في خطبة الحاكم الإغريقي بيركليس «الجنائزية» التي نـقـلـهـا المـــــؤرخ ثــيــوســيــديــس، تــبــاهــى بـيـركـلـيـس بـديـمـقـراطـيـة أثينا لأنها تقوم على حكم الأكثرية لا القلة، والمواطنون فيها متساوون، والمعيار هو الكفاءة وليست الثروة، والانفتاح على الغرباء. هذه الديمقراطية ورثها الغرب وساد بها، لكنها تعيش اليوم أزمات في أميركا وفي أوروبا، وآخرها تجلّى بفوز حزب الخضر على حزبَي «العمال» و«المحافظين» البريطانيَّين، وعلى حـــزب «الإصـــــاح» اليميني المـتـشـدد فــي الانـتـخـابـات الفرعية. هذه الانتخابات كان ممكنا ان تكون عادية لولا أن أهم حزبين فيها يواجهان احتمال الاحتضار؛ فحزب «المحافظين»، أعرق الأحـــزاب، نـال اقـل مـن ألـف صــوت، بينما نـال حـزب «الإصـــاح» نحو أحد عشر ألف صـوت، و«الخضر» نحو خمسة عشر ألف صوت، وحل «العمال» في المرتبة الثالثة. والسؤال الذي يطرح نفسه: لمـاذا يتراجع أهم حزبين ويتقدم عليهما حزبان حديثا النشأة؟! أهذا موت أم انتصار للديمقراطية؟! لــلــتــوضــيــح؛ الــديــمــقــراطــيــة مـــجـــرد آلـــيـــة لاخـــتـــيـــار ممثلي الـشـعـب، وأي نـظـام يمكنه أن يـكـون ديـمـقـراطـيـا، ولـهـذا توجد ديمقراطية اشتراكية، وفاشية، وليبرالية، واستبدادية. لكن ما يميز الديمقراطية الغربية الليبرالية عن غيرها هو تقديسها لـلـحـريـة، وإعـــــاء الـــفـــرد، ودور المـنـظـمـات المــدنــيــة، والأحــــــزاب، وتـــبـــادل الـسـلـطـة بـــا ثــــورة أو دمـــــاء. لــكــن هـــذه الــحــريــة، بـقـدر محوريتها، تبدو الآن عنصرا في تصدع بنيانها، لأن المواطن معها تـشـرذم إلــى هـويـات مـتـصـارعـة، ولأن اقـتـصـادهـا أصبح عبئاً، والكفاءة تحولت إلـى مشكلة، ولأن المصالح طغت على الأخـاق. ففي انتخابات بريطانيا، كمثال، يجد المواطن نفسه فـي مواجهة مفصلية حــول الهوية مـع مـنـاداة اليمين المتشدد بــهــويــة ضـيـقـة تُــقــصــي المـــواطـــنـــن مـــن أعــــــراق وثـــقـــافـــات أخـــرى الذين وفـدوا إلى بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية. فحزب «الإصـــــاح» المــتــشــدد، الـــكـــاره لـلـهـجـرة، يــريــد اســتــعــادة الـهـويـة المسيحية اليهودية، ويرى ثقافة المسلمين المهاجرين خطرا على ثقافة البلاد، ويعادي الملحدين، ونسبتهم كبيرة في بريطانيا، وكـــذلـــك ثـقـافـة الـــــووك (الـنـيـولـيـبـرالـيـة) لأنــهــا تــضــرب مفاهيم العائلة التقليدية. فحزب «الإصـاح» الذي يراهن على وصوله إلـى السلطة، عـن جايمس اور، أسـتـاذ الفلسفة اللاهوتية في كـــمـــبـــردج، مــوجــهــا لــســيــاســة الــــحــــزب. وجـــايـــمـــس مـــن المــنــاديــن بحصرية الثقافة المسيحية اليهودية ويحبذ استنساخ نموذج رئيس وزراء المجر فيكتور اوربان، المعادي بالذات للمسلمين. ويـــتـــشـــعـــب الـــــخـــــاف حــــــول الــــهــــويــــة لـــيـــطـــول مـــــن لـــــه حـق الاستفادة من ريع الاقتصاد الرأسمالي: المواطن الأصلي وليس الوافد. فالاقتصاد الرأسمالي وسّع الهوَّة بين