الثقافة CULTURE 17 Issue 17262 - العدد Tuesday - 2026/3/3 الثلاثاء ًالجزائري سعيد خطيبي اعتمد إطارا بوليسيا ليفكك التاريخ «أغالب مجرى النهر»... فضح مستنقع الواقع روائيا تأخذ رواية «أغالب مجرى النهر»، للروائي الجزائري «سعيد خطيبي»، شكلا بوليسيا عبر الـبـدء بواقعة قـتـل، وتحقيقات مـع امـــرأة متهمة بــقــتــل زوجــــهــــا، الــــــذي مـــــات مــســمــومــا وانــقــلــبــت بـــه ســـيـــارتـــه، ويــســتــمــر هــــذا الـــطـــابـــع الـبـولـيـسـي الــتــحــقــيــقــي، والـــرغـــبـــة فـــي الــكــشــف عـــن الــجــانــي الـــحـــقـــيـــقـــي مـــســـتـــمـــراً، مـــنـــذ بــــــدء الــــــروايــــــة حـتـى مـنـتـهـاهـا، لـيـربـط الـــقـــارئ مـعـه فـــي مـعـرفـة سير التحقيقات، وما ستسفر عنه، ومعرفة دوافعه في القتل. لكن هذا كله مجرد إطار خارجي للأحداث، وطبقة أولــى مـن طبقات الـسـرد، فثمة قـدر كبير مــن الـكـشـف والـتـعـريـة الاجـتـمـاعـيـة والسياسية والثقافية، تكمن تحت هذا النمط البوليسي، بما يجعل الرواية ليست رواية تحقيق في حادثة قتل فرد، لكنها تحقيق في تاريخ المجتمع الجزائري، فــي تـحـولاتـه السياسية والاجـتـمـاعـيـة، تحقيق روائي عن النظرة الدونية للمجتمع تجاه المرأة، وضـحـايـا حـــرب الـتـحـريـر، الــذيــن جـــرى وصمهم بأنهم «حركية»، أي عملاء للاستعمار، وتحقيق في المد الإسلامي المتشدد، الذي غزا المجتمع في فترة من الفترات. هـــــــــذه روايـــــــــــــة تـــحـــقـــق وتــبــحــث وتـــفـــكـــك، لتكشف المـــــطـــــمـــــور تـــــحـــــت طـــبـــقـــات كثيفة مـن الصمت، وتقدم المــســكــوت عــنــه، والمـــتـــواري عن عين السائح الزائر. الــــــروايــــــة صـــــــدرت عـن دار نـــــوفـــــل فــــــي بـــــيـــــروت، وتــــنــــافــــس ضـــمـــن الــقــائــمــة الــقــصــيــرة لــجــائــزة الـبـوكـر لــلـــروايـــة الــعــربــيــة، مـتـخـذة نقطة انطلاق 1990 من عام زمنية لـأحـداث، فالفضاء الـــزمـــنـــي لـــلـــحـــدث المــــركــــزي لا يــتــجــاوز عـــدة أشــهــر من ذلك العام، هي الفترة التي شـهـدت حــادثــة الـقـتـل، ومـا تبعها من تحقيقات للكشف عن قاتل «مخلوف»، الطبيب الشرعي، واتهام زوجته «عقيلة»، طبيبة العيون، بارتكاب الجريمة، ثم انتقال الشبهات إلــى والـدهـا «عــــزوز»، المناضل السابق فـي حرب التحرير، وإلى شقيقها «ميلود» الذي كان يعمل ممرضا ومساعدا لها في عيادتها. أمـا الفضاء المكاني، فمعظم الأحـداث تقريبا تدور في مدينة «بـــو ســـعـــادة»، مـديـنـة صـغـيـرة تـقـبـع بـعـيـدا عن الـعـاصـمـة، وعــلــى الـتـخـوم بــن المـجـتـمـع الـريـفـي والمديني، فلا هي مجتمع ريفي بشكل كامل، ولا أصبحت مجتمعا مدينيا أيضاً، بل ربما دمجت بين سلبيات هذين النمطين. رغــــم