13 حــصــاد الأســبـوع ANALYSIS Issue 17266 - العدد Saturday - 2026/3/7 السبت فرنسا أمام التداعيات الداخلية لـ«حرب إيران» فــي خلفية الــوضــع الـــراهـــن فــي فـرنـسـا، تـسـتـحـضـر وزارة الـــداخـــلـــيـــة مـــســـارا طــويــا مـن التهديدات المرتبطة بـإيـران، مـن محاولة تـــفـــجـــيـــر مــــؤتــــمــــر «مـــــجـــــاهـــــديـــــن خـــــلـــــق» فــي التي اتُّــهـم فيها 2018 ضاحية فيلبانت عـام دبـلـومـاسـي إيـــرانـــي، إلـــى مـحـاكـمـات حديثة رجــال أدينوا 4 لناشطة ومترجمة إيرانية و بالتحريض على الإرهــــاب ونـشـر «خطابات كـــراهـــيـــة» ودعـــــــوات لــعــنــف ضـــد الـــيـــهـــود في فرنسا أمام خلفية الحرب على غزة. لـــذلـــك تَــــعُــــد الــحــكــومــة الــحــالــيــة وجــهــاز الأمن الداخلي الحرب الحالية عاملا مضاعِفا لمـخـاطـر «الـعـمـلـيـات بــالــوكــالــة» عـلـى الأرض الفرنسية، سواء عبر شبكات مرتبطة بإيران مـــبـــاشـــرة، أو عــبــر أفــــــراد يــســتــثــمــرون المــنــاخ المـــشـــحـــون لـــصـــالـــح «أجــــــنــــــدات» جـــهـــاديـــة أو معادية لليهود. الخوف من انتقال الصراع لــلــعــلــم، تـــضـــم فــرنــســا واحــــــدة مـــن أكـبـر الجاليات المسلمة في أوروبا، يصل تعدادها مـــايـــن نــســمــة، حسب 7 مـــايـــن، بـــل 6 إلــــى بعض الدراسات. وضمن هؤلاء جالية إيرانية ألــــف شــخــص مـعـظـمـهـم من 25 تـــقـــدّر بـنـحـو المعارضة الناشطة سياسيا وإعلامياً، ولكن بينهم أيضا كثير من الطلبة والباحثين، ما يجعل أي ارتــجــاج فــي الــشــرق الأوســــط يُــقـرأ داخـــل الـحـدود الفرنسية عبر عـدَسـة الهوية والانتماء. ولقد كانت صحيفة «لـو باريزيان» في مارس (آذار) الحالي قد 2 عددها الصادر يوم كشفت عن أن السلطات الفرنسية قرَّرت توفير حماية خاصة لبعض المعارضين الإيرانيين المــقــيــمــن فـــي فـــرنـــســـا، خــشــيــة تــحــوّلــهــم إلــى أهـــداف لعمليات انتقامية «رسـالـيـة» تُنسب إلـــــــى طـــــــهـــــــران. وأيــــــضــــــا وضـــــعـــــت عـــــــــددا مــن الـنـاشـطـن الأكــــــراد الإيـــرانـــيـــن تـحـت مـراقـبـة لصيقة فــي ضــــواح مـثـل الــفــال - دواز، حيث تتركّز جالية إيرانية كردية ناشطة. هــــــذه الإجــــــــــــــراءات، الــــتــــي ثـــبّـــتـــهـــا وزيــــر الداخلية لـــوران نونييز خـال اجتماع أمني في باريس، تتضمَّن دوريـات شرطية مُعزَّزة حـــول مــقــار الـجـمـعـيـات والـهـيـئـات المـعـارضـة لــلــنــظــام الإيـــــرانـــــي، فـــضـــا عـــن رفــــع مـسـتـوى اليقظة حــول أمـاكـن وجـــود الجالية الكردية الإيرانية ومكاتبها. كل هذا في سياق مقاربة أمنية ترى في الحرب الراهنة مع إيران لحظة عالية الخطورة لاحتمال انتقال الصراع إلى الأراضـي الفرنسية عبر عمليات انتقامية أو هجمات بالوكالة. وزيـــــــر الـــداخـــلـــيـــة نـــونـــيـــيـــز، تــــطــــرّق فـي اجـتـمـاعـاتـه مـــع المـحـافـظـن وقـــــادة الـشـرطـة، إلـى هـذا «السجلّ»، مـؤكّــدا أن فرنسا «ليست هدفا مباشراً» للصواريخ الإيرانية بيد أنها قــد تــغــدو مـسـرحـا لــ«الـنـتـائـج غـيـر المـبـاشـرة لــلــصــراع»، فــي إشــــارة واضــحــة إلـــى التهديد الــذي تمثّله «عمليات بالوكالة» أو هجمات انتقامية ضد المعارضين واليهود. الخلفية التاريخية هـــــــذه الـــــهـــــواجـــــس لـــــم تــــولــــد مـــــن فـــــــراغ، فـمـنـذ ثـمـانـيـنـات الـــقـــرن المـــاضـــي، ومــــع قـيـام الــجــمــهــوريــة الإســـامـــيـــة فـــي إيــــــران، تـحـوَّلـت فرنسا إلى أحد الملاذات الرئيسية للمعارضة الإيــــرانــــيــــة بــشــقّــيــهــا الــعــلــمــانــي والإســــامــــي المـــعـــارض، واسـتـقـبـلـت شـخـصـيـات وحـركـات نُظر إليها في طهران بوصفها تهديدا مباشر للنظام. غـيـر أن هـــذا «المــنــفــى» أو «المــــاذ الآمـــن» تـعـرَّض لاخـتـبـارات مـتـكـرّرة أبــرزهــا: إحـبـاط مـحـاولـة تفجير مـؤتـمـر لمنظمة «مـجـاهـديـن ، اتُّهم 2018 خلق» في ضاحية فيلبانت عـام فيها دبلوماسي إيراني معتمد في العاصمة الـــنـــمـــســـاويـــة فـــيـــيـــنـــا، ثـــــم ســـلـــســـلـــة هــجــمــات مركز 2023 ) مــايــو (أيـــــار 31 اسـتـهـدفـت يـــوم جمعية «سيماي أزادي» المرتبطة بالمعارضة الإيــــرانــــيــــة فــــي ضـــاحـــيـــة ســـانـــت وان لـــومـــون القريبة من باريس، حيث أطلق النار وأُلقيت زجاجات حارقة على المبنى، الـذي كان يضم أيضا قناة إخـبـاريـة، قبل أن تُحبط الأجهزة الفرنسية استمرار هذه الاعتداءات. هذه السوابق رسَّخت لدى أجهزة الأمن الفرنسية الاقتناع بـأن طهران تمتلك القدرة والإرادة على استخدام الأراضـــي الأوروبـيـة، والـفـرنـسـيـة خـصـوصـا، لتصفية حساباتها مع خصومها في الخارج، سواء عبر شبكات منظمة أو عبر «مجرمين صغار» يُستأجَرون لتنفيذ عمليات لا تظهر صلتها السياسية إلا لاحقاً. لــــــذا، حــــن انـــدلـــعـــت «حــــــرب إيــــــــران» فـي ، كـــان منطقيا - فــي نـظـر وزارة 2026 مـطـلـع الداخلية - النظر إلى المعارضة الإيرانية في فرنسا بوصفها هدفا محتملا لعمليات مثل الاغـتـيـال، أو الـخـطـف، أو الـتـرهـيـب، وهــو ما يفسِّر درجة الاستنفار الحالية حولها. موضع مزدوج يُــــــضــــــاف إلــــــــى هــــــــذه الأبـــــــعـــــــاد الأمـــنـــيـــة - الـــســـيـــاســـيـــة بــــعــــد آخـــــر هــــو مـــلـــف الـــهـــجـــرة والـلـجـوء. إذ إن نسبة مهمّة مـن المعارضين الإيرانيين والكرد - الإيرانيين موجودون في فرنسا بصفتهم لاجئين سياسيين أو طالبي لجوء، ما يجعل مسؤولية الدولة عن أمنهم مــضــاعــفــة. ذلــــك أنــــه مـــن الــنــاحــيــة الـقـانـونـيـة والأخـاقـيـة، حـن تمنح فرنسا حـق اللجوء، فهي لا تمنح فقط ترخيص الإقامة، بل تقدّم وعدا ضمنيا بالحماية من الاضطهاد. وحين يـثـبـت أن أجـــهـــزة الــنــظــام المُـــهـــدِّد قـــــادرة على الوصول إلى اللاجئ في منفاه، يتعرّض هذا الوعد للاهتزاز. في السياق الفرنسي، يتشابك هذا الملف مع الجدل العام حول الهجرة واللاجئين الذي الأوروبـــيـــة، 2015 ازدادت حــدّتــه مـنـذ مـوجــة وتــــصــــاعــــد «الإســــامــــوفــــوبــــيــــا» والــــقــــلــــق مـن 2015 العقيدة الإسـامـيـة فـي ضــوء هجمات فـي بـاريـس ومدينة نيس وغيرهما. 2016 - وهنا تبرز مفارقة: فالمعارضون الإيرانيون والكرد - الإيرانيون، الذين يُنظر إليهم غالبا في باريس بوصفهم «حلفاء» ضد «التهديد الإيراني»، هم في الوقت نفسه جزء من كتلة مــهــاجــرة أوســــع تـشـمـل مـسـلـمـن مـــن المــغــرب العربي والشرق الأوســط، غالبا ما يختزلها خـــطـــاب الــيــمــن المـــتـــطـــرف فـــي صـــــورة «كـتـلـة مــشــبــوهــة» تــشــكِّــل فـــي ذاتـــهـــا تـــهـــديـــدا أمـنـيـا وثقافيا ً. إشكاليات التعايش بين المسلمين واليهود فــــــي الــــــوقــــــت عــــيــــنــــه، تــــخــــشــــى بــــاريــــس الرسمية من أن تتحوّل أي تعبئة تضامنية مع الشعب الإيراني أو مع الفلسطينيين إلى منبِر لخطابات متطرفة أو معادية لليهود. وهـــو مــا يــدفــع وزارة الـداخـلـيـة إلـــى مطالبة المحافظين بـــ«إبــاغ فـــوري» عـن أي مـؤشـرات «تــأثــيــر أو زعـــزعـــة اســـتـــقـــرار» مـرتـبـطـة بـهـذا النزاع، خصوصا إذا أخذت طابعا عنيفاً. هــــــذا المـــنـــطـــق الــــوقــــائــــي يـــعـــكـــس رؤيــــــة أمـــنـــيـــة تـــــرى فــــي بـــعـــض شـــــــوارع الـــضـــواحـــي ذات الكثافة المسلمة العالية، فضاءات يمكن أن تنتقل إلـيـهـا عـــدوى الــصــراع الــرمــزي بين «المعسكر الغربي» و«العالم الإسلامي»، ولو على مستوى الشعارات والاحتجاجات، بما ينعكس سـلـبـا عـلـى الــعــاقــات بــن المسلمين والـــيـــهـــود، وعـــلـــى شـــعـــور الانـــتـــمـــاء الــوطــنــي نفسه. وفـــــي الـــســـيـــاق ذاتـــــــه، أضـــحـــت عـمـلـيـات حـــمـــايـــة الــــكُــــنُــــس (جـــمـــع كـــنـــيـــس) والمــــــــدارس والمـراكـز الثقافية اليهودية في فرنسا واقعا ملموسا منذ سنوات، خصوصا بعد هجوم . ويــــومــــذاك، أعـلـن 2015 «هــيــبــر كـــاشـــر» عــــام الرئيس فرانسوا هولاند عن «تأمين» جميع موقعا حسب تقرير 794( المــواقــع الـيـهـوديـة فـي المائة 66 )، بمشاركة 2016 برلماني لـعـام في المائة 34 من قوات «سنتينيل» العسكرية و من الشرطة والدرك. ومـــــع تـــصـــاعـــد الأعـــــمـــــال الــــتــــي تــوصــف بأنها «معادية للسامية»، تحوَّلت الحراسة الــديــنــامــيــكــيــة (دوريـــــــــات مـنـتـظـمـة بــــــدلا مـن ) إلى جزء من «المنظر 2016 حراسة ثابتة منذ الـــيـــومـــي» فـــي مــــدن مــثــل بـــاريـــس ومـرسـيـلـيـا وليون وستراسبورغ، حيث تُشاهد سيارات الــشــرطــة أمـــــام المــــــدارس الــيــهــوديــة فـــي أثــنــاء دخــــــــول الـــــطـــــاب وخـــــروجـــــهـــــم. أمّــــــــا الـــنُّـــخـــب الـيـهـوديـة الـفـرنـسـيـة، ممثّلة بمنظمات مثل «الكريف»، و«خدمة حماية الجالية اليهودية بعد تفجير 1980 )» - التي أُسست عام SPCJ( شـــــــارع كـــوبـــرنـــيـــك الـــبـــاريـــســـي - فـــهـــي تــدفــع بقوة نحو تشديد التشريعات ضد «معاداة السامية»، كما في دعوات فرانسيس كاليفات (رئــيــس «الــكــريــف» سـابـقـا) لإعــــادة الـحـراسـة الــثــابــتــة أمـــــام المـــــــدارس لــتــهــدئــة «الإحـــســـاس بالقلق». فـــــي المــــقــــابــــل، يـــشـــعـــر قــــطــــاع كـــبـــيـــر مـن المسلمين بغياب مـواز صـارم لمكافحة ظاهرة الـــعـــداء لـلـمـسـلـمـن «الإســـامـــوفـــوبـــيـــا»، إذ لا تُلاحظ حملات مماثلة أو تمويل أمني مكثّف 2016 مـوقـعـا مـحـمـيـا عـــام 1047( لـلـمـسـاجـد دون تغطية مماثلة)، ما يُغذّي سردية «الكيل بمكيالين» ويزيد من التوتر بين الجاليتين، حيث يرى البعض في التركيز الرسمي على اليهود دليلا على تحيّز بنيوي. هـــــذا الإطـــــــار يُـــنـــتـــج أثــــــرا مــــزدوجــــا عـلـى الجالية اليهودية: فمن جهة يعزِّز إحساسا عـــمـــيـــقـــا بـــالـــهـــشـــاشـــة وبــــــضــــــرورة الاحـــتـــمـــاء بـــالـــدولـــة وأجــهــزتــهــا الأمــنــيــة - بـــل وأحــيــانــا بــإســرائــيــل كــأفــق حـمـايـة بــديــل -، ومـــن جهة أخـرى يغذّي لدى جزء من المسلمين انطباعا بأن الدولة تنحاز «بصورة بنيوية» لليهود ضـــدهـــم... وبـــهـــذا المــعــنــى، يــتــحــوّل كـــل تـوتـر فـي الـشـرق الأوســـط إلـى لحظة اختبار حـادة لـلـعـاقـات الإســامــيــة الـيـهـوديـة فــي فـرنـسـا، حـيـث يـتـهـدّد شـعـور الانـتـمـاء الـوطـنـي ذاتـــه، عندما يخشى بعض اليهود أن يكونوا غير آمـنـن كمواطنين فرنسيين، ويخشى بعض المسلمين أن يظلوا دائـمـا مواطنين مشكوكا فـــــي ولائــــــهــــــم. وهـــــكـــــذا صــــــار كـــــل شــــعــــار فـي مظاهرة، وكل حادثة اعتداء أو شتيمة، تطورا يُقرأ في عيون جزء من اليهود دليلا إضافيا عـلـى تـصـاعـد الـكـراهـيـة ضــدهــم، وفـــي عيون جــزء مـن المسلمين قمعا لصوتهم السياسي وتضامنهم مـع ضحايا الـحـروب فـي غـزة أو إيران. استثمار اليمين المتطرف لورقة الهجرة والإسلام على المستوى السياسي، أعـادت الحرب على إيـــران فتح معركة الـسـرديـات الداخلية حـــول الـهـجـرة والإســــام فــي فـرنـسـا، ووفّـــرت ذخـيـرة جـديـدة للتيارات اليمينية المتطرّفة. فـرئـيـس حـــزب «الــتــجــمّــع الــوطــنــي» جــــوردان بــــارديــــا دعـــــا الـــرئـــيـــس إيـــمـــانـــويـــل مـــاكـــرون إلـــى جـمـع قـــادة الأحــــزاب المـمـثَّــلـة فــي الـبـرلمـان «لـتـوضـيـح دور فــرنــســا»، لـكـن خـلـف خطاب «الــوحــدة الوطنية» يـواصـل حـزبـه رســم خط مستقيم بـن «التهديد الـخـارجـي» و«الخلل الداخلي» الــذي يُحمَّل جـزء منه إلـى الهجرة والمسلمين. وهنا، يجد الخطاب التقليدي لـ«اليمين المــتــطــرف» فـرصـتـه لـتـجـديـد مـــعـــادلاتـــه، فكل اشـــتـــعـــال فــــي الــــشــــرق الأوســـــــط يُــــقــــدِّم دلـــيـــا إضافيا على أن فرنسا «تستورد النزاعات» عبر الـهـجـرة، وأن وجـــود جاليات كبيرة من أصـــــول مــغــاربــيــة أو شــــرق أوســـطـــيـــة يحمل فـي ذاتــه مخاطر «بَلقنة» الساحة الداخلية. وحتى لو لم تُقَل هـذه العبارات دائما بشكل صريح، ثمة إشارات متكرّرة إلى «خطر التآكل الهوياتي» و«الغيتوهات الإسلامية» و«المـد الإسلاموي العالمي» تظهر في خطاب قيادات يمينية ترى أن الحرب مع إيـران تبرهن على ضــــرورة تـشـديـد سـيـاسـة الـهـجـرة والـلـجـوء، وعلى أن أي تخلخل إقليمي يمكن أن يُترجم بموجة جديدة من اللاجئين أو بتصعيد في الخطاب الديني المتشدّد في الضواحي. إشكالية موقف اليسار في الضفة المقابلة، تحاول قوى اليسار الراديكالي والاشتراكي - البيئي تفكيك الربط التلقائي بين الحرب على إيران وبين المسلمين فــــي فـــرنـــســـا. ولـــقـــد طــالـــبـــت الـــنـــائـــبـــة مـاتـيـلـد بانو، زعيمة كتلة «فرنسا الأبية» البرلمانية، بمناقشة بـرلمـانـيـة وبـتـصـويـت حـــول المـوقـف من الشرق الأوســط، وحــذّرت من أن استمرار مـنـطـق «الـــحـــرب الـــدائـــمـــة» يـــغـــذّي كـــل أشـكـال الــتــطــرّف. أمـــا جـــان - لـــوك مـيـانـشـون، زعيم كتلة «فرنسا الأبية»، فعد أن ما يجري «حرب بـــا أخــــيــــار» أطـــرافـــهـــا «لا نــحــبّــهــا»، واضــعــا واشنطن وتل أبيب وطهران في سلّة واحدة. هـــذا الــخــطــاب، وإن تـــعـــرَّض لانــتــقــادات عنيفة من اليمين، يلتقي مع حساسية واسعة في أوســاط الشباب المسلمين أو المتضامنين مــع الـقـضـيـة الفلسطينية، ويــرفــض تحويل الحرب على إيران إلى ذريعة لمزيد من الرقابة الأمنية على الجاليات العربية والمسلمة أو لإعادة إنتاج خطاب «الانفصالية الإسلامية». القانون الدولي... وضبط الشارع وأمــــــا فــــي الـــطـــيـــف الـــوســـطـــي والـــيـــســـار المــــعــــتــــدل، فـــثـــمـــة مــــحــــاولــــة لـــصـــيـــاغـــة مــوقــف مزدوج: - دعــــم الـــقـــانـــون الـــدولـــي والــتــحــذيــر من التوسُّع الإقليمي للحرب. - والتأكيد على رفض أي وصم جماعي للمسلمين في فرنسا. الــنــائــب الأوروبــــــي الاشـــتـــراكـــي الحليف رافاييل غلوكسمان شدّد، قائلاً: «لا يمكن أن نتبع ترمب ونتنياهو بلا شروط»، داعيا إلى مسار انتقال سياسي بإشراف الأمم المتحدة «لمنع الفوضى من أن تحل محل الاستبداد». وذكّر أوليفييه فور، زعيم الحزب الاشتراكي، بــــأن «الــبــوصــلــة الـــوحـــيـــدة المـتـبـقـيـة فـــي هــذا العالم هي القانون الدولي»، في تلميح واضح إلــــى رفــــض أي مــنــطــق «حـــــرب صــلــيــبــيــة» أو «صــدام حـضـارات» تكون له تداعيات مُدمِّرة على التعايش داخل فرنسا. ومـــن جهتها، ربـطـت زعـيـمـة «الـخـضـر» مـــاريـــن تــونــدلــيــيــه، فـــي تــصــريــح تـلـفـزيـونـي، بـن ضـــرورة الـدفـاع عـن الأمــن الـداخـلـي وبين معايير الـشـرعـيـة الــدولــيــة. ورأت أن انتهاك هذه المعايير في الخارج يضعف حجة فرنسا فـــي مــحــاربــة الـــتـــطـــرّف داخـــلـــيـــا، لأن الـشـبـاب المعنيين يـــرون فـي ذلــك «ازدواجـــيـــة معايير» تغذّي سرديّات الضحية في بعض الأوساط المسلمة. وبـــهـــذا المــعــنــى، تـصـبـح كـيـفـيـة تـعـاطـي فـــرنـــســـا مـــــع الـــــحـــــرب عـــلـــى إيـــــــــران جـــــــزءا مـن معركتها الـسـرديـة داخـــل أحيائها الشعبية ومـــــدارســـــهـــــا ومــــســــاجــــدهــــا؛ فــــإمــــا تـــثـــبـــت أن القانون واحد للجميع، أو تُتَّهم بأنها تُطبِّق معايير مختلفة حين يتعلق الأمــر بالعالمَين العربي والإسلامي. أعمدة دخان في سماء العاصمة الإيرانية طهران بعد عمليات قصف (أ.ف.ب) تُـــواجِـــه فـرنـسـا، مــع انــــدلاع حـــرب إيـــــران، حــزمــة مـعـقّــدة من التداعيات الداخلية، تمتد من الأمـن القومي إلى تماسك النسيج الاجتماعي، مرورا بالمعارك الانتخابية والخطاب حول الهجرة والإســام. وبينما يحرص «الإليزيه» (مقر الرئاسة الفرنسية) على الحفاظ على خطاب «التهدئة» والـدفـاع عن الشرعية الدولية، فـإن أجهزة الدولة تتعامل مع هذه الحرب بوصفها أيضا محفِّزا ممكنا لتوترات داخلية، سـواء عبر مخاطر الإرهـــاب أو عبر إعـــادة تسييس «ملف الضواحي» والهجرة ذات الأغلبية المسلمة. وحقاً، منذ اللحظات الأولى لــلــنــزاع، وجَّــــه وزيــــر الـداخـلـيـة لــــوران نـونـيـيـز بـرقـيـة عـاجـلـة إلـى الموقّعين في الـدولـة (المحافظين، قيادة الشرطة والــدرك، والاستخبارات الداخلية) يأمر فيها برفع درجة اليقظة إلى «حالة إنذار» تحسّبا لأي «عمل يمكن أن يخل بالنظام العام» داخـــل فـرنـسـا. وتـضـمَّــنـت التعليمات الـتـركـيـز عـلـى حماية المصالح الدبلوماسية للطرفَين المتحاربَين، ومراقبة التجمّعات والاحـــتـــجـــاجـــات المــرتــبــطــة بــالــجــالــيــات المــعــنــيــة، خـصـوصـا المـظـاهـرات التي ينظّمها إيـرانـيـون ومـعـارضـون للنظام في طهران على الأراضي الفرنسية. بين الهاجس الأمني... وهشاشة التعايش بين مكوّنات المجتمع باريس: أنيسة مخالدي التأثير الانتخابي وإعادة تشكيل الخريطة الحزبية الفرنسية تـأتـي الـحـرب الأمـيـركـيـة الإسـرائـيـلـيـة على إيـــران قبل أسـابـيـع مـن الانتخابات > البلدية الفرنسية، ما يمنحها وزنا انتخابيا خاصاً. هذا الواقع يقلق «الإليزيه» من أن تتحوّل أي حادثة أمنية، ولو محدودة، إلى وقود لصعود خطاب «الاستبدال الكبير» و«الخطر الإسلامي» في خطاب اليمين المتطرف، وأن يستثمر خصوم الرئيس إيمانويل ماكرون أي تردّد أو تناقض في موقفه لتصويره كرئيس «عاجز» عن حماية الفرنسيين أو «متذبذب» بين واشنطن وطهران. في المقابل، يراهن جزء من اليسار على تعبئة الشباب والناخبين من أصول عربية ومسلمة عبر خطاب مناهض للحرب والتبعية، على قاعدة الدفاع عن الفلسطينيين والإيرانيين في آن، تحت شعار «لا لهذا النظام ولا لتلك الحروب». لكن هذا الاستقطاب قد يعمّق انقسام المشهد الحزبي إلى معسكرين: الأول يرى في الحرب فرصة لتشديد القبضة الأمنية والهجرة، والثاني يرى فيها مناسبة لإعـادة النظر جذريا في علاقة فرنسا بالولايات المتحدة وبالشرق الأوسط، وفي مكانة المسلمين داخل الجمهورية. ASHARQ AL-AWSAT أجهزة الأمن الفرنسية مقتنعة بأن طهران تمتلك القدرة والإرادة على استخدام أراضي أوروبا لتصفية حساباتها مع خصومها
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky