issue17262

عــــمَّــــت شــــــوارع 2026 ) فـــــي فــــبــــرايــــر (شـــــبـــــاط كـنـدا احـتـجـاجـات واسـعـة بسبب سياسة الهجرة الــجــديــدة؛ حـيـث تـشـهـد كــنــدا تـــحـــوّلا ديـمـوغـرافـيـا بعد أن سجّلت انخفاضا تاريخيا في عدد السكان ، وفــقــا لـوكـالـة 1945 لـــم تـشـهـده مـــن قـبـل مـنـذ عـــام الإحـــصـــاء الـوطـنـيـة، وبـالـتـالـي فــي عـــدد العاملين والقوى العاملة في البلاد. يعود هذا التراجع إلى تشديد غير مسبوق في سياسة الهجرة الجديدة التي اعتمدتها حكومة أوتــــاوا، بعد سـنـوات مـن الانـفـتـاح فـي عهد رئيس -2015( الـــوزراء السابق، الليبرالي جاستن تــرودو ) مما أدّى إلى انخفاض حاد في أعداد الطلاب 2025 الـدولـيـن والـعـمـال المؤقتين الأجــانــب. هــذا وبـــرّرت الـسـلـطـات بـــأن هـــذه الــخــطــوة تــهــدف إلـــى تخفيف الـضـغـط عـلـى ســـوق الإســـكـــان والـــخـــدمـــات الـعـامـة والبنية التحتية لكندا. وقـد استقبلت كندا في السنوات الأخـيـرة من ألـــف وافــــد ســنــويــا؛ حـيـث ركّـــزت 450 عـهـد تـــــرودو الــحــكــومــة عــلــى الــهــجــرة الاقـــتـــصـــاديـــة، مـــع بــرامــج )، وتـــأشـــيـــرة Express Entry( الــــدخــــول الـــســـريـــع ) والــتــرشّــح Start Up Visa( الــتــأشــيــرات الـنـاشـئـة ) لـــســـد الــنــقــص فـــي ســــوق الـعـمـل PNP( الإقــلــيــمــي المحلية، مما يؤدّي إلى إقامة دائمة. تتّجه خطة مستويات الهجرة الكندية لعامي )، نحو تخفيض 2028 (والممتدة لعام 2027 -2025 أعـــــــداد المـــقــيــمـــن الــــدائــــمــــن والمــــؤقــــتــــن، لـتـخـفـيـف الضغط على البنية التحية والسكن، مـع التركيز ألـف 395 عـلـى الــهــجــرة الاقــتــصــاديــة، واســتــهــداف 365 ، و 2026 ألفا في عام 380 ، و 2025 مقيم دائم عام .2027 ألفا في عام أمــــا بـالـنـسـبـة لـلـسـيـاسـة الـــجـــديـــدة لـلـهـجـرة، فـتـلـتـزم الـحـكـومـة بـخـفـض عـــدد الــســكــان المقيمين في المائة من إجمالي 5 مؤقتا في كندا إلى أقل من ، من أجل دعم العودة 2027 السكان، بحلول نهاية إلى مستويات هجرة مستدامة، وقد حُدّدت أهداف ألـفـا فـي عام 385 استقبال المهاجرين الـجـدد عند .2028 و 2027 ألفا في عامي 370 ، و 2026 وتُــعــتــبــر كـــنـــدا مـــن بـــن الــــــدول الـــتـــي تختص بأعلى معدلات هجرة للفرد في العالم، وهي الأعلى بين مجموعة السبع في مواجهة شيخوخة السكان ونقص اليد العاملة؛ حيث تواجه مؤخرا تحدّيات تتعلق بــأزمــة الـسـكـن، وارتـــفـــاع تكاليف المعيشة، وارتــفــاع مـعـدّلات الهجرة العكسية (المـــغـــادرة) في ، بـالإضـافـة إلــى المهاجرين الـدائـمـن، 2025 -2024 أضــف إلــى ذلــك أن كـنـدا تستقبل أعـــدادا كبيرة