هــــذا الــحــيــز الــزمــنــي المـــحـــدود لـلـحـدث الـــــرئـــــيـــــس، فـــــــإن الـــــــروايـــــــة تــــتــــوســــع زمــــنــــيــــا عــبــر الاسـتـرجـاع، فنرجع تاريخيا إلـى بـدايـات القرن الـــعـــشـــريـــن تــــحــــديــــداً، مــــع مـــولـــد الأب عــــــزوز فـي قــريــة فــقــيــرة ونــائــيــة أصــابــهــا الـــجـــدب، فـاضـطـر لـارتـحـال منها، وتــرك بيئته الطبيعية الأولــى، والانــتــقــال إلـــى المــديــنــة، حـيـث بــدايــة المـــأســـاة، أو المـــآســـي المــتــتــالــيــة، لـــه ولأبـــنـــائـــه وأحـــــفـــــاده، كــأن هـذا الانتقال كـان عتبة تحول رئيسة، من هدوء القرية وطمأنينة الطفل بين أبوية، ونمط الإنتاج البسيط، حين كان يتعيش على حلب العنزات في الحقل، ثم جاء الانتقال إلى مجتمع معقد، مفعم بـالـسـيـاسـة والــــحــــروب، مـجـتـمـع خــــرب ومــخــوخ مـن الــداخــل، اسـتـدرجـه إلــى كثير مـن السقطات، وصــــــولا إلــــى مــشــاركــتــه فـــي حــــرب الــتــحــريــر، ثم تنصل رفقاء الكفاح له، ووصمه بالخيانة، لمجرد أنه اختلف معهم في الرأي، ورفض تفجير مقهى يديره شقيقه! «أغــالــب مـجـرى الـنـهـر»، جملة جـــاءت على لـــســـان الأب «عـــــــــزوز»، فــــي لــحــظــة رثــــــاء لـحـالـه ومـــآلاتـــه هـــو وأســـرتـــه، لـكـنـهـا صـالـحـة لـوصـف خطاب الرواية كلها، خطابها التقني مع الزمن، إذ تـسـيـر الأحــــــداث عـكـس مــجــرى الـــتـــاريـــخ، فلا تأتي من البداية للنهاية، بل من لحظة متقدمة في الـزمـن، ثم تعود بـالأحـداث للخلف، وصـولا إلـــى الــوقــوف طــويــا عـنـد حـــرب الـتـحـريـر، وكــذا مشاركة الأب عنوة فـي الـحـرب العالمية الثانية عـلـى الجبهة الإيـطـالـيـة، بغية تقصي الـجـذور الـكـامـنـة وراء الأحــــداث والـشـخـصـيـات، والحفر فـــي المـــســـكـــوت عــنــه اجــتــمــاعــيــا وثـــقـــافـــيـــا، وهـــذا معنى آخـر من معاني مغالبة مجرى النهر، أو السير عكس التيار الجارف، فثمة دائما خطاب متسيِّد ومهيمن، وخـطـابـات مهمشة ومهملة. هـــنـــا، المـــؤلـــف الــضــمــنــي يـــبـــرز هــــذه الــخــطــابــات الأخــــيــــرة، ومــنــهــا خــطــاب «الـــحـــركـــيـــة»، الـخـونـة عملاء الاستعمار، الذين جرى وصمهم معنويا وحتى جسدياً، عبر كي ظهورهم بالنار، لتظل الــوصــمــة ملتصقة بــهــم، وعــالــقــة فـــي ظـهـورهـم حتى لحظة دخول كل منهم قبره، فإن استطاعوا إخفاءها في حياتهم، فإن لحظة تغسيلهم بعد المــوت ستفضحهم، ويتم التشهير بهم أمـواتـا، ودفنهم في قبور منفصلة، وفضح أسرهم من بـعـدهـم بوصفهم عــائــات «الـحـركـيـة» الـخـونـة، بــمــا يـكـشـف عـــن نــــزوع فــاشــي بــاســم الـتـحـريـر، الذي يتحوَّل إلى خطاب إقصائي لزملائهم في الكفاح، لمجرد اختلاف في الــرأي هنا أو هناك، فمعظم هـؤلاء «الحركية» لم يكونوا خونة، بل مناضلين اخـتـلـفـوا مــع قـادتـهـم أحـيـانـا، فجرى وصمهم للأبد، أحياء وأمواتاً. هناك وجه آخر لدلالات مغالبة النهر، ومنها فضح الصمت والتواطؤ الاجتماعي على النظرة الـدونـيـة لـلـمـرأة، حتى لـو كـانـت طبيبة، فـهـذا لا يـمـنـع زوجــهــا مــن ضـربـهـا ولـطـمـهـا، عـلـى مــرأى ومسمع من أبيها وشقيقها، فهو الحاكم والآمر الناهي لها، فقد أصبحت تحت ولايته تماماً، ومن حقه أن يفعل بها ما يشاء، تحت غطاء من أفكار بالية في العادات والتقاليد والموروثات الاجتماعية، أو تحت غطاء التشدُّد الديني، الــــــــذي تـــــمـــــدَّد فـــــي الـــثـــقـــافـــة المحلية للمدينة، ورفع راية الـفـاشـيـة الــجــديــدة، فاشية بـاسـم الـــديـــن، تـــروع وتقتل وتــخــرّب، ولا رادع لـهـا. في حـــــن أن المـــجـــتـــمـــع المــحــلــي - رغــــم المــحــافــظــة الــظــاهــرة عـــلـــى الـــســـطـــح - غـــــــارق فـي مستنقع من الفساد، المالي والــــســــيــــاســــي والأخــــــاقــــــي، فـــكـــبـــار المـــديـــنـــة مـنـشـغـلـون بـــــــانـــــــتـــــــخـــــــابـــــــات صـــــــوريـــــــة لـــلـــبـــلـــديـــة، لـــلـــحـــصـــول عـلـى مكاسب من وراء المناصب، وحــــتــــى الـــتـــصـــويـــت فـــاســـد لأن الــرجــل يــصــوت مـرتـن، مـــرة بـاسـمـه وأخـــــرى بـاسـم زوجته، حتى الجمعيات المعنية بالأيتام يشوبها فساد مالي وأخلاقي. تنبني الرواية على تقنية تعدد الرواة، ومن ثــم تـعـدد الأصـــــوات. فـقـد انقسمت إلـــى قسمين رئيسين، يتمحوران حول البنت (عقيلة) وأبيها (عـزوز). الفصل الأول بعنوان «البنت»، يتكون فصلا سردياً، كل فصل منها يبدأ بسرد 16 من الطبيبة لحكايتها، ومخاوفها، وانطباعاتها وشكوكها، بصوتها ورؤيتها هي، وفي نهاية الــفــصــل يـتـسـلـم الــــــراوي الـعـلـيـم زمــــام الـحـكـي، ليسرد لنا ما دار بين الطبيبة والمحقق (جمال درقين) من أسئلة وإجابات. هذه الآلية نفسها اتبعها الكاتب في القسم الثاني، والــذي حمل عنوان «الأب»، ويتكون من عدد مماثل تقريبا من الفصول السردية، لكنها مرقمة بالحروف الأبجدية بدلا من الأرقام، وكل فصل منها يبدأ أيضا بحكاية الأب الذي يستدعي ذكرياته منذ الـطـفـولـة، وأثــنــاء حـــرب الـتـحـريـر، وكــذبــه على أولاده وكـيـف أخـفـى عنهم أنــه «حــركــي»، وكـذا ذكرياته عن الحرب العالمية، وعلاقاته بزملائه «الــحــركــيــة»، وخــطــايــاه الاجـتـمـاعـيـة بـإنـجـابـه ابنا غير شرعي، وعدم اعترافه به. وينتهي كل فصل بـسـرد الــــراوي العليم لسير التحقيقات واســـتـــجـــواب المـحـقـق لــــأب. وفـــي أثـــنـــاء القسم الثاني، تأتي أحيانا حكايات (ميلود) شقيق (عـــقـــيـــلـــة) وابــــــن (عـــــــــزوز)، يـــرويـــهـــا بــصــوتــهــا، مــتــخــلــلــة حـــكـــايـــات الأب، ومـــطـــبـــوعـــة بــفــونــت طباعي مختلف، لندخل داخل هذه الشخصية التي لم تسلم من الخطايا، فقد أنجب هو الآخر ابنة غير شرعية. الـــــروايـــــة فــــي مــجــمــلــهــا إبــــحــــار ضــــد الــتــيــار الاجـتـمـاعـي والـثـقـافـي والـسـيـاسـي، ولا يـهـم في النهاية معرفة من الـذي قتل (مخلوف)، فعندما تنتهي الــروايــة يـكـون آخــر هـمـوم الــقــارئ معرفة القاتل، بعد أن غرق في هذه الدوامة من الفضح الـتـاريـخـي والاجـتـمـاعـي والـسـيـاسـي، فالجميع قتلة، بشكل رمزي، حتى القتيل نفسه كان قاتلا لـكـثـيـر مـــن المــــبــــادئ، ولـــشـــرف مــهــنــتــه، الـجـمـيـع موصوم ومدان، ليست وصمة في الظهر كوصمة «الـــحـــركـــيـــة»، لـكـنـهـا وصـــمـــة أخـــاقـــيـــة لـلـجـمـيـع، فـــالإبـــحـــار عــكــس مـــجـــرى الــنــهــر كــشــف أنــــه ليس نــهــراً، ولـيـس عــذبــا، بــل مستنقع بـالـغ العفونة، وقد كشف عنه الروائي الغطاء بكثير من الحنكة والمهارة السردية، عبر لعبة «من القاتل؟»، لكنه اسـتـدرج الـقـارئ إلـى ديستوبيا تاريخية لمدينة نائمة على قدر هائل من التوحش، الملتحف مرة بالنضال الوطني، ومرة باسم الدين. عمر شهريار تكشف عن صراعه الداخلي مع قضايا العرق والدين والسياسة وثائق غير منشورة تُعيد كتابة سيرة مارك توين صدر مؤخرا عن دار «بنغون» للنشر كتاب لافـت من توقيع المــؤرخ الأميركي رون تشيرنو، الـــحـــائـــز جـــائـــزة «بـــولـــيـــتـــزر»، يُــعــيــد الــنــظــر في ســيــرة الـــروائـــي الأمــيــركــي الـكـبـيـر مــــارك تـويـن. ويكتسب العمل أهمية استثنائية لكونه يستند فـي معظمه إلــى وثـائـق لـم تُنشر مـن قبل منها دفاتر يومية، ومـراسـات خاصة، ومخطوطات ظلّت حبيسة الأدراج أكثر من قـرن، وقـد أمضى تشيرنو ســنــوات فــي مـركـز أبــحــاث مـــارك توين بـجـامـعـة كـالـيـفـورنـيـا فــي بـيـركـلـي، يتصفح ما يـــزيـــد عــلــى خـمـسـن دفـــتـــرا يــومــيــا ســـجّـــل فيها الــكــاتــب الأمـــيـــركـــي أفـــكـــارا وانــطــبــاعــات لـــم تجد طريقها إلـى أعماله المنشورة، إضـافـة إلـى آلاف الــرســائــل الـتـي تـبـادلـهـا مــع زوجــتــه وأصـدقـائـه وخـصـومـه، ومـئـات الصفحات مـن مــسّــودات لم تكتمل. وقـــد أفـضـى هـــذا الـكـم الـهـائـل مــن المـــواد الأولـــيـــة إلـــى كـــتـــاب يـقـع فـــي نـحـو ألـــف ومـائـتـي صفحة، يقدّم صــورة مغايرة لكاتب «مغامرات تــــوم ســـويـــر» تــعــكــس بـــجـــاء صـــراعـــه الــداخــلــي الـعـنـيـف مــع قـضـايـا الــعــرق والـــديـــن والـسـيـاسـة الأميركية، بعيدا عن الأسـطـورة المصقولة التي رسّختها عقود من الدراسات الأكاديمية. ومـنـذ الـصـفـحـات الأولــــى، يُــــدرك الــقــارئ أن تشيرنو لـم يكتب عـن مــارك توين بقدر مـا أقـام معه حوارا عابرا للقرون، حيث تبدأ السيرة من 1835 مـولـد صـامـويـل لانـغـهـورن كليمنس عـــام في قرية «فلوريدا» بولاية ميسوري المُطلة على ضـــفـــاف نــهــر المـسـيـسـيـبـي. فـــي تــلــك الـجـغـرافـيـا المائية اللانهائية تكوّنت الــروح الأدبـيـة الأولـى لتوين. فالنهر لم يكن مجرد ماء يجري، بل كان مـعـلـمـا ووطـــنـــا ومــرجــعــا فـلـسـفـيـا، وقـــد انعكس ذلـــــك كــلــه فــــي طــريــقــة كــتــابــتــه الـــتـــي جــعــلــت مـن النهر شخصية روائـيـة بامتياز وهـو ما تجلّى في «مغامرات هكلبري فـن» و«تــوم سوير». ثم يتتبع الـكـتـاب رحـلـة الـشـاب الفقير الـــذي جـرّب مــهــنــا عـــــدة قـــبـــل أن يــســتــقــر عـــلـــى الـــكـــتـــابـــة؛ مـن الطباعة، إلى ربانة السفن النهرية، إلى التنقيب عـن الـذهـب فـي مدينة نـيـفـادا. كما يقف طويلا أمام سؤال الهوية الذي شغل توين طوال حياته، وكيف تحوّل الصبي الفقير صامويل كليمنس إلى أيقونة عالمية باسم مستعار؟ وهنا يكشف الــكــتــاب عـــن أن اخــتــيــار اســــم «مــــــارك تـــويـــن» لم يكن مجرد نـزوة أدبية، بل كان فعلا تأسيسياً، إذ اسـتـعـار المصطلح مــن لـغـة المــاحــة النهرية. وفــــي ذلــــك الاخـــتـــيـــار رمـــزيـــة عـمـيـقـة، كــــأن تـويـن أراد أن يـقـول إنــه يسبر دائـمـا الأعــمــاق الكافية كـي لا يجنح قـــارب الــقــارئ على الـصـخـور. وقد استعان تشيرنو بعشرات الرسائل والمقابلات الــــنــــادرة لــيُــثــبــت أن تـــويـــن كــــان أول «مــشــهــور» بالمفهوم الحديث للكلمة، حيث نجح في إدارة صــورتــه الـعـامـة بـالـدقـة نفسها الـتـي يـديـر بها قلمه، فكان يعتني ببدلاته البيضاء الصارخة، وتسريحة شعره المميزة، كما كان يحرص على نوع سيجاره ونبرة صوته وطريقة دخوله إلى الــقــاعــة، وكــــان يُـــراجـــع مـــا تـكـتـبـه الـصـحـف عنه ويــتــدخــل فـــي صــيــاغــة صـــورتـــه أمـــــام الـجـمـهـور بـــأســـلـــوب لا يـخـتـلـف كــثــيــرا عــمــا يـفـعـلـه نـجـوم القرن الحادي والعشرين على منصات التواصل الاجتماعي. مـــــن أبـــــــرز مـــــا تـــكـــشـــف عـــنـــه هــــــذه الـــوثـــائـــق الــجــديــدة حــجــم مـشـاغـل تــويــن المــالــيــة وهـوسـه الــدائــم بــالــثــروة، وهـــو مــا يخصص لــه تشيرنو مساحة واسـعـة. فقد أنفق توين مبالغ ضخمة عـلـى اســتــثــمــارات فــاشــلــة، كـــان أســـوأهـــا المـبـالـغ الـطـائـلـة الـتـي ضـخّــهـا فــي آلـــة «بــايــج» للطباعة على 1894 الــتــي أفـلـسـت شـركـتـه وأجــبــرتــه عـــام مغادرة بيته في هارتفورد والشروع في تنظيم جولات ومحاضرات مضنية حول العالم لجمع المال وسـداد ديونه. وقد كشفت رسائله في تلك المـــرحـــلـــة عـــن قـــلـــق عـمـيـق وإحــــســــاس بــالإخــفــاق لم يَبُح به في العلن، قبل أن ينجح في النهاية فـي تسوية جميع ديـونـه دون أن يُعلن إفلاسه الرسمي، وهو ما أضفى عليه احترام معاصريه. يُفرد تشيرنو مساحة واسعة لتطور موقف توين من قضية العرق والعبودية، وهي الخيط الأعمق الذي ينسج الكتاب حوله. والمعروف أن تـويـن كــان قـد وُلـــد فـي منطقة تُجيز العبودية، ونشأ في بيئة رأى فيها الرقيق حقيقة يومية مألوفة لا تُثير استنكاراً. بل إن أقاربه امتلكوا الـــعـــبـــيـــد، غـــيـــر أن تــــويــــن شـــهـــد تــــحــــولا عـمـيـقـا وتــدريــجــيــا فـــي نــظــرتــه إلــــى هــــذه المــســألــة حتى أصـبـح مـن أشـــد الأصـــوات المـدافـعـة عـن المـسـاواة والكرامة الإنسانية في زمنه. وقد ترجم ذلك في كتاباته الأدبية، أبرزها «مغامرات هكلبري فين» الشهيرة، حيث وضع توين على فم طفل أبيض هــــارب مـــن مـجـتـمـعـه الــفــاســد قــصــيــدة إنـسـانـيـة عــن الــصــداقــة مــع «جـــيـــم»، الــرجــل الأســــود الـفـار مـن العبودية. يحلل تشيرنو بـدقـة نـــادرة كيف اسـتـطـاع تـويـن أن يـسـتـخـدم الـسـخـريـة الـاذعـة ســاحــا أدبـــيـــا لـلـكـشـف عـــن تـنـاقـضـات المجتمع الأمـيـركـي، وكـيـف كــان الضحك فـي كتاباته في أحـيـان كثيرة وسيلة لـإدانـة لا للتسلية. وكـان تشيرنو قد كشف عن أن عائدات هذا الكتاب قد أسهمت في التكفل بالمصاريف الدراسية لأحد الـطـاب الـسـود فـي كلية الـحـقـوق، وهــو مـا عده الكاتب شاهدا ملموسا على عمق هذا التحول. وعــلــى صـعـيـد حـيـاتـه الـشـخـصـيـة، تكشف هــذه المــذكــرات الـجـديـدة عـن رجـــل عــاش سلسلة من الأحــداث المأساوية، حيث فقد توين زوجته أوليفيا التي كانت حب حياته ومحرّرته الأولى وشريكته على مدى أربعة عقود. كانت «ليفي» تقرأ مخطوطاته قبل النشر وتُشير إلــى مـا قد يُثير إشكالاً، وكان توين في الغالب يأبه لرأيها حتى وإن تذمّر ظاهرياً. وقد تسببت وفاتها عام ، فـي إشـعـال نـيـران حـــزن لـم تنطفئ حتى 1904 رحيله. كما فقد ابنه لانغدون في طفولته المبكرة، ثــم رحـلـت ابـنـتـه ســـوزي بـــداء الـتـهـاب السحايا ، ثـم ودّع ابنته جـن قبل أشـهـر قليلة 1896 عـام ، لتمثّل تلك الـوفـاة الأخيرة 1910 من وفاته في ضربة قاضية أسدلت على أيامه الأخيرة ظلاما من اليأس والتشاؤم. وقد وصف توين ذاته في تلك المـرحـلـة بـأنـه «يعيش فـي مـخـزن المصانع» حـيـث كــل شــــيء عـتـيـق وبــــارد ومــحــاط بـأشـبـاح من يحبهم. وقد انعكس هذا الحزن المتراكم على انتمائه الـغـريـب إلــى مـا عُـــرف بـــ«نــادي السمكة الملاك»، وهو ذلك النادي الذي أسّسه في سنواته الأخيرة من فريق من الفتيات الصغيرات اللواتي كان يتبادل معهن الرسائل ويُسمّيهن حفيداته الروحيات، وهو ما يُحلّله تشيرنو برؤية نفسية حصيفة في محاولة يائسة من توين لاستعادة طفولة ضائعة وبراءة انقضى عهدها. ويـــخـــصـــص تــشــيــرنــو فـــصـــا دقـــيـــقـــا مــؤلمــا لـعـاقـة تــويــن بــالــديــن، ذلـــك الـجـانـب الــــذي يظل مـثـار جـــدل حـتـى بــن معجبيه. فبينما احتفظ تــويــن بــظــاهــر ديــنــي مــقــبــول اجــتــمــاعــيــا، كـانـت دفاتره السّرية تُخفي نقدا جذريا ومرّا للكنيسة بوصفها مؤسسة للسلطة والنفاق أكثر مما هي بيت لـلـروح. بـل إن بعض كتاباته التي أوصـى بـعـدم نـشـرهـا إلا بـعـد وفــاتــه، كـــ«مــا الإنــســان؟» و«الــــغــــريــــب الــــغــــامــــض»، الــــتــــي تـــحـــمـــل انـــتـــقـــادا صريحا للمؤسسة الدينية والطبيعة البشرية، كشفت عن شخصية تحوّلت من الشك إلى اليأس الـــوجـــودي الـصـريـح، مُــتـسـائـلـة بــحــدّة عــن قيمة الحياة ومعنى الإنسانية في كون يبدو لامبالياً. وهــو مـا يُشير إلــى أن تـويـن الـــذي عـرفـه الناس كاتبا ساخرا مرحا يملأ القاعات ضحكا لم يكن سوى قناع لشخصية أشمل وأكثر تعقيداً. ولا يُــفـوّت الكتاب مـواقـف تـويـن السياسية الــتــي تـحـتـل حـــيّـــزا مـــن الــوثــائــق غـيـر المــنــشــورة، وفـــي مقدمتها مـعـارضـتـه الـصـريـحـة للسياسة الأمــيــركــيــة فـــي الـفـلـبـن وكـــوبـــا فـــي مـطـلـع الـقـرن الــــعــــشــــريــــن، إذ كــــــان مـــــن أبـــــــرز وجـــــــوه الـــرابـــطـــة المـنـاهـضـة لـإمـبـريـالـيـة، يـكـتـب المـــقـــالات ويُــلـقـي المحاضرات محتجّا على ما عدّه تناقضا صارخا بــــن قـــيـــم الـــحـــريـــة الـــتـــي تـــتـــشـــدق بـــهـــا الــــولايــــات المـتـحـدة وسـيـاسـاتـهـا الـخـارجـيـة. وقـــد عرّضته هذه المواقف لانتقادات حادة في حياته، لكنه لم يتراجع عنها. استُقبل هذا الكتاب في الأوساط الأكاديمية والصحافية الأميركية استقبالا إيجابيا واسعاً، وعـدّه كثير من النقاد إضافة نوعية إلى أدبيات السيرة فـي الأدب الأمـيـركـي، نظرا إلـى مـا يقدمه مــن معطيات جــديــدة تستند إلـــى مــصــادر أولـيـة لم تُستثمر من قبل. وقد علّق بعض النقاد على أن تــشــيــرنــو، المـــعـــروف بــســيــره الـــذاتـــيـــة الـكـبـرى لأمـــثـــال ألـكـسـنـدر هـامـيـلـتـون وجـــــورج واشـنـطـن وأوليسيس غرانت، قد وجد في توين شخصية تُنافس هؤلاء العظماء في التعقيد والإثارة، وإن كانت تختلف عنهم في كونها أكثر شجنا وأغنى دلالــــة إنـسـانـيـة، ويــأتــي هـــذا الـكـتـاب لـيـؤكـد مـرة أخرى أن مارك توين، بعد مئة وخمسة عشر عاما على رحيله، لا يزال يحمل ما يكفي من المفاجآت. باريس: أنيسة مخالدي مارك توين غلاف الكتاب يأتي هذا الكتاب ليؤكد مرة أخرى عاماً 115 أن مارك توين بعد علىرحيله لا يزال يحمل ما يكفي من المفاجآت
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky