issue17268.1

مـرة جديدة يؤخذ لبنان عنوة إلـى حيث ال يريد في قلب عاصفة إقليمية مـزلـزلـة، جـــراء إقـــدام «حـــزب الـلـه» على إطـاق صـواريـخ باتجاه إسـرائـيـل، وردت األخـيـرة بقصف واســع طال قــرى الجنوب والـبـقـاع والضاحية الجنوبية لـبـيـروت، وتوغل إضافي في الجنوب. هذه التطورات حثت مجلس الـوزراء على تبني مـوقـف غـيـر مـسـبـوق أدان فـيـه هـــذه الـخـطـوة، واعتبرها تعديًا على الـدولـة وقـراراتـهـا، معلنًا حظر األنشطة العسكرية واألمــنــيــة لــــ«حـــزب الـــلـــه». الــافــت فــي هـــذا الــتــطــور كـــان امـتـنـاع الـشـريـك فــي الثنائية الشيعية، «حــركــة أمــــل»، عــن االعــتــراض، في إشــارة سياسية ذات دالالت على مستوى البيئة الحاضنة وتوازنات الداخل تتجاوز اللحظة العسكرية. وفي موازاة ذلك، أبلغت اإلدارة األميركية لبنان أن اتفاق وقف األعمال العدائية الــــذي أُبـــــرم بـعـد حـــرب اإلســـنـــاد واإلشـــغـــال لـــم يـعـد قــائــمــ ، وأن واشنطن لم تعد في وارد تقديم دعم عسكري للجيش اللبناني في ظل استمرار واقع السلح خارج الدولة. تفتح التطورات الباب أمام سؤال لم يعد ممكنًا تأجيله: إذا كان اتفاق وقف العمليات القتالية قد عُقد بني إسرائيل وطرف غير دولتي كانت فيه السلطة اللبنانية مجرد وسيط عبر رئيس البرملان نبيه بـرّي، أال يفرض الواقع الجديد االنتقال إلى إطار مختلف؛ أي إلى اتفاق بني إسرائيل والدولة اللبنانية نفسها، يكون امتدادًا محدثًا التفاق الهدنة، ويرتكز إلى مبدأ واضح هو وقـف انخراط لبنان في النزاع العسكري مع إسرائيل، ووضع حد نهائي لألعمال القتالية عبر الحدود؟ هذا الطرح ال يعني انتقال لبنان إلـى موقع سياسي جديد فـي الـصـراع، بـل إعـادة تثبيت مـوقـعـه الــدســتــوري كــدولــة، بـعـد عـقـود مــن تـآكـل الـقـرار السيادي. ينطلق هذا النقاش من واقعية أثبتتها التجربة؛ فالحروب املتكررة أظهرت أن لبنان يدفع تكلفة تفوق قدرته بكثير، في حني يفتقر إلـى أدوات التأثير في مسار الـنـزاع، ليغدو ساحة صراع أكثر منه طرفًا مـقـررًا. مـن هنا، ال يُــطـرح تحديث منطق الهدنة بـضـمـانـات دولــيــة كـقـفـزة نـحـو تـسـويـة كــبــرى أو ســـام نهائي، بـل كخيار يـقـوم على إدارة املخاطر الوطنية؛ أي تقليل الكُلَف الوجودية وحماية االستقرار الداخلي. فالدول الصغيرة ال تختار بــ الــحــرب والـــســـام بــقــدر مــا تسعى إلـــى تحصني نفسها من االنهيار، وقد انتقلت دول عربية عدة إلى هذه املقاربة بعد عقود من املواجهات املفتوحة. وتكتسب هذه املقاربة شرعية تاريخية لم يكن اتفاق الهدنة استسلمًا، بل خيارًا 1949 أيضًا. ففي عام سياديًا لحماية الدولة الوليدة. واليوم قد يكون لبنان أمام لحظة مشابهة تتطلب شجاعة سياسية التخاذ خيار عقلني يحمي املجتمع واالقتصاد، دون أن يعني خروج ًا عن اإلجماع، أو تراجع ًا عن القضية الفلسطينية، خصوصًا أن استمرار الحروب لم يحقق تقدمًا فعليًا لها، بل أضعف مؤسساتها وعمّق انقساماتها، في حني قد يتيح استقرار لبنان دعم الحقوق الفلسطينية بوسائل سياسية ودبلوماسية أكثر فاعلية. وانـطـاقـ مــن هـــذه الـواقـعـيـة، يصبح الــرهــان عـلـى إطــاق مسار دبلوماسي فورًا من خارج الصندوق يهدف إلى مشروع دولي – إقليمي متكامل يعيد للبنان شرعيته الدولية، وتعريف دوره اإلقليمي من موضوع للعقوبات والضغوط إلى شريك في االستقرار اإلقليمي. يقوم هذا املسار على تثبيت مرجعية الدولة فـي قــرار الـحـرب والسلم، وربــط استقرار الجنوب بخطة إنقاذ اقـتـصـادي تعيد إطـــاق الـدعـم واالسـتـثـمـار، وتــأمـ ضمانات عربية ودولية مستدامة. ويتطلب ذلك انتقال الخطاب اللبناني من ثنائية املقاومة أو االستسلم إلى مفهوم السيادة الفاعلة؛ أي حماية الدولة ملجتمعها، ومنع تحويل أراضيها إلى ساحة لصراعات اآلخرين. هذا الطرح يواكب التحوالت اإلقليمية األخيرة التي تشير إلـــى تــبــدل عـمـيـق فـــي بـنـيـة الـــصـــراع مـــع إســـرائـــيـــل، مـــن اتـفـاقـات ســابــقــة إلــــى تـــراجـــع املــنــظــمــات الـــخـــارجـــة عـــن الــــدولــــة عـسـكـريـ وسياسيًا وشعبيًا بعد تكلفة حربَي غزة ولبنان، وما رافقهما من اقتناع متزايد بحدود املقاربة العسكرية، وصوال إلى اإلعلن العربي - اإلسـامـي فـي نيويورك وشــرم الشيخ االلـتـزام بمسار السلم. ويتعزز هذا التحول باملسار السوري بعد سقوط نظام األسد، واتجاه دمشق إلى التركيز على االستقرار وإعـادة البناء واالنفتاح االقتصادي بدل االستثمار اآليديولوجي في الصراع. كما أن التداعيات الكبرى للحرب على إيـــران، بما فيها اغتيال املرشد وما نتج عنه من اهتزاز في منظومة والية الفقيه، أعادت خـلـط الــتــوازنــات اإلقـلـيـمـيـة، بـمـا ينعكس مـبـاشـرة عـلـى لبنان، ويضعه أمـــام بيئة استراتيجية مختلفة جــذريــ عــن تلك التي حكمت العقود املاضية. يبقى على لبنان العمل الجدي مع أميركا والدول العربية الصديقة للضغط على إسرائيل لتُلقي لبنان في منتصف الطريق على خلفية السؤال الحاسم: هل تريد إسرائيل فعل سلمًا إقليميًا مستدامًا، أو تفضّل إدارة الصراع بدل إنهائه؟ فــي الـنـهـايـة، ال يتعلق األمـــر بـاتـفـاق تـقـنـي، بــل باختيار لبنان أن يكون دولة تسعى إلى االستقرار والتنمية واملشاركة في النظام اإلقليمي الجديد، وربما التحول إلى جسر تفاوضي ومنصة حوار بني أطراف متنازعة. اللحظات التاريخية ال تتكرر كثيرًا، وما يجري اليوم قد يكون فرصة نادرة. لـفـهـم هــــذه الـــحـــرب، والــــحــــروب الــتــي خـاضـتـهـا إســرائــيــل خـال األعـــوام الثلثة املاضية بقيادة بنيامني نتنياهو، ال بد مـن الـعـودة إلـى كتاب كينيث والـتـز الشهير «اإلنـسـان والـدولـة ). فـي تـقـديـري، يُــعـد هذا Man, the State, and War( » والــحــرب الكتاب من أهم ما كُتب في حقل السياسة الدولية خلل القرن العشرين. حاول والتز فيه اإلجابة عن سؤال يبدو بسيطًا: ملاذا تقع الحروب؟ مستويات مترابطة لفهم الحروب: اإلنسان 3 يقدّم والتز (أو القائد)، والـدولـة، وبنية النظام الـدولـي. وهــذه املستويات الــثــاثــة تُــشــكّــل إطـــــارًا تـحـلـيـلـيـ يــســاعــد عــلــى فــهــم الــصــراعــات الكبرى، ليس فـي الـشـرق األوســـط فقط، بـل فـي العالم كله، من أوكرانيا إلى إيران. املـسـتـوى األول هـو مستوى اإلنــســان، أي دور الــقــادة في اتــخــاذ قــــرار الـــحـــرب. فـــقـــرارات الــحــرب ال تُــتـخـذ فــي الـــفـــراغ؛ بل يـصـنـعـهـا أفـــــراد لـهـم شـخـصـيـاتـهـم وتــصــوراتــهــم وضـغـوطـهـم الـسـيـاسـيـة والـنـفـسـيـة. ومـــن هـــذا املـنـظـور يمكن قــــراءة قـــرارات بنيامني نتنياهو خـــال الـسـنـوات األخـــيـــرة. فـقـد واجـــه رئيس الوزراء اإلسرائيلي أزمات سياسية داخلية حادة، من االنقسام حــــول إصــــاحــــات الـــقـــضـــاء إلــــى الــتــحــديــات املــرتــبــطــة بـشـرعـيـة االئتلف الحاكم. فــي مـثـل هـــذه الــظــروف قــد تـتـحـول الـسـيـاسـة األمـنـيـة إلـى وسـيـلـة إلعــــادة تـرتـيـب املـشـهـد الــداخــلــي، أو الســتــعــادة صــورة الـــقـــيـــادة الـــحـــازمـــة فـــي مــواجــهــة الـــتـــهـــديـــدات. ولــــم يــخــل تــاريــخ نـتـنـيـاهـو الـسـيـاسـي مـــن أزمـــــات أعـقـبـتـهـا مــواجــهــات عسكرية أو عمليات واسـعـة، مـن غــزة إلــى املـواجـهـة مـع إيـــران. ومــع ذلك يُحذّر والتز من اإلفراط في تفسير الحروب عبر شخصية القائد وحـــدهـــا؛ فــالــقــادة، مـهـمـا امـتـلـكـوا مــن كــاريــزمــا أو صـاحـيـات، يـعـمـلـون داخــــل قــيــود أكــبــر مـنـهـم. لــذلــك فـــإن دراســـــة شخصية نتنياهو وحدها ال تكفي لتفسير انخراط إسرائيل في حروب متكررة. وهنا يقودنا والتز إلى املستوى الثاني: الدولة. فطبيعة النظام السياسي ومؤسسات الـدولـة وبيئتها الداخلية تُمثل عوامل أساسية في تفسير سلوكها الخارجي. وإذا طبقنا هذا التحليل على إسرائيل فسوف نجد أنها عاشت خلل السنوات األخيرة حالة استقطاب سياسي حاد، مع صعود تيارات قومية ودينية أكثر تشددًا في الحياة السياسية. هذه البيئة الداخلية عززت امليل إلى تبني سياسات أمنية أكثر صلبة، خصوصًا بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين ، الذي هز صورة الردع اإلسرائيلي. ومن هنا يمكن 2023 ) األول فهم العمليات العسكرية املـتـكـررة باعتبارها محاولة إلعــادة ترسيخ مفهوم الــــردع، الـــذي يعد أحــد أعـمـدة العقيدة األمنية اإلسرائيلية منذ قيام الدولة. لكن هـنـاك بُــعـدًا آخــر فـي الثقافة السياسية اإلسرائيلية يرتبط بتجربة تاريخية عميقة هي تروما الهولوكوست. فقد عززت هذه التجربة شعورًا دائمًا بالتهديد، حتى في ظل امتلك إســرائــيــل تـفـوقـ عـسـكـريـ واضــحــ فــي املـنـطـقـة. وهــكــذا يعيش املجتمع اإلسرائيلي مفارقة دائـمـة: دولــة قوية عسكريًا لكنها تعاني إحساسًا دائمًا بانعدام األمن. ومـع ذلــك، يؤكد والتز أن فهم شخصية القائد أو طبيعة الـــدولـــة ال يـكـفـي وحــــده لـتـفـسـيـر الــــحــــروب. فـالـتـفـسـيـر األعــمــق يوجد في املستوى الثالث: بنية النظام الدولي. العالم، حسب والتز، نظام فوضوي؛ أي أنه يفتقر إلى سلطة عليا قادرة على فرض القواعد بني الدول. وفي مثل هذا النظام تصبح كل دولة مسؤولة عن أمنها بنفسها. هذه الفوضى الدولية تدفع الدول إلى البحث املستمر عن القوة وتعزيز قدراتها العسكرية. وإذا طبقنا هذا التحليل على الـشـرق األوســـط فـسـوف نجد أن الــصــراع بـ إسـرائـيـل وإيـــران يُمثل مـثـاال واضـحـ على منطق النظام الـفـوضـوي. فكل طرف يرى في تعزيز قدراته العسكرية خطوة دفاعية، في حني يراها الطرف اآلخر تهديدًا وجوديًا. وهنا تظهر معضلة األمن، وهي إحدى املفارقات األساسية في السياسة الدولية: فــاإلجــراءات التي تتخذها دولــة لتعزيز أمــنــهــا قـــد تـجـعـل اآلخــــريــــن يـــشـــعـــرون بــتــهــديــد أكـــبـــر، فـــيـــردّون بـــإجـــراءات مماثلة، مـا يـــؤدي إلــى سـبـاق تسلح وتـصـاعـد دائـم للتوتر. فــي الــشــرق األوســــط تـبـدو هـــذه الـديـنـامـيـة واضـــحـــة، فكل ضربة إسرائيلية تهدف إلى تقليص قدرات خصومها قد تدفع هؤالء إلى تطوير وسائل ردع جديدة، سواء عبر الصواريخ أو الشبكات املسلحة اإلقليمية. ومع تطور التكنولوجيا أصبحت أدوات الــحــرب أكـثـر انــتــشــارًا، حـتـى بـاتـت مـجـمـوعـات صغيرة قادرة على امتلك طائرات مسيّرة أو صواريخ دقيقة. املـــفـــارقـــة الــثــانــيــة تـتـعـلـق بــالــعــاقــة بـــ الـــقـــوة والـــخـــوف. فــالــدول الـتـي تشعر بتهديد وجـــودي قـد تـكـون أكـثـر مـيـا إلى املخاطرة بالحرب من الدول الراضية عن الوضع القائم. والسبب أن الدولة التي تعتقد أن ميزان القوى يتحرك ضدها قد تفضل املــواجــهــة اآلن بــــدال مـــن انــتــظــار مـسـتـقـبـل أســـــوأ. وقـــد ظـــل هـذا الـهـاجـس حـاضـرًا فـي التفكير االسـتـراتـيـجـي اإلسـرائـيـلـي منذ تأسيس الدولة. أمــا املـفـارقـة الثالثة فتتعلق بـالـسـاح الــنــووي. فقد كتب أن 2012 والـتـز فـي مـقـال شهير فـي مجلة «فــوريــن أفــيــرز» عــام انتشار الـسـاح الـنـووي قـد يـــؤدي فـي بعض الـحـاالت إلــى قدر أكبر من االستقرار. واستند في ذلك إلى تجربة الـردع النووي خلل الحرب الـبـاردة، حني تجنّبت الواليات املتحدة واالتحاد السوفياتي الحرب املباشرة رغم التنافس الحاد بينهما. ، واملـبـنـي على 1959 مـا يقدمه كـتـاب والــتــز، الــصــادر عــام أطروحته للدكتوراه في جامعة كولومبيا، ليس تفسيرًا واحدًا للحروب بـل إطــار تحليلي لفهمها. فـحـروب إسرائيل ال يمكن تفسيرها فقط عبر شخصية نتنياهو، وال فقط عبر السياسة الـداخـلـيـة اإلسـرائـيـلـيـة، وال فـقـط عـبـر بـنـيـة الـنـظـام اإلقـلـيـمـي؛ إنها نتاج تفاعل هذه املستويات الثلثة معًا: القائد، والدولة، والنظام الدولي، داخل عالم يتسم بالفوضى. هـنـاك خــافــات فـكـريّــة كـثـيـرًا مــا تشق املـــجـــتـــمـــعـــات، حــســمُــهــا يــســتــغــرق عـــشـــرات الـــســـنـــ ، عــلــمــ بـــأنّـــهـــا قـــد ال تُـــحـــســـم. لـكـن املؤكّد أن استقرار تلك املجتمعات، وبقاءها مجتمعاتٍ، مرهونان بذاك الحسم املأمول. وبـــــــ الــــلــــبــــنــــانــــيّــــ خـــــــاف مــــــن هــــذا الصنف يـــدور حــول «االنـعـزالـيّــة» ومَـــن هو «االنـــــعـــــزالـــــيّ»؟ ومـــــن هـــــذا الــــخــــاف تـنـبـثـق النعوت األخلقيّة والتشهيريّة ممّا يتّصل بـ«الخيانة» و«العمالة» وسواهما. أمّـــــا أهــمــيّــة املــفــهــوم هـــــذا، فـــي سـيـاقـه الـــلـــبـــنـــانـــيّ، فــتــنــبــع مــــن ســـمـــاحـــه بـــاتّـــبـــاع ســـيـــاســـات تُــــفــــرض فــــرضــــ ، تـــطـــال الــحــيــاة واملـــــوت، والـــحـــرب والــســلــم، بـذريـعـة أن من يـــرفـــضـــهـــا «انـــــعـــــزالـــــيّ». وأمـــــــر كــــهــــذا لـيـس بغريب عن تقليد شهير عرفته بلدان عدّة ركبها الطغيان الـقـادم على صهوة الفكرة «الصائبة» التي يرقى رفضها إلى «خيانة» و«عمالة». وفــــــي أصـــــــول االتّــــــهــــــام بـــاالنـــعـــزالـــيّـــة، العائد إلى قـرن، أن االنعزالي هو من يحب فرنسا والـغـرب، لكنّه ال يحب الـعـرب. بعد ذاك تـطـوّرت الحجّة االتّهاميّة األبــرز وهي أن االنــــعــــزالــــي مَــــن ال يـــريـــد زج لــبــنــان في حــــروب يُــفــتــرض أنّــهــا حــــروب الـــعـــرب. لكن الـثـمـانـيـنـات وفّـــــرت امـتـحـانـ الفـــتـــ : فــإبّــان حـرب الـعـراق وإيـــران، وقفت الــدول العربيّة في صف العراق، وتفرّد «أعداء االنعزاليّة»، أي سـوريّــة األســد و«حـــزب الـلـه»، بالوقوف في صف إيران. وإذ شـــهـــدت الــعــقــود املـتـتـالـيـة أوســـع االنـــفـــتـــاح عــلــى املــحــيــط الـــعـــربـــيّ، يـمـارسـه املـوصـوفـون بـاالنـعـزالـيّــة، بقيت األوصـــاف الـشـائـعـة عـلـى حـالـهـا، إذ إن الــعــرب الـذيـن يـــــتـــــم االنـــــفـــــتـــــاح عـــلـــيـــهـــم غــــيــــر مـــقـــاتـــلـــ . وهـــكـــذا فــالــصــفــات الـــتـــي تـــصـــح فـــي الــعــرب االفــتــراضــيّــ ال تــصــح فـيـهـم. وحــتّــى حني غدت األكثريّة الكاسحة من العرب من غير املقاتلني لم يتغيّر االتّــهـام. فـأن تكون غير انـعـزالـي معناه أن تقاتل، أو تمجّد القتال وتحض عليه. واستمر اإلصــرار على توجيه االتّهام نــفــســه حـــ أضـــحـــت الــــحــــروب، الـــتـــي يُــــراد االنـــــــــدراج فـــيـــهـــا، حــــروبــــ إيــــرانــــيّــــة هــــي فـي شــطــر أســـاســـي مـنـهـا حــــروب عــلــى الــعــرب. وقـد عرفنا مـؤخّــرًا، مـع الـحـرب الـراهـنـة، أن القصف اإليراني الذي طال بلدانًا عربيّة بلغ ثمانية أضعاف ما طال إسرائيل. بـلـغـة أخــــرى، فــــإن نـقـيـض االنــعــزالــيّــة، عـمـا بـهـذا الــتــصــوّر، هــو الـقـتـالـيّــة، وليس العروبة كائنًا ما كـان معنى هـذا التعبير. وهــو تـصـوّر أتيحت لـه فــرص للتجريب ال تُحصى، كما أُتيحت فرص مقابلة لتجريب مــثــاً، لم 1973 و 1967 عـكـسـه. فـفـي حـربـي يـقـاتـل لـبـنـان وتـــفـــرّد، بـــ الـــــدول املحيطة بـإسـرائـيـل، بـكـون أرضـــه لــم تُــحــتَــلّ. ومـــذّاك وهو، بقيادة خصوم االنعزاليّة املفترضني، يقاتل ويتعرّض الحتلل بعد آخر. وتبعًا للتجارب وتكرارها، بات يمكن الـــجـــزم بــــأن لـبـنـان ال يــجــوز أن يــكــون بـلـدًا مقاتلً، بل ال يمكن، تبعًا لضعفه والنقسام جماعاته حول مسألة القتال، أن يكون بلدًا مــقــاتــاً. وهـــو، أكـثـر مــن هـــذا، ال ينبغي أن يصير بـلـدًا مـقـاتـا تستولي عليه عسكرة الـــحـــيـــاة فــتــغــيّــر مــعــنــاه ووظـــائـــفـــه تـغـيـيـرًا كــامــاً. وقـــد سـبـق للمصابني بـحـب القتال أن عـالـجـوا هــذه املشكلة مقترحني أنماطًا حربيّة من االقتصاد والتعليم تدمّر ما لم تـنـجـح فــي تـدمـيـره أنـمـاطـهـم الـحـربـيّــة من الحياة. وامـتـحـان االمـتـحـانـات هــو مــا نعيشه الــيــوم، حيث تـولّــت صــواريــخ «حـــزب الـلـه»، «إسنادًا» إليـران، زج البلد الصغير وشعبه في حرب ال نبالغ إن وصفناها بالقارّيّة ذات البُعد الكوني النافر، وتاليًا زجّه في كارثة يـفـتـقـر إلــــى أدنــــى مـــقـــوّمـــات الــتــغــلّــب عليها وعـــلـــى مــضــاعــفــاتــهــا. وإذا كـــانـــت تـــجـــارب املــــاضــــي تـــصـــلـــح حَــــكَــــمــــ ، وهــــــي فــــي أغــلــب الظن تصلح، فـإن مقاومة «الـحـزب» صارت تستحق أن تُـــدرّس، ال بوصفها طريقًا إلى ردع االحتلالت ومنعها، بل بوصفها طريقًا مضمونًا إلى الوقوع في قبضتها، وانتظار عودتها في لحظات التفلّت من تلك القبضة. فــــــإذا أضـــفـــنـــا أن مــــا فــعــلــه «الــــحــــزب»، مـــــرّة بــعــد مـــــرّة، يــقــتــرن بــصــفــات «الـــتـــفـــرّد» و«االســـتـــثـــنـــاء» قـيـاسـ بـبـاقـي الـلـبـنـانـيّــ ، وبــخــيــار إيـــرانـــي يـسـتـهـدف الــعــرب قـبـل أن يـسـتـهـدف ســـواهـــم، صـــح الــقــول إن الـنـزعـة القتاليّة هـي بالضبط الـنـزعـة االنـعـزالـيّــة. لكنّها، هـذه املـــرّة، انعزاليّة متعاظمة يرى بـعـض املــراقــبــ أنّـــهـــا شــرعــت تـقـتـات على جـــلـــدهـــا وقـــــد تـــتـــحـــوّل انـــــعـــــزاال عــــن «بـيـئـة الحزب» نفسها – تلك البيئة التي يُفترض أن الجماعة الخمينيّة إنّما نشأت أصل للدفاع عنها. ذاك أن البيئة املذكورة، وقد تجرّعت من قتال «حاميها» ما تجرّعت، قد تباشر االنفكاك عنه وتبقيه وحيدًا بصحبة طلقات ناريّة متناقصة ال يتّصل إال بها. فالتفاوت غـــدا هــائــا بــ اسـتـكـمـال تـحـوّلـه، فــي هـذه الــــحــــرب، مـــجـــرّد امــــتــــداد إليـــــــران، وهـــــذا ما تكفي مللحظته نشرة أخبار سريعة تُلحق الخبر اللبناني تلقائيًّا بالخبر اإليـرانـيّ، وبـــ انـــعـــدام الـحـسـاسـيّــة حــيــال املـواطـنـ اللبنانيّني عمومًا، ولـكـن خصوصًا حيال املواطنني الشيعة، الجنوبيّني والبقاعيّني، مـمّــن عُــرّضــوا بمئات آالفـهـم، ولـيـس للمرّة األولى، للموت والجوع والنزوح بأمله وذلّه اللذين ال يُحتملن. لـــكـــن فـــي األحــــــوال كـــافّـــة تـضـعـنـا هــذه الكارثة التي أقحمنا فيها قتال «حزب الله» أمــــام إلـــحـــاح املــراجــعــة الـشـامـلـة لـتـاريـخـنـا الـــحـــديـــث ولــلــمــفــاهــيــم الـــتـــي ارتـــكـــز إلــيــهــا، وخصوصًا منها مفهوم االنـعـزالـيّــة. فعدم حــصــول هــــذا، وعــــدم االتّـــفـــاق عـلـى املـعـانـي واملـــفـــاهـــيـــم هـــــذه املــــــــرّة، يــطــلــقــان رصـــاصـــة الـــرحـــمـــة عـــلـــى لـــبـــنـــان، بـــعـــد إطـــاقـــهـــا عـلـى اللبنانيّني. OPINION الرأي 12 Issue 17268 - العدد Monday - 2026/3/9 االثنني اإلنسان والدولة والحرب بين وهْم العقيدة والتهور اليائس الحرب الحاليّة و«انعزاليّة» اللبنانيّين وكيل التوزيع وكيل االشتراكات الوكيل اإلعالني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] املركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 املركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى اإلمارات: شركة االمارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 املدينة املنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب األولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية املوجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها املسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة ملحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي باملعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com حازم صاغيّة مأمون فندي سام منسى

RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==