الثقافة CULTURE 17 Issue 17263 - العدد Wednesday - 2026/3/4 األربعاء أربعون سنة على تأسيس ساتشي سلطة الفن العابرة للحدود يـعـبّــر بـعـض الـعـراقـيـن املـقـيـمـن في بريطانيا عن غبطتهم وهم يروون حكاية نـجـاح ابـــن بـلـدهـم تـشـارلـز سـاتـشـي الــذي تحولت مؤسسته الفنية عبر أربعي سنة من املغامرة والجرأة سلطة تهب فنانيها تــذكــرة املــــرور إلـــى عـالـم الـفـن الـعـاملـي. وال يـفـوتـهـم الـتـأكـيـد عـلـى مـعـلـومـة تاريخية تـفـيـد بـــأن لـقـب سـاتـشـي يــعــود إلـــى مهنة والد تشارلز الذي كان ساعاتيًا في بغداد. تلك حكاية ال يلتفت إليها أحد في خضم اإلعـــجـــاب بـنـشـاط جــامــع األعـــمـــال الفنية الـــذي تغلغل فــي ســـوق الــدعــايــة واإلعـــام حـــامـــا لـــــواء املـــعـــارضـــة مـــن خــــال تبنيه للفنون املعاصرة. تبنى غاليري 1985 منذ تأسيسه عام ســاتــشــي فـــكـــرة الـــعـــرض لـفـنـانـن عـاملـيـن كــــانــــوا فــــي ذلـــــك الــــوقــــت يــمــثــلــون املـــوجـــة الـــجـــديـــدة الـــتـــي كـــانـــت بــمــثــابــة الـتـمـهـيـد الوسيط بي األساليب الفنية الراسخة في حداثتها والـفـنـون املـعـاصـرة الـتـي تشكل انقلبًا في طـرق الرؤية والتقنيات، فضم معرضه األول أعماال لدونالد جود، وسي تومبلي، وبرايس ماردن وأندي وارهول. أُقـــيـــم املـــعـــرض األول فـــي الــفــتــرة من مـارس (آذار) إلـى أكتوبر (تشرين األول) ، وضـــــم الــكــثــيــر مـــن أعـــمـــال الـفـنـان 1985 األميركي دونالد جود، أحد رواد املدرسة التقليلية والـفـنـانـن األمـيـركـيـن برايس مــــاردن وســـي تـومـبـلـي، أحـــد رواد الـرسـم الــــتــــجــــريــــدي والــــفــــنــــان األمــــيــــركــــي آنـــــدي وارهــــول، أحــد رواد فـن الــبــوب. بعد ذلك بسنة احتضن الغاليري معرضًا ألعمال الــــنــــحــــات األمــــيــــركــــي جــــــون تــشــامــبــرلــن والفناني األميركيي دان فلفي، وسول لــويــت، وروبــــرت رايـــمـــان، وفــرانــك ستيل وكارل أندريا، وجميعهم من رواد املدرسة الــتــقــلــيــلــيــة. كـــمـــا أقــــيــــم مــــعــــرض لــلــفــنــان األملاني أنسيلم كيفر، والنحات األميركي ريــــتــــشــــارد ســــيــــرا الـــــــذي عُـــــــرف بــأعــمــالــه النحتية الضخمة. مـن خــال تلك املــعــارض الـتـي جذبت األنــــــظــــــار إلــــيــــه نــــجــــح تــــشــــارلــــز ســـاتـــشـــي فـــي تــكــريــس وجــــــوده فـــي الـــحـــيـــاة الـفـنـيـة الـبـريـطـانـيـة؛ وهـــو مــا أهَّــلــه لـانـتـقـال إلـى املــرحــلــة الــتــي تــحــول فـيـهـا عــرابــ للفنون املعاصرة من خلل تبنيه الفناني الشباب مـــثـــل دامــــيــــان هـــيـــرســـت، وتـــريـــســـي أمــــن، وجيني سافيل، وســارة