الفقراء والأغنياء لمستويات عليا والسلطة مخافة مواجهة أصحاب المــال، تلجأ في الأزمات المتكاثرة لسياسة التقشف فيتذمر الفقراء، ويثري الأغنياء. وبـدلا من معالجة الاقتصاد الرأسمالي وخلله تلجأ الأحزاب التقليدية في السلطة إلى التضليل بالقول: «علينا أن نتحمل جميعا عبء الأزمات الاقتصادية»، فيتحمل الفقير عبئا أكبر. وتستغل الأحــزاب اليمينية في المقابل الأزمـة للتحريض بــــأن الـسـلـطـة تـــــوزِّع المــــال عــلــى المــهــاجــريــن وتـــحـــرم مـواطـنـيـهـا الأصليين؛ هكذا يتشرذم المواطنون على أسـاس العرق والدين واللون والتوزيع العادل في الاقتصاد. أمـا الكفاءة فأصبحت كابوسا لكونها كُــوِّنـت بالممارسة «طـبـقـة أصــحــاب الـــجـــدارة» مــن حَــمَــلَــة الــشــهــادات؛ هـــذه الطبقة أغلبها من أبناء الأغنياء الذين يملكون المـوارد للحصول على التعليم الـخـاص ومنها الـدخـول إلــى أرقــى الجامعات، ثـم نيل الوظائف المرموقة بفضل شبكة آبائهم الاجتماعية الواسعة، وبذلك استُبدلت الأرستقراطية الوراثية بأرستقراطية الجدارة؛ فالفقراء لا يتسنى لهم التعليم المماثل، وقلة منهم تصل إلى الجامعات نفسها، وإذا ما وصلت ستسدد قروضا تعليمية، وبفوائد مرهقة، تكبِّلها ماليا طيلة حياتها المهنية. وينتقد مـــؤلـــف كـــتـــاب «اســـتـــبـــداديـــة الــــجــــدارة» مــايــكــل ســــانــــدرز، طبقة الجدارة بقوله إنها لا تعتمد على الجهد الفردي بل على ظروف الميلاد والبنية الاجتماعية، وبالتالي فالفقراء الذين لا يحملون شهادات تقل فرصهم ومَن لا يحملها يزداد شعورهم بالإهانة الاجتماعية. كذلك طغت المصالح على قيم الأخـاق والقانون وبالذات في السياسة الخارجية؛ فقادة حزبي «المحافظين» و«العمال» خيَّبوا الآمال برفضهم معاقبة إسرائيل، والتهرب من مصطلح «حرب إبادة» رغم إقرار محكمة العدل الدولية بتوفر عناصرها؛ وهـــــذا أغـــضـــب شـــرائـــح انـتـخـابـيـة واســـعـــة مـــؤيـــدة لــحــق تـقـريـر المـصـيـر، وأزعـــج بــالــذات ناخبين مسلمين متعاطفين مـع أبناء دينهم؛ فالمصالح الحزبية، ومتطلبات السلطة، أغرقت المبادئ، وهــــذا تـــبـــدَّى جـلـيـا لــلــنــاس، فـانـقـلـبـوا ضـــد أحـــزابـــهـــم، ومـضـوا يفتشون عمَّن يتبنى مطالبهم ولو كان شعبوياً. هــــذا المــشــهــد الــديــمــقــراطــي يـقـفـز فـــوقـــه الــســيــاســيــون، ولا يأبهون لما يفرزه من طبقية اجتماعية حادة؛ فالاقتصاد عمليا ، حيث زادت 2024 يخدم فئة ويحرم فئة، والدليل إحصاء عام مليار دولار 5.7 ثـــروات الأغـنـيـاء تريليوني دولار أي بمعدل 6.85 يوميا بينما نصف العالم يعيش في فقر مدقع وبمعدل دولار يومياً. وهــذا كله يفسر أسـبـاب سقوط حزبي «العمال» و«المـحـافـظـن»، وصـعـود اليمين واليسار المتشددين، ويبرهن للجميع على أن نتائج الانتخابات في بريطانيا ليست انتصارا للديمقراطية بل جرس إنذار لقادة أوروبا لكي لا يكرروا تجربة الفاشية، وكي يتلافوا ويلاتها قبل فوات الأوان. «لـــن نسمح بـجـر الــبــاد إلـــى مــغــامــرات جــديــدة، وسنتخذ كـل الإجــــراءات الـازمـة لتوقيف الفاعلين وحماية اللبنانيين». إنها عبارة رئيس الحكومة، نواف سلام، فجر الاثنين، ردا على ارتــكــاب ميليشيا «حـــزب الـلـه» جريمة الـــزج بلبنان مـجـددا في حـرب «إسـنـاد» جـديـدة؛ هـذه المــرة للنظام الإيــرانــي. وقـد وصف ســــام إطـــــاق الـــصـــواريـــخ بـــأنـــه عــمــل «غـــيـــر مـــســـؤول ومــشــبــوه، ويعرض أمن لبنان وسلامته للخطر، ويمنح إسرائيل الذرائع لمواصلة اعتداءاتها عليه». هــــذا المــــوقــــف، وإن لـــم يـــســـم «حـــــزب الـــلـــه» بــوصــفــه الـجـهـة المرتكبة، يتطلب ترجمة فعلية، ذلــك أنــه لا أولـويـة تـفـوق حقن دمـاء اللبنانيين، بإنهاء فـوري لزمن بقاء لبنان مسرحا لحرب إسرائيلية - إيرانية، تفتك باللبنانيين وتدمر عمرانهم وتهدد الكيان والوجود. في تحد للسلطة واستخفاف بـأرواح الناس، أطلق «حزب صـــواريـــخ ومــســيّــرة، مــن منطقة الـصـرفـنـد (بـــن صيدا 3 » الــلــه وصـــــور) جــنــوب لــبــنــان، ردا عــلــى مـقـتـل المـــرشـــد الإيــــرانــــي علي غارة شملت بلدات في 30 خامنئي، ردّت عليها إسرائيل بنحو 15 الجنوب والـبـقـاع، ودك الضاحية الجنوبية لبيروت بنحو غـارة مع تركيز على منطقة الجناح؛ أي تخوم بيروت الإداريـة، مستهدفا مــراكــز وقـــيـــادات حـزبـيـة. وأتـبـعـت إسـرائـيـل غـاراتـهـا بلدة في محافظتَي الجنوب 53 بإنذارات إخلاء جماعي لأهالي والبقاع، وانفتح الجحيم الإسرائيلي على لبنان. في هذا التوقيت، لا بديل أمام السلطة التنفيذية، خصوصا رئاستَي الجمهورية والحكومة، عن اتخاذ إجـــراءات من خارج الـــصـــنـــدوق، كـــأي دولــــة طـبـيـعـيـة؛ لــــدرء الــخــطــر. فـمـشـهـد قـوافـل الــهــاربــن مــن جـحـيـم الــبــلــدات المـسـتـهـدفـة مــؤلــم، وكــذلــك مشهد الذين غادروا بيوتهم في الضاحية الجنوبية على عجل، باتجاه عشرات المـدارس الرسمية في بيروت التي فُتحت مراكز إيـواء... كل ذلك نتيجة نهج الغدر الذي يتقنه «حزب» صنيعة «الحرس الـثـوري»، ويتلقى أوامـــره من طـهـران، غير عابئ بمصير لبنان وحـيـاة اللبنانيين جـــرّاء مغامراته الجنونية، فيقرر مـن خلال «صـــواريـــخ الـصـرفـنـد» ضــم كــل جــنــوب نـهـر الأولــــي إلـــى جنوب الليطاني، أي تــرك الـعـدو الإسـرائـيـلـي يـوسـع احـتـالـه وحـزامـه الأمـــنـــي الـــخـــالـــي مـــن الـــبـــشـــر. لـــــذا؛ فــالمــطــلــوب قـــــــرارات حقيقية تمنع سفك دمـاء اللبنانيين، وتصون لبنان، وتحد من أخطار التحديات الوجودية التي تحاصره... مطلوب قرارات استثنائية عـاجـلـة تـبـدأ بـحـل هـــذه الميليشيا وتفكيك بنيتها، واسـتـدعـاء القضاء مسؤولي «حزب الله» من عسكريين وأمنيين وسياسيين، وإصـدار مذكرات توقيف بحق مجموعة المستشارين الإيرانيين الذين يقودون هذه الميليشيا الخارجة على القانون. هنا ينبغي التذكير بأنه بعد الضربات المميتة التي تلقاها «الحزب» خلال كارثة حرب «إسناد» غزة، حدث تدخل مباشر من قادة «الحرس الثوري» فوُجدوا في مراكز «القيادة والسيطرة»، لترتيب الوضع الداخلي