issue17261

الثقافة CULTURE 18 Issue 17261 - العدد Monday - 2026/3/2 االثنني مقتطف من رواية «الكهل الذي نسي» للجزائري سمير قسيمي دائرة الكُتّاب المجهولين تــــصــــدر قــــريــــبــــا عـــــن «دار نــــوفــــل - هـاشـيـت أنـــطـــوان» روايـــــة «الــكــهــل الـــذي نسي» للروائي الجزائري سمير قسيمي. وهــــي عــمــل ســـــردي يـسـتـكـشـف الـعـاقـة املعقدة بـن الــذاكــرة والـهـويـة والكتابة، عـــبـــر بـــنـــاء روائـــــــي مـــتـــعـــدد املــســتــويــات يمزج بي السرد النفسي واالستقصاء التاريخي والتخييل الذاتي. تـــــــــدور الـــــــروايـــــــة حـــــــول شــخــصــيــة «الــكــهــل»؛ رجـــل فــاقــد لــلــذاكــرة يـقـيـم في مــصــحّــة غــامــضــة تــحــت إشـــــراف طبيب عـسـكـري، بينما تـراقـبـه سلطة غامضة يـمـثـلـهـا «الـــعـــقـــيـــد». بـــالـــتـــوازي، يتتبع الــعــمــل مـــســـار «ســـمـــيـــر»، الـــكـــاتـــب الـــذي يــعــانــي عـــجـــزًا إبـــداعـــيـــا قــبــل أن يتلقى دعـــــوة لــانــضــمــام إلــــى «دائـــــــرة الـــكُـــتّـــاب املـجـهـولـن»، وهـــي فـضـاء ســـري يسعى إلـــى تـحـريـر املـبـدعــن مــن فـشـلـهـم. ومـع تداخل هذين املسارين، تتقاطع الذاكرة الفردية مع الذاكرة الجماعية، ويتحوّل البحث عن املاضي إلى مساءلة لحقائق السرد ذاته. سمير قسيمي روائي جزائري عمل محاميا ومحرّرًا ثقافيا وأدبيا في عدّة مــنــابــر عـــربـــيّـــة. صـــــدرت لـــه عــــدة أعــمــال ســرديــة، مــن بينها «يـــوم رائـــع للموت» و«حب في خريف مائل» و«الحماقة كما لم يروِها أحد». فــــــــــــــي مــــــــــــــا يـــــلـــــي مـقـتـطـف حـــصـــري من الرواية: دائرة الكُتّاب المجهولين أخــــبــــرت الـطـبـيـب بكل ذلــك، أو ربّــمـا كان قد قرأه في أوراقي قبل أن يــــزورنــــي. كـــنـــت قد هـــيّـــأت نـفـسـي ألجـيـبـه عــــن ســــــؤال أعــــــرف أنّــــه عـــــلـــــى طـــــــــرف لــــســــانــــه: «كـيـف تـتـحـدّث عـن كل ذلـك كـأنّــه حقيقة؟ أنت ال تعرف اسمك، ال تذكر وجه أمّك وال شكل أبيك. ال تعرف لـم أنـت هنا، وال حتّى من أحضرك». هيّأت نفسي ألجيبه، لكنّه لم يسأل. ظل صامتا للحظة، ثم قال بصوت لم يعد يشبه صوته املعتاد: – قــلــت إن تـلـك الـــدعـــوة وصـلـتـك في لحظة انهيار صامت. ماذا تقصد بذلك؟ – ألنّـــهـــا وصـلـتـنـي بـعـد عـــودتـــي من رحـــلـــة عـــمـــل قـــادتـــنـــي إلــــى الـــشـــارقـــة. فقد انتدبني مديري ألمثّل شركتنا في ملتقى دولــي هناك، وهـو يتوقّع منّي أن أعتذر، فأنا ال أحب السفر. أراه مضيعة للوقت في عصر يمكنك فيه زيـارة العالم من شاشة حــاســوبــك دون مـــغـــادرة أريــكــتــك. لكنّني هذه املرّة قبلت، هربا من واقع عجزت عن مواجهته بشجاعة، واقــع رحيل زوجتي إلى أهلها، رغبة في التفكير في مستقبلنا معا. سبق لها أن فعلت ذلك، ترحل لكنّها تعود إلي بعد أيّام، لتعتذر وتقول لي إنّها في لحظة ضعف استسلمت لوساوسها، وســــاوس الــوحــدة الـقـاتـلـة، وإنّــهــا بعدما فـــكّـــرت مـلـيّــا أدركـــــت أنّـــنـــا، بـعـدمـا تـجـاوز كلنا الخمسي، لم نعد معنيّي بمستقبل ال يعنينا. كانت تقصد، دون أن تذكر ذلك صراحة، عجزنا عن اإلنجاب، واستحالة أن نتمكّن من تبنّي طفل وقد أصبحنا في عمر ال يسمح لنا برعايته كما يستحقّ. هذه املرّة، لم تعُد. تسعة أشهر مرّت دون أن تـرد على مكاملاتي املتكرّرة، وإذا حـــدث والتقينا صــدفــة، تُــشـعـرنـي بأنّني أتحدّث إلى غريبة ال أعرفها، كأن روحها هـاجـرت مـن جسدها وحـلّــت محلّها روح أخرى. – سافرت إذن إلى الشارقة وحضرت امللتقى؟ – سافرت، لكنّني لم أحضر امللتقى. لقد كـان مـجـرّد قـنـاع أرتـديـه أمــام العالم، وأمــــــام نــفــســي. لـــم أقـــــرأ ورقـــتـــي الـبـحـثـيّــة اململّة التي أعددتها على عجل، ولم أحضر جـلـسـاتـه الـــتـــي بــــدت كــطــقــوس جـنـائـزيّــة لعقول محنّطة. بـعـد الــيــوم األول، أعــلــمــت املنظّمي بــبــرود مصطنع أنّــنــي ســأقــدّم مداخلتي مكتوبة، مدّعيا التهابا حـــادًّا فـي الحلق يمنعني من الكلم، ويجبرني على البقاء فـي غرفتي الفندقيّة الـفـاخـرة واملوحشة كــقــبــر مُـــكـــيّـــف. كـــذبـــة صــغــيــرة استمتعت بها، ربّما ألنّها كانت الشيء الوحيد الذي اخترته بإرادتي الحرّة منذ زمن. تخلّصت من التزامات امللتقى، وبقي أمامي يـوم كامل قبل موعد الـعـودة؛ يوم بــــدا لـــي أطــــول مـــن حـــيـــاة بـأكـمـلـهـا، فـــارغ كصفحة بيضاء تنتظر كلمة لـن تُكتب. فـكّــرت فـي الـبـدايـة أن أقضيه فـي الفندق، مــحــدّقــا فـــي الــســقــف املـــزخـــرف بـسـخـافـة، أو مـتـابـعـا قـــنـــوات إخـــبـــاريّـــة تــــردد نفس الـــكـــوارث بـنـفـس الـــوجـــوه الـشـاحـبـة. لكن معرض الكتاب كان قد افتتح أبوابه للتوّ، فقرّرت، بدافع من عـادة قديمة لم أستطع التخلّص منها، أو ربّــمـا مـن يـــأس مقنّع يـبـحـث عـــن أي قـــشّـــة، أن أذهـــــب ألسـتـمـع لكتّاب يقدّمون تجاربهم، كأنّني ما زلت أبحث عن تلك الوصفة السحريّة للكتابة. حـضــرت نـــدوتـــن، لــم أسـتـفـد منهما شيئا سـوى الشعور باملزيد من اإلحباط والـــــضـــــآلـــــة، ثــــــم رحــــــت أجـــــــول فـــــي أروقــــــة املــــــــعــــــــرض املـــــزدحـــــمـــــة والـــصـــاخـــبـــة، أتــصــفّــح أغـلـفـة الـكـتـب الـجـديـدة بــــعــــيــــنــــن مـــتـــعـــبـــتـــن، أبـــحـــث الشـــعـــوريـــا عـن كــــتــــب تــــشــــرح الــكــتــابــة لـــلـــمـــبـــتـــدئـــن أو تــعــلّــم اإلبداع بخطوات سهلة ومــــضــــمــــونــــة. وجــــــدت الــكــثــيــر، بـعـضـهـا يَــعِــد بـتـحـويـلـك إلــــى روائــــي عـاملـي فـي سـتّــة أشهر، وأخـــــــرى فــــي شــهــريــن، كـــأنّـــهـــا وصـــفـــات طـبـخ سريعة لطبق معقّد. لم أشــتــر شـيـئـا، وفضّلت الـعـودة إلـى عزلتي في الــفــنــدق، إلـــى صـمـت الـغـرفـة الـــذي بـــدا لي أرحم من ضجيج اآلمال الكاذبة. فـــي طــريــقــي إلــــى املـــخـــرج، وكـــاملُـــنـــوَّم مــغــنــاطــيــســيّــا، وجـــــدت نــفــســي أقــــف أمـــام جــنــاح دار نــشــر طــاملــا حـلـمـت بـالـوصـول إلـــيـــهـــا، دار نـــشـــر كـــانـــت تــمــثّــل لـــي الــقــمّــة البعيدة، الحلم املستحيل. كنت قد أرسلت إليهم عشر مخطوطات على مدى أعـوام، وكـــلّـــهـــا رُفـــضـــت بـــرســـائـــل نــمــطــيّــة بــــاردة كأنّها كُتبت بواسطة آلـة. كتبها ال تصل إلى الجزائر إ نادرًا، وبأسعار خياليّة. لحظة جنون عابرة، أو ربّما شجاعة وُلــــدت مــن رحـــم الــيــأس املـطـبـق، دفعتني للتفكير: مـاذا لو تحدّثت إلـى صاحبها؟ لــعــلّــه يــخــبــرنــي، وجــهــا لـــوجـــه، بــســر هــذا الرفض املتكرّر، بالعيوب الحقيقيّة التي لــم تــجــرؤ لــجــان الـــقـــراءة عـلـى تسميتها. لعلّي أسـتـدرك أخـطـائـي، أو ربّــمـا أتوقّف عن هذه املهزلة نهائيّا. اشتريت روايتي من الجناح بشكل عــشــوائــي، إحــداهــمــا مـتـرجـمـة لــكــاتــب لم أسمع به من قبل، واألخرى لكاتبة ناشئة بدا غلف كتابها حزينا كوشاح أرملة. ثم سألت الشاب الذي كان يقف خلف طاولة الـــبـــيـــع عــــن صـــاحـــب الــــــــدار، فـــدلّـــنـــي عـلـيـه بإشارة مقتضبة من رأسـه، دون أن يرفع عينيه عن هاتفه. تـــقـــدّمـــت نـــحـــوه بـــخـــطـــوات مــــتــــردّدة، أثقل من خطوات سجي يُساق إلـى حبل املشنقة. كـان يقف منتصب القامة، أنيقا فـــي بــدلــتــه الـــدكـــنـــاء، يــتــحــدّث بـابـتـسـامـة مـحـتـرفـة ومــصــقــولــة مـــع رجـــــل يـــبـــدو من هيئته أنّــه شخصيّة مهمّة. انتظرت على بـعـد خــطــوات، أشـعـر بـالـغـرابـة والـخـجـل، كأنّني متسوّل يقف على باب قصر فخم، ال لــيــطــلــب صــــدقــــة، بــــل لــيــطــلــب اعـــتـــرافـــا بفشله. بيروت: « الشرق األوسط» أعلن أنه ديكارتي في أروقة الجامعة المصرية التي كان يدرس بها كيف وفّق األزهري طه حسين بين ديكارت والمعري؟ فـــــي األدب تــــحــــدث لـــحـــظـــات فـــريـــدة تغيّر الكتاب واملثقفي مـن حـال إلـى حال آخــــــر. ومـــــن املـــمـــكـــن وصـــــف تـــلـــك الـلـحـظـة بـأنـهـا انـفـجـار داخــلــي عظيم يـغـيّــر الـــذات كليا حتى االنـفـعـاالت تتغير هـي األخـرى لتنسجم مـع التغير الـحـاصـل. حــدث هذا األمر عند طه حسي حي تحول إلى مثقف ديكارتي في فترة مبكرة جـدًا من حياته. ولن أبالغ لو قلت إن هذا التحول الدرامي في حياة عميد األدب وفكره كان مهما جدًا ويشبه ثـورة ذوقية وفكرية كبرى لو قُدر لها النجاح. بكل تأكيد لـم يتوقع أحــد أن الشاب األزهــــري الـحـاصـل على إجـــازة الـدكـتـوراه فـي األدب مـن األزهـــر الـــذي غـــادر للدراسة ســــيــــعــــود شخصا 1914 فـــي فــرنــســا عـــــام آخر بكل معنى الكلمة. بعبارة أدق، سافر طـه حسي أزهــريــا وعـــاد ملصر ديكارتيا. الــشــاب األزهــــري عـــاد شخصا آخـــر، وعيا ومـوقـفـا. ويمكن الـقـول إن تأثير ديـكـارت في طه حسي ال يقل عن تأثير أبي العلء املـعـري فـيـه. فـهـذان الـعـمـاقـان صنعا من طه حسي مثقفا ثائرًا شاكا يفكر دوما في البحث عـن إثـــارة األسئلة والـشـك الـــذي ال يكاد يطفئه يقي. لنضف إلــى الــصــورة حـدثـا آخــر هو: اخـتـيـار طـه حسي أن يعلن أنــه ديكارتي فـــي أروقــــــة الــجــامــعــة املـــصـــريـــة الـــتـــي كــان يــــدرس بــهــا. هـــل يـتـخـيـل أحـــد هـــذا األمـــر. داخل الجامعة، حيث يتعلم الطلبة منهج الــبــحــث الــعــلــمــي، ويــــدرســــون نـــمـــاذج من الــشــعــر الــعــربــي واملـــــــوروث املــبــجــل، يـقـوم طـــــه حـــســـن بــــإلــــقــــاء مــــحــــاضــــرات يـكـشـف فيها أنــه ديـكـارتـي املنهج، ثـم يـحـاول من خـــال مــحــاضــراتــه أن يـشـك فـــي الـغـالـبـيـة العظمى مـن الشعر الجاهلي ألنــه «شعر مـوضـوع ومنتحل فـي العصرين األمــوي والـــعـــبـــاســـي». ويــــذكــــر بـعــض نــــاقــــدي طـه حسي أنه شك في بعض القضايا الدينية فـــي مـــحـــاضـــراتـــه تــلــك والـــتـــي نــشــرهــا في بعنوان «في الشعر الجاهلي». 1926 عام وكـــمـــا هـــو مــــعــــروف، أثـــــار الـــكـــتـــاب ضجة كــــبــــيــــرة فـــــي مــــصــــر عــــرضــــت مــــؤلــــفــــه إلــــى املساءلة والتهديد بالقتل. سُحب الكتاب مــن األســـــواق، وأُعـــيـــد طـبـعـه بـعـنـوان آخـر هـو «فـي األدب الجاهلي» بعد رفـع أربعة فـصـول مـنـه. هـــذا يعني أن الـكـتـاب نظف مــن أثـــر الـشـك - عـــدا ملـسـة تتعلق بالشعر الــجــاهــلــي - كـــي تـتـقـبـلـه أذواق املـؤسـسـة الـــرســـمـــيـــة وبـــعـــض املـــحـــافـــظـــن الــحــاملــن بعالم ساكن مألوف يبتعد عن منغصات تؤرق الذوق العام الراكد. كـــيـــف إذن يــمــكــنــنــا تــــأويــــل شــــك طـه حـسـن أو كـيـف نـفـهـم مـحـاولـتـه الـفـكـريـة الــــتــــي صــــــرح بـــهـــا أمـــــــام طــلــبــتــه وحــــــراس التقليد جميعا يــوم قــرر أن يـبـدي وجهة نظر مختلفة ومغايرة ملا هو سائد؟ نحن أمام محاولة مبكرة جدًا وثورية استطاعت أن توظف منهجا لنقد املوروث الذي تربينا عليه. أدرك طه حسي بحدسه العميق سر قـوة الشك في أن تتحول إلى عمل منهجي يقلب األســس التي شيدها يـــقـــن طـــويـــل مــــن الــــتــــكــــرار. بـــهـــذا املــعــنــى سيكون الشك أداة ال تقل أهمية عن يقي نسلم بـــه. الـشـك هــو وقـفـة مهمة لفهم ما يجري. وإذا كان اليقي يمنح العقل هدوءًا مريحا ثم ترتبط االنفعاالت بهدوء العقل فإن الشك يقلب كل شيء ويغيره. وهذا ما حـدث عند نشر كتاب «الشعر الجاهلي». ولـعـل هـيـاج الـغـاضـبـن وانـزعـاجـهـم يـدل عـلـى أن الـعـقـل قــد تـعـرض لـصـدمـة ورجّـــة كبيرة حـن أحــس بأنه سيفقد منظومته املـــتـــكـــونـــة مــــن تــــكــــرار مـــعـــرفـــي ملــعــلــومــات جعلت العقل يهدأ ومنحت االنفعال طاقة مـــــحـــــدودة يـــحـــس بـــهـــا مــــن يـــقـــرأ قــصــيــدة لشاعر جاهلي. فـــكّـــك الـــشـــك املــنــهــجــي عـمـلـيـة عقلية كاملة لو قدر لها النجاح لغيرت تعاملنا مع املــوروث بأكمله. على هـذا األســاس لم تكن قضية كتاب الشعر الجاهلي مجرد جرأة نقدية لنسف الشعر الجاهلي بأكمله تـقـريـبـا وإنــمــا كــانــت لـحـظـة فــارقــة هــددت هــــدوء الـعـقـل وهــويــتــه الــتــي تـكـونـت عبر سـنـوات وسـنـوات. فجأة أحـس املتزمتون ومــــمــــن يـــعـــشـــقـــون املــــــــــوروث دون فـحـص أنــهــم تــعــرضــوا لــحــالــة اعـــتـــداء عـقـلـي قــام بـهـا أســتــاذ مــن لحمهم ودمــهـــم. االعــتــداء العقلي هو تعريض بعض الثوابت للشك. ال يعني الـشـك هنا سخرية مـن اآلخـــر بل يـعـنـي طــــرح أســئــلــة مـــن الــصــعــب تقبلها أو مناقشتها. هـــذا مــا صنعه كـتـاب «فـي الـشـعـر الــجــاهــلــي». لـكـن أهـــم مــا يـمـكـن أن نؤكد عليه بعد كل هذه العقود هو لحظة الـتـحـول املـعـرفـي الـتـي غـيـرت وجـهـة نظر عميد األدب الــعــربــي. كـيـف حــدثــت؟ وفـي أي لــحــظــة؟ ومــــا اإلحـــســـاس الــــذي اعــتــراه حينها؟ هـل أحــس بنشوة عميقة حررته مــن ثـقـل معرفته التقليدية؟ هــل أشعرته لحظة التغيير بأنه أدرك بوضوح معنى أن يكون خارج هويته التي يشترك بها مع اآلخرين؟ مــــن املــــؤســــف إذ لــــم يــنــتــبــه أحـــــد إلـــى حقيقة وجوهر تجربة عميد األدب العربي مــع ديـــكـــارت. كـمـا أن هـــذا الــرجــل الضرير عـــاش واتُّـــهـــم وهــوجــم وهُـــــدد. وهــنــاك في سيرته التي كتبتها زوجته إشارات كثيرة لقلقه ويأسه وانفعاله. ومـا فـات الجميع ولم ينتبهوا له هو كيف جمع طه حسي رؤيــتــن متناقضتي كــل الـتـنـاقـض أثـرتـا فـــيـــه تـــأثـــيـــرًا كـــبـــيـــرًا، أعـــنـــي حـــبـــه وتـــأثـــره بـــاملـــعـــري وتـــمـــســـكـــه بــمــنــهــج الــفــيــلــســوف الفرنسي ديكارت في الوقت نفسه. املعري مـتـشـائـم ويـــائـــس وغـــاضـــب مـــن كـــل شــيء وديكارت عقلني يبحث عن يقي ثابت ال يمكن إنـكـاره. كيف عـاش عميد األدب مع هاتي الرؤيتي حتى موته. هـذا الجانب اإلنساني الخاص به لم يخضع للدراسة ولــــم يـفـسـر جـــيـــدًا. أتــــســــاءل هـــل كــــان لطه حسي حساباته الذكية ألنه لم يكتف بحل املعري حي اعتزل الناس أو أن يتحول إلى مجرد أستاذ أكاديمي يتقاعد وينسى؟ األهـــــــم مـــــن هــــــذا الـــــســـــؤال هــــــو: كـيـف اســـتـــطـــاع عــمــيــد األدب أن يــخــفــي تـــأثـــره الكبير باملعري حتى إن الـقـارئ ال يشعر إال بمثقف عقلني يبحث عن الحقيقة قبل كل شيء؟ طه حسين نوزاد حسن نحن أمام محاولة مبكرة جدا وثورية استطاعت أن توظف منهجا لنقد الموروث الذي تربينا عليه قراءة عربية لتجربة شينجيانغ صدر حديثا عن «الدار العربية للعلوم - نـاشـرون» كتاب «شينجيانغ... رحلة في تــجــلــيــات الـــجـــمـــال والـــســـعـــادة واالزدهــــــــار» للكاتب والـبـاحـث اللبناني وارف قميحة، وهو عمل يجمع بي أدب الرحلة والتحليل الــــحــــضــــاري والـــــرؤيـــــة الـــتـــنـــمـــويـــة، مـسـلـطـا الـضـوء على إقليم شينجيانغ فـي الصي، بـــوصـــفـــه نـــمـــوذجـــا مـــركـــزيـــا فــــي الـــتـــحـــوالت املعاصرة. الـكـتـاب ال يكتفي بــوصــف الـجـغـرافـيـا املــــمــــتــــدة مـــــن جــــبــــال تــــيــــان شــــــان املـــكـــســـوة بالثلوج إلــى صـحـراء تاكلمكان الذهبية، بــل ينفذ إلـــى عـمـق الـتـجـربـة اإلنـسـانـيـة في منطقة تشكّل نحو سـدس مساحة الصي. إنـــه قــــراءة فــي املــكــان كـهـويـة، وفـــي اإلنـسـان كـــحـــامـــل لــــذاكــــرة حـــضـــاريـــة، وفـــــي الـتـنـمـيـة كخيار استراتيجي. مــــن خـــــال زيـــــاراتـــــه إلـــــى أورومـــتـــشـــي وكـــاشـــغـــر، يـــرصـــد املـــؤلـــف مــشــاهــد الـحـيـاة الـــيـــومـــيـــة: األســــــــواق الــتــقــلــيــديــة، والـــحـــرف الــــيــــدويــــة، واملـــوســـيـــقـــى الــشــعــبــيــة، وثــقــافــة الـــضـــيـــافـــة، وحــــضــــور املـــســـاجـــد والـــعـــمـــارة الــــتــــاريــــخــــيــــة... ويـــــبـــــرز كــــيــــف اســـتـــطـــاعـــت الــقــومــيــات املـخـتـلـفـة - األويــــغــــور والـــكـــازاخ والــــــــــهــــــــــوي وغـــــــيـــــــرهـــــــم - الـــــــحـــــــفـــــــاظ عـــلـــى خصوصياتها الـثـقـافـيـة ضـمـن إطـــار دولــة حديثة تسعى إلـى تعزيز الـوحـدة الوطنية واالستقرار االجتماعي. غير أن الكتاب يتجاوز البعد الثقافي إلـى قــراءة أعمق في التحول التنموي الذي شــــهــــده شـــيـــنـــجـــيـــانـــغ. فـــهـــو يـــتـــنـــاول مــســار تحديث البنية التحتية، من شبكات الطرق والـسـكـك الـحـديـديـة إلــى املـنـاطـق الصناعية الجديدة... ويضيء على سياسات التنمية الريفية وتحسي التعليم والرعاية الصحية، في سياق الجهود الوطنية الصينية للقضاء على الفقر وتعزيز العدالة االجتماعية. ويــضــع املــؤلــف هـــذه الــتــحــوالت ضمن رؤيــــــــة ســـيـــاســـيـــة أوســــــــع تــــقــــودهــــا الــــدولــــة الـصـيـنـيـة، تــقــوم عــلــى الـــربـــط بـــن التنمية االقتصادية واالسـتـقـرار االجتماعي، وبي النمو واالندماج الوطني. ففي إطار مبادرة «الـــحـــزام والــطــريــق» الــتــي أطـلـقـهـا الـرئـيـس ، بـــرز 2013 الــصــيــنــي شــــي جـيـنـبـيـنـغ عـــــام شـيـنـجـيـانـغ كــبــوابــة اسـتـراتـيـجـيـة للصي نـــحـــو آســـيـــا الـــوســـطـــى والـــــشـــــرق األوســــــط، ومـــحـــور لـوجـيـسـتـي يـعـيـد إحـــيـــاء الـــروابـــط التاريخية لــ«طـريـق الـحـريـر»، ولـكـن بـروح تنموية معاصرة. ويـــعـــالـــج الـــكـــتـــاب ســــــؤاال مـــحـــوريـــا في الـــتـــجـــربـــة الــصــيــنــيــة: كـــيـــف يــمــكــن تـحـقـيـق االزدهــــــــــــار فـــــي مـــنـــطـــقـــة مــــتــــعــــددة األعــــــــراق والــثــقــافــات دون املــســاس بـالـهـويـة؟ وكيف تــــتــــحــــول الــــتــــنــــمــــيــــة إلــــــــى أداة لـــلـــتـــمـــاســـك االجـــتـــمـــاعـــي ال مــــصــــدر لـــلـــتـــوتـــر؟ فــــي هـــذا السياق، يقدّم املؤلف قــراءة عربية لتجربة شـيـنـجـيـانـغ بــوصــفــه مــخــتــبــرًا حــيــا إلدارة التنوع في إطار دولة مركزية قوية. ويـــتـــضـــمّـــن الـــكـــتـــاب تـــقـــديـــمـــن؛ األول للدكتور شـوي تشينغ قـوه (بـسـام)، أستاذ الــــدراســــات الـعـربـيـة فـــي جـامـعـة الـــدراســـات األجنبية ببكي، والثاني لإلعلمي حسي إســـمـــاعـــيـــل نـــائـــب رئـــيـــس تـــحـــريـــر الـطـبـعـة الــعــربــيــة ملـجـلـة «الـــصـــن الــــيــــوم»، مـــا يمنح العمل بعدًا أكاديميا وإعلميا يعزّز موقعه في سياق الحوار الثقافي العربي - الصيني. وارف قـمــيــحــة هــــو بـــاحـــث فــــي الــشـأن الـصـيـنـي، ورئـــيـــس جـمـعـيـة طــريــق الــحــوار الـــلـــبـــنـــانـــي - الـــصـــيـــنـــي، ورئــــيــــس الـــرابـــطـــة العربية - الصينية للحوار والتواصل، وأحد األصـــوات العربية الـبـارزة في مجال تعزيز الـحـوار الحضاري وبناء الجسور املعرفية بي العالم العربي والصي. ويأتي هـذا اإلصـــدار في لحظة يتزايد فــيــهــا اهـــتـــمـــام الــــقــــارئ الـــعـــربـــي بــالــنــمــوذج الــتــنــمــوي الــصــيــنــي، لـــيـــقـــدّم قــــــراءة عـربـيـة مباشرة لتجربة شينجيانغ، حيث يتقاطع جــمــال الـطـبـيـعـة، وعــمــق الـتـقـالـيـد، ومـسـار الـــقـــضـــاء عـــلـــى الـــفـــقـــر، مــــع رؤيــــــة سـيـاسـيـة وتنموية تسعى إلــى بـنـاء مجتمع مستقر ومــــزدهــــر فـــي إطـــــار دولـــــة حــديــثــة مــتــعــددة الثقافات. بيروت: «الشرق األوسط» ديكارت النص الكامل على الموقع اإللكتروني

RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==