــاد مـن أنـغـوال ليمارس 1973 وفــي عــام الطب النفسي في مستشفى «ميغيل بومباردا» فـي لشبونة، وكـــان يكتب روايــاتــه لـيـاً. ومنذ الــــبــــدايــــة، كـــانـــت تـــجـــربـــة الــــحــــرب فــــي أنـــغـــوال، والـــنـــدوب الـتـي خلفتها فــي نـفـسـه، هــي الـدافـع املحوري ألغلب أعماله. كـــــان يـــصـــف الــــحــــرب فــــي روايـــــاتـــــه بــأنــهــا «بوتقة من القسوة املقيتة»، حيث كان الضباط البرتغاليون يشهرون مسدساتهم بـا مباالة لــتــصــفــيــة املـــتـــمـــرديـــن األســـــــــرى، ويــغــتــصــبــون األفـــارقـــة تـحـت تـهـديـد الـــســـاح، فـــي مـــأســـاة لم تترك وراءهـــا ســوى الـيـأس. أمــا أطـفـال الحرب فـــي قــصــصــه، فــقــد كـــانـــوا مــشــوهــ بـالـقـصـور العقلي، وعاجزين عن التأقلم مع ما يُفترض أنه حياة عادية بعد عودتهم إلى البرتغال. يـسـتـذكـر فـــي حــــــواره مـــع مـجـلـة «بـــاريـــس ريفيو» تجربته في أنغوال قائلً: «كل ما أردته هو العودة حيا. أتذكر أننا كنا نحتفظ بتقاويم ونـــشـــطـــب عـــلـــى كــــل يـــــوم نــبــقــى فـــيـــه عـــلـــى قـيـد الحياة! لقد تحدثت مـع أشـخـاص شـاركـوا في حرب فيتنام وحرب الجزائر، وفهمتهم تماما». وتـــنـــاولـــت كــتــبــه الـــثـــاثـــة األولــــــى مــعــانــاة قـــدامـــى املـــحـــاربـــ الـــذيـــن تـــطـــاردهـــم األشـــبـــاح، وظلت الـحـرب وسمة بـاديـة للغاية والزمـــة في كل روايـاتـه اللحقة. وكـان من بني آخـر أعماله املـنـشـورة روايـــة «حـتـى تصبح الـحـجـارة أخف )، الــتــي اسـتـكـشـفـت بـأسـلـوب 2016( » مـــن املـــــاء نثري تجريبي الـهـزات االرتـداديـة الناجمة عن حرب أنغوال. وبـــوصـــفـــه كــاتــبــا مـــــارس الـــطـــب الـنـفـسـي، أراد أن تعكس كتاباته تقلبات العقل البشري، إذ أوضــح للناقدة رافائيل ريــرول في صحيفة ، أن ما كان يحاول فعله هو 2005 «لوموند» عام «وضـع نفسي في حالة قريبة من الحلم، حتى تخُفف من قسوة الرقابة الداخلية املعتملة في ذهني». وأوضح أن تلك «الرقابة» هي التي «تحول بيننا وبــ التفكير بطريقة غير ديـكـارتـيـة»، مُــبـيّــنـا إيــمــانــه بــعــدم خـطـيـة اإلدراك الـبـشـري. وكتب الكاتب الفرنسي هادي قدور في صحيفة «لـومـونـد» أن التخلص مـن هــذه الـقـيـود سمح ألنتونيس بـــــ«إدراك العالم على حـالـه، قبل أن ننسقه وفـــق فـئـاتـنـا االجـتـمـاعـيـة كــي نــدركــه»، مــقــارنــا إيـــــاه بــمــارســيــل بـــروســـت وفـيـرجـيـنـيـا وولف. وفـــــــي مـــــعـــــرض تـــلـــخـــيـــصـــه ملـــفـــهـــومـــه عــن الرواية، قال أنتونيس بأنها: «هذيان مُنظم». * خدمة «نيويورك تايمز» وصف أنتونيس الحرب في أنغوال بأنها «بوتقة من القسوة المقيتة»، حيث كان الضباط البرتغاليون يصفّون بالمباالة المتمردين األسرى ويغتصبون األفارقة الثقافة CULTURE 17 Issue 17268 - العدد Monday - 2026/3/9 االثنني يوميات طبيبة سورية تواجه السرطان عن دار «منشورات الربيع» بالقاهرة صدرت رواية «املساكنة امللعونة» للكاتبة الــســوريــة ســوســن جـمـيـل حــســن، وهـــي نــص لـفـت األنـــظـــار مـؤخـرًا بسبب موضوعه املختلف الذي يختلط فيه جمال اإلبداع بقسوة املحتوى؛ إذ تتناول املؤلفة تجربتها الشخصية مع مرض سرطان املخ الذي داهمها العام املاضي على نحو مفاجئ، حني كشفت الفحوصات عن ورم بحجم كبير وفي مرحلة متأخرة. خضعت الكاتبة الـتـي تقيم بالعاصمة األملـانـيـة بـرلـ إلــى أكـثـر من جراحة عاجلة إلزالــة الـــورم، لكنها سرعان ما أمسكت بجهاز «اللبتوب» وهي على الفراش لتبدأ في طرح تأملت وانفعاالت في املوت والحياة عبر نص ينتمي إلـى أدب السيرة الذاتية وكتابة اليوميات، على نحو يفيض عذوبة وشجنا بكلمات شديدة الصدق والواقعية. مـا زاد مـن عمق التجربة أن سـوسـن هـي بـاألصـل طبيبة، وسـبـق أن عملت لسنوات طويلة ضمن منظومة وزارة الصحة الـسـوريـة، تخصص أمراض الباطنة، قبل أن تغادر البلد إلى أملانيا بعد حماسها ألحداث ثورة وتعاطفها مع املتظاهرين عبر مقاالت صحافية دأبـت على نشرها 2011 بانتظام. وتستهل املؤلفة عملها بإهداء الفت إلى أفـراد من عائلتها تقول فيه: «إلـى ميسون، محمد، ملـى، سليم، ريـم، لـ ، الرا، لـوال فيض محبتكم التي غمرت روحي ما استطعت الصمود، أحبّكم». تقول املؤلفة في السطور األولى من الرواية: «ها أنا في اليوم السادس والسبعني بعد لــحــظــة الــحــقــيــقــة. كـــانـــت تـلـك اللحظة في السابع والعشرين ، يـوم 2025 مـــن آذار/ مــــارس رأيـــت املـــوت للمرة األولـــى في حياتي». وتضيف: «لم أكن أشعر فــيــمــا مــضــى أن املـــــوت قـريـب إلـــــى هـــــذا الــــحــــد، لـــكـــن الـــواقـــع قـــدّم لـي الـدلـيـل الــدامــغ: املـوت جــــزء مـــن الـــحـــيـــاة، هـــكـــذا كــان عقلي يرسمه، وأدّعـــي فلسفة أُقنِع نفسي بها، لكنه عندما حضر وواجهني هازئا بي، لم تنجدني الفلسفة، وال ادعاءاتي السابقة كلها». تكشف الرواية مشاعر البطلة وهي تكتشف إصابتها بسرطان الرئة مع انتقاالت إلـى الـدمـاغ، وكيف أن تصنيفها من حيث مرحلة املــرض هو املرحلة الرابعة، وعندما سألت طبيب األورام عن العمر املقدر أن تعيشه، قال بكل وضوح إن ربع املرضى مثلها فقط يعيشون لخمس سنوات، فتتساءل: «خــمــس ســـنـــوات؟ وأحـــامـــي؟ ومــشــاريــعــي؟ والــــروايــــات الــتــي عــزمــت على تأليفها؟». وتروي املؤلفة كيف كانت مضطربة وتشعر برهبة من دخولها هذا النفق، املسمى بجهاز الرنني املغناطيسي؛ فهي التجربة األولى لها على الرغم من معرفتها املسبقة به، والتطورات التي وقعت عليه منذ استخدامه ، لكنها بقيت مضطربة وخائفة. 