لهذه الميليشيا العسكرية التي تشكل جـــزءا مــن «فـيـلـق الــقــدس» الإيـــرانـــي. ويـومـهـا أمـــر المـــرشـــدُ؛ علي خامنئي، القائد في «الحرس الـثـوري»، محمد رضا فلاح زاده، بتولي مسؤولية القيادة المؤقتة لــ«حـزب الله» (!!!) لــذا؛ فقد آن أوان وضـع المصالح الوطنية وصــون حياة اللبنانيين فـوق أي اعتبار. في دولة طبيعية، تقتضي المصلحة الوطنية إقالة وزيرَي «حزب الله»؛ إذ لم يعد جائزاً؛ من جهة، بقاء «الحزب» في مركز القرار السياسي للبلد، وموافقته على بيان وزاري قال بمواجهة دفــاعــيــة سـيـاسـيـة ودبــلــومــاســيــة، بـعـدمـا تـسـبـبـت «المـــقـــاومـــة» - المقاولة في استدراج الاحتلال مجدداً، ومن الجهة الأخرى؛ تفرده بجر لبنان مرة أخرى إلى الكارثة. ولقد آن أوان بدء أوسع تحرك قضائي لتحميل القيادة اللبنانية لهذا «الحزب» كامل المسؤولية المادية عن جر لبنان إلى حربين مدمرتين خلال عقدين من الزمن. وفـي لحظة الـدفـاع عن المصالح الوطنية وحـق الناس في حياة آمنة ومستقرة، لا بديل عن وضع قـرار الشرعية في وجه القوى غير الشرعية الخارجة على القانون. ولا بديل عن تحديد مهل زمـنـيـة غـيـر مفتوحة لحصر الــســاح بـيـد الــقــوى الـشـرعـيـة على امتداد لبنان، عل جملة تدابير من هذا النوع تُعيد وصل ما قطعه «حزب الله» من علاقات مع أشقاء لبنان وأصدقائه؛ لأن في هذه العلاقات بالذات قوة للبنان لمواجهة عنجهية المحتل وأطماعه. إن حـقـبـة جــديــدة بــــدأت فــي المـنـطـقـة لـلـتـو، كــانــت بدايتها باغتيال حسن نصر الله، تلاها 2024 ) سبتمبر (أيـلـول 27 في ســقــوط الـنـظـام الــســوري، 2024 ) ديـسـمـبـر (كـــانـــون الأول 8 فــي بمقتل خامنئي، من دون 2026 ) فبراير (شباط 28 وصــولا إلـى أن ننسى المـصـيـر الـــذي آلـــت إلـيـه «حــمــاس» تنظيما وقـــيـــادة... حقبة تشهد استقطابات حــادة، وانعطافات تاريخية ستبلور سـيـاسـات وصـعـود نخب جــديــدة، وإعــــادة رســم خـرائـط النفوذ والـتـحـالـفـات... إنـهـا حقبة جـديـدة تقتضي المصلحة الوطنية قراءتَها بتمعن وتبصر بحثا عن حياد إيجابي يحد من حجم الخسائر ووطأتها رأفة بالمواطنين ولصون التراب والوجود. لا خـيـار آخــر أمـــام السلطة، وكــل المنظومة السياسية، إلا العمل الحقيقي الـهـادف إلــى إنـقـاذ البلد وأهـلـه والمقيمين على أرضه، ومحاذرة المُضي في تغطية المغامرات المدمِّرة والمغامرين، الذين ينفذون أجندة خارجية، وقد انتهت منذ زمن صلاحيتهم الـوطـنـيـة. لا وقــت لتضييعه، وكــل تغييب لـلـمـبـادرات الجريئة تهديد للمصير والوجود. يــشــكّــل الـــدســـتـــور الـــقـــاعـــدة الـعـلـيـا فــي الـبـنـاء الـقـانـونـي لـلـدولـة، فـهـو الــذي يــحــدد شـكـل الـنـظـام الـسـيـاسـي، وينظم الـعـاقـة بــن الـسـلـطـات، ويـكـفـل الحقوق والحريات. لذلك فإن التفسير القضائي لــلــنــص الــــدســــتــــوري لـــيـــس عــمــلــيــة فـنـيـة فحسب، بل هو فعل تأسيسي يؤثر في كـــيـــان الـــدولـــة بــأكــمــلــه. ومــــن هــنــا تظهر خــطــيــئــة الــتــفــســيــر الـــخـــاطـــئ لــلــدســتــور بـــوصـــفـــهـــا مــــن أخـــطـــر صـــــور الانــــحــــراف القضائي، لما لها من آثار عميقة تتجاوز حدود النزاع المعروض. خطيئة التفسير الخاطئ لا تعني اختلافا في الــرأي أو تنوعا في المــدارس التفسيرية، بـل تتمثل فـي الابـتـعـاد عن روح الـــدســـتـــور ومـــقـــاصـــده. أو تحميل الـنـص مــا لا يتحمل مــن مـــعـــانٍ، بإغفال السياق التاريخي والسياسي الذي نشأ فـيـه الـــنـــص، وتـغـلـيـب اعـــتـــبـــارات ظرفية أو سـيـاسـيـة عــلــى المـــبـــادئ الــدســتــوريــة الـثـابـتـة. فالتفسير الــدســتــوري ينبغي أن يــــكــــون مــنــضــبــطــا بـــضـــوابـــط عـلـمـيـة ومـــنـــهـــجـــيـــة، وإلا تــــحــــول إلــــــى وســيــلــة لإعــــادة صـيـاغـة الــدســتــور خــــارج آلـيـاتـه الشرعية. وفي بعض الحالات، قد يُنظر إلى الاجتهاد الخاطئ في تفسير النص الدستوري، خصوصا إذا وافـق مصالح سلطة معينة، على أنه انحياز سياسي، مما يـؤدي إلـى فقدان الثقة في استقلال القضاء الدستوري ونزاهته. » مــــــن دســــتــــور 76« تُـــــعـــــد المــــــــــــادة مــن أكثر 2005 جـمـهـوريـة الــعــراق لسنة الـــنـــصـــوص الـــدســـتـــوريـــة إثــــــارة لــلــجــدل؛ نـــــظـــــرا لارتــــبــــاطــــهــــا المــــبــــاشــــر بــتــشــكــيــل السلطة الـتـنـفـيـذيـة. فـقـد نـصّــت عـلـى أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح «الكتلة النيابية الأكـثـر عـــدداً» بتشكيل مـــجـــلـــس الــــــــــــوزراء خــــــال مــــــدة مــــحــــددة. غــيــر أن الإشــــكــــال الـــدســـتـــوري ظــهــر في تفسير هـــذا المـصـطـلـح، وهـــو مــا تصدت له المحكمة الاتحادية العليا في قرارها »2010/ /اتــــحــــاديــــة 25« الـــصـــادر بــالــعــدد ، الــذي مـا زال محل 25/3/2010 بتأريخ جدل فقهي وسياسي حتى اليوم (وكان أحـد الـقـرارات التي سبق وأن تناولناها بــــالــــبــــحــــث والــــتــــحــــلــــيــــل فـــــــي أطــــــروحــــــة الدكتوراه وكتابنا المعنون رقابة القضاء الدستوري على الحدود الدستورية بين .)2020 - 2019 السلطات والإشـــــكـــــال تـــمـــحـــور حـــــول تــحــديــد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد مـــن المــقــاعــد فـــي الانــتــخــابــات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟ ذهـــبـــت المــحــكــمــة إلـــــى أن المــقــصــود بــ«الـكـتـلـة الـنـيـابـيـة الأكــثــر عــــدداً» يمكن أن يكون الكتلة التي دخلت الانتخابات بـــاســـم واحـــــد وحــصــلــت عــلــى أكـــبـــر عــدد مـن المقاعد، أو الكتلة التي تتشكل بعد الانـتـخـابـات مــن قائمتين أو أكـثـر داخــل الجلسة الأولــى لمجلس الـنـواب وتصبح هـــي الأكـــثـــر عــــــدداً. هــــذا الـتـفـسـيـر شـابـه عـدد من المثالب الدستورية، من أبرزها مـخـالـفـة ظــاهــر الـــنـــص، حـيـث إن الـنـص جـــاء بصيغة واضــحــة مــن دون الإشـــارة إلــــى تــحــالــفــات لاحـــقـــة، مـــا يــفــيــد - وفــق القراءة الحرفية - أن المقصود هو الكتلة الــفــائــزة فعليا فــي الانــتــخــابــات، كـمـا أن هـــــذا الــتــفــســيــر يـــمـــس بــــــــإرادة الـــنـــاخـــب؛ لأنــه يسمح بتشكيل الكتلة الأكـبـر بعد الانـــتـــخـــابـــات، حــيــث يـــــؤدي إلــــى تغيير الــنــتــيــجــة الــســيــاســيــة الـــتـــي عـــبّـــر عـنـهـا الـــنـــاخـــب فــــي صـــنـــاديـــق الاقــــــتــــــراع، مـمـا يُـــضـــعـــف مــــبــــدأ المـــشـــروعـــيـــة الــشــعــبــيــة؛ ويـــــــؤدي ذلـــــك إلـــــى خـــلـــق عـــــدم اســـتـــقـــرار سياسي بفتح بـاب التحالفات اللاحقة، ويــــجــــعــــل تـــشـــكـــيـــل الــــحــــكــــومــــة خـــاضـــعـــا لمفاوضات معقدة قد تطول لأشهر، كما 2021 و 2018 و 2010 حدث بعد انتخابات ، مـمـا أدى إلـــى أزمـــــات سياسية 2025 و متكررة آخرها التي نعيشها هذه الأيام، وقد تتكرر في الانتخابات القادمة، حيث تـــحـــول مــصــطــلــح «الـــكـــتـــلـــة الأكــــبــــر» إلـــى محور صراع سياسي دائم بسبب تفسير سياسي الأثر أكثر منه قانوني الصياغة، ومن ثم عُد اجتهادها توسعا غير مسوغ في فهم النص الدستوري، وبذلك تكون المحكمة تـجـاوزت الـــدور التفسيري إلى الــــدور الإنــشــائــي، إذ لــم تـكـتـف بتفسير النص بل أنشأت قاعدة دستورية جديدة لم ينص عليها الدستور صراحة، وهو مـا يُعد توسعا فـي السلطة التفسيرية، ويمثل هـذا التفسير نموذجا لإشكالية الـعـاقـة بــن الـنـص الــدســتــوري والــواقــع الـسـيـاسـي. فبينما قــد يُــســوغ التفسير بمرونة النظام البرلماني، إلا أن نتائجه الـــعـــمـــلـــيـــة أظـــــهـــــرت آثــــــــــارا ســـلـــبـــيـــة عــلــى الاستقرار الدستوري والثقة العامة في العملية الديمقراطية. ومـن ثـمّ، فـإن معالجة هـذا الإشكال تستلزم تعديلا دستوريا صريحا يحدد المقصود بالكتلة الأكبر بصورة لا تحتمل الــــتــــأويــــل؛ تـحـقـيـقـا لـــأمـــن الـــدســـتـــوري، وصـــــونـــــا لإرادة الــــنــــاخــــب بــــــأن يـحـسـم المـقـصـود بالكتلة الأكــبــر بشكل لا يقبل التأويل باعتماد معيار «القائمة الفائزة انتخابياً». أو يمكن معالجة الإشكالية عبر تعديل قانون مجلس النواب؛ بحيث يُلزم بتسجيل الكتلة الأكبر رسميا خلال الجلسة الأولـى فقط ويمنع تغيير صفة «الكتلة الأكبر» بعد تثبيتها. أو أن تعيد المــحــكــمــة الاتـــحـــاديـــة الــعــلــيــا الــنــظــر في تفسيرها السابق، وتعتمد تفسيرا مقيدا يربط «الكتلة الأكبر» بنتائج الانتخابات لا بالتحالفات اللاحقة المفتوحة. OPINION الرأي 12 Issue 17262 - العدد Tuesday - 2026/3/3 الثلاثاء وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com فائق زيدان أحمد محمود عجاج خطيئة التفسير الخاطئ للدستور انتخابات بريطانيا... جرس إنذار قبل وقوع الكارثة لا أولوية تفوق حقن دماء اللبنانيين حنا صالح
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky