issue17263

Issue 17263 - العدد Wednesday - 2026/3/4 األربعاء OPINION الرأي 14 من عراق األمس إلى إيران اليوم: تكلفة الحرب وحدود العقالنية حـن تـقـرر الـــدول الــذهــاب إلــى الــحــرب، ال تكون الخسائر محصورة في ساحات القتال، بل تمتد إلى االقـتـصـاد واملـجـتـمـع ومـؤسـسـات الــدولــة ومستقبل األجــــيــــال، لـــذلـــك ال تُـــقـــاس الــــحــــروب بــمــا تـحـقـقـه من مـكـاسـب آنــيــة أو رمـــزيـــة، بـــل بـمـا تـخـلّــفـه مـــن أثـمـان بـعـيـدة املــــدى، غـالـبـا مــا تدفعها الـشـعـوب أكـثـر مما يدفعها الحكام، ومن هذه الزاوية تبدو املقارنة بي عراق األمس وإيران اليوم أقرب إلى قراءة في منطق السلطة حـن يعلو على منطق الــدولــة، وفــي نتائج املغامرة حي تتقدم على العقالنية. ، أقـدم نظام الرئيس 1990 ) أغسطس (آب 2 في صـــدام حسي على غــزو الـكـويـت، فـي قـــرار بــدا آنــذاك تعبيرًا عـن فـائـض ثقة بـالـقـوة، لكنه تـحـول سريعا إلــى بـوابـة كارثية دخــل منها الـعـراق فـي مرحلة من االســـتـــنـــزاف الــشــامــل. فــالــحــرب لـــم تـنـتـه عـنـد حـــدود االنسحاب من الكويت، بل فتحت الباب أمـام تدمير واســــع فـــي الـــقـــدرات الـعـسـكـريـة الــعــراقــيــة، وخـسـائـر بـشـريـة جـسـيـمـة، ثــم حـصـار طـويـل خـنـق االقـتـصـاد وأضــعــف بنية الــدولــة ومجتمعها، ولـــم يـكـن الثمن سـيـاسـيـا فــقــط، بـــل أصــــاب مـخـتـلـف الــقــطــاعــات: من الصناعة والزراعة إلى التعليم والصحة والخدمات األساسية. لـقـد خـسـر الـــعـــراق، فــي تـلـك الـحـقـبـة، كـثـيـرًا من مقومات الدولة الحديثة، منها جيش كان يُنظر إليه بوصفه من أكبر جيوش املنطقة وأكثرها تسليحا، خــــرج مـنـهـكـا ومـفـكـكـا بــعــد أن تـــضـــررت قـــدراتـــه في الـــدروع والـطـيـران واملدفعية والبنية اللوجيستية، كما تراكمت على العراق أعباء مالية ثقيلة، كان من أبرزها ملف التعويضات الهائل الذي استمر لسنوات طويلة، فيما كـانـت الـبـ د تعاني أصـــ انـهـيـارًا في الـــدخـــل، وتـــراجـــعـــا فـــي قـيـمـة الــعــمــلــة، وتــــدهــــورًا في مستوى املعيشة، ومع مرور الوقت، لم يعد الحديث عن تكلفة قرار سياسي خاطئ فحسب، بل عن وطن بأكمله دخل في دوامة إنهاك تاريخي. ولم تكن البنية التحتية بمنأى عن ذلك املسار، فـــقـــد أصــــابــــت األضــــــــرار شـــبـــكـــات الـــكـــهـــربـــاء واملـــيـــاه واملـــنـــشـــآت الــخــدمــيــة، وتــــرك ذلــــك أثــــرًا مــبــاشــرًا على املستشفيات واملــــدارس والــقــدرة العامة للدولة على تـوفـيـر الـحـد األدنــــى مــن الـحـيـاة الطبيعية. ثــم جـاء الـحـصـار ليضاعف حـجـم املــــأزق، فـتـراجـعـت نوعية الخدمات الصحية، وارتفعت معدالت الفقر، وتدهور الـتـعـلـيـم، ووجــــد الــعــراقــيــون أنـفـسـهـم أمــــام سـنــوات طويلة من االنكماش والعوز والقلق على املستقبل، وهـكـذا لـم تكن الـحـرب قـــرارًا عسكريا فقط، بـل كانت مدخال إلى تفكيك متدرج ألسس الدولة واملجتمع. ومن هنا تحديدًا تنشأ أهمية املقارنة مع إيران الـيـوم، فليست املسألة في التطابق بي التجربتي، فلكل حالة ظروفها ومعطياتها، لكن التشابه يكمن في خطورة الذهاب إلى صراع مفتوح من دون حساب دقيق للتكلفة النهائية، وإذا كانت إيران تواجه اليوم تصعيدًا عسكريا متسارعا، فإن السؤال ال ينبغي أن يقتصر على قــدرة الــرد أو حجم التأثير العسكري، بـل يجب أن يشمل مـا هـو أعـمـق: مـــاذا يعني اتساع الـحـرب على االقـتـصـاد اإليـــرانـــي؟ مـــاذا سيعني ذلك على مستوى العملة واالسـتـثـمـار والـطـاقـة والبنية التحتية والخدمات العامة وحياة املواطني اليومية؟ إن الــــحــــروب الـــحـــديـــثـــة ال تــســتــنــزف الــجــيــوش وحدها، بل تستنزف املجتمعات أيضا، فكل تصعيد طويل يترك أثــره على األســـواق، وحركة االستثمار، وثقة الناس، وفاعلية املؤسسات، وقدرة الدولة على االستمرار في تقديم الخدمات األساسية، وإذا كان التاريخ القريب قد أظهر كيف دفعت الشعوب العربية أثمانا فادحة لقرارات التصعيد غير املحسوبة، فإن مـــا يـنـبـغـي اسـتـخـ صـه الـــيـــوم هـــو أن حـمـايـة األمـــن الــوطــنــي ال تـنـفـصـل عـــن حـمـايـة االقـــتـــصـــاد، وال عن صــــون حـــيـــاة الـــنـــاس واســـتـــقـــرارهـــم. فـــهـــذه املـصـالـح ليست تفصيال ثـانـويـا فــي مـعـادلـة الـــدولـــة، بــل هي جوهرها الحقيقي. وفـــــــي مــــقــــابــــل مـــنـــطـــق املـــــغـــــامـــــرة، تـــــبـــــرز قــيــمــة العقالنية السياسية بوصفها خـيـارًا استراتيجيا ال مجرد موقف أخـ قـي، وقـد بــرزت اململكة العربية الــســعــوديــة، ومــعــهــا دول الــخــلــيــج، بـوصـفـهـا مــثــاال عـلـى مـقـاربـة تـــرى أن االســتــقــرار اإلقـلـيـمـي مصلحة عليا، وأن إطفاء الحرائق أولـى من توسيعها، فمنذ تأسيسها، اعتمدت اململكة نهجا يقوم على تغليب الحلول السياسية وتجنب االنـــزالق إلـى املواجهات املفتوحة كلما أمكن ذلك، وهو نهج بدا واضحا أيضا في مقاربة دول الخليج لألزمات الكبرى التي عصفت باملنطقة، فالرهان، في هذه املقاربة، ليس على كسب جــولــة عـسـكـريـة بــقــدر مـــا هـــو عـلـى مـنـع املـنـطـقـة من االنزالق إلى فوضى طويلة ال رابح فيها. وفـي السياق نفسه، يمكن التوقف عند تجربة كــــردســــتــــان بـــوصـــفـــهـــا نــــمــــوذجــــا آخــــــر فـــــي تــرجــيــح الــعــقــ نــيــة عــلــى مــنــطــق الــــصــــدام، فــعــلــى الـــرغـــم من الـضـغـوط الـسـيـاسـيـة واألمــنــيــة واالقــتــصــاديــة التي واجـهـهـا اإلقـلـيـم خــ ل الـعـقـود األخــيــرة، فــإن قيادته اخـــتـــارت فـــي مـحـطـات كـثـيـرة مــســار الـتـهـدئـة وبـنـاء الــداخــل وتـوسـيـع مـسـاحـات االســتــقــرار، وبـإمـكـانـات محدودة قياسا إلى حجم التحديات املحيطة، تحول اإلقليم إلى مساحة أكثر أمنا وهدوءًا قياسا بمحيطه العراقي املضطرب، وأصبح مالذًا لكثير من العراقيي على اختالف انتماءاتهم، حي ضاقت بهم األزمـات فـي مناطق أخـــرى، وهــذه ليست مسألة أمنية فقط، بل نتيجة مباشرة لفهم سياسي يضع حياة الناس