1977 ألول مرة في تصوير كامل الجسم عام ومن دون محاكمات عقلية حينها وإنما بخيارات عاطفية، قرّرت أن تلجم خوفها، وأن تظهر بصورة املرأة ليست القوية فحسب، بل الجبارة. كـان هـذا القناع الــذي لبسته منذ أكثر من ثلثة عقود، عندما تُوفِّي زوجها ووالد ابنتها وابنها، مخلفا وراءه تركة ثقيلة من الديون والقضايا، سنة، وكان التحدي كبيرًا، وال بد من إظهار 34 حني كانت صبية لم تكمِل القوة عند امرأة «أرملة» في مجتمع ذكوري يعُد املرأة «غير املحروسة بذَكَر» جسرًا يمكن املرور فوقه من دون إذن، وفق تعبير النص. ، ودرست الطب 1957 وُلدت سوسن جميل حسن في مدينة اللذقية عام البشري في جامعة «تشرين»، وعملت في املشافي التابعة لوزارة الصحة، وتـــولـــت مـنـاصـب إداريـــــة طـبـيـة. صــــدرت روايــتــهــا األولـــــى «حـــريـــر الــظــام» ، ثـم تـوالـت أعمالها تباعا: «ألـــف ليلة فـي ليلة»، و«الـنـبـاشـون»، 2009 فـي و«قميص الليل»، و«خانات الريح»، و«وارثــة املفاتيح»، فضل عن «اسمي زيــزفــون» الـتـي وصـلـت إلــى القائمة الطويلة فـي الـجـائـزة العاملية للرواية العربية «البوكر». القاهرة: «الشرق األوسط» كان الروائي البرتغالي مرشحا دائما لنيل جائزة «نوبل لآلداب» أنتونيس فكك روائيا مخلفات الديكتاتورية وإرث االستعمار *آدم نوسيتر أنتونيس في مكتبه أقدم صور مصر والشام الفوتوغرافية غادر مكسيم 1849 ) في أكتوبر (تشرين األول عاما، وهو صحافي 27 دو كامب البالغ من العمر طموح ذو آمــال عريضة، مدينة بـاريـس لتصوير مـواقـع متنوعة عبر شـرق البحر املتوسط. وبعد أن شُجِّع رسميا على استغلل «الدقة التي ال تقبل الجدل» في التصوير الفوتوغرافي الناهض كفن حــديــث آنـــــذاك، عـــاد إلـــى فـرنـسـا بـعـد عـــام ونصف صـــــورة، اخــتــيــر منها 200 الـــعـــام ومــعــه أكــثــر مـــن صـــورة لتشكل مـــادة لكتابه «مـصـر والنوبة 125 وفــلــســطــ وســــــوريــــــا»، وهـــــو أول كـــتـــاب مــصــور فوتوغرافيا يُنشر في فرنسا. يتخذ الـبـاحـث واملـــــؤرخ فــي شـئـون الـعـمـارة والفنون التراثية دكتور خالد عزب من تلك الواقعة مـدخـا لكتابه «الــشــرق بعيون الكاميرا األولـــى - أقدم الصور الفوتوغرافية ملصر والشام» الصادر أخيرًا عن دار «أقلم عربية» بالقاهرة والذي يرصد تجارب الرحلت األولــى التي قـام بها صحافيون ومـــغـــامـــرون ومــســتــشــرقــون أخــــــذوا عــلــى عـاتـقـهـم االستفادة من نشأة الفوتوغرافيا كـأداة لتسجيل وتوثيق ونقل عالم الشرق إلى مواطنيهم وقرائهم في الغرب عبر الكتب والصحف على حد سواء. قـضـى مكسيم عـشـرة أيـــام فــي اإلسـكـنـدريـة، ثم ذهب إلى مدينة رشيد واستقل قاربا للقاهرة، 1849 ) حــيــث مــكــث مـــن نـوفـمـبـر (تــشــريــن الـــثـــانـــي وزار حــي «املـطـريـة» 1850 ) حـتـى فـبـرايـر (شــبــاط واألهــــــــرامــــــــات، ثــــم عــــــرج عـــلـــى الـــصـــعـــيـــد والـــتـــقـــط صـــــورًا ملــحــافــظــة بــنــي ســـويـــف، حــتــى وصــــل إلــى معبد «أبـوسـمـبـل» وتـجـول بـ أعـمـدتـه الشاهقة وكـالـعـادة سـجَّــل ملحظاته بكل دقــة وفــق منهج واضح في الكتابة والتحليل. أشـــــادت آراء نـقـديـة فـــي الـصـحـف الفرنسية بــأعــمــالــه املـــصـــورة ورأت فـيـهـا «مـــعـــيـــارًا جـمـالـيـا لــلــتــصــويــر الـــوثـــائـــقـــي»، حــيــث تُــــقــــدَّم مـطـبـوعـاتـه الـورقـيـة بــدرجــات ألـــوان بـــاردة مـتـدرجـة، وصفها أحـــد الــنــقــاد بـأنـهـا «رمـــاديـــة زاهـــيـــة»، كـمـا تتمتع هذه األعمال بـ«بنطاق مدهش من األلـوان الدافئة والـعـمـل الــيــدوي والـتـوهـج الـــذي يـذكـرنـا بأصلها املتوسطي». وعلى الـرغـم مـن تركيز الكتاب على املعالم األثرية واألطـال القديمة، فإنه يقدم أيضا دلـــيـــا عــلــى الـــحـــضـــارة الــحــديــثــة الــتــي نــشــأت في العمارة ومشاريع الري والهندسة. ويـتـطـرق خـالـد عــزب كـذلـك إلــى دي برانجي ورحلته إلى الشرق، معتبرًا أننا هنا أمـام واحدة من أفضل مجموعات الصور التي التُقطت ملصر والــــشــــام فـــي الــحــقــبــة األولــــــى النـــتـــشـــار الـتـصـويـر الفوتوغرافي. ولـــد جــوزيــف جــيــرالــد دي بــرانــجــي بفرنسا لعائلة ثرية وظل طفل وحيدًا 1804 أكتوبر 2 في بعد وفاة إخوته، درس الرسم وواصل دراسته في على دبلوم في 1828 باريس حيث حصل في عام الفنون، وكان لديه اهتمام بدراسة اآلثار، كما كان لـه دور مميز فـي الحفاظ على تـــراث فرنسا، لكن طـغـى عـلـيـه اهـتـمـامـه بـالـثـقـافـة اإلســامــيــة بشكل خاص، فضل عن الهندسة املعمارية والبستنة. كانت له رحـات عديدة إلى الخارج فـزار في كل من إيطاليا والجزائر 1834 إلى 1831 الفترة من وإسبانيا وصقلية وسـويـسـرا حيث قــدم خللها رسومات للثار واملناظر الطبيعية. بعد إقامة دي برانجي فـي رومـــا، ذهــب إلــى الـيـونـان ثـم القاهرة واإلسكندرية، فضل عن القدس وبعلبك ودمشق وحلب. بـــــالـــــنـــــســـــبـــــة إليه، كانت الصور الـــــفـــــوتـــــوغـــــرافـــــيـــــة مــــــجــــــرد أداة فـــي خـــــــــدمـــــــــة الـــــــرســـــــم ووفـــــرت لـــه نسخا دقـــــــيـــــــقـــــــة لـــــــآثـــــــار لــتــبــرز الـتـفـاصـيـل املـــــــــــــعـــــــــــــمـــــــــــــاريـــــــــــــة الـــــدقـــــيـــــقـــــة، حـــيـــث قــــــــــــام بـــتـــصـــنـــيـــف لـــقـــطـــاتـــه الـــــتـــــي ال تـــعـــد وال تـحـصـى بــــعــــنــــايــــة، وكـــتـــب على ظهرها التواريخ واألماكن التي التقطها فيها لكنه لم يفكر في عرضها على الفور، لتنشر فيما بعد تباعا. القاهرة: «الشرق األوسط»
RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==