من الطلاب الدوليين والمقيمين المؤقتين سنوياً. سياسة الهجرة الجديدة التي تبنّاها ترودو في السنوات الخمس الأخيرة، والتي استمر فيها واتبعها خلفه رئيس الوزراء الحالي مارك كارني، بـتـجـمـيـد اســتــقــبــال المـــهـــاجـــريـــن الــــجــــدد، خـلُــصـت في المائة من الكنديين يجدون أن 58 إلـى أن نحو الهجرة إلى بلدهم كبيرة جدا حالياً، وقد استقبل ألف شخص جديد، 270 هذا البلد أكثر من مليون و لتلبية الـنـقـص فــي الــيــد الـعـامـلـة، وهـــو رقـــم غير ، لـــذا فـــإن الـشـعـب الكندي 1957 مـسـبـوق مـنـذ عـــام يلقي اللوم على الحكومة الليبرالية التي فضّلت إرضــاء الشعب بتضييق الخناق على المهاجرين بشكل مـلـحـوظ، فـألـغـت قــوانــن ووضــعــت قـوانـن أخـرى بالانتظار، مما حـوّل كندا، البلد المضياف للمهاجرين إلــى بلد لا ثقة فـيـه؛ إذ يـقـوم بإيقاف عــــــدة بـــــرامـــــج لـــلـــهـــجـــرة بـــشـــكـــل مـــفـــاجـــئ أحـــيـــانـــا. وبهذا، فإن الحكومة لم تُــرض الشعب، ولم تُرض المهاجرين في آن واحد. الــشــعــب الـــكـــنـــدي مــتــألــم ومـــــــأزوم اقــتــصــاديــا ومالياً، بعد أن أخذت أوضاعه الاقتصادية والمالية تــســوء أكــثــر فــأكــثــر، بــخــاصــة مـــع اكــتــشــاف أوراق غـيـر نظامية ومـلـفـات تُــظـهـر أن أعــــدادا كـبـيـرة من المهاجرين دخلت كندا عن طريق التزوير أو الخداع. ولكن الحكومة الليبرالية ما زالت تستجلب بضعة آلاف مـن المـهـاجـريـن مـن الــخــارج، بسبب حاجتها المــاسّــة إلــى عـمـال، بخاصة إذا كـانـوا عـمـالا مهرة ومتخصّصين. إن الـــتـــشـــديـــد فــــي تــطــبــيــق ســـيـــاســـة الــهــجــرة الـجـديـدة فـي الأشـهـر الأخــيــرة، سـاهـم فـي سيطرة الحكومة على ملف الهجرة بعد انخفاض اللجوء بمقدار الثلث، وتراجع عدد العمال المؤقتين الجديد فـــي المـــائـــة هـــذا الـــعـــام. كـمـا أن خطة 70 بـأكـثـر مـــن 385 الهجرة الجديدة لـدى أوتــاوا تدعو إلـى قبول في 43 ألف مهاجر هذا العام، أي أقل بنسبة نحو المائة من العام المنصرم. في السياق، نجم عن هـذه السياسة الجديدة نـتـائـج سلبية سببت أضــــرارا جسيمة للشركات، شـــركـــة خـــاصـــة فـــي مــقــاطــعــة كيبك 23 وأكـــثـــر مـــن الـــفـــرنـــســـيـــة قـــامـــت بـــرفـــع دعـــــــاوى عـــلـــى الــحــكــومــة الكندية بسبب قـانـون الـعـمـال المـؤقـتـن، وخسرت مــلــيــون دولار. وهـــنـــاك تــقــاريــر 300 مـــا يـــتـــجـــاوز مـلـيـون دولار. أضـــف إلـى 400 تـــصـــرّح بـأكـثـر مـــن ذلــك أن كثيرا مـن الـشـركـات فـي بريتش كولومبيا يـــصـــرّون عـلـى أن هـــذه الــقــوانــن لـلـعـمـال المـؤقـتـن والعمالة المؤقتة سببت أضرارا جسيمة للشركات، ووضـعـت الحكومة فـي مــأزق كبير بـن حـلّــن: إما إلغاء القوانين وامتصاص الغضب الشعبي، وإما السماح للمهاجرين بالدخول إلى كندا. والمفارقة أن الحكومة كسبت الغضب الشعبي؛ لكنها خسرت وأضرّت بالشركات. فإلى أيـن تتّجه أزمـة الهجرة؟ ومـا هو الحل؟ هـل يـكـون بــإعــادة فتح ملفات وبــرامــج المهاجرين لـتـأتـي بـهـم إلـــى كــنــدا ثــانــيــة؟! وإلــــى مــــاذا سـيـؤول المــــوقــــف الــــــذي ســـيـــتـــخـــذه الـــشـــعـــب الـــكـــنـــدي تــجــاه المهاجرين واللاجئين؟! Issue 17262 - العدد Tuesday - 2026/3/3 الثلاثاء الحرب في السودان لحظة إقليمية خطيرة، تتجاوز حدود الصراع الداخلي، فهي أزمة مفتوحة على احتمالات إعادة تشكيل التوازنات في وادي النيل، والقرن الأفريقي، والـبـحـر الأحــمــر، حيث يمكن أن يتحول اسـتـمـرار القتال إلـــى شـــــرارة قـــــادرة عـلـى الـقـفـز فـــوق الـــحـــدود الـجـغـرافـيـة، وإعـادة إنتاج الفوضى، في محيط عربي وأفريقي شديد الحساسية. لـذلـك تـبـدو قـضـيـة الـــســـودان اخــتــبــارا لــقــدرة الإقـلـيـم على حماية الدولة الوطنية، ومنع تحول السلاح، خارج إطــار المـؤسـسـات الرسمية، إلــى فاعل دائــم داخــل المعادلة السياسية. يـعـيـش حـالـة 2023 ) الــــســــودان مــنــذ أبـــريـــل (نـــيـــســـان استنزاف تاريخي، حيث لـم تعد الـحـرب صـراعـا تقليديا على السلطة، لكنها أصبحت تهديدا لبنية الدولة نفسها، فـــوجـــود قـــوة مـسـلـحـة، خــــارج إطــــار المــؤســســة الـعـسـكـريـة الوطنية، يخلق ازدواجية في السيادة، ويؤسس لدورات متجددة من العنف، ويضع المدن السودانية أمام احتمال التحول إلى ساحات نزاع دائم، يهدد النسيج الاجتماعي، ويعمق الأزمات الإنسانية. فــــي هـــــذا الـــســـيـــاق تـــبـــدو الـــتـــحـــركـــات الــدبــلــومــاســيــة الصادرة من القاهرة والرياض وواشنطن محاولة لاحتواء الانفجار قبل اتساعه، فالقاهرة والـريـاض تتحركان في مسار استراتيجي متقارب، يقوم على أولوية إنقاذ الدولة السودانية، فاستقرار السودان يمثل ركيزة للأمن العربي والأفـريـقـي، وانهيار مؤسساته الوطنية قـد يفتح المجال أمام شبكات السلاح، والمرتزقة العابرة للحدود، بما يهدد الاستقرار الإقليمي كله. التحرك المشترك بين القاهرة والرياض يظهر كحالة اســتــراتــيــجــيــة واحــــــــدة، تـــــرى الـــقـــاهـــرة أن الأمــــــن الــقــومــي المـصـري مرتبط مباشرة باستقرار الــســودان، فالحرب لا تهدد الـحـدود الجنوبية وحـدهـا، وإنما تؤثر أيضا على مـعـادلات مياه النيل، وتوازناتها السياسية. لذلك تؤكد الدبلوماسية المصرية أن اسـتـمـرار الـحـرب يمثل تهديدا مــبــاشــرا لــأمــن الـــقـــومـــي، مـــع رفــــض أي تــرتــيــبــات تسمح بـظـهـور كـيـانـات عسكرية مــوازيــة لـلـدولـة الـسـودانـيـة، أو تعمق الهشاشة المؤسسية؛ لأن وحــدة الـدولـة السودانية تعد عنصرا أساسيا في استقرار وادي النيل. وفـي المقابل تعتمد الـريـاض مقاربة تقوم على دعم المسار الإنساني والسياسي معاً، فقد تحركت دبلوماسية الرياض منذ المراحل الأولى للنزاع، إدراكـا بأن أمن البحر الأحـمـر مرتبط باستقرار الــســودان، وأن المـمـرات الملاحية الــدولــيــة لا يـمـكـن أن تـبـقـى عــرضــة للتصعيد الـعـسـكـري، أو تـمـدد الــســاح خـــارج إطـــار الـــدولـــة، كـمـا جـــاء التنسيق السعودي مع واشنطن حـول الـسـودان ضمن رؤيـة أوسع للاستقرار الإقليمي. الولايات المتحدة دخلت الملف السوداني بصورة أكثر وضوحا بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، حـول عزمه التدخل لإنـهـاء الـحـرب، حيث كشف مستشار الـرئـيـس لـلـشـؤون الأفـريـقـيـة والـعـربـيـة مسعد بـولـس عن اتصالات دبلوماسية مع القاهرة والرياض، بهدف تعزيز فـرص وقـف إطــاق الـنـار، ضمن جهد دولـــي، يمنع تحول السودان إلى بؤرة صراع طويل في القرن الأفريقي. هـــذه الــجــهــود لا تـسـتـهـدف تجميد الــقــتــال عـنـد حد مــعــن، لكنها تـسـعـى إلـــى إعــــادة بــنــاء الـــدولـــة الـسـودانـيـة نـفـسـهـا، فــالــســام المـــؤقـــت، الــــذي لا يــعــالــج جــــذور الأزمــــة الـسـيـاسـيـة والـعـسـكـريـة والاجـتـمـاعـيـة، غـالـبـا مــا يتحول إلى هدنة بين جولات جديدة من العنف، بخاصة إذا بقي الــســاح خــــارج سـيـطـرة المــؤســســة الـوطـنـيـة، أو اسـتـمـرت شبكات التمويل العسكري غير الشرعي داخل الإقليم. إلـــى جـانـب الـبـعـد الإقـلـيـمـي، تـبـدو الــحــرب جـــزءا من تـحـولات أوســـع فـي مــوازيــن الـقـوة الـدولـيـة، داخـــل منطقة الـبـحـر الأحــمــر وشــــرق أفـريـقـيـا، حـيـث يــتــداخــل التنافس الاقــتــصــادي والـعـسـكـري بــن الــقــوى الـكـبـرى مــع الأزمــــات المحلية، ويصبح استقرار الدول الهشة هدفا استراتيجيا لمنع تمدد الفوضى، أو توظيفها في صراعات النفوذ. الموقع السوداني يمنحه قيمة جيوسياسية خاصة، فهو يطل على مسار ملاحي عالمي، يربط آسيا بأوروبا عبر البحر الأحمر وقناة السويس؛ ولذلك فإن أي اضطراب أمـنـي عـلـى الـسـواحـل الـسـودانـيـة، أو داخـــل عـمـق الــدولــة، قـــد يــؤثــر فـــي حــركــة الـــتـــجـــارة والـــطـــاقـــة الــعــالمــيــة، ويـمـنـح الجماعات المسلحة فرصة للتمدد داخل فراغات السيطرة. التحرك الدولي تجاه الأزمة السودانية يعكس إدراكا مـتـزايـدا بـالـخـطـر، فـتـرك الـــســـودان فــي حـالـة حـــرب طويلة قـد يفتح المـجـال أمــام تمدد التنافس الـدولـي داخــل القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وهو ما يفسر تصاعد الاهتمام الدولي بالملف السوداني ضمن رؤية أشمل، تتعلق بأمن الممرات البحرية، واستقرار التوازنات الإقليمية. مـــن هـــذا المـنـطـلـق تـتـحـرك الــقــاهــرة والـــريـــاض ضمن مقاربة واضحة، ترى أن استقرار السودان يمثل خط دفاع متقدم عن الأمن العربي والأفريقي، في مواجهة احتمالات تمدد الصراعات المسلحة، أو إعـادة تشكيل شبكات القوة غير الرسمية؛ لذلك يركز المسار الدبلوماسي المشترك على تجفيف مــصــادر التسليح، والـضـغـط نـحـو حــل سياسي يرسخ سيادة الدولة. المـــنـــطـــقـــة كـــلـــهـــا تـــقـــف الآن أمـــــــام مـــعـــادلـــة حـــســـاســـة، فاستمرار الـحـرب الـسـودانـيـة قـد يـــؤدي إلــى إعـــادة إنتاج نــــمــــاذج الـــــــدول الـــهـــشـــة، وهــــــذه بــــدورهــــا قــــد تـــتـــحـــول إلـــى ساحات تنافس دولي غير مباشر، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية مع الاعتبارات العسكرية، ويصبح استقرار المــجــتــمــعــات المــحــلــيــة رهــيــنــة صــــراعــــات لــيــس لــهــا عـاقـة بتطلعات الشعوب. الــســودان يقف الآن أمـــام خـيـاريـن تـاريـخـيـن؛ الأول: نجاح الجهود الدولية والإقليمية في فرض مسار سياسي، يوقف النزيف، ويعيد الاعتبار لمؤسسات الدولة. والثاني: استمرار الصراع بما يحمله من مخاطر التفكك السياسي، وتهديد التوازن المائي في حوض النيل، واتساع موجات النزوح الإنساني. إن إنـقـاذ الــســودان لـم يعد قضية سـودانـيـة خاصة، لكنه أصبح مسألة تتعلق بمستقبل الإقليم كله، فالسودان جسر جغرافي بين العالم العربي وأفريقيا، وأي انهيار فيه قـد يفتح الـبـاب أمــام مـوجـات اضـطـراب، تمتد آثـارهـا إلى الاقتصاد العالمي والملاحة الدولية. لذلك، فإن منع شرارة الحرب من القفز خارج الحدود الــســودانــيــة يـمـثـل مـهـمـة اسـتـراتـيـجـيـة مـشـتـركـة، تتطلب ضغطا دبلوماسيا مستمراً، ودعما سياسيا واقتصادياً، لإعــــــادة بـــنـــاء الــــدولــــة الـــســـودانـــيـــة عــلــى أســـــاس مـؤسـسـي مستقر. أخيرا أقول لكل الأطراف المتنازعة والطامحة: ارفعوا أيديكم عن السودان. تتدحرج المنطقة نحو مواجهة مفتوحة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيـران من جهة أخـــرى، فيما تسعى دول الخليج إلــى عدم الانــــزلاق إلــى أتـــون حــرب شـامـلـة، إدراكــــا منها أن شرارة واحدة قد تدفع الإقليم إلى دوامة يصعب ضبطها. غير أن استهداف إيران لأراض خليجية ومــنــشــآت مــدنــيــة، رغــــم هــــذا الـــحـــرص الخليجي عـلـى ضـبـط الـنـفـس، كـشـف خــلــا فــي الـحـسـابـات الاســتــراتــيــجــيــة، وطـــــرح ســـــؤالا أكـــبـــر: هـــل يمكن إدارة الشرق الأوسـط بعقلية الضربات الأحادية ومشاريع الإقصاء المسلح؟ منذ صعود الولايات المتحدة قوة عظمى بعد الـحـرب العالمية الثانية، تشكلت قناعة بقدرتها عـــلـــى خـــــوض الــــحــــروب الـــطـــويـــلـــة دون أن تُـــهـــزم عـسـكـريـا بـالمـعـنـى الـتـقـلـيـدي. وفـــي المــقــابــل، بنت استراتيجيتها على الصمود 1979 إيران منذ عام والمـــقـــاومـــة غـيـر المـتـكـافـئـة، عـبـر أدوات ردع غير مباشرة وشبكات نفوذ ممتدة. المواجهة الحالية تـعـكـس هــــذا الــتــبــايــن الــبــنــيــوي: تـــفـــوق عـسـكـري وتقني أميركي واضــح، يقابله سعي إيراني إلى رفع تكلفة المواجهة وتوسيع ساحاتها. لكن التفوق العسكري لا يُختزل فـي مشهد الضربة الأولى، ولا تُقاس نتائجه في ساعات أو أيـــام. فالتجارب الحديثة تشير إلــى أن مـسـارات الحروب أكثر تعقيدا من بداياتها. الضربات قد تعيد رسم قواعد اشتباك، لكنها لا تُنهي تلقائيا الصراعات السياسية العميقة. وإيــران، حتى مع تعرضها لضربات موجعة، تبقى دولة ذات عمق جغرافي وديمغرافي، فيما تبقى الولايات المتحدة قـوة عالمية ذات مصالح ممتدة. لذلك فـإن الحكم المبكر على مآلات الصراع يظل سابقا لأوانه. الـضـربـة الأمـيـركـيـة - الإسـرائـيـلـيـة الأخــيــرة كـشـفـت ثـــغـــرات اســتــراتــيــجــيــة إيـــرانـــيـــة واضـــحـــة: اخـــتـــراق أمــنــي عــمــيــق، وســــوء تــقــديــر لـتـداعـيـات تـــوســـيـــع مــــســــرح الـــعـــمـــلـــيـــات، ومــــغــــامــــرة بـــورقـــة فـي المائة 20 مضيق هرمز الــذي تمر عبره نحو من إمــدادات النفط العالمية. فالمضيق ليس ورقة ضــغــط إقـلـيـمـيـة فــحــســب، بـــل شـــريـــان اقــتــصــادي دولــــــي، وأي اضــــطــــراب فــيــه يـنـعـكـس فـــــورا على الأســــــــواق والـــتـــضـــخـــم والـــنـــمـــو الـــعـــالمـــي. كـــمـــا أن توسيع نطاق الـرد ليطال دولا خليجية حرصت على تجنب الحرب، نقل الأزمـة من ثنائية صراع إلى معادلة إقليمية أوسع. جـــــوهـــــر الإشـــــــكـــــــال لا يــــكــــمــــن فــــــي تــــبــــادل الــــضــــربــــات بــــقــــدر مــــا يـــكـــمـــن فــــي مـــنـــطـــق إدارة الصراع. الشرق الأوسط، عبر تاريخه الحديث، أثبت أنــه مساحة تــوازنــات لا تحتمل مشاريع الـهـيـمـنـة الـصـلـبـة طـــويـــاً. كـــل مــحــاولــة لإعـــادة تشكيله عبر القوة الخالصة اصطدمت بواقع اجتماعي وسياسي معقد، وأفضت إلى دورات مـتـعـاقـبـة مـــن عــــدم الاســـتـــقـــرار. المـنـطـقـة ليست فراغا جيوسياسياً، بل شبكة دول ومجتمعات واقتصادات مترابطة. دول الخليج، في مقدمتها السعودية اللاعب الأهـم والأكثر إدراكــا لحساسية الظرف، تـدرك أن أي انزلاق واسع سيؤثر على مشاريعها التنموية. هـــذه الــــدول لــم تـعـد ســاحــات مفتوحة لـصـراعـات الآخرين، بل فاعل اقتصادي واستثماري محوري فـي الـنـظـام الـعـالمـي. لـذلـك جــاء