واالســـتـــقـــرار االقـــتـــصـــادي واالجـــتـــمـــاعـــي فـــي مـقـدمـة األولويات. إن الـــدرس الـــذي تقدمه تـجـارب املنطقة واضـح في هذا السياق: الحاكم قد يخسر منصبه أو سلطته أو امتيازاته، لكن الشعوب هي التي تتحمل التكلفة الكبرى للحروب، وهي التي تدفع من أعمار أبنائها، ومـــن تعليمهم، وصـحـتـهـم، وخــدمــاتــهــم، وفـرصـهـم فـي املستقبل، لـذلـك فــإن مسؤولية الــدولــة الرشيدة تبدأ من اعتبار حياة املواطني وأمنهم واقتصادهم خـطـوطـا حــمــراء ال يــجــوز املــســاس بـهـا إال فــي إطــار الـــدفـــاع املـــشـــروع عـــن الــنــفــس، ال فـــي ســيــاق توسيع النفوذ، أو فرض اآليديولوجيات، أو إدارة صراعات مفتوحة بالوكالة. هــكــذا، تـبـدو املــقــارنــة بــن عـــراق األمـــس وإيـــران الـــيـــوم دعــــوة إلــــى االعـــتـــبـــار ال إلــــى اإلدانــــــة املـــجـــردة، فـــالـــحـــروب حـــن تـــتـــجـــاوز حـــــدود الــــضــــرورة تصبح عبئا على الـدول قبل أن تكون أداة قـوة، والعقالنية، مهما بدت بطيئة أو أقل جاذبية في لحظة االنفعال، تظل الـطـريـق األكـثـر أمـانـا لحماية األوطــــان وصـون مصالح الشعوب، وفـي منطقة دفعت أثمانا باهظة للصراعات، ربما تكون الحكمة اليوم هي أكثر أشكال القوة إلحاحا. كفاح محمود من فنزويال إلى إيران... «ما بعد بعد الحداثة» ارتـــبـــطـــت الـــحـــداثـــة فــــي جــانــبــهــا الــثــقــافــي واالجـتـمـاعـي ارتـبـاطـا وثـيـقـا بـالـرأسـمـالـيـة في جانبها االقتصادي. أما على الصعيد السياسي فقد تجلّت الحداثة السياسية بمستوى التفوق العسكري، ســواء مـن الناحية التقنية املتمثلة في التطور املطرد للصناعة العسكرية، أو من الناحية امليدانية التي تعكس الـقـدرة الفعلية على فرض القوة والنفوذ على اآلخرين. وتُعد فترة الحرب الباردة التجسيد األبرز ملرحلة الحداثة العسكرية، حيث اتسمت بتوازن القوى بي املعسكرَين الشرقي والغربي، وهو مـا عنى فـي املحصلة تـــوازن الـقـوة الـرادعـة بي الواليات املتحدة واالتحاد السوفياتي. وهــنــا يـكـمـن الـــفـــارق الــجــوهــري فـــي إدارة الصراع؛ إذ استطاعت واشنطن توظيف الحداثة الــعــســكــريــة لـتـرجـمــتــهــا إلـــــى حــــداثــــة سـيـاسـيـة مكّنتها مــن هـزيـمـة االتــحــاد الـسـوفـيـاتـي، فقد نـجـحـت فـــي تـــوريـــطـــه فـــي جــبــهــات اسـتـنـزافـيـة أخــرجــتــه مـنـهـكـا ومـــهّـــدت لـسـقـوطـه الــداخــلــي، ولـــعـــل هـــــذا مــــا يـــفـــسّـــر األثــــــر الــعــمــيــق واملـــدمـــر لهزيمة السوفيات في أفغانستان مقارنة باألثر املحتمل لهزيمة األميركيي في فيتنام. ومـــع انــــدالع حـــرب تـحـريـر الــكــويــت، شهد الــعــالــم أول حــــرب «مــــا بــعــد حــداثـــيـــة» باملعنى الـــتـــقـــنـــي الــــخــــالــــص. وقـــــد أفـــضـــت تـــلـــك الـــحـــرب املـفـصـلـيـة إلـــى تـأسـيـس عــالــم مــا بـعـد الـحـداثـة السياسية، الــذي تـكـرّس الحقا بهيمنة القطب األوحد على املشهد الدولي. وإذا كان الرئيس األميركي األسبق وودرو ويلسون رائدًا لخطاب «العالم الجديد» لتحديد أهـــــداف سـيـاسـتـه الـــخـــارجـــيـــة، حــيــث ركــــز على خلق نظام دولــي جديد بوصفه شعارًا ملرحلة الحداثة العسكرية والسياسية، فإن مرحلة ما بعد الحداثة انطلقت مع رؤيـة «النظام العاملي الــجــديــد» الــتــي صـاغـهـا الـرئـيــس جــــورج بـوش األب. وقـــد اسـتـفـاد الـرئـيـس بـيـل كلينتون من هــذه الـرؤيـة للتركيز على العوملة االقتصادية وتوسيع مجتمع الديمقراطيات السوقية، مما ســـاعـــد، إلـــى جــانــب ســيــاســات الــرئــيــس جـــورج بوش االبن، في ترسيخ الزعامة األميركية قبل فـتـرة الـتـهـدئـة املـؤقـتـة فــي عـهـد الـرئـيـس بـــاراك أوباما. أمــــا مـــا نــشــهــده الـــيـــوم، ونــحــن فـــي الـفـتـرة الـــرئـــاســـيـــة الـــثـــانـــيـــة لــلــرئــيــس دونــــالــــد تـــرمـــب، فيمكن وصفه بمرحلة «مـا بعد بعد الحداثة» عــــلــــى الــــصــــعــــيــــدَيــــن الــــعــــســــكــــري والــــســــيــــاســــي. فـــالـــتـــطـــور الـــتـــقـــنـــي الــــهــــائــــل، ال ســـيـــمـــا إدمــــــاج الـــــذكـــــاء االصـــطـــنـــاعـــي فــــي املــــجــــال الــعـــســكـــري، جعل الـفـارق بـن الـواليـات املتحدة وبقية دول العالم شاسعا بصورة غير مسبوقة، فغالبية األسلحة املتطورة التي ظهرت آثارها الحاسمة وتستخدم تلك التقنيات املتقدمة هي أميركية الصنع بالكامل. ولعل التطورات املتالحقة خالل هذا العام تـعـكـس هـــذه املــرحــلــة وتـطـبـيـقـاتـهـا بـــدقـــة. فقد أقدمت إدارة الرئيس ترمب على غزو فنزويال، وأســــرت رئـيـسـهـا نــيــكــوالس مـــــادورو وزوجــتــه لتقديمهما إلى املحاكمة أمام القضاء األميركي، لتعقب ذلك بشن حرب مفتوحة ومباشرة على إيـــران وتصفية أعـلـى قـيـاداتـهـا، وعـلـى رأسهم قائد الثورة املرشد علي خامنئي. هـــذا الــتــفــوق الـتـقـنـي، الــــذي يـمـكـن وصـفـه بـ«ما بعد بعد الحداثة العسكرية»، أفرز هيمنة سياسية مطلقة تمنح واشنطن الحق الحصري في تحديد طبيعة وشكل تدخالتها ومواجهة خصومها، بمعزل تــام عـن اعـتـبـارات ومسائل القانون الدولي. إنــــنــــا نـــعـــيـــش حـــقـــا حـــقـــبـــة «مــــــا بـــعـــد بـعـد الــحــداثــة الـسـيـاسـيـة»، فـفـي حــن كـانـت مرحلة «مـــا بـعـد الــحــداثــة» تــمــرر قــراراتــهــا غـالـبـا عبر مـــؤســـســـات املــجــتــمــع الـــــدولـــــي، نـــــرى الــــيــــوم أن واشنطن ترفض تلك القيود وتتصرف من تلقاء نفسها بقرار أحــادي مطلق، استكماال للمسار الذي بدأته سابقا في غزو العراق وإسقاط نظام صدام حسي. وأمــام هـذه التحوالت الجذرية والعميقة، يبقى الـسـؤال املـحـوري الــذي ال يمكن تـجـاوزه: مــاذا تخبّئ لنا األيــام ونحن ما زلنا في الربع ؟ وهـــل نــدخــل رسـمـيــا في 2026 األول مـــن عـــام مرحلة جديدة ومعقّدة من التاريخَي العسكري والسياسي؟ عبد هللا فيصل ًآل ربح هل ندخل رسميا في مرحلة جديدة ومعقدة من التاريخَين العسكري والسياسي؟ إيران... هل هو زمن خريف النظام الثيوقراطي؟ فـــي نـوفـمـبـر (تــشــريــن الـــثـــانـــي) املـــنـــصـــرم، كتب املـحـلـل الـسـيـاسـي األمـيـركـي مــن أصـــل إيــرانـــي، كريم سجادبور، مقاال عبر مجلة «فورين أفيرز» األميركية تـحـت عــنــوان «خــريــف آيـــات الــلــه» مـتـسـائـ ً: مــا نـوع التغيير الذي سيحدث في إيران؟ بدا منطلق التساؤل أنه حان بالفعل زمن نهاية ،1979 النظام الثيوقراطي الذي يحكم هناك منذ عام ومن ثم يتوجب البحث عما إذا كان أوان انهياره قد وجب، مع البحث عمن سيخلفه. اليوم، وفي ظل عملية «الغضب امللحمي» ومن حــولــهــا «زئـــيـــر األســـــــد»، بـــاتـــت عـــ مـــات االســتــفــهــام املـتـقـدمـة مـحـل اخـتـبـار بـالـفـعـل، كـمـا أن الـبـحـث عن اإلجابات يبدو أمرًا مهما للغاية مهما يكن من شأن الــقــتــال الـــجـــاري عـلـى األرض، والـــــذي ال يـقـطـع أحـد بمآالته املتوقعة. لعل النتيجة الحتمية املؤكدة بداية للضربات الـــجـــاريـــة، مــوصــولــة بــاالنــهــيــار االقـــتـــصـــادي الـكـامـل والــشــامــل لـلـنـظـام الـثـيـوقـراطـي، ال سيما أن طـهـران ال تملك أســاســا اقـتـصـاديـا يُــذكــر. والحقيقة هــي أن االقـــتـــصـــاد اإليــــرانــــي كــــان يــقــف بــالــفــعــل عــلــى حـافـة الهاوية االقتصادية، واآلن تبدو الهجمات األخيرة كـأنـهـا تـدفـعـه نـحـو مـنـحـدر الــســقــوط، ال سـيـمـا في ظــل الـحـصـار املــضــروب عليه مــن املـؤسـسـات املالية الدولية، ناهيك بالتضييق على تصدير النفط إلى حد املنع التام. هل االنهيار االقتصادي سيضحى الدرب املكي في طريق سقوط دولة الثيوقراطيي اإليرانيي؟ الثابت أن اغتيال املـرشـد علي خامنئي ونحو األربعي من كبار القادة املقربي منه من السياسيي والـعـسـكـريـن الـــذيـــن يـــعـــدون ركـــيـــزة أســاســيــة لبقاء النظام، خطب جلل، يضاف إلى خسارة النظام أركانا يـومـا املاضية، 12 سابقة لـه خــ ل عمليات حــرب الــــ والكثير قبلها. مثّل هؤالء وأولئك ركائز أساسية لبقاء النظام، وبخاصة في ظل الخبرات التراكمية لديهم عبر نحو خمسة عـقـود، والـيـوم تُمحى الطبقة الحاكمة، مما يفتح الباب، وغالبا أنه فُتح بالفعل للصراع من حول املناصب، وهذا بداية التفكيك الذي يعقب التفخيخ. هـنـا يطفو الـتـسـاؤل الــواجــب علينا تـأمـلـه: مَــن سـيـغـتـنـم الـفـرصـة لـتـوحـيـد الــشــعــب وتـقـديــم بـديـل للنظام الدوغمائي، وهل سيطول االنتظار؟ الـــشـــاهـــد أن تـــصـــريـــحـــات الـــرئـــيـــس األمـــيـــركـــي دونـــالـــد تـرمـب نـهـار األحـــد املـــاضـــي، عــن قـــادة إيـــران الجدد، ورغبتهم في التواصل وفتح حوار جديد مع واشنطن، حكما تُعطي انطباعا بأن هناك تغييرات هيكلية تجري على األرض، فيما نفي علي الريجاني مسؤول األمن القومي ورجل الساعة حاليا، قد يفيد بــأن الــصــراع على السلطة انطلق على أرض الـواقـع قوال وفعالً. ما الـذي أوصـل رجـال الدين اإليرانيي إلى زمن الخريف؟ املـــؤكـــد أن الــنــظــرة املـطـلـقـة إلــــى مـــا هـــو نـسـبـي، والحكم بمنطلقات رؤيـويـة فوقية مـا ورائـيـة، زرعـا فـي نـفـوس اإليـرانـيـن حـالـة مـن الريبة والـشـك تجاه العالم القريب والبعيد، مما صّور الغرباء على أنهم مـفـتـرسـون، واملـطـلـعـون عـلـى أنــهــم خــونــة، وأخـضـع مـؤســسـات الـحـكـم عـلـى مـــدى خـمـسـة عــقــود لبضعة رجــــال، مـمـا أحــــل الــعــبــادة لـشـخـوصـهـم مـحـل تقييم وضعية حوكمتهم وإدارتــهــم شــؤون الـبـ د، فغابت املساءلة وعـم الفساد، كما تم تغييب العقل لصالح األسطورة. فـقـد الـنـظـام الـثـيـوقـراطـي شـرعـيـتـه، حــن نسي أو تـــنـــاســـى مـــفـــهـــوم الــــقــــوة الـــعـــظـــمـــى، تـــلـــك الــــقــــادرة عـلـى االمـــتـــداد والـتـوسـع الـجـيـوسـيـاسـي خـــارج أطـر جغرافيتها املحلية. كـــانـــت فـــكـــرة حــــــروب الـــــوكـــــاالت ســبــبــا رئـيـسـيـا فـــي فـــقــدان الــنــظــام شـرعـيـتـه الــدولـــيـــة، ال سـيـمـا عبر استغالل الهويات الطائفية والدينية سالحا، وتغذية الجماعات اإلرهـابـيـة، وتـزويـد روسـيـا بالسالح في حـربـهـا ضــد أوكــرانــيــا، ولـطـاملـا كـانـت إيــــران محركا لعدم االستقرار في الشرق األوسط. يـــشـــبّـــه ســـــجـــــادبـــــور، إيـــــــــران الـــــيـــــوم، بـــاالتـــحـــاد الـــســـوفـــيـــاتـــي فــــي أواخــــــــر أيـــــامـــــه، فـــهـــي تُـــبـــقـــي عـلـى آيديولوجيتها البالية باإلكراه، وقيادتها املتصلبة وقفت طويال في وجه اإلصالح، ومجتمعها انصرف إلى حد كبير عن الدولة، وفق قوله. الخطأ األكبر الذي وقع فيه الثيوقراطيون، هو رغبتهم في االنتقام من التاريخ الذي عرَّضهم ملظالم متراكمة عبر القرون، فبدوا أقرب إلى دونكيشوت في محاربة طواحي الهواء بسيفه الخشبي. تاريخيا شـهـدت إيـــران فـي الـقـرن الـتـاسـع عشر خــــســــارة نـــحـــو نـــصـــف أراضـــيـــهـــا لـــصـــالـــح جــيــرانــهــا الطامعي، فتنازلت عن القوقاز (الـذي يضم أرمينيا وأذربـيـجـان وجـورجـيـا وداغـسـتـان حاليا) لروسيا، وتخلت عن هرات ألفغانستان تحت ضغط بريطاني، وبحلول أوائل القرن العشرين قسمت روسيا واململكة 1946 املتحدة البالد إلى مناطق نفوذ، وبحلول عام احــتــلــت الــــقــــوات الــســوفــيــاتــيــة أذربـــيـــجـــان اإليـــرانـــيـــة دبــــــرت املـمـلـكـة 1953 وحــــاولــــت ضـــمـــهـــا، وفـــــي عـــــام املتحدة والــواليــات املتحدة األميركية انقالبا أسهم في اإلطاحة برئيس الوزراء محمد مصدق. رغـــبـــة الـــنـــظـــام الـــثـــيـــوقـــراطـــي فــــي االنــــتــــقــــام مـن الـــتـــاريـــخ، أضـــــرت لــيــس بـشـعـبـه فــحــســب، بـــل بـــدول الجوار، وربما من هنا انطلقت فكرة حيازة السالح النووي والصاروخي وغيرهما ليضحى رقما صعبا في خريطة املنطقة جغرافيا. خريف الثيوقراطيي تمثَّل في سردية األوهـام التي حملت في طياتها بذور االنحالل، فهل ستقود الـــتـــطـــورات األخـــيـــرة إلـــى ربــيــع إيـــرانـــي حـقـيـقـي غير منحول؟ إميل أمين

RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==