لوكاس، وجافي تـــروك وراشـيـل وايـــت ريـــد. ال يُفهم نشاط تشارلز ساتشي إال إذا وضعناه في سياقه االستثماري الــذي كــان الـتـرويـج الدعائي للفن بصفته بضاعة جزءًا أساسيًا منه. حين يعود الرسم إلى الواجهة اقـــتـــحـــم ســـاتـــشـــي األســـــــــــواق الــفــنــيــة الـــعــاملـــيـــة، لــكـنــه فــعــل ذلــــك مـــن خــــال غــزو املـــتـــاحـــف الــعــاملــيــة بـمـجـمـوعـتـه بـــــدءًا من مـــتـــحـــف هــــامــــبــــورغــــر بــــانــــهــــوف بـــبـــرلـــن وانـــتـــهـــاء بـمـتـحـف الــفــن الــحــديــث (مــومــا) بنيويورك. يختلف الكثيرون فـي وصف مهمته التي تمتزج فيها الحماسة للفنون املعاصرة بالهوس التجاري إلى درجة أن البعض من النقاد كـان قد عـدَّه واحــدًا من الطغاة الذين يسعون إلـى صناعة تاريخ زائـــف للفن، ملمحي إلــى ظـاهـرة املنظمة الــســريــة الــتــي تــديــر ســــوق الــفــن بـالـخـفـاء متخذة من أصحاب القاعات الفنية واجهة هشة مخادعة. كل ذلك قد يكون صحيحًا على الرغم مما يتخلله من أوهـام غير أن االحتفالية الـــتـــي يــقــيــمــهــا غـــالـــيـــري ســـاتـــشـــي بـلـنـدن ملناسبة مـرور أربعي سنة على تأسيسه تــقــول شـيـئـ مـخـتـلـفـ . شـيـئـ ال يـنـفـي وال يؤكد بقدر ما يأخذنا إلى مناطق خاصة فـــي الـتـفـكـيـر الــفــنــي. مــنــاطــق يــعــود فيها عـلـى سـبـيـل املــثــال االهــتــمــام بـالـرسـم إلـى الـــواجـــهـــة. وهـــو مـــا أدهــشــنــي فـــي مـعـرض «اآلن الــبــعــيــد»، وهــــو مـــعـــرض يـعـيـد إلــى الــرســم مـكـانـتـه مــن خـــال أعــمــال رسـامـن بأساليب مختلفة. لقد دأبـت منذ أكثر من عشر سنوات عـلـى زيـــــارة غــالــيــري ســاتــشــي، وكــنــت في كــل مـــرة أشــعــر بــاإلحــبــاط بـسـبـب ذائـقـتـي الـــجـــمـــالـــيـــة غــــيــــر أن املـــــعـــــرض الــــحــــالــــي، وهـــو أشــبــه بـمـعـرض اســتــعــادي يــؤكــد أن الــغــالــيــري الــــذي صـــار مـؤسـسـة سلطوية يملك من املعرفة الفنية ما يؤهله أن يكون وسيطًا عادال بي مختلف التيارات الفنية، وبــــاألخــــص مـــا كــــان مــنــهــا حـــداثـــويـــ ومــا هــو مـعـاصـر. ال يعني ذلـــك أن مــا يطرحه املـعـرض هـو أشـبـه بصيغة التعايش بي األســالــيــب بــقــدر مــا يـعـنـي أن هــنــاك بيئة ثقافية هي الفضاء الذي تتلقح من خلله تلك األساليب، بعضها من البعض اآلخر لـتـكـتـمـل صـــــورة الـــفـــن اآلن، الـــــذي هـــو فن املستقبل. المزاوجة بين التجارة والثقافة بغض النظر عن الخلفات العميقة فـــــــي اآلراء بـــــــن مـــــنـــــاصـــــري ســـاتـــشـــي واملعترضي على نهجه، وباألخص فيما يتعلق بانفتاحه على الفنون املعاصرة، فـــإن الـغـالـيـري تخطى الــحــدود الضيقة التي تحصره فـي مهمة إقـامـة املعارض والــتــرويــج ألعــمــال فـنـانـيـه ليصبح قـوة ضــــاربــــة ال فــــي الــــســــوق الــفــنــيــة املـحـلـيـة فحسب، بـل وفـي املشهد الفني العاملي. فـمَــن تنفتح لــه أبــــواب «سـاتـشـي» يكون ذهـــابـــه إلــــى الــعــاملــيــة أمـــــرًا لــيــس عـسـيـرًا إذا مــا اجـتـهـد وصــقــل مـوهـبـتـه بالعمل واملـــعـــرفـــة والـــتـــجـــدد. وهــــو مـــا يـعـنـي أن الــــصــــرح الــكــبــيــر الــــــذي يـــقـــع فــــي مـنـطـقـة تــشــيــلــســي الـــثـــريـــة بـــلـــنـــدن لـــيـــس مــجــرد مجموعة من القاعات التي ينتهي عملها بــعــرض الـــرســـوم واملــنــحــوتــات والــصــور الـــفـــوتـــوغـــرافـــيـــة واألعــــــمــــــال الــتــركــيــبــيــة واألفــــــــــــــــام، بــــــل هــــــو مــــؤســــســــة مـــعـــقـــدة التفاصيل فيما تمارسه من تأثير خفي عـلـى الـحـيـاة الفنية تبعًا لـقـدرتـهـا على فرض تيارات فنية معينة وتعزيز وجود فـنـانـن دون ســواهــم والـتـحـكـم بأسعار األعمال الفنية. زاوج ساتشي بي التجارة والثقافة بـــطـــريـــقـــة مـــحـــتـــرفـــة. لــــم تــــغــــره الـــتـــجـــارة بعد أن أثـبـت أنــه مـؤهـل لـلـوقـوف خـارج املـــنـــافـــســـة بـــتـــفـــوق مـــلـــحـــوظ، بــــل انـــدفـــع فــي اتــجــاه خـلـق ثـقـافـة بـصـريـة جـديـدة، قـــوامـــهـــا االنـــتـــصـــار لــلــفــنــون املـــعـــاصـــرة التي تجلب عروضها سمعة غير أنها ال تجلب أرباحًا. قلب ساتشي املعادلة حي صـــار فــنــانــوه يـبـيـعـون أعـمـالـهـم بأعلى األسعار وتتسابق املتاحف العاملية على إقــامــة مــعــارض لـهـم، كـمـا أن هـنـاك دوال صــــارت تـتـسـابـق عـلـى اقـتـنـاء أعـمـالـهـم. لقد تحول فنانون مثل داميان هيرست، وتـريـسـي أمـــن، وجيني سافيل وســارة لوكاس أيقونات عاملية في املشهد الفني املعاصر. كل هذا من صنع ساتشي. غاليري من غير حدود «اآلن البعيد» هو عنوان املعرض الذي يقيمه ساتشي ملناسبة مـــرور أربـعـن سنة عــلــى تــأســيــســه. انــتــقــى الــقــيَّــمــون عــلــى هــذا املـــعـــرض أعـــمـــاال فـنـيـة قـديـمـة وجـــديـــدة بما يتيح التعرف على مـراحـل زمنية مختلفة، نجح الغاليري عبرها فـي تكريس سمعته عرابًا لفن مغاير، بعضه يتمسك بالخيوط التي تربطه بالحداثة الفنية كما كانت في النصف الثاني من القرن العشرين، في حي يذهب البعض اآلخـر في نفوره من الحداثة إلى درجة القطيعة؛ وهو ما فتح الباب أمام هيمنة الفنون املعاصرة على العروض التي دأب سـاتـشـي عـلـى إقـامـتـهـا عـبـر الـعـشـريـن سنة املاضية. «الـــحـــاضـــر يـــذهـــب إلــــى املــســتــقــبــل» من خـــال تـلـك املـقـولـة يـظـهـر سـاتـشـي ثـقـتـه من أن سلطته ونـــفـــوذه سـيـظـان قـائـمـن حتى بعد غيابه، وهــو هنا كمَن يـقـول: «سيكون املــســتــقــبــل مــــن صـــنـــعـــي» هــــل ســـيـــكـــون ذلـــك حقيقيًا أم أنه مجرد وهم، تمليه القوة التي يمكن أن يتمرد عليها الفن؟ مـن املـؤكـد أن هناك دعـايـة مبالَغ فيها لصالح ساتشي وهو الذي يدير الجزء األكبر منها، غير أن ما ال يمكن إنكاره أن سلطته لم تكن وهمًا. إن صرحًا بحجم الغاليري إنما يستند إلى سعة في النفوذ ال على مستوى الـــســـوق الـفـنـيـة وحـــدهـــا، بـــل يـتـخـطـاهـا إلـى عموم املشهد الفني بضمنه الجوائز الفنية الرفيعة، وفي مقدمتها جائزة «تيرنر». عـــبـــر مـــســـيـــرتـــه لـــــم يـــكـــتـــف غـــالـــيـــري ســاتــشــي بـتـبـنـي الــفــنــانــن الـبـريـطـانـيـن املــــعــــاصــــريــــن، بــــل امــــتــــد نـــشـــاطـــه لـيـشـمـل بــرعــايــتــه فــنــانــن عــاملــيــن مـــن مــثــل جيف كونز، وسيندي شيرمان، وروبرت غوبر، وبيتر هالي، وحاييم شتاينباخ، وفيليب تـافـي وكـــارول دونــهــام. أمــا حـن أقـــام عام مــعــرض «فــــن نــيــويــورك اآلن» فـإنـه 1987 اكتسي سمعة الغاليري عابر الحدود. فاروق يوسف تبنَّى غاليري ساتشي منذ فكرة 1985 تأسيسه عام العرض لفنانين عالميين كانوا في ذلك الوقت يمثلون الموجة الجديدة تشكيل متقن بأسلوب متين يتبع التقليد الروماني الكالسيكي صيد الحمير البرية في جدارية أموية دأب شيوخ قبائل العرب على صيد الطيور والحيوانات البرية، وجعلوا من هذه املزاولة تقليدًا راسخًا، ورثه الحكام األمــــويــــون وطـــــــــوّروه، فـــغـــدا وســيــلــة من وســائــل الـلـهـو، ارتـبـطـت ارتــبــاطــ وثيقًا بــالــغــنــى والـــــتـــــرف، كـــمـــا يــشــهــد املـــيـــراث األدبي الخاص بتلك الحقبة. تردّد صدى هـــذا الـتـقـلـيـد فـــي الــفــن األمــــــوي، وتـجـلّــى فـــي مـجـمـوعـة مـــن األعـــمـــال الـتـصـويـريـة املتعدّدة األنواع، منها لوحات من الحجم الكبير تشكّل جــزءًا مـن الـجـداريـات التي تـــزيّـــن قـــاعـــات قـصـيـر عــمــرة فـــي صـحـراء األردن. تمثّل إحـدى هذه اللوحات صيد الحمير البرية وسـط حلبة مسيّجة، في مشهد شـامـل وجـامـع يتميّز بتفاصيله اإلنشائية الدقيقة. يـــحـــوي قــصــيــر عـــمـــرة قـــاعـــة كـبـيـرة مــــكــــوَّنــــة مـــــن ثــــاثــــة إيـــــــوانـــــــات حـــافـــظـــت عـــلـــى الـــــجـــــزء األكـــــبـــــر مـــــن جــــداريــــاتــــهــــا، ويحضر مشهد صيد الحمير الوحشية فــــي اإليـــــــــوان الـــغـــربـــي فــــي لــــوحــــة أفــقــيــة مــســتــطــيــلــة، تـــحـــتـــل الــــجــــزء األعــــلــــى مـن الـــجـــدار الـــغـــربـــي، وتــســتــقــر فــــوق تـألـيـف ثلثي يجمع بي ثلثة مشاهد مستقلّة تمتد على الجزء األوسط من هذا الجدار. مُــحِــي النصف األعـلـى مـن مشهد الصيد بشكل كبير بحيث تـعـذَّر تحديد معامله عـنـد اكـتـشـاف الـقـصـيـر فــي مـطـلـع الـقـرن املــاضــي، غـيـر أن بعضًا مــن هـــذه املعالم انكشف وظهر بفضل أعمال الترميم التي أجرتها بعثة إيطالية من «املعهد العالي للحفظ والـتـرمـيـم» فـي املـوقـع خــال عام . في املقابل، حافظ النصف األسفل 2010 مـن هـذه اللوحة على مختلف عناصره، واستعادت هـذه العناصر ملعانها األوّل بفضل هذا الترميم الدقيق. يدور هذا الصيد داخل حلبة تحدّها شــرقــ شـبـكـة عـريـضـة تـرتـفـع عـلـى شكل سـيـاج مـقـوّس. داخـــل هــذه الحلبة، تحل مــجــمــوعــة مـــن الــبــهــائــم تـــركـــض مــعــ في اتـــجـــاه الـشـبـكـة. تــتــكــوّن هـــذه املـجـمـوعـة بـــهـــيـــمـــة مــــتــــراصــــة، 17 كــــمــــا يــــبــــدو مـــــن تـــحـــضـــر كـــلـــهـــا فـــــي وضــــعــــيــــة جـــانـــبـــيـــة، وتـظـهـر وهـــي تــجــري فــي حــركــة واحــــدة، رافــــعــــة رؤوســـــهـــــا إلــــــى األمــــــــــام. وحـــدهـــا البهيمة التي تحضر في الطرف األخير تـديـر رأسـهـا إلــى الخلف فـي اتـجـاه كلب سلوقي يلحقها ويدنو منها. تبدو هذه البهائم من فصيلة الخيليات، وهيكلها مــا بــن الـحـمـار والــحــصــان، مــمّــا يوحي بأنّها من الحمير البريَّة التي تُعرف في امليراث األدبــي بحُمر وحـش، كما تُعرف بحمير وحــــش. يــأتــي ذكـــر هـــذه الحمير فــي األدبـــيـــات الــخــاصــة بـالـصـيـد، وأقـــدم ما وصلنا منها رسالة الصيد املنسوبة إلى عبد الحميد بن يحيى، كاتب مروان بن محمد، آخـر خلفاء بني أمية، وفيها يذكر كلب السلوقي السريعة في مطاردة الـغـزالن، ويتحدّث عن غابة «مـن ورائها حمير وحش كثيرة». تـنـقـل جـــداريـــة قـصـيـر عــمــرة صـــورة حـيَّــة لـهـذه الحمير، وفيها تـبـدو «صُــفْــر املناخر واألَشْــداق»، كما وصفها الشاعر ابــــــن مــــيــــادة فــــي زمــــــن الـــــدولـــــة األمــــويــــة، ويظهر من خلفها ثلثة من رجال الصيد يـمـتـطـون خـيـلـهـم. مُـــحِـــيَـــت صــــور هـــؤالء الفرسان، وما بقي منها يُظهر تقدّم اثني منهم في حركة موازية، وتهاوي الثالث وسقوطه عن حصانه في حركة معاكسة. فـــي الـقـسـم األســـفـــل مـــن الــتــألــيــف، ترتفع سلسلة من الرايات املرفوعة فوق قضبان مــغــروســة فـــي األرض، تـقـابـلـهـا سلسلة مشابهة فـي القسم األعـلـى مـن الـصـورة. تُشكّل هاتان السلسلتان حلقة تطل من خلف عدد من راياتها قامات تُمثّل على األرجــح مراقبي جولة الصيد. يظهر كل فــــرد مـــن هـــــؤالء املـــراقـــبـــن أمـــــام رايـــــة من هذه الرايات، رافعًا ذراعه أفقيًا في حركة واحــــدة ثـابـتـة. فــي املـقـابـل، تظهر خيمة ســــوداء فــي طـــرف الـتـألـيـف شــرقــ ، حيث تــرتــفــع تــحــت الـشـبـكـة املـــقـــوّســـة. تكشف هذه الخيمة عن ثلثة وجوه تُمثّل كذلك مراقبي يتابعون جولة الصيد. وتقابل هــذه الخيمة فـي الـطـرف املعاكس خيمة أخرى مشابهة تخلو من الشهود. رصــــــد بـــــازيـــــار الــــعــــزيــــز الـــفـــاطـــمـــي أحوال الصيد وطقوسه في كتاب يُعرف باسم «الـبـيـرزة»، وفيه أشــار إلـى تعدد هذه األحـوال بحسب األوضـاع الطبقية الـخـاصـة بـالـصـيـاديـن، وقــــال: «ويــغــدو لـــلـــصـــيـــد اثـــــنـــــان مــــتــــفــــاوتــــان، صــعــلــوك منسحق األطمار، وملك جبار، فينكفئ الصعلوك غانمًا، وينكفئ امللك غارمًا، وإنــــمــــا يـــشـــتـــركـــان فــــي لـــــذة الـــظـــفـــر. وال مؤونة أغلظ على ذي املـروءة من تكلف آالت الصيد ألنـهـا خيل وفـهـود وكـاب وآالت تحتاج في كل قليل إلـى تجديد. ومــــن هــنــا قــيــل إنــــه ال يـشـغـف بالصيد إال سخيّ». رأى الكاتب أن هذا الصياد الــســخــي يــحــتــاج إلــــى كــلــب ودابــــــة، كما أنـه يحتاج إلـى غـام يركب هـذه الدابة، «وجـــاريـــة تـصـلـح لـنـا صـيـدنـا وتـعـالـج طعامنا». وأضـاف في الخلصة: «كلب ودابـــة وغـــام وجـاريـة هـــؤالء عـيـال، وال بـــد مـــن دار»، «وال بـــد لـــهـــؤالء مـــن غلة ضيعة». تــــعــــكــــس جــــــــداريــــــــة قــــصــــيــــر عــــمــــرة صـــــورة هــــذا الــصــيــد الــســخــي فـــي كنف األســــــــرة األمــــــويّــــــة، وتـــحـــضـــر بـــأســـلـــوب تشكيلي متي يتبع التقليد الـرومـانـي الكلسيكي، ويتميّز بطابعه الواقعي الـــنـــابـــض بــالــحــركــة الـــحـــيّـــة. يـــعـــود هــذا املــشــهــد ويــظــهــر فـــي تــألــيــف مــشــابــه في جدارية أخرى في اإليوان الشرقي حيث تحتل القسم األوسط من الجدار الشرقي، وهــــــذه الـــلـــوحـــة مـــمـــحـــوة بــشــكــل كــبــيــر، وتــصــعــب قـــراءتـــهـــا مـــن دون االســتــنــاد إلى الرسم التوثيقي الخاص بها. يُمثّل هذا املشهد صيادًا يلحق مع قطيع من كــــاب الــســلــوقــي مـجـمـوعـة مـــن الحمير الـوحـشـيـة تـحـتـل طـــرف الـــصـــورة. يعلو هـــذه الــلــوحــة تـألـيـف ثــاثــي يــتــكــوّن من مشهد يـصـوّر لـقـاء بـن قامتي يصعب تحديد هويّتهما، يتبعه مشهد يصوّر عناقًا بي هاتي القامتي الغامضتي، ثـم مشهد تقليدي مستقل يـصـوّر أسـدًا ينقض فوق طريدة ذات جلد أبيض. تــضــم مــجــمــوعــة جــــداريــــات قصير عمرة كذلك لوحتي كبيرتي ترتبطان بـعـالـم الـصـيـد، وتـمـثّــان ذبـــح الـطـرائـد. تبرز هاتان اللوحتان بطابعهما الفريد، وتـــســـتـــحـــق كــــل مــنــهــمــا قـــــــراءة مــتــأنــيّــة مستقلّة. صيد الحمير الوحشية في جدارية من قصير عمرة األموي في بادية األردن محمود الزيباوي
RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==