Issue 17261 - العدد Monday - 2026/3/2 االثنني اإلعالم 17 MEDIA د. ياسر عبد العزيز القناة تأخرت يومين قبل تقديم اعتذار وسحب التقرير ترند اتهامات بانتهاك «الملكية الفكرية» تالحق «تيك توك» الحـقـت اتـهـامـات بانتهاك حـقـوق امللكية الفكرية شركة «بيت دانـــس» الصينية، مالكة مـنـصـة «تـــيـــك تــــــوك»، مـــا دفــــع الـــشـــركـــة إلعـــان عــزمــهــا اتـــخـــاذ خـــطـــوات لـتـعـزيـز الــحــمــايــة في هـــذا الـــصـــدد. وتـــوقّـــع خــبــراء التقتهم «الــشــرق األوســــط» أن تسهم مـثـل هـــذه االتــهــامــات «فـي تـغـيـيـر طــريــقــة الــتــعــامــل مـــع املـــحـــتـــوى املُـــولَّـــد بــــالــــذكــــاء االصــــطــــنــــاعــــي»، مـــطـــالـــبـــن بـــوضـــع قواعد استخدام تحمي حقوق منتج املحتوى األصلي. شـــركـــة «بـــيـــت دانــــــس» كـــانـــت قـــد طـــــوَّرت، أخيرًا، نموذجًا للذكاء االصطناعي حمل اسم »، وأنـــتـــج الـــنـــمـــوذج عـــــددًا من 2.0 «ســـيـــدانـــس مـقـاطـع الـفـيـديـو الـتـي تـحـاكـي فــي تفاصيلها مـشـاهـد مــن أفـــام هــولــيــوود، حـصـدت مليي املـــــشـــــاهـــــدات عـــلـــى اإلنـــــتـــــرنـــــت. وهــــــو مـــــا دفـــع الــشــركــات املُــنـتَــجـة للمشاهد األصـلـيـة التـهـام «بيت دانـــس» بانتهاك حقوق امللكية الفكرية الــخــاصــة بــهــم. ولــقــد ذكــــرت «جـمـعـيـة صناعة األفــــام األمــيــركــيــة»، الــتــي تـمـثّــل شــركــات عـدة مـنـهـا «ديـــزنـــي»، و«يــونــيــفــرســال»، و«وارنـــــر»، و«نتفليكس»، في بيان لها، أخيرًا، أن «نموذج سـيـدانـس يستخدم عـلـى نـطـاق واســـع أعـمـاال مـحـمـيـة بـحـقـوق الـطـبـع والــنــشــر األمــيــركــيــة». وأضــافــت: «نــمــوذج الــذكــاء االصطناعي لبيت دانــس يعمل مـن دون ضمانات فعّالة، ويجب إيقافه فورًا». بدورها، أقـرَّت «بايت دانـس» بما عدّتها ،»2.0 «مـــــخـــــاوف بــــشــــأن بــــرنــــامــــج ســــيــــدانــــس مــعــلــنــة اعـــتـــزامـــهـــا «اتــــخــــاذ خــــطــــوات لـتـعـزيـز إجــــراءات الحماية الحالية، ومـنـع االستخدام غير املُــصـرَّح بـه للملكية الفكرية والـصـور من قـبـل املـسـتـخـدمـن»، وفـــق بــيــان نقلته «وكــالــة الصحافة الفرنسية». »2.0 هــــذا، ويــتــوافــر نـــمـــوذج «ســيــدانــس حـــالـــيـــ بـــوصـــفـــه نـــســـخـــة تــجــريــبــيــة مــــحــــدودة فــي الـصـن فـقـط. وأفــــادت شـركـة االسـتـشـارات السويسرية «سيتول ديجيتال سوليوشنز» بـــأنـــه «أكـــثـــر نـــمـــاذج تــولــيــد الــفــيــديــو بــالــذكــاء االصـطـنـاعـي تـــطـــورًا»، إذ يـتـفـوَّق عـلـى نـمـاذج أخرى طوَّرتها «غوغل» و«أوبن إيه آي». يوشنا إكو، الباحث اإلعلمي األميركي، رئـــيـــس ومـــؤســـس «مـــركـــز اإلعــــــام ومــــبــــادرات السلم» في نيويورك، رأى في لقاء مع «الشرق األوســـــــــط» أن االتــــهــــامــــات املــــوجّــــهــــة لـــنـــمـــاذج الـــذكـــاء االصــطــنــاعــي بــشــأن انــتــهــاكــات حـقـوق امللكية الفكرية لـن تتوقف. وتـابـع أن «نماذج الــــــذكــــــاء االصــــطــــنــــاعــــي تـــعـــتـــمـــد فـــــي األســــــاس عــلــى املــحــتــوى املــنــشــور (املــــقــــروء أو املـــرئـــي)، مـــا يـجـعـلـهـا بـالـتـبـعـيـة تـنـتـهـك حـــقـــوق املـنـتـج األصـــلـــي عــنــد تــولــيــد أي نــــوع مـــن املــحــتــوى». وأردف إكـو: «إن التطورات املتسارعة لنماذج الذكاء االصطناعي تحتم ضــرورة العمل على حوكمتها، ووضع قواعد تحمي حقوق املنتج األصـــلـــي، وهــــي قـــواعـــد تـتـضـمَّــن الــتــفــرقــة بي معايير االسـتـخـدام التجاري وغير التجاري، واإلشـــارة بــوضــوح... إلـى أن هـذا املُنتَج مُولَّد بالذكاء االصطناعي، واإلشارة للعمل األصلي الذي استُعي به في توليد هذا املحتوى». مـــن جـهـة ثــانــيــة، سـبـق أن أثـــــارت نـمـاذج الذكاء االصطناعي جـدال بشأن اعتدائها على نُشرت 2024 حقوق امللكية الفكرية؛ ففي عـام مـــقـــاالت عــلــى مــــدوّنــــة قــديــمــة مـتـخـصـصـة في التكنولوجيا تابعة لشركة «أبـــل» تحمل اسم )»، مع أنها مغلقة TUAW( «تـي يو إيـه دبليو ، وتــبــن أن «املـــقـــاالت الـجـديـدة 2011 مـنـذ عـــام أنتِجت بواسطة الذكاء االصطناعي، ونُشرت بـأسـمـاء كـتـاب وصحافيي املــدونــة السابقي، بعد استيلء مالك جديد على املدوّنة املغلقة». وهــــو مـــا أثــــار تـــســـاؤالت فـــي حـيـنـه عـــن كيفية حماية حقوق امللكية الفكرية ملنتجي املحتوى األصليي. فـــي حــــوار مـــع «الـــشـــرق األوســــــط»، صـــرَّح الصحافي املصري محمد فتحي، املتخصص فــــي شــــــؤون اإلعـــــــام الـــرقـــمـــي، بـــــأن «اتـــهـــامـــات الـــشـــركـــات لــبــايــت دانــــس وتــيــك تــــوك بـانـتـهـاك حقوق امللكية الفكرية ستدفع إلى إعادة صياغة قــواعــد إنــتــاج الـفـيـديـو بـالـذكـاء االصـطـنـاعـي» وأشار إلى أنه «من دون إطار تنظيمي واضح، يُــشــكِّــل الـــذكـــاء االصــطــنــاعــي تــهــديــدًا مـبـاشـرًا لحقوق املبدعي، مع استمرار ظهور منتجات تُعاد فيها تهيئة محتوى أصلي دون تعويض أو إذن». ثم أضاف: «القواني الحالية حول حقوق الـنـشـر لــم تُــصـمَّــم لـلـتـعـامـل مــع نــمــاذج الــذكــاء االصطناعي، ما يؤكد الحاجة إلطـار جديد... وهـــذا اإلطــــار يشمل تـحـديـد معنى االسـتـفـادة املــشــروعــة لـلـبـيـانـات، وأنـــــواع الــبــيــانــات، التي يــمــكــن اســتــعــمــالــهــا لـــتـــدريـــب نــــمــــاذج الـــذكـــاء االصـــطـــنـــاعـــي، وكـــيـــف يـمـكـن تــعــويــض حـقـوق للمصادر األصلية، مع وضع معايير واضحة لـاسـتـعـمـال الــتــجــاري، ومـعـايـيـر يــجــري على أســـاســـهـــا تـصـنـيـف الــفــيــديــو املُــــولَّــــد بــالــذكــاء االصــطــنــاعــي لــيــكــون مـسـتـقـا عـــن األصـــــل، أو متضمنًا حقوقًا للمبدعي األصليي». ومن ثم، طالب فتحي بـ«تحديث القواني لتشمل الـــذكـــاء االصــطــنــاعــي، ووضــــع تعريف قانوني لكيفية استخدام البيانات للتدريب، وإلـــــــزام الـــشـــركـــات بـــاشـــتـــراطـــات شــفــافــة حــول مـــصـــادر الـــبـــيـــانـــات، ووضـــــع أنــظــمــة تـرخـيـص مـــرنـــة وعـــــادلـــــة». ودعـــــا إلــــى «وجــــــود اتــفــاقــات تسمح بـاسـتـخـدام املـحـتـوى مـقـابـل تعويض، واســـتـــحـــداث تــراخــيــص تـشـمـل نــظــام مـكـافـآت واضـــح لـلـمـطـوّريـن... إلــى جـانـب وضــع أنظمة تـــتـــبُّـــع وتـــــحـــــرّي مـــحـــتـــوى الـــفـــيـــديـــو لــحــمــايــة أصـــحـــاب الــحــقــوق األصــلــيــة، ووضــــع عـامـات مـائـيـة ذكـيـة يمكن تمييزها حـتـى بـعـد إعـــادة استعمال املادة املُصوَّرة». واخــتــتــم بـالـتـأكـيـد عــلــى «أهــمــيــة تـعـزيـز وعــي املـبـدعـن، بشأن كيفية حماية أعمالهم، مـــع وضــــع إرشـــــــادات حــــول حــقــوق الـتـرخـيـص واستخداماتهم في الذكاء االصطناعي». القاهرة: فتحية الدخاخني تسببت بمعاقبة محطة «زد دي إف» التلفزيونية مراسلتها في نيويورك فضيحة بقناة ألمانية بسبب الذكاء االصطناعي وقـــــعـــــت قـــــنـــــاة أملـــــانـــــيـــــة فــــــي فــــــخ الـــــذكـــــاء االصطناعي؛ ما فتح الباب أمام موجة واسعة مـــن االنـــتـــقـــادات والـــتـــســـاؤالت حـــول مـصـداقـيـة اإلعلم في أملانيا، وكيفية التحقق من األخبار قـبـل نـشـرهـا. وكــانــت الـقـصـة قــد بــــدأت عندما نــشــرت الــقــنــاة األملــانــيــة الـثـانـيـة «زد دي إف» ، التي هي واحدة من أكبر القنوات العامة ZDF فــــي الــــبــــاد، تـــقـــريـــرًا فــــي نــشــرتــهــا اإلخـــبـــاريـــة املسائية الرئيسة، ظهر فيها فيديو من إنتاج الذكاء االصطناعي. فبراير 15 يتكلم التقرير، الذي عُرض يوم (شـــبـــاط) عـــن حـمـلـة االعـــتـــقـــاالت الــتــي تنفذها ICE » وكالة «إنـفـاذ قواني الهجرة والـجـمـارك في الواليات املتحدة، وظهر فيه شريطان تبي الحقًا أن األول مزيف واآلخـر قديم ويعود إلى قصة مختلفة. الفيديو األول ظـهـرت فيه امـــرأة آسيوية يــقــتــادهــا عــنــصــران مـــن شـــرطـــة الــهــجــرة وهــي تبكي ويداها مكبلتان، بينما يتمسك ولداها بها وهما يبكيان ويتوسلن الشرطيي إلطلق ســـراحـــهـــا. وكـــــان واضـــحـــ فـــي يـــســـار الـشـريـط املزيّف طبعة «سورا»، وهو البرنامج املعروف بإنتاج فيديوهات بالذكاء االصطناعي، ومع ذلك نُشر في التقرير على أنه حقيقي، ولم تشر ال املقدمة وال الصحافي إلى أن الشريط مزيف. 11 أمـــا الـشـريـط اآلخــــر، فـكـان لفتى يبلغ سنة من العمر يقتاده رجل شرطة وهو مكبل اليدين. وظهر في التقرير صوت يقول إن دائرة الهجرة تعتقل األطـفـال وترحّلهم. ولكن تبي ،2022 الحـقـ أن الـشـريـط قـديـم يـعـود إلــى عــام وأن الفتى إنما اعتُقل بعدما هدّد بإطلق النار داخل مدرسة. أما ما أثار ارتباكًا وتعجبًا أكبر، فهو أن تمهيد الـتـقـريـر، الـــذي قـرأتـه املـذيـعـة املعروفة دنـــيـــا هـــيـــالـــي، أشـــــار إلــــى «وجــــــود الــكــثــيــر من الفيديوهات على وسائل التواصل االجتماعي تـــظـــهـــر عــــمــــل وكـــــالـــــة الــــهــــجــــرة فـــــي الـــــواليـــــات املتحدة»، وأضـاف أن «ليست كل الفيديوهات املنشورة حقيقية، ولكن الكثير منها حقيقي». سحب واعتذار متأخران الـقـنـاة تــأخــرت يـومـن قـبـل تـقـديـم اعـتـذار وسحب التقرير. ثم نشرت يوم الثلثاء اعتذارًا تقول فيه إن التقرير الــذي عُــرض مساء األحـد تضمّن «أخطاء في الوقائع»، وإن «القناة فتحت تحقيقًا فـي املـسـألـة». ومــن جهة أخـــرى، علقت نائبة رئيسة التحرير بالقول إن عرض التقرير «يتنافى مع جهود القناة بتأمي أخبار موثوق بها، وأنها أخفقت هذه املرة بذلك». وأردفت أن القناة «تقدم اعتذارها للمشاهدين؛ ألن التقرير لم يرق إلى معاييرنا املرتفعة». ثــــم عــــــادت الـــقـــنـــاة وأصــــــــدرت بـــيـــانـــن فـي اليومي التاليي، ذكــرت فيهما أن الخطأ جاء مـــن مـكـتـب الــقــنــاة فـــي مـديـنـة نـــيـــويـــورك، حيث أضيف الفيديوهان الخطأ من دون التأكد من مصدريهما وال تاريخيهما. وأعلنت أيضًا، عن إعفاء مراسلتها في نيويورك نيكوال ألبريشت سنة) من منصبها وعن استدعائها للعمل 50( داخل القناة التي تتخذ من مدينة ماينز (غرب أملانيا) مقرًا لها، عوضًا عن طردها. رئــيــســة تــحــريــر الـــقـــنـــاة بـتـيـنـا شــاوســن بـــــرّرت اإلحـــجـــام عـــن طــــرد املـــراســـلـــة مـــن الـقـنـاة واالكـتـفـاء باستدعائها، بالقول إنـه كـان يجب الـتـنـبّــه للخطأ داخـــل مـقـر الـقـنـاة بـعـدمـا أرســل الـــتـــقـــريـــر، وكــــــان واضــــحــــ ألنـــــه يـــحـــتـــوي عـلـى فيديوهات من اإلنترنت. وتابعت شاوست في مقابلة مع صحيفة «تسود دويتشه تزايتونغ» بأنه «يجب اآلن بذل جهود إضافية في عملية التحقق قبل البث». ولـــكـــن، رايـــنـــر هـــاســـلـــهـــوف، أحــــد أعــضــاء مجلس إدارة الـقـنـاة، صـــرّح بــأن طــرد املراسلة «ال يمكن إال أن يكون الخطوة األولــى لتحقيق منهجي في الذي حصل». وتابع إن األمر يتعلق «بمصداقية القناة»، وشدد على أن للمواطني «الحق في الحصول على املعلومة الصحيحة». ولـلـعـلـم، يــجــري تـمـويـل هـــذه الـقـنـاة مــن أمـــوال دافـعـي الـضـرائـب عبر ضريبة خـاصـة يدفعها املواطنون تُعرَف بـ«ضريبة البث». وفـــي الــيــوم الــثــانــي، عــــادت الـقـنـاة لتعلن إجـراءات إضافية بعد الفضيحة، منها تطوير آليات عمل جديدة تلزم الصحافيي باعتمادها مـــن أجــــل الــتــأكــد مـــن صــحــة الــفــيــديــوهــات قبل استخدامها. كـذلـك، أعلنت القناة عـن إخضاع العاملي فيها لدورات تدريبية لتوعيتهم على املعايير الواجب اعتمادها لتفادي الوقوع في أفخاخ شبيهة في املستقبل. مطالبات رسمية وتحذير من جانب آخـر، طالب نثانيل ليمنسكي، وزير اإلعلم في والية شمال الراين-وستفاليا، بـــــ«بــــذل املـــــزيـــــد... ومـــنـــذ اآلن، مــــن األســـاســـي مراجعة وتطوير العمليات الداخلية وآلـيـات الرقابة؛ كي ال يتكرر مثل هذا الخطأ الفادح في املستقبل». ثـم أضـــاف «يـجـب التحقيق بشكل مـعـمـق فـــي كـيـفـيـة حــــدوث ذلــــك؛ ألن مـــن يـدفـع ضريبة البث يجب أن يكون مطمئنًا إلى وجود آليات رقابية وتصحيحية فعالة ضمن قطاع البث العام». بـــــــدورهـــــــا، حـــــــــــذّرت وزيـــــــــــرة الــــــدولــــــة فــي املستشارية كريستيان شندرالين، أيضًا، بأن «على البث العام أن يعمل وفقًا ألعلى معايير الجودة وأن يقيس نفسه بهذه املعايير». وهذا، في حي علقت وسائل إعلم أخرى مـــحـــذّرة مــن مـخـاطـر الـــوقـــوع «فــــي» فــخ الــذكــاء االصطناعي على مصداقية اإلعــام. إذ نشرت صحيفة «تــاغــس شبيغل» الـيـومـيـة الــصــادرة فـــي بـــرلـــن مـــقـــال رأي وصــــف الـــقـــنـــاة األملــانــيــة الـثـانـيـة بـأنـهـا «خــانــت أهـــم ركــائــز الـصـحـافـة، أال وهـي الصدقية». وأضــاف املقال أن «مجرد االعتذار والتصحيح ال يكفيان، وعلى مجلس البث - وهو الهيئة الرقابية للقناة - أن يجري دراســة نقدية ملا حصل، كما يجب على املدير العام أن يصدر توجيهات ال لبس فيها التخاذ اإلجراءات اللزمة على جميع مستويات صنع القرار» ملنع تكرار ما حدث. وأشــــــار كـــاتـــب املـــقـــال إلــــى أن مـــا يحصل في الـواليـات املتحدة مع وكالة «إنـفـاذ قواني الهجرة والجمارك» قد يكون أسوأ مما عُرض، ولكن «ليس من عمل برنامج إخباري أن يوجّه املشاهدين حول الظلم، بمشاهد متلعب بها، ومن يفعل يقلل من قيمة املشاهدين». أهمية االعتراف بالخطأ فــي الـسـيـاق عـيـنـه، انـتـقـد آخــــرون طريقة تعامل القناة مع الخطأ وتأخرها في االعتذار وسحب التقرير، فكتب موقع «أوبـــر ميدين»، وهـــو مـوقـع يــراقــب اإلعــــام األملـــانـــي، بـعـد أيــام على رفــض القناة االعــتــراف بالخطأ: «ملـــاذا ال تعترف القناة بأنها افتعلت خطأ سخيفًا؟ ملاذا تحاول تبرير األخطاء وجعل األمور أسوأ؟ ما يحصل ال يساعد إال الـداعـن إلغــاق القناتي األولى والثانية، وبالنسبة للباقي فهي تضر بــأي ثقة متبقية». ورأى املـوقـع أن «خـطـورة» استخدام صـور وفيديوهات مصنَّعة بالذكاء االصـطـنـاعـي «لــيــس فـقـط أنــهــا تـنـشـر أكــاذيــب وواقـــعـــ غـيـر مـــوجـــود، بـــل هـــي أيــضــ تتسبب بـشـكـوك حـــول مـــدى صـحـة الــصــور الحقيقية، وهذا أمر خطير». كذلك، فور نشر التقرير وبدء االنتقادات، ذكـر املـوقـع أنـه تـواصـل مـع املحطة، سـائـا عن آلية التحقق من الفيديوهات قبل نشرها، لكنه لم يحصل على جواب. فــي أي حـــال، يــوجّــه إعـــام أقـصـى اليمي في أملانيا انتقادات لإلعلم العام بأنه يعتمد «ســيــاســة يـــســـاريـــة»، وأنــــه «لــيــس حــيــاديــ في تغطياته»؛ ولـذا يدعو كثيرون من هـذا التيار إلى وقف تمويل اإلعلم العام وإغلق املحطتي بـسـبـب «انــحــيــازهــمــا» فـــي نــقــل األخــــبــــار، كما يزعمون. لكم مما ال شك فيه أن أخطاء كالتي وقعت فيها القناة األملـانـيـة الثانية ال تساعد اإلعلم األملاني العام الذي بات في حاجة ملحة إلـــى آلـــيـــات لـلـتـعـامـل مـــع الــتــحــديــات املــتــزايــدة للذكاء االصطناعي في عالم اإلعلم. برلين: راغدة بهنام المراسلة نيكوال ألبريشت (زد دي إف) لقطة من التقرير (زد دي إف) «السوشيال ميديا» كاشفة جرائم! ليست وسائل «التواصل االجتماعي» نهرًا واحدًا يجري في اتجاه معلوم، بل هي دلتا مُتشعبة، تتفرع منها جـداول الضوء كما تتكاثر فيها ظلل العتمة. هي ساحة لهو وصـخـب، ومنبر رأي واحـتـجـاج، وســـوق دعـايـة وخـصـومـة، ومــســارات للتجارة واألعمال، لكنها في لحظة تاريخية فارقة أضحت شيئًا آخر أيضًا: عينًا مفتوحة ال تنام، وعدسة ال ترتجف، وذاكرة رقمية ترفض أن يُدفن ما يُرتكب في الخفاء. من بي وجوهها الكثيرة بـرز وجـه الكاشف، ذاك الـذي يزيح الستار عن جرائم كانت تستتر بجدران البيوت أو بسلطة املؤسسات أو بسطوة النفوذ. ) مجرد وسم عابر، بل كانت MeToo( » في الواليات املتحدة لم تكن حملة «مي تو زلــزاال أخلقيًا انطلق من شهادات فردية على «املنصات االجتماعية»، ثم ما لبث أن أطاح أسماء المعة في اإلعلم والسياسة والفن. لقد تحوّل السرد الشخصي إلى قوة مساءلة عامة، وأجبر مؤسسات عريقة على فتح تحقيقات داخلية وإعـادة النظر في ثقافتها التنظيمية. وفي الهند فجّرت منشورات ومقاطع مصورة غضبًا شعبيًا عقب جرائم اعتداء مروعة، فاندفعت الحشود إلى الشوارع. وتحت ضغط الرأي العام شددت السلطات إجراءاتها وعدّلت بعض تشريعاتها. وفي الصي، حيث تضيق مساحات التعبير الـتـقـلـيـدي، لعبت املـنـصـات الـرقـمـيـة دورًا فـي كـشـف وقـائـع اعــتــداء وتـحـرّش داخل مؤسسات تعليمية وشركات خاصة، فوجدت الجهات الرسمية نفسها مدفوعة للتحقيق تحت أعي املليي. » تشكيل النقاش العام حول عنف الشرطة، EndSARS« وفي نيجيريا أعاد وسم إذ وثّق املواطنون بهواتفهم تجاوزات لم يكن لها أن تجد طريقها إلى اإلعلم الرسمي، فتحولت املقاطع إلى أدلة حيّة غذّت تقارير منظمات حقوقية وأجبرت الحكومة على إعلن مراجعات. هـــذا الـتـحـول لــم يـمـر مــن دون انـتـبـاه الـبـاحـثـن؛ إذ أشــــارت تـقـاريـر صــــادرة عن مكتب األمم املتحدة املعني باملخدرات والجريمة إلى أن املحتوى الرقمي الذي يُنتجه املستخدمون أصبح مصدرًا متناميًا لألدلة في التحقيقات، وأن أجهزة إنفاذ القانون في دول عدة طورت وحدات مختصة برصد اإلشارات األولى للجريمة على «املنصات االجتماعية». وذهـب باحثون في علم الجريمة الرقمي إلـى أن ما يحدث يمثل شكل جديدًا من الرقابة األفقية، حيث يراقب املواطنون بعضهم بعضًا في فضاء مفتوح، فتتآكل املسافة بي الفعل وتوثيقه. املفكر مانويل كاستلز، في تحليله ملجتمع الشبكات، رأى أن السلطة في العصر الرقمي لم تعد تحتكرها املؤسسات، بل تتوزع عبر شبكات قادرة على تعبئة الوعي والضغط. وما نشهده اليوم من كشف جرائم عبر «السوشيال ميديا» هو تجل عملي لهذا التحول، إذ ينتقل بعض من سلطة املراقبة من الـدولـة إلـى املجتمع. كذلك حذّر زيغمونت بــاومــان مـن سيولة الـحـداثـة الـرقـمـيـة، حيث تتكسر الــحــدود بـن الخاص والعام، فيصبح كل حدث قابل للبث، وكل خطأ مرشحًا ألن يُخلّد في ذاكرة ال تنسى. إن األثـر ال يقف عند حـدود الفضح اللحظي، بل يمتد إلى إعـادة صياغة املجال الـعـام. حي تُنشر واقعة اعـتـداء في مكان عمل، ال تعود شأنًا فـرديـ، بل تتحول إلى قضية نـقـاش حـــول ثـقـافـة املـؤسـسـة ومـسـؤولـيـة اإلدارة. وحـــن يُــوثَّــق سـلـوك عنيف لشرطي أو موظف، يصبح مادة مساءلة سياسية وقانونية. في هذا املعنى تتقاطع «السوشيال ميديا» مع الصحافة االستقصائية، لكنها تمتاز عن تلك األخيرة بأنها أكثر فورية وأقل قابلية للضغوط والقيود. غير أن هـذا الـوجـه الكاشف ال يخلو مـن مخاطر. فاملحاكمة الرقمية قـد تسبق املحاكمة القضائية، وقـد يتحول االتـهـام إلـى حكم نهائي فـي أعـن الجمهور قبل أن يقول القضاء كلمته. هنا يتبدى التناقض بي فضيلة الكشف وخطر االنـفـات. فالقوة التي تفضح الجريمة يمكن أن تنقلب إلى أداة ظلم إذا غاب الضابط األخلقي والقانوني. لذلك دعت تقارير صـادرة عن «يـوروبـول» ومنظمات معنية بحرية الصحافة إلى تطوير آليات تحقق رقمية، وإلى تدريب املستخدمي على التمييز بي التوثيق املسؤول والتشهير، وإلى تعزيز قنوات إبلغ رسمية موازية تستفيد من سرعة املنصات من دون أن تتخلى عن ضمانات العدالة. إن وسائل «التواصل االجتماعي»، بكل تناقضاتها، أثبتت أنها أكثر من فضاء ترفيهي، أو منبر للرأي، أو ساحة استقطاب سياسي، أو مجال ملمارسة الدعاية وإنعاش األعمال. إنها مُختبر اجتماعي، تتشكل فيه أنماط جديدة من الرقابة واملساءلة. وتلك األنماط قد تُستعمل للتحريض أو االبتزاز أو التضليل، لكنها تُستعمل أيضًا لكسر الصمت حول عنف كان يُوارى خلف األبواب، أو فساد يُرتكب في الخفاء. «السوشيال ميديا» أكثر من وسيلة إعلم جديدة خطفت ألباب الناس واستحوذت على اهتمامهم ووقتهم، فهي أيضًا يمكن أن تكون كاشفة للجرائم، وقيدًا على التجاوز، ونافذة لضوء ال تقدر جدران التعتيم على حجبه.
RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==