موقفها واضـحـا: حماية الـسـيـادة، ورفـــض اسـتـهـداف أراضـيـهـا أو مواطنيها، مع العمل في الوقت نفسه على منع توسع المواجهة. هـذا الـتـوازن بين الحزم وضبط الــنــفــس يـعـكـس قــــــراءة اســتــراتــيــجــيــة بــعــيــدة عن الانفعال. في المقابل، فإن أي مقاربة تقوم على توسيع نـطـاق الــصــراع أو الــرهــان على اسـتـنـزاف شامل، تــفــتــح الــــبــــاب أمــــــام تــــحــــولات غـــيـــر مـــحـــســـوبـــة، لا سيما في أســواق الطاقة. البيئة الحالية شديدة الـسـيـولـة، والـــقـــرارات الـكـبـرى فيها لا تُــقــاس بـرد الفعل اللحظي بـل بقدرتها على إنـتـاج استقرار قابل للاستمرار. الـــبـــديـــل الــــواقــــعــــي لـــيـــس فــــي تــبــنــي خــطــاب انـــتـــصـــار ســـريـــع، ولا فـــي الــتــهــويــن مـــن خــطــورة الـــلـــحـــظـــة، بــــل فــــي الــــعــــودة إلـــــى مــفــاهــيــم الـــدولـــة والــــقــــانــــون الـــــدولـــــي. احــــتــــرام الــــســــيــــادة، وصــــون المـــمـــرات الــبــحــريــة، وتـجـنـب اســتــهــداف المـدنـيـن، ليست اعتبارات أخلاقية فقط، بل قواعد ضرورية لنظام إقليمي قابل للحياة. التنمية، والتكامل الاقـــتـــصـــادي، والاســتــثــمــار فــي الاســـتـــقـــرار، تمثل جميعها مــســارا مختلفا عــن مـنـطـق الـصـواريـخ والاغتيالات. لـــقـــد أثـــبـــتـــت الـــســـعـــوديـــة مـــــــرارا وتـــــكـــــرارا أن الـــحـــكـــمـــة الـــســـيـــاســـيـــة لـــيـــســـت تــــــــــردداً، بـــــل إدارة محسوبة للمخاطر. فالدولة التي تبني مشروعا طــــويــــل الأمـــــــد لا تـــنـــجـــر إلــــــى مـــــعـــــارك تــســتــنــزف مـقـدراتـهـا أو تــهــدد مـكـتـسـبـاتـهـا. وبـــن تصعيد قد يتسع، واحـتـواء ممكن عبر قنوات سياسية، يبقى الخيار الأكثر عقلانية هو إعطاء الأولوية للاستقرار وإعادة ضبط الإيقاع الإقليمي. الــــشــــرق الأوســــــــط الــــيــــوم يـــقـــف أمــــــام لـحـظـة اختبار حقيقية. مسار الأحـــداث لـم يُحسم بعد، والــنــتــائــج لـــم تـتـبـلـور، لـكـن الــثــابــت أن مستقبل المـنـطـقـة لــن يُــبـنـى عـلـى مـنـطـق الإقـــصـــاء المـسـلـح، بل على قـدرة دولها على ترسيخ مفهوم الدولة، وتــغــلــيــب الـــقـــانـــون، واســـتـــبـــدال ســـبـــاق الـتـنـمـيـة بسباق الـنـفـوذ. وفــي هــذه المـعـادلـة، يظل التعقل فـضـيـلـة اســتــراتــيــجــيــة لا تــقــل أهــمــيــة عـــن الــقــوة نفسها. جمال الكشكي يوسف الديني سعاد كريم OPINION الرأي 14 الشرق الأوسط... اللاحسم ومنطق الدولة السودان... كفى قتلا سياسة الهجرة الجديدة تربك كندا وتسبب أزمة

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky