الثقافة CULTURE 17 Issue 17267 - العدد Sunday - 2026/3/8 الأحد أحمد عبد المعطي حجازي والسؤال مطروح على الثقافة العربية حــن أقـــول إن الـثـقـافـة فــي الـعـالـم الآن ليست فــي أحـسـن أحـوالـهـا أقولها مترددا غير واثـق من صحة ما أراه وأشعر به، مستعدا لإعادة النظر فيه والإقــــرار بعدم صحته إذا تبي لـي مـا يوجب ذلــك. وسـوف يرضيني إقراري بخطئي أكثر بكثير مما يرضيني أن يكون ما قلته عن الثقافة الآن صحيحاً. وأنـــا مـقـر مـنـذ الــبــدايــة بـــأن مــا قلته انـطـبـاع لا يخلو مــن مبالغة وتـعـمـيـم. فالثقافة فــي الـعـالـم أكـبـر وأوســــع وأغــنــى مــن أن نحيط بها ونـحـكـم عليها بــهــذه الـــصـــورة، فــــإذا صــح هـــذا الـحـكـم عـلـى جــانــب من الإنـتـاج الثقافي فـي العالم فهو لا يصح على كـل الـجـوانـب، لأن ثقافة العالم ثقافات تعد بالمئات إذا نسبناها لـلـدول، وتـتـجـاوز المـئـات إذا نسبناها للجماعات التي تنتجها، وعددها أكثر من عدد الدول، والدولة الواحدة ربما كانت وطنا لجماعات متعددة لكل منها ثقافتها ولغتها وتاريخها. ثم إن الثقافة الواحدة مجالات ومستويات يختلف بعضها عن بعض، وقد يسبق مجال ويبطئ مجال. لكني مع هذه الاحتراسات الضرورية أشعر بأن الثقافة في العالم الآن ليست في أحسن أحوالها، وهو انطباع لا أنفرد به، وإنما يشاركني فيه آخـــرون، فمن الـواجـب أن نطرحه للبحث والمـنـاقـشـة، لأن حاجتنا الحيوية للثقافة تفرض علينا أن ننظر فيما صارت إليه ونكشف عما قـد نـــراه مـن سلبيات فـي ثقافتنا وفــي الثقافات الأخـــرى الـتـي نحتاج لها وننتفع بها كما يحتاج غيرنا لثقافتنا. وهناك أسباب وشواهد تـثـيـر فـيـنـا الـشـعـور بــعــدم الاطــمــئــنــان، أولــهــا هـــذه الــتــطــورات التقنية الـتـي تحولت إلــى انـقـابـات فقد بها الـكـتـاب المـطـبـوع مكانه أو يكاد، وحلت محله هـذه الأجـهـزة التي أصبحت لـدى الكثيرين الذين يتزايد عددهم كل يوم طريقهم المفضل للمعرفة. بل نحن نرى أن هذه الأجهزة أصبحت تزاحم الإنسان الذي كان يقدم لنا علمه وفنه بنفسه في قاعات الــــدرس، والمـــســـارح، والمــتــاحــف، وحـتـى فــي المـقـاهـي، فـصـار الـحـاسـوب ينافس الإنسان في هذا النشاط ويؤدي الدور الذي كان يؤديه الأستاذ الجامعي، والشاعر، والكاتب، والفنان، وهكذا يحل الذكاء الاصطناعي محل الـذكـاء الطبيعي، ويـرسـم للبشر جميعا مستقبلا لا نــدري كيف يكون. هل نحن أمام مستقبل يتقدم فيه الإنسان أكثر ويحقق فيه أحلامه، ويسيطر فيه على هذه الأجهزة، ويستخدمها في الوصول إلى ما يريد؟ أم نحن في نهاية عصر لم نكتف فيه بالسيطرة على الطبيعة وامتلاك الوسائل والأدوات التي نـمـارس بها نشاطنا ونلبي مطالبنا، وإنما اندفعنا في تقدمنا التقني هـذه الاندفاعة حتى صنعنا بأيدينا هذا العدو اللدود الذي لا قِبل لنا بما يستطيع أن يفعله؟ هـل تحمل لنا هـذه الأجـهـزة الإلكترونية مـا حملته المطبعة التي اخترعها غوتنبرغ فكانت طريقا للكثير مما حققه الإنسان في القرون الماضية؟ أم أنها تحمل لنا ما حملته الطائرة الأميركية إلى هيروشيما؟ ســؤال لا أملك فيه الـجـواب، لكني أرى علامات غير مطمئنة. أرى كـيـف هـبـط مـسـتـوى التعليم فــي بـــاد كـثـيـرة وكــيــف تـراجـعـت الـعـلـوم الإنـــســـانـــيـــة الـــتـــي تــخــاطــب الـــعـــقـــول وتـــوقـــظ الــضــمــائــر لــتــحــل محلها الرياضيات، وهذا ما أشارت إليه التقارير الصادرة في أوروبا فذكرت أن الثقافة الكلاسيكية تراجعت في البرامج التعليمية خلال السنوات الأخيرة، وهـذا ليس مجرد نقص في المعلومات، وإنما هو تفريط في كسب المعرفة التي يصحو بها العقل ويحيا بها الضمير، فما الـذي ننتظره حين تتراجع هذه المعرفة التي يكون بها الإنسان إنساناً؟ أطرح هذا السؤال على نفسي وأبحث في بلاد الحاسوب والكتاب المسموع عن العقل والحرية فماذا أجد؟ أجد نظما لا تكف عن الحديث باسم العدالة وحقوق الإنسان، ولا تكف عن ارتكاب جرائمها في حق العدالة وحقوق الإنسان. والـذي يحدث للفلسطينيين في وطنهم على أيدي الصهيونيين وحلفائهم شاهد على ما أقول. ومـــاذا أجـد أيـضـا؟ أجـد نموا مخيفا للنزعات المتطرفة والأحـــزاب العنصرية التي أصبحت وباء اجتاح عدة بلاد أوروبية. لا أريد أن أقول إن تراجع الاهتمام بالعلوم الإنسانية في البرامج الـدراسـيـة كــان وراء حـصـول حــزب لـوبـن فـي فرنسا على مـائـة وثلاثة وأربـعـن مقعدا فـي الـبـرلمـان الفرنسي، وإنـمـا أردت أن أقــول إن تراجع الثقافة صـــورة مـن صــور الـتـحـولات المختلفة الـتـي شهدها الـعـالـم في الأعـــوام الخمسين الماضية ومـا صاحب هـذه التحولات وتـرتـب عليها من مراجعات وانقسامات وردود أفعال عبرت عن الحيرة، واضطراب الـــرؤى، وغياب المقاييس، وإعـــادة النظر في الأهـــداف والـطـرق، وسوى ذلك من نتائج غيرت المناخ، وأثرت على الثقافة كما أثرت على السياسة والاقــتــصــاد. وأنـــا أنـظـر الآن إلـــى عــواصــم الـثـقـافـة الـحـديـثـة أبـحـث في الأجيال الجديدة عن خلف للأسماء التي رحلت فأخرج بالانطباع الذي عبرت عنه في بداية المقالة فأشعر بأن الإنتاج الثقافي في هذه العواصم لم يعد كما كان. وهنا أكتفي بشاهد واحد على ما أقول. أكتفي بفرنسا. فرنسا التي تربعت على عرش الثقافة الأوروبية من أواسط القرن السابع عشر إلـى أواخــر القرن العشرين، وقدمت للعالم ما قدمته في الفلسفة، والشعر، والرواية، والمسرح، والسينما... أعمال ديكارت التي انتشرت في أوروبـــا كلها وهـو على قيد الحياة، وأعـمـال بسكال الذي بدأ نشاطه الفكري وهو لا يزال في السادسة عشرة من عمره، ثم أعمال مونتسكيو مثل «روح الـقـوانـن»، وجـــان جــاك روســـو صـاحـب «العقد الاجتماعي»، وفولتير ومعجمه الفلسفي، ومـن كتاب المـسـرح كورني وراســـن ومـولـيـيـر. وفــي الـقـرن الـتـاسـع عشر بــلــزاك، وفيكتور هوغو، وبودلير، وفيرلن، ورامـبـو. وفـي القرن العشرين بـول فاليري وأندريه جيد، حتى نصل إلى سارتر وسيمون دو بوفوار، وبول إيلوار وأراغون. ثم ننتظر الأسماء الجديدة ونظل ننتظر إلى الآن. ولا أظـــن أنــنــا سـنـجـد فــي الــعــواصــم الأخــــرى غـيـر مــا وجـــدنـــاه في فرنسا. والثقافة الإنسانية إذن ليست في أحسن أحوالها. والسؤال مطروح أولا على ثقافتنا العربية. بمناسبة مئويتها... صدور سيرة تكشف عشقها للأدب والشعر وعلم النفس مارلين مونرو... «مثقفة متخفية» في جسد أيقونة إغراء بمناسبة مـئـويـة مـيـادهـا الـتـي تـحـل هـذا ، أعـادت الأوسـاط الثقافية الفرنسية 2026 العام اكــــتــــشــــاف الـــــوجـــــه الآخـــــــر لأســـــطـــــورة الــســيــنــمــا مارلين مونرو من خـال الترجمة الأولــى لكتاب الصحافي البريطاني ويليام ويذربي «حوارات ). هذا Conversations avec Marilyn( » مع مارلين فبراير 12 الكتاب، الصادر عن دار «سيغير» في (شباط) الماضي يقدم شهادة حية تُفكك الصورة النمطية التي سعت هوليوود لترسيخها حول «الــشــقــراء القنبلة» أو «ممثلة الإغـــــراء» الـتـي لا تملك سوى جمالها. يكشف ويذربي، الذي التقى بمونرو خلال واستمرت 1960 تصوير فيلم «المـخـتـلـون» عــام لـقـاءاتـهـمـا فــي حــانــات نـيـويـورك المــتــواريــة، عن امــــــرأة مـسـكـونـة بــهــواجــس الــفــكــر، تــتــحــدث عن الأدب والسياسة والتحليل النفسي بوعي حاد واهتمام بالغ. كانت مونرو تدرك تماما «اللعبة» الـــتـــي تــفــرضــهــا الــصــنــاعــة الــســيــنــمــائــيــة؛ حيث وصـفـت الشخصية الـتـي تـؤديـهـا بـأنـهـا «عـــبء ثقيل» وفستان ترتديه وتخلعه حسب الطلب، بينما يظل جوهرها الحقيقي غارقا في بطون الكتب وعوالم الأدب. ويــذكــر ويــذربــي أن مــارلــن مــونــرو لــم تكن مـــجـــرد مــمــثــلــة طـــاردتـــهـــا الـــعـــدســـات، بـــل كـانـت «مثقفة متخفية» فـي جسد أيقونة إغـــراء، وقد جـــاء كـتـابـه «حــــــوارات مــع مـــارلـــن» لـيـمـنـح هـذه الــحــقــيــقــة تــوثــيــقــا إنـــســـانـــيـــا بـــعـــيـــدا عــــن صـخـب النجومية. ففي ثنايا لقاءاتها السّرية بمدينة نيويورك، تبرز مونرو كعاشقة للأدب والشعر، تـتـعـامـل مــع الـــقـــراءة بـوصـفـهـا مــــاذا أخــيــرا من زيف العالم الذي يحيط بها، وكـأداة لفهم الذات والمجتمع. يشرح الكاتب أن مكتبة مارلين الشخصية لـــم تــكــن مـــجـــرد ديـــكـــور فـــي الـــغـــرفـــة، بـــل بـمـثـابـة مـخـتـبـر لــعــقــل جـــائـــع لــلــمــعــرفــة، حــيــث احــتــوت كـتـاب، تنوعت بـن الفلسفة 430 على أكـثـر مـن والتحليل النفسي والأدب والشعر، منها أعمال لألـبـيـر كـامـو وبــودلــيــر وفـيـتـزجـيـرالـد، وعـمـاق الأدب الآيـــرلـــنـــدي جـيـمـس جـــويـــس الـــتـــي كـانـت تحتفظ بـنـسـخ مُــعـلّــمـة بـخـط يـدهـا مــن أعـمـالـه، ولا سـيـمـا روايـــتـــه «يـولـيـسـيـس» الــتــي تُــعــد من أبــــــرز أعــــمــــال الأدب الــــحــــداثــــي وتـــحـــديـــا فــكــريــا يـسـتـحـق المـــحـــاولـــة المـــتـــكـــررة، بــحــســب مـــا نقله الصحافي البريطاني. كما كانت مارلين قارئة نـهـمـة لــــأدب الـــروســـي، لـتـولـسـتـوي وبــالأخــص لـدوسـتـويـفـسـكـي الــــذي وجــــدت فــي شخصياته المـــعـــذبـــة صــــــدى لمـــعـــانـــاتـــهـــا الـــشـــخـــصـــيـــة، حـيـث قرأت «الإخـوة كـارامـازوف» مرتين، وكانت تُعلّم المقاطع التي تتحدث عن الألم والخلاص، وكتبت عنه في مدونتها التي نشرت في السيرة الذاتية المــخــصــصــة لــهــا بـــعـــنـــوان «الـــشـــظـــايـــا» مـــا يـلـي: «دوسـتـويـفـسـكـي يفهمني، يـعـرف مــا معنى أن تـكـون مـمـزقـا بــن الــضــوء والـــظـــام، بــن الرغبة في القداسة والسقوط في هاوية الخطيئة». كما كانت من عشاق أعمال فرانز كافكا، واحتفظت بنسخة مــن روايــتــه «المـحـاكـمـة»، وكــانــت مليئة بالملاحظات في الهوامش، ومنها هـذه العبارة التي كتبت بخط يدها: «هذا هو عالم هوليوود بـالـضـبـط: مـحـاكـمـة دائــمــة دون مـعـرفـة التهمة الحقيقية». وأشــــــــــار الــــكــــاتــــب إلـــــــى أن مـــــارلـــــن كـــانـــت تــــحــــب قــــــــــراءة أعـــــمـــــال مـــــن الأدب الاجـــتـــمـــاعـــي التقدمي، كأعمال لينكولن ستيفنز، الصحافي الاسـتـقـصـائـي الـــذي فـضـح الـفـسـاد فــي أمـيـركـا، لكنها كــانــت تـخـفـي كـتـبـه فــي مــواقــع التصوير خـــوفـــا مـــن الاتــــهــــام بــالــتــعــاطــف مـــع الـــيـــســـار في تـلـك الحقبة الـتـي عـرفـت بـالمـكـارثـيـة واضـطـهـاد الاشتراكيين، كما قـرأت أيضا لجون شتاينبك، خاصة «عناقيد الغضب»، ووجـــدت فـي روايته صوتا للمهمشين والفقراء، الطبقة التي انتمت إليها قبل أن تصبح نجمة. وكانت قد صرَّحت للكاتب ويذربي في حواريهما: «شتاينبك يكتب عن الناس الحقيقيين، الناس الذين عرفتهم في طفولتي، هؤلاء الذين يشكلون أميركا العميقة. هوليوود تريد مني أن أنسى من أين أتيت، لكن هذه الكتب تذكّرني دائما بأصولي». كــمــا كــــان لـلـشـعـر مــكــانــة خـــاصـــة فـــي قلب مـارلـن. فكانت تحتفظ بـدواويـن والــت ويتمان على طاولة سريرها، وتحفظ مقاطع كاملة من قصيدته «أوراق الـعـشـب». أمــا كــارل ساندبرغ، الـــــشـــــاعـــــر الــــــــــذي وصــــفــــتــــه بــــــــ«صـــــــوت أمــــيــــركــــا الحقيقي»، فقد كــان بمثابة الأب الــروحــي لها. التقت به شخصيا عدة مرات، وكانت تستشيره في قراءاتها، وكان قد أهداها نسخة موقعة من سيرته الذاتية عن أبراهام لينكولن، قرأتها أكثر مـن ثــاث مـــرات. أحـبـت مـارلـن قصائد إي. إي. كامينغز وكذلك إديث سيتويل وكانت تميل إلى الشعر الذي يكسر القواعد ويتمرد على الأشكال الـتـقـلـيـديـة، ربــمــا لأنــهــا رأت فـــي ذلــــك انـعـكـاسـا لرغبتها الدائمة في التمرد على القوالب النمطية الـتـي حُبست فيها. ومــا يجهله البعض هـو أن مارلين مونرو قد كتبت نصوصا شعرية جُمعت ، كشفت 2010 في كتاب «الشظايا» الذي نشر في عـن موهبة شعرية حقيقية تبحث عـن نفسها، حيث تناولت في كتابتها موضوعات الوحدة، والحب المضطرب، والهوية المشتتة. في قصيدة أسمتها «الحياة» كتبت ما يلي: أنا من كلا الاتجاهين أبقى بطريقة مـا معلّقة نحو الأسـفـل أكثر ما أكون لكنّني قوية كخيط العنكبوت في مواجهة الريح أشــد حضورا حين يتجلّى الصقيع البارد المتلألئ بيد أن أشعتي المُحبَّبة تحمل الألوان التي رأيتها ذات مرة في لوحة آه أيتها الحياة، لقد خدعوك كما أشار كاتب «حوارات مع مارلين مونرو» إلى أن اهتمام مارلين بالتحليل النفسي أكثر من مـجـرد فـضـول فــكــري، حـيـث قـــرأت معظم أعـمـال فرويد، وكانت تحضر جلسات التحليل النفسي مـع أسـاتـذة مـعـروفـن، كما احتفظت بنسخ من «تفسير الأحلام» و«الأنا والهو»، وكانت تحاول فهم عقدها النفسية مـن خـال نظريات فرويد. في حواراتها مع ويذربي تقول: «فرويد علّمني أن أفهم لمـاذا أبحث دائما عن الحب في الأماكن الخاطئة، ولماذا أخاف من النجاح بقدر ما أسعى إلـيـه». كانت تقرأ أيضا لكارل يونغ، وانجذبت بشكل خاص لنظريته حول «الظل»، أو الجانب المظلم من الشخصية الذي نحاول إخفاءه. لـــــم يـــنـــفـــصـــل وعــــــي مـــــارلـــــن الـــثـــقـــافـــي عـن الــتــزامــهــا بــالــقــضــايــا الإنــســانــيــة الـــكـــبـــرى. ففي حواراتها مع ويذربي، أبدت فضولا عميقا تجاه نـــضـــال الأمــيــركــيــن الأفــــارقــــة مـــن أجــــل الـحـقـوق المـدنـيـة، وربـطـت بـن قـراءاتـهـا التاريخية وبين واقع التمييز الذي كانت ترفضه بشدة. باريس: أنيسة مخالدي كانت تحتفظ بديوان والت ويتمان على طاولة سريرها، وتحفظ مقاطع كاملة من قصيدته «أوراق العشب» كانت تتعامل مع القراءة بوصفها ملاذا أخيرا من زيف العالم الذي يحيط بها السيد العديسي يستلهم حكايات صعيد مصر «طواحين الهوى»... سردية الهامش والسخرية فـي روايـــة «طــواحــن الــهــوى» يجعل الكاتب والروائي المصري السيد العديسي مسرح صعيد مـــصـــر بـــــــؤرة لــــطــــرح تـــأمـــاتـــه فــــي ذلــــــك الـــهـــامـــش المكاني، الذي يبدو فضاء زاخرا بالمهمشين الذين يلتحفون الـكـفـاف، وهــم «يـكـافـحـون الانـصـهـار»، ليتجاوز المكان كونه مجرد خلفية جغرافية؛ بل بنية ضاغطة تُعيد إنتاج الفقر والقهر، كما تُعيد الطاحونة دورانها الأبدي. فــــي الـــــروايـــــة -الـــــصـــــادرة عــــن دار «تــشــكــيــل» للنشر والتوزيع بالقاهرة- يمهِّد الكاتب أرضيته السردية بنسج عالم يلوذ بالحكايات و«النميمة»، بوصفهما تسرية عن قسوة اليوم ووحشة الليل، لتصبح الحكايا هنا آلية بقاء، وطريقة جماعية لـتـخـفـيـف ثـقـل الــحــيــاة، ومـتـعـة لـيـلـيـة بـعـد «قـهـر الـــنـــهـــار»، يـلـتـف حـولـهـا الـــنـــاس بـــجـــوار «كـــانـــون» الــشــاي الـثـقـيـل، وقـــد اخــتــار الـكـاتـب تـلـك التهيئة الجمعية تمهيدا لتفاعل الأهالي مع لغز اختفاء أبناء النجع «حامد» و«صباح»، لتشتعل حولهما الشائعات. سيزيف مُعاصر يــســتــدعــي الــــــــراوي الــــــذي تــربــطــه بــــ«حـــامـــد» علاقة ممتدة، حكاية هذا الفتى قليل الكلام، قوي البنيان، المُحب للغناء الصعيدي، والــذي يقضي يومه عاملا باليومية مستندا إلى قوته الجسدية وحـدهـا، يتندر به أهـل القرية ويصفونه بالأبله، غير أن السارِد يبدو حريصا على إنصافه سردياً، بعد أن حُكم عليه اجتماعياً. يـبـدو اخـتـيـار مهنة «الــفــاعِــل» اخـتـيـارا دالاً؛ فــ«حـامـد» أقـــرب إلــى «سـيـزيـف» مـعـاصـر، مربوط في طاحونة اليوم، يحمل ثقله كل صباح من أجل يومية زهيدة لا يرجو منها سوى «دُخان المعسل» الــــذي يــكــون عـــــزاءه الــوحــيــد فـــي الـــيـــوم، لــيُــنــذر ما تبقى مـن يوميته لأمـــه؛ حيث لا تـبـدو «اليومية» قيمة في ذاتها بالنسبة له، بقدر ما يعيد كل يوم الفعل نفسه، بما يُحيل إلـى استعارة الطاحونة، في دينامية لا تتغيَّر ولا تفضي إلى تحول يُذكر. يــتــروى الـعـديـسـي فــي رســـم سـيـاقـات القرية مشهدياً، ما بين قيظ يشتد، وعلامات طبيعية من حقول قصب وذرة، وأسطح بيوت فقيرة، محررا الــطــقــس مـــن كــونــه مــجــرد خـلـفـيـة لـيـصـبـح سلطة رمزية تُهيمن على المشهد: «كـان صيف هذا العام سـاخـنـا. والـقـيـظ على أشـــده يتبختر بخيلاء بين الجميع وهو يعلن سلطانه على الملأ. تارة يتمشى بــن حــقــول الـقـصـب، وتــــارة أخــــرى يـقـطـع الـطـريـق على الناس»، ليبدو القيظ هنا متصرفا ومهيمناً، يـفـرض حــضــوره كـمـا تـفـرض البنية الاجتماعية سلطانها. وكذلك الهواء المحمَّل بالسخونة يبدو متواطئا على نشر الشائعات في البلدة الصغيرة الــــتــــي «تـــــأكـــــل الــــحــــكــــايــــات وتــــقــــتــــات مـــــن فـــضـــات الأخــــبــــار». هــكــذا يـتـقـدم الـــســـرد عـلـى وقـــع اقـتـيـات أهـــــل الـــنـــجـــع لــخــبــر هــــــروب «حــــامــــد» و«صــــبــــاح»، بوصفهما «عـاشـقـن» خـرجـا عــن تقاليد الـقـريـة. وعـلـى إيــقــاع تـلـك الـحـكـايـا تُــرســم صـــورة «حـامـد» (الأبله) الذي وُضع على هامش العقل، و«صباح» التي وُضعت على هامش الجمال، كثنائي اختارته القرية مسبقا ليكون خـارج مركزها، لذلك لم يكن هروبهما مجرد فضيحة؛ بل مناسبة لا تخلو من التندر والسخرية. نباهة شعبية يـتـجـلـى تــعــلُّــق «حـــامـــد» بـــالـــراديـــو، وبـغـنـاء المـداحـن، وأغـانـي «الـكـف»، كنافذة لفهم تركيبته الإنــســانــيــة، فــــالــــراوي يــتــوقــف عــنــد مــفــارقــة لافـتـة فـي قـولـه: «مـن الأشـيـاء التي استوقفتني فـي أهل قـــريـــتـــي عـــمـــومـــا، أن بــعــضــهــم لــــم يــتــعــلــم الــــقــــراءة والكتابة، ورغــم ذلـك يستمعون بشغف إلـى غناء المداحين، وأحيانا يستوقفهم المعنى الجميل رغم صعوبة فهمه. كيف لهؤلاء إدراك المعنى الصعب في قصائد ابن الفارض وابـن عربي؟ لم أصل إلى إجابة مـحـددة، فتركت التفكير في هـذا الأمــر مثل أمــــور أخــــرى عــجــزت عـــن فــهــمــهــا». هــــذا الاعـــتـــراف بــالــعــجــز يــكــشــف عـــن وعــــي نـــقـــدي يـــتـــســـرَّب داخـــل طبقات الـسـرد، عبر لسان الـــراوي الــذي ينظر إلى القرية من داخلها مع احتفاظه بمسافة تحليلية، فهو لا يـدَّعـي الفهم الـكـامـل؛ بـل يعترف بغموض الحس الشعبي، ونباهة ذلك الإدراك الحدسي الذي يتجاوز حدود التعليم النظامي. عندليب أسود يـــســـتـــدعـــي الـــــســـــارد ذكــــريــــاتــــه مــــع «حـــامـــد» (الهارِب)، كمقوم سردي يظل يضيء تلك المنطقة الإنسانية الملتبسة لدى «حامد» الذي يسخر منه أهل النجع، ويُنابذونه بلقب «العندليب الأسود» وهـــو يـغـنـي بـصـوتـه الـغـلـيـظ، فـــي مـقـابـل سعيه الـــــــدؤوب لــحــضــور تــجــمــعــات المــــداحــــن والمـــوالـــد والــــعــــزاءات والأفــــــراح، بـمـا يـكـشـف عــن تــوقــه إلـى الانتماء الجمعي، وإلى مساحة بديلة يجد فيها اعترافا لا تـوفـره لـه بنية القرية اليومية، بينما تـبـدو علاقته بـوالـدتـه «شـفـا» الـتـي تحتل مكانة طيبة في النجع، علاقة رعاية ممتدة؛ فهي تظل حتى وفاتها ترعاه بحنو بالغ، لا يخلو من وعي بـاسـتـعـصـاء حـــال ابـنـهـا اجـتـمـاعـيـا، وبـالـهـامـش الذي كُتب عليه أن يقيم فيه. القاهرة: منى أبو النصر النص الكامل على الموقع الإلكتروني
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky