issue17267

م اجتمع قادة الحركة الصهيونية في مدينة 1897 في بازل السويسرية، بقيادة مؤسسها تيودور هرتزل، لوضع مــشــروع اسـتـراتـيـجـي طـويـل المـــدى يـهـدف إلـــى إنــشــاء دولــة يـهـوديـة فــي فلسطين. وقـــد أدركــــوا أن تحقيق هـــذا الـهـدف يــحــتــاج إلــــى عـــقـــود مـــن الــعــمــل الــســيــاســي والــدبــلــومــاســي والاقتصادي، لذلك استغرق الانتقال من الفكرة إلى التنفيذ . يكشف هذا 1948 نحو نصف قرن حتى قيام إسرائيل عام المسار سمة بــارزة في التفكير الاستراتيجي الصهيوني - على نقيض أنماط التفكير العربي - وهي العمل وفق رؤى بـعـيـدة المـــدى تـتـجـاوز الــزمــن الـسـيـاسـي الـقـصـيـر، وهـــو ما يفسر ظهور مشاريع استراتيجية لاحقة من أبرزها تصور «الشرق الأوسط الجديد». ففي مطلع التسعينات طرح شمعون بيريز- أحد أبرز قادة ومؤسسي إسرائيل ومهندسي اتفاقية أوسلو- تصورا لنظام إقليمي جديد في كتابه «الـشـرق الأوســط الجديد». وانطلقت رؤيته من فكرة أن مصادر القوة في القرن الحادي والـعـشـريـن، بـعـد الــحــرب الـــبـــاردة، سـتـتـحـول تـدريـجـيـا من التفوق العسكري إلى الاقتصاد والتكنولوجيا، وأن التقدم التكنولوجي العسكري والسلاح النووي قلّصا أهمية مفهوم العمق الاستراتيجي الـــذي حكم الــحــروب التقليدية. ومن هذا المنطلق قامت رؤيته على الربط بين الأمن والاقتصاد، عبر تحويل الترابط الاقتصادي الإقليمي إلـى أداة لإنتاج الاسـتـقـرار، بحيث يــؤدي تشابك المصالح الاقتصادية إلى رفــع تكلفة الـصـراع والـحـد مـن احتمالاته. وبـنـاء على ذلك دعا إلى شرق أوسط يقوم على التجارة، والمواني، وشبكات الـــنـــقـــل، والـــســـيـــاحـــة، والــتــكــنــولــوجــيــا المــتــقــدمــة، واقــتــصــاد المعرفة، بحيث تصبح البنية الاقتصادية الإقليمية بديلا عــن مـنـطـق الـــصـــراع الـعـسـكـري. وفـــي هـــذا الإطــــار اعـتـبـر أن الأمن الإقليمي لا يتحقق فقط بتوازن القوة، بل ببناء شبكة مـصـالـح اقـتـصـاديـة مـتـبـادلـة تـجـعـل الــحــرب خــيــارا مرتفع التكلفة على جميع الأطراف. وفي هذا السياق رأى بيريز أن قطاع غزة، بحكم موقعه عـلـى الـبـحـر المـتـوسـط، يملك مـقـومـات تـؤهـلـه لـيـكـون مـرفـأ اقـتـصـاديـا مهما فـي شــرق المـتـوسـط إذا تحقق الاسـتـقـرار، معتبرا أن العائق الحقيقي لنهوض غزة وقيام شرق أوسط جـديـد يكمن فــي اســتــمــرار الـــصـــراع الـسـيـاسـي والـعـسـكـري والآيــديــولــوجــي، وصــعــود الـحـركـات المـتـشـددة الـتـي تعطل إمـكـانـات التنمية. ولـذلـك دعــا إلــى جعل الاقـتـصـاد المحرك الرئيس للعلاقات الإقليمية على غـرار التجربة الأوروبية، التي تحوّلت فيها أوروبا من قارة حروب إلى فضاء تكامل اقتصادي عبر الاتحاد الأوروبــي. وانطلاقا من هذه الرؤية خــلــص بــيــريــز إلــــى مــعــادلــة «عــقــانــيــة» - حــســب تـــصـــوره - مـفـادهـا أن الــعــرب لا يستطيعون الـقـضـاء عـلـى إسـرائـيـل، كما أن إسـرائـيـل لا تستطيع القضاء على الـعـرب، ومــن ثم فـإن المخرج الممكن لا يكمن في استمرار الصراع العسكري والسياسي والآيديولوجي إلـى ما لا نهاية، إنما في بناء تكامل اقتصادي يربط مصالح الجميع ضمن إطار إقليمي واحــــــد، بــمــا يــجــعــل تـكـلـفـة الــــحــــروب مــرتــفــعــة عــلــى جميع الأطــــراف. وبـهـذا يصبح الاقـتـصـاد، فـي هــذا الـتـصـور، أداة لإنـــتـــاج الاســـتـــقـــرار لا مــجــرد نـتـيـجـة لــــه، إذ يــــؤدي تـشـابـك المصالح الاقتصادية إلى تقليص دوافـع الصراع، وتعظيم تكلفة المواجهة العسكرية. وبعد نحو ثلاثة عقود مـن طــرح هــذه الــرؤيــة، ظهرت خطة «السلام للازدهار» المعروفة إعلاميا بـ«صفقة القرن»، إلــــى جــانــب الاتـــفـــاقـــات الــتــي قـدمـتـهـا إدارة دونـــالـــد تـرمـب بمشاركة مستشاره وصـهـره جـاريـد كوشنر خــال فترته الرئاسية الأولى، كأنها ترجمة عملية لفكرة شمعون بيريز حول «شرق أوسط اقتصادي جديد». وقد ركزت الخطة على البعد الاقـتـصـادي للصراع أكثر مـن التسويات السياسية التقليدية، انطلاقا من فرضية أن تحسين الواقع الاقتصادي قد يمهّد لاحقا لتسوية سياسية، وهـو منطق ينسجم مع طــرح بيريز القائم على أن التنمية يمكن أن تكون مدخلا للاستقرار السياسي والأمني. وفـــي ولايــتــه الـرئـاسـيـة الـثـانـيـة، اسـتـكـمـل تــرمــب هـذا المسار بإنشاء «مجلس السلام في غزة»، وفي سياق إقليمي أوســـع يتقاطع مـع مـشـروع «مـحـور الاعــتــدال» الـــذي طرحه بنيامين نتنياهو لمـواجـهـة «الـتـطـرف الـسـنـي والـشـيـعـي». وتضمنت رؤيـــة تـرمـب فــي هـــذا المـجـلـس إعــــادة طـــرح فكرة تــحــويــل غــــزة إلــــى مــركــز لـوجـيـسـتـي وتـــجـــاري عــلــى الـبـحـر المتوسط، عبر مشاريع استثمارية، وتطوير موانيها، وربط اقتصادها باقتصادات المنطقة وشبكات التجارة العالمية، بـحـيـث تـصـبـح الـتـنـمـيـة الاقــتــصــاديــة أداة لإعـــــادة تشكيل البيئة السياسية بـــدلا مــن اسـتـمـرارهـا بـــؤرة صـــراع دائـــم، وهــو الاتـجـاه الـــذي يتقاطع مـع رؤيـــة شمعون بيريز لغزة ولشرق أوسط اقتصادي قائم على المواني، والاستثمارات التجارية، والتكنولوجيا المتقدمة. وقبل إنـشـاء مجلس الـسـام لغزة الــذي أسسته إدارة دونـــالـــد تـــرمـــب، وفــــي ســـيـــاق الــتــنــافــس الـــدولـــي عــلــى طــرق الــتــجــارة وســاســل الإمـــــداد الـعـالمـيـة، كــانــت إدارة الـرئـيـس جو بايدن قد طرحت مشاريع الممرات الاقتصادية الكبرى، على رأسها «الممر الاقتصادي بين الهند والـشـرق الأوسـط وأوروبــــــا»، بـوصـفـه مــســارا تـجـاريـا بــديــا لمــبــادرة «الــحــزام والـــطـــريـــق» الــصــيــنــيــة. ويـــهـــدف المــــشــــروع إلــــى ربــــط آسـيـا بأوروبا عبر شبكة من المواني، والسكك الحديدية، وخطوط الطاقة، تمر عبر الـشـرق الأوســـط، بما يخلق مـسـارات نقل جـديـدة تقلل الاعتماد على المـسـارات التقليدية التي تعزز النفوذ الـتـجـاري الصيني. ولا يمكن فهم هــذا التحول في المسار التجاري الدولي بوصفه مشروعا تنمويا فحسب، بل منظومة أمنية لحماية طرق التجارة، وسلاسل الإمداد، بما يعكس انتقالا تدريجيا من الأمـن العسكري التقليدي إلى أمن اقتصادي - لوجستي عابر للحدود. ويرتبط نجاح هـذه المـمـرات بشرطين أساسيين هما: اسـتـقـرار الـشـرق الأوســــط، وتـطـويـر مــســارات تـجـاريـة تقلّل الاعتماد على مضيق هرمز أو السيطرة عليه، وهـو الأمـر الذي يمنح التوتر مع إيران بعدا يتجاوز الحسابات الأمنية إلـــى إعــــادة تشكيل طـــرق الــتــجــارة بــن آســيــا وأوروبـــــا عبر دول الــشــرق الأوســـــط. وفـــي هـــذا الــنــمــوذج تـتـحـول المنطقة - والـــســـعـــوديـــة خـــصـــوصـــا، الـــتـــي ربـــطـــت اكـــتـــمـــال المـــشـــروع بحل الدولتين - إلى عقدة لوجستية عالمية، حيث تكتسب مواني الخليج وشـرق المتوسط، بما فيها المـوانـي الواقعة على الساحل الشرقي للبحر المتوسط في إسرائيل، أهمية متزايدة بوصفها نقاط التقاء للنقل البحري والـبـري بين الأسـواق الآسيوية والأوروبية، ضمن شبكة إقليمية قائمة عـلـى المـــمـــرات الــتــجــاريــة، والـبـنـيـة الـتـحـتـيـة المـتـقـدمـة. ومـن المتوقع أن يعيد هذا المسار تشكيل الجغرافيا الاقتصادية لـلـتـجـارة الـعـالمـيـة عـبـر مـــســـارات بـديـلـة لـسـاسـل الإمـــــداد، وتــعــزيــز دور المـــوانـــي والـــخـــدمـــات الـلـوجـسـتـيـة فـــي الـشـرق الأوسط. ولأن قـــيـــام مــثــل هــــذا الـــنـــظـــام الاقـــتـــصـــادي الإقـلـيـمـي يتطلب بيئة جيوسياسية مستقرة، فإن الصراع مع إيران يكتسب بعدا يتجاوز الحسابات الأمنية المباشرة. فإيران، بما تمتلكه من هيمنة على مضيق هرمز، ونفوذ إقليمي، وقــــــدرات صـــاروخـــيـــة وأنــشــطــة نـــوويـــة، إلــــى جــانــب دعـمـهـا لميليشيات ذات طــابــع أصـــولـــي، تـمـثـل أحـــد أبــــرز الفاعلين القادرين على تعطيل التحول نحو شرق أوسط اقتصادي مترابط وفق تصور بيريز والمشاريع اللاحقة المرتبطة به. ومـــن هـــذه الـــزاويـــة تـبـدو المــواجــهــة معها جـــزءا مــن تنافس أوسـع حول شكل النظام الإقليمي القادم: بين نموذج قائم على التكامل الاقـتـصـادي والمــمــرات اللوجستية البحرية، ونموذج يبقى أسير منطق الصراع العسكري والاصطفافات الآيديولوجية. يمكن القول إن الحرب بين إسرائيل وإيران تعيد إبراز أحد مرتكزات رؤيـة شمعون بيريز لـ«شرق أوسـط جديد»، مـفـادهـا أن الـتـطـور الـتـكـنـولـوجـي الـعـسـكـري قــلّــص أهمية الـعـمـق الاســتــراتــيــجــي الـتـقـلـيـدي، حـيـث جـعـلـت الـضـربـات الدقيقة والـقـدرات الاستخباراتية المسافات الجغرافية أقل تأثيرا في معادلات القوة. ونتيجة لذلك ينتقل مركز الثقل من الجغرافيا العسكرية إلـى جغرافيا أمـن المـوانـي، وطرق المـــواصـــات، والمـــمـــرات الـتـجـاريـة، بـمـا يـعـزز تــصــورا للأمن الإقليمي يـقـوم على حماية البنية الاقـتـصـاديـة، وشبكات التجارة. وهو ما يشكل أحد الملامح الجوهرية لفكرة الربط بين الأمن والاقتصاد التي طرحها بيريز. ووفق هذا المنظور يـتـعـزز الـتـركـيـز عـلـى الـبـنـيـة الـلـوجـسـتـيـة والـتـكـنـولـوجـيـة، وســـاســـل الإمــــــداد، والــنــشــاط الــســيــاحــي، بـوصـفـهـا ركـائـز لـاسـتـقـرار الاقــتــصــادي - الأمــنــي الإقـلـيـمـي الــجــديــد، الــذي يـتـطـلـب تـحـجـيـم نــفــوذ إيـــــران عـلـى طـــرق المـــاحـــة، ودعـمـهـا للميليشيات الآيـديـولـوجـيـة، ومنعها مــن امــتــاك الـسـاح النووي. ومن هذه الزاوية تبدو المواجهة مع إيران جزءا من صراع أوسع حول شكل النظام الإقليمي القادم. فـــي الــخــتــام، يـمـكـن الـنـظـر إلـــى الــتــحــولات الـجـاريـة الـــيـــوم بــوصــفــهــا لــحــظــة مــفــصــلــيــة فـــي تـــاريـــخ المـنـطـقـة. فـكـمـا اســتــغــرق المـــشـــروع الـصـهـيـونـي نــحــو نــصــف قــرن بـن مؤتمر بـــازل وقـيـام إسـرائـيـل، أخـــذت أفـكـار شمعون بيريز حـول شـرق أوســط اقتصادي-أمني مترابط، قائم على التفوق التكنولوجي، والممرات التجارية، والمواني، وسلاسل الإمداد، تتبدّى في تحولات الحروب، والمشاريع السياسية والاقتصادية المعاصرة. ويطرح ذلـك تساؤلا جـوهـريـا: هـل تقف المنطقة فـي مفترق طــرق بـن التوجه نحو نموذج شرق أوسط اقتصادي-أمني شبكي، يتراجع فــيــه ثــقــل الــعــمــق الاســتــراتــيــجــي الــتــقــلــيــدي، ويُـــقـــيَّـــد فيه الانـتـشـار الــنــووي وفــق رؤيـــة شمعون بيريز والمـشـاريـع اللاحقة، بما يرسّخ نفوذا وهيمنة إسرائيلية في بنية هذا النظام الإقليمي، أم تبقى رهينة الفوضى واستمرار الصراعات العسكرية والسياسية والآيديولوجية؟ وفي هــذا الإطـــار قـد تـبـدو المـواجـهـة مـع إيـــران جـــزءا مـن إعــادة تشكيل ميزان القوى الذي سيحدد أي النموذجين سيطبع مستقبل الشرق الأوسط. Issue 17267 - العدد Sunday - 2026/3/8 الأحد وقـــع فـي المــقــال الـسَّــابـق خطأ فـي صـيـاغـة معلومة أوردتــهــا فيه. وهأنذا أعيد صوغَها على النَّحو الصحيح. المعلومة الـتـي أردت الإخــبــار بها فـي المـقـال الـسـابـق هـي أن عمر فـروخ في كتابه الـذي اشترك معه في تأليفه مصطفى الخالدي، وهو ،1953 كتاب «التبشير والاستعمار في البلاد العربية»، الصادر عـام سمى أنيس فريحة باسمه الشهير: أنيس فريحة. وفي كتابه «شاعران ،1054 معاصران... إبراهيم طوقان وأبو القاسم الشابي» الصادر عام ، سماه أنيس الخوري 1961 وكتابه «الفصحى القومية» الصادر عام فريحة! تبع عمر فــروخ فـي استعمال هـذا الاســم الثلاثي لأنيس فريحة، أنور الجندي في أكثر من كتاب له. وتبع أنور الجندي في استعمال هذا الاسـم الثلاثي، تلميذه في طريقة الكتابة الإسلامية، سيد بن حسين العفّاني في كتابه «أعــام وأقــزام في ميزان الإســام». وممن تبع عمر فروخ في إطلاق اسم ثلاثي على أنيس فريحة، دارسـان لغویان هما: عبد العلي الودغيري في كتابه «لغة الأمـة ولغة الأم»، ومحمد راجي الزغلول في كتابه «دراسات في اللسانيات العربية الاجتماعية». وأقدم هؤلاء في احتذاء عمر فروخ في إضفاء لقب الخوري على اسم أنيس فريحة، هو عثمان صبري في كتابه «نحو أبجدية جديدة» الصادر عام ، رغم أنه في هذا الكتاب مثله مثل أنيس فريحة ومثل من سبقه 1964 في لبنان وفـي مصر يدعو إلـى استبدال الأحــرف اللاتينية بالأحرف العربية، ويدعو إلى استعمال اللهجة العامية في الكتابة، والتخلي عن استعمال اللغة الفصيحة. ويظهر لـي أنــه قـد خفي عليه غــرض عمر فـــروخ مـن إضـفـاء لقب الخوري على اسم أنيس فريحة. عثمان صبري هذا مصري، درس القانون في مصر وفي فرنسا، وعمل في سلك القضاء. أقـول بهذه المعلومة عنه لأني رأيـت البعض، ومنهم الذكاء الاصطناعي، يخلطون بين اسمه واسم المناضل القومي والأديب واللغوي الكردي عثمان صبري، التركي الميلاد واللاجئ لأكثر من بلد عربي، وسوريا كانت من أبرزها فهي البلد الذي أقام فيه مدة طويلة. فـلـقـد رأيــتــهــم يـنـسـبـون بـعـض مــؤلــفــات المـــصـــري عـثـمـان صـبـري كـ«نحو أبجدية جـديـدة»، و«شباننا في أوروبـــا»، و«بيت سـري» إلى الكردي عثمان رمزي أو أوصمان رمـزي، هكذا اسمه عند الكرد وعند الترك. مـــرد هــذا الخلط إلــى تطابق اسميهما، وإلـــى أن الــكــردي عثمان رمزي رائد في صنع الأبجدية اللاتينية الكردية، وإلى أن الأخير اسمه مـخـدوم إعلاميا باللغة العربية عند الـكـرد، وعند بعض الإسلاميين العرب، رغم أن مؤلفاته هي باللغة الكردية. نعود إلى تتبع إلياس قطار في تعريفه بأنيس فريحة في الجزء الأول من كتابه «مـؤرخـون من لبنان». يقول إلياس قطار: «وعـلّــم في جامعة فرانكفورت في ألمانيا وفي جامعة كاليفورنيا وفي النجف في لمدة سنتين». قد يسأل قـارئ هذه المعلومة إلياس قطار لو 1938 عام لقيه: لمـاذا أنيس فريحة بعد أن علّم في جامعة فرانكفورت، وبعد أن علّم في جامعة كاليفورنيا – لوس أنجليس ذهب إلى النجف الأشرف ليعلم فيه؟! جامعة في 1938 وقـد يتبع سـؤالـه هـذا بـسـؤال آخــر: هـل فـي عـام النجف الأشرف ليعلّم فيها؟! سأتطوع برفع اللبس عن هذه المعلومة التي أوردها إلياس قطار بتعريفه بأنيس فريحة. أنـيـس فريحة بعد أن حصل على شـهـادة الـدكـتـوراه مـن جامعة شـيـكـاغـو درّس الـلـغـة الـعـربـيـة والـلـغـة الـسـريـانـيـة بمعهد الـــدراســـات الشرقية فـي هــذه الـجـامـعـة، وقـبـل أن يـجـدد عـقـده للسنة الثالثة في التدريس بهذا المعهد اضطر ألا يجدده ويعود إلى لبنان، لسبب شرحه في سيرته الذاتية «قبل أن أنسى». وبعد عودته إلى لبنان عرف أن الحالة المالية للجامعة الأميركية - كما قال - لا تـزال على حالها. ومن حسن طالعه أنه التقى مصادفة في مطعم فيصل، صديقه ورفيق دراسته في الجامعة الأميركية فاضل الجمالي مدير التربية الوطنية في العراق، فأخبره بأنه يـزور لبنان للتعاقد مـع أســاتــذة. ولتحفيزه للقبول فـي التعليم بـالـعـراق أخبره ديناراً، وبأن المعيشة رخيصة جدا 36 بأنهم يدفعون لحامل الدكتوراه في العراق. نية الجمالي ونيته بأن يدرّس في بغداد لكنه بناء على نصيحة أحـــد معلمين لبنانيين ثـاثـة الـتـقـاهـم فــي فـنـدق مـــود بـبـغـداد، اخـتـار التدريس في النجف لا في بغداد. في النجف كـان يــدرّس في مدرسة ثانوية اللغة الإنجليزية. وقد اضطر أن يترك التدريس في النجف مع أن مرتبه المالي كان مجزيا لقرار من الحكومة يقضي بترحيل الأجانب إلى ديارهم لكيلا يصيبهم مكروه بسبب ثورة رشيد عالي الكيلاني. أما تدريسه في جامعة فرانكفورت بألمانيا، فقد جاء بعد سنوات طويلة من تدريسه في ثانوية بالنجف؛ فقد أذنت له جامعته، الجامعة الأميركية بالتدريس في جامعة فرانكفورت لمدة نصف سنة. فـــي ســيــرتــه «قــبــل أن أنـــســـى» لـــم يــذكــر تـــاريـــخ تــدريــســه فـــي هــذه ، يفيد 1963 الجامعة، لكني عـثـرت على خبر فـي مجلة لبنانية عــام بعودته من فرانكفورت إلى لبنان. وبعد مضي وقت قصير سنحت له فرصة بأن يكون أستاذا زائرا في جامعة كاليفورنيا - لوس أنجليس لبعض الوقت. أنيس فريحة في سيرته الذاتية «قبل أن أنسى» أشـار إلـى سوء الأحــــوال المـالـيـة فـي الجامعة الأميركية مـرتـن: الأولــــى، بعد حصوله على شهادة الماجستير. والأخرى بعد حصوله على شهادة الدكتوراه، لكنه لم يذكر سبب ذلك. السبب كان هو سنوات الكساد الكبير الممتدة ؛ فالجامعة الأميركية ببيروت تعتمد على 1939 إلى عام 1929 من عام التبرعات المالية التي تردها من أميركا. وكان الكساد الكبير أو العظيم بدأ من أميركا، ثم شمل اقتصادات عديدة في العالم. ذكر إلياس قطار أن موضوع أطروحة أنيس فريحة للدكتوراه، هو «الـجـذور الرباعية في الساميات». هــذه المعلومة استمدها إلـيـاس قـطـار مـن قــول أنـيـس فريحة في ســيــرتــه الـــذاتـــيـــة عـــن أطـــروحـــتـــه لـــلـــدكـــتـــوراه: «وكـــــان مـــن الــصــعــب جــدا طبعها فـي أمـيـركـا. ووعـدنـي - يقصد المـشـرف عليها أسـتـاذه بوبل - Quadriliterals in( : بأنه سيعمل جهده على طبعها وعنوان الأطروحة .»)Semitic Languages وقـد أضــاف أنيس فريحة إلـى قوله هـذا قــولا ثانيا يتضارب مع قـولـه الأول، وهــو قـولـه: «ولـكـنـي لـم أهـتـم كثيرا بطبعها؛ لأن قـراءهـا يـعـدون على أصـابـع اليدين، ولا تــزال منها نسخة فـي مكتبة جامعة شيكاغو». ما قاله أنيس فريحة ليس دقيقاً؛ فرسالته أو أطروحته للدكتوراه - بحسب سجله الجامعي في الجامعة الأميركية - مطبوعة في جامعة ، وعنوانها باللغة الإنجليزية مخالف للعنوان الذي 1938 شيكاغو عام ذكره هو بهذه اللغة في سيرته الذاتية، والذي ترجمه إلياس قطار إلى اللغة العربية بـ «الجذور الرباعية في الساميات». إن عنوانها في الكتاب الذي طبعته جامعة شيكاغو بعد ترجمته إلــى اللغة العربية هـو «أفــعــال ربـاعـيـة مـن لهجة رأس المــن بلبنان». هذا هو العنوان الصحيح لموضوع رسالته، وليس العنوان العريض ذا المــوضــوع الــواســع والـشـاسـع الـــذي ادعـــاه فـي سيرته الـذاتـيـة، وهو موضوع «الـجـذور الرباعية في اللغات السامية»؛ فموضوع رسالته كما تقدم، موضوع بسيط ومحدود النطاق في لهجة قريته، قرية رأس المتن بقضاء بعبدا. أحمد عبد المجيد هريدي في كتابه «نشوء الفعل الرباعي في الـلـغـة الـعـربـيـة» رجـــع إلـــى هـــذه الـرسـالـة المـطـبـوعـة فــي كـتـاب باللغة من كتابه. 93 وص 92 الإنجليزية، وقد قال عن صاحبها وعنها في ص م قـدم أنيس فريحة رسالته – باللغة الإنجليزية – 1935 «وفــي عـام لنيل درجة الدكتوراه في جامعة شيكاغو وعنوانها «أفعال رباعية من لهجة رأس المتن (لبنان)»، ثم نشر مقالة لخص فيها أفكاره الواردة قـبـل طـبـع الـرسـالـة فــي طبعة 1937 فــي رسـالـتـه، ونُــشــرت بـالـقـاهـرة .»1938 خاصة سنة من كتابه ذكر بيانات نشر طبع الرسالة 93 وفي هامشين في ص باللغة الإنجليزية في طبعة خاصة، وبيانات نشر المقالة المنشورة في القاهرة. بيانات نشر المقالة، كما أوردها في الهامش الثاني، هي: د. أنـیـس فـريـحـة، حـــول الـعـامـيـة: الـفـعـل الــربــاعــي أصـلـه ونـشـوء .191–185 ، ص 1937 يوليو 2 ، العدد 91 معانيه، مجلة المقتطف، المجلد وقد استرعى انتباهي في بيانات نشر طبع الرسالة باللغة الإنجليزية في الهامش الثاني، ما كتب في خانة اسم المؤلف؛ فلقد كتب في هذه » يرمز إلى اسمه الأول أنيس. A« . حرف Frayha, A.K : الخانة ما يلي » يرمز إلى اسمه الثاني، فسألت نفسي هل يرمز هذا الحرف K« وحرف إلى اسم خوري؟! » يرمز إلى رسم خوري رحت أطالع في K« ولكي أستيقن أن حرف بيانات النشر في المصادر غير العربية في الكتاب، فوجدت في خانة اسم المؤلف في رسالة أنيس فريحة للدكتوراه مكتوبا فيه ما يلي: ؛ أي أن في الرسالة كان اسمه أنيس الخوري Frayha, Anis Khuri فريحة! الدكتور أحمد عبد المجيد هريدي في متن كتابه لم يستعمل هذا الاســـم: أنـيـس الــخــوري فـريـحـة، بـل كــان يستعمل فيه اسـمـه الثنائي: أنيس فريحة، وذلك اعتمادا على الاسم الثنائي الذي يستعمله أنيس فريحة فـي مؤلفاته وفــي مقالاته باللغة العربية؛ فالدكتور هريدي في عرضه لآراء واجتهادات أنيس فريحة ومناقشتها، رجع – إضافة إلى رسالته للدكتوراه باللغة الإنجليزية – إلى كتابه «تبسيط قواعد ، وإلى 1952 العربية وتبويبها على أساس منطقي جديد» الصادر عام مقالته المشار إلى عنوانها آنفاً. فـي السجل الجامعي لأنـيـس فريحة فـي السطر الـــذي أشـيـر إلى ، ورُمز إلى اسمه Frayha : رسالته للدكتوراه، اكتُفي بذكر اسمه الأخير !»K« »، وغيب الرمز لاسمه الثاني بحرف A« الأول بحرف عمر فروخ حين بدأ في استعمال اسم ثلاثي لأنيس فريحة، ابتداء من كتابه «شاعران معاصران، إبراهيم طوقان وأبو القاسم الشابي» لم يشر إلى أن زميله اللدود أنيس فريحة استعمل اسم الخوري في اسمه في رسالته للدكتوراه، وهذا معناه أنه لم يطلع عليها. وما يؤكد هذا الاستنتاج هو أنه في مطارحاته النقدية مع آراء أنيس فريحة اللغوية، لم يتطرق إلى ما جاء في رسالته للدكتوراه باللغة الإنجليزية. والـراجـح أن عمر فـروخ استعمل اسما ثلاثيا لأنيس فريحة؛ لأن الأخير كـان يستعمل اسـم أنيس الـخـوري فريحة في سنوات دراسته الجامعية في مرحلة البكالوريوس في الجامعة الأميركية، لكن يبقى سؤال، وهو: لماذا استعمل عمر فروخ في كتاب «التبشير والاستعمار» اسم أنيس فريحة ولم يستعمل اسم أنيس الخوري فريحة؟! وثمة ســـؤالان يتعلقان بصدق مـا قاله أنيس فريحة فـي سيرته الذاتية عن رسالته للدكتوراه، هما: هل يجهل أنيس فريحة أن المشرف على رسالته أعمل جهده من أجل أن تطبع رسالته، فطُبعت في جامعة !؟1938 شيكاغو عام وهل نسي أنه لخص موضوع رسالته في مقالة، نُشرت في مجلة !؟1937 المقتطف عام وللحديث بقية. علي العميم عبد الغني الكندي OPINION الرأي 14 تضليل أنيس فريحة في موضوع رسالته للدكتوراه هل نحن على شفا شرق أوسط جديد؟

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky