issue17261

بـــن الـــتـــفـــاوض مـــع إيـــــران وضــربــهــا عـسـكـريـا الـغـلـبـة كــانــت لـلـضـربـة، واالنـــدفـــاعـــة اإلســرائــيــلــيــة سـبـقـت الـتـريـث األمــيــركــي. تـقـف املـنـطـقـة عـلـى أعــتــاب مـرحـلـة انـتـقـالـيـة قد .1979 تعيد تشكيل موازين القوى التي حكمتها منذ عام لـم يعد الــســؤال املــطــروح الـيـوم فـي الـشـرق األوســـط مـا إذا كانت إيران ستتغير، بل كيف ومتى، وبأي تكلفة، وما الذي سيلي هذا التغيير. هذا التحول، إذا تحقق، فلن يطرح فقط مسألة انحسار الـــدور اإليــرانــي، بـل سيثير ســـؤاال مـوازيـا: هل سيفتح باب السالم، أو سيعيد إنتاج الصراع بأدوات جديدة؟ وعــلــى وقــــع الــقــصــف يـبـقـى الــتــريــث األمـــيـــركـــي خــيــارًا اســتــراتــيــجــيــا مــــدروســــا، ال تــعــبــيــرًا عـــن ضــعــف وارتــــبــــاك؛ فاإلدارة األميركية تخشى أن تكون أي مواجهة مباشرة مع إيران واسعة ومكلفة عسكريا وسياسيا، خصوصا في ظل حساسية الرأي العام قبيل االنتخابات، وتصاعد منسوب الـــتـــجـــاذبـــات الـــداخـــلـــيـــة الـــتـــي ال تـبـشـر بــالــخــيــر. وصــدقــت الــوســائــل اإلعــ مــيــة بــشــأن الــنــقــاشــات فـــي واشــنــطــن الـتـي تناولت سيناريو تفضيل أن توجه إسرائيل الضربة األولى وهو ما حصل يوم أول من أمس السبت، بحيث يؤدي الرد اإليــرانــي املحتمل إلــى خلق بيئة سياسية داخلية تسمح بتوسيع التدخل الحـقـا. هــذه املـقـاربـة، إن صـحـت، تعكس محاولة إدارة املخاطر بدل االندفاع إلى الحرب. وعــــلــــى الـــــرغـــــم مـــــن الــــضــــربــــة االســــتــــبــــاقــــيــــة، فـسـتـظـل املفاوضات املسار األقل تكلفة واألكثر قابلية لإلدارة. وثمة اعــتــبــارات أوســــع؛ فـواشـنـطـن تتجنب االنـــخـــراط فــي حـرب استنزاف في الشرق األوسط قد تستهلك قدراتها العسكرية واللوجيستية فـي وقـت تتصاعد فيه املنافسة مـع الصي واحتماالت التصعيد بشأن تايوان، كما أن انتشار القوات واملصالح األميركية في املنطقة يجعل أي رد إيراني شامال ومكلفا، سواء عبر استهداف القواعد أو املالحة أو الطاقة أو الحلفاء؛ فاملحادثات العلنية الجارية أو السرية تركز على املـلـف الــنــووي، وتـرتـبـط أيـضـا بملفات أوســـع تشمل الـصـواريـخ والـنـفـوذ اإلقليمي وتـعـديـل الـسـلـوك اإليــرانــي؛ لــذلــك تـسـعـى اإلدارة إلــــى الــجــمــع بـــن الــضــغــط الـعـسـكـري والتفاوض، وإبقاء الخيارات مفتوحة. لكن جوهر املسألة يكمن داخل إيران نفسها؛ فالتغيير يـــبـــدو حــتــمــيــا، وإن تـــعـــددت املــــســــارات. قـــد نـشـهـد تــحــوال نتيجة الضغوط الداخلية أو الصدمات الخارجية، أو بقاء النظام مـع تعديل سلوكه وصـعـود تيار أكثر براغماتية. وفي الحالتي، يبدو أن النموذج اآليديولوجي الـذي حكم خالل العقود املاضية يواجه حدودًا واضحة، بعد الحروب األخيرة والضغوط االقتصادية والتململ الداخلي. هـــذا الـتـحـول سينعكس مـبـاشـرة عـلـى شبكة النفوذ اإليـرانـي فـي املنطقة؛ فالوكالء الـذيـن شكلوا أدوات الـردع سـيـواجـهـون واقــعــا جـــديـــدًا، إمـــا عـبـر االنـــخـــراط فــي الـــدول الوطنية وإمــا بالتراجع التدريجي بفعل مـوازيـن القوى. وسيكون لبنان من أبرز ساحات هذا التحول؛ ألن مستقبل «حزب الله» يرتبط إلى حد بعيد بمآالت التغيير في طهران، وبقدرة الدولة اللبنانية على استعادة دورها السيادي. هل انحسار الدور اإليراني يعني صعودًا تلقائيا لدور إسرائيلي إقليمي؟ الجواب بـ نعم ليس حتميا؛ فاالتفاقات اإلبـــراهـــيـــمـــيـــة فـــقـــدت جــــــزءًا مــــن زخـــمـــهـــا بـــعـــد حـــــرب غــــزة، والسياسات في الضفة الغربية تقوض فـرص توسيعها، وتعزز فرضية إدارة النزاع بدل حله. كذلك، فإن تدخالتها فــي ســوريــا ولـبـنـان تثير مــخــاوف لـــدى الـعـديـد مــن الـــدول العربية، بما يبقي التوتر مفتوحا، بينما تعمق االنقسامات الداخلية اإلسرائيلية هشاشة الـقـرار االستراتيجي؛ لذلك تبقى قدرة إسرائيل على التحول إلى شريك إقليمي طبيعي مــشــروطــة بتغيير فــي الـــرؤيـــة الـسـيـاسـيـة، ال فــي الــقــدرات العسكرية فقط. األهم أن غياب أفق سياسي للقضية الفلسطينية يظل العقبة الكبرى أمام أي دور إسرائيلي طبيعي في املنطقة؛ فـــاملـــمـــارســـات فـــي الـــســـنـــوات األخـــيـــرة تـــعـــزز فــرضــيــة إدارة النزاع بدل حله، وتبقي التوتر مفتوحا، وتضعف االعتدال العربي، وتغذي التطرف. ومع ذلك، تبقى إمكانية التغيير إذا ظـهـرت قــيــادة أكـثـر اســتــعــدادًا لــ نــخــراط فــي تسويات واقعية. دولـيـا، يميل املـوقـف الـعـام إلــى رفــض انهيار مفاجئ لـلـنـظـام اإليـــرانـــي، لـيـس دفــاعــا عــنــه، بــل خـشـيـة الـفـوضـى، وتـــــكـــــرار نـــــمـــــاذج ســــابــــقــــة. وهـــــــذا مـــــا يـــفـــســـر الـــتـــبـــايـــن مـع إسرائيل، كما يفسر مرونة واشنطن في الجمع بي الردع والــدبــلــومــاســيــة. وحــتــى فـــي ظـــل الـــدعـــم األمــيــركــي الكبير إلسرائيل، تظهر تباينات حول الحرب على إيران، وخالفات حول غزة والضفة أو حدود استخدام القوة. في املحصلة، تدخل املنطقة مرحلة انتقالية طويلة قد يتراجع خاللها النفوذ اإليراني، لكن من دون أن يعني نهاية الصراع؛ فالشرق األوسط قد ينتقل من صراع آيديولوجي إلــى تنافس نـفـوذ بـن قــوى إقليمية أكـثـر بـراغـمـاتـيـة، في سياق دولي متعدد األقطاب. وقد تفتح هذه املرحلة فرصا لخفض الـتـوتـر، وبـنـاء ترتيبات أمنية جــديــدة، لكنها لن تتحول تلقائيا إلى سالم مستدام. إن مـــآالت التغيير فــي إيــــران قــد تخلق نــافــذة إلعـــادة صـيـاغـة الـنـظـام اإلقـلـيـمـي، لـكـن نـجـاح هـــذه الـفـرصـة يبقى مشروطا بتغيير في السياسات اإلسرائيلية، وبقدرة الدول الـعـربـيـة عـلـى بــلــورة رؤيـــة أمـنـيـة مـشـتـركـة، وبـنـجـاح دول مثل لبنان وسوريا في إعادة بناء الدولة. من دون ذلك، قد يتراجع النفوذ اإليراني، لكن الصراع سيجد أشكاال جديدة، ولن يتحول الشرق األوسط إلى منطقة استقرار حقيقي. في زمن تتسارع فيه التحوالت الحضرية، وتتنافس املدن على صياغة أدوارها في عالم متغير، تبرز املدينة املنورة - مهد اإلســـــ م، ومـهـاجـر الـنـبـي (صــلــى الــلــه عـلـيـه وســـلـــم)، ومـــثـــواه - بوصفها تجربة تنموية فريدة تعيد صياغة العالقة بي العراقة الثقافية والتنافسية العمرانية ملـدن املستقبل، محافظة على قداسة املكان وعمق التاريخ، وماضية في تطوير خدماتها بما يواكب جودة الحياة واستحقاقات املدن الحديثة. فاملدينة التي ارتبط اسمها عبر القرون بمكانتها الدينية، »، بــدعــم وتمكي 2030 اخـــتـــارت فـــي ســيــاق «رؤيـــــة الــســعــوديــة حكومة خـــادم الـحـرمـن الشريفي وولـــي العهد ومتابعة أمير املنطقة األمــيــر سـلـمـان بــن سـلـطـان، أن تجعل مــن روحانيتها مـصـدر إلـهـام للتنمية، ومــن هويتها التاريخية أسـاسـا لبناء مستقبل مستدام ال ينفصل عن الجذور التي تلهم أكثر من مليار ونصف املليار مسلم حول العالم. إن املـديـنـة املـــنـــورة، الـتـي تستقبل مـ يـن الـــــزوار سنويا من مختلف أنحاء املعمورة، لم تكتف بدورها بوصفها وجهة دينية، بل عملت على تطوير نموذج حضري يدمج بي صون اإلرث وتفعيله، وبي االرتقاء بتجربة الزائر وتعزيز جودة حياة السكان. وقد شكّل اإلرث التاريخي الكبير، بما يزيد على ثالثة آالف موقع موثق في سجل التراث العمراني، فرصة ومسؤولية في آن واحـد؛ إذ لم يكن التحدي في وفرة املواقع، بل في كيفية دمجها ضمن نسيج حضري معاصر يمنحها حياة متجددة، ويجعلها جزءًا من تجربة متكاملة تليق بمكانتها وتستجيب ألعلى معايير املدن الحديثة. ومـن هـذا املنطلق، شهدت املدينة مشاريع نوعية أعـادت االعـــتـــبـــار لــلــمــواقــع الــتــاريــخــيــة وربــطــتــهــا فـــي ســـرديـــة مـكـانـيـة متكاملة؛ من توسعة مسجد قباء وتطوير محيطه، إلى تأهيل اآلبار واملزارع واملساجد املرتبطة بالسيرة النبوية، وصوال إلى تطوير مواقع بدر وأحد والخندق، ومشروع «درب الهجرة - على خـطـاه». ولـم يعد الـتـراث أثــرًا ساكنا، بـل أصبح مـــوردًا معرفيا وثقافيا حيا يثري الحاضر ويعمّق الوعي باإلرث والتاريخ. وفي موازاة ذلك، مضت املدينة في تبني حلول ذكية تعزز كفاءة الخدمات وتحسّن التجربة الحضرية، فكان تقدمها في للمدن الـذكـيـة انعكاسا ملـسـار تـطـويـري متكامل. IMD مـؤشـر وأصبحت املنصات الرقمية والخدمات املتعددة اللغات أدوات فاعلة لتمكي الزائر وتيسير رحلته، بما في ذلك دليل تجارب املدينة املنورة، مما يعكس فهما حديثا لدور التقنية في تعزيز الثقافة وتحسي مستوى الخدمة. لقد انتقلت املدينة من منطق املواقع املتفرقة إلـى مفهوم املتحف الـحـضـري املـفـتـوح، حيث ترتبط املــســارات التاريخية في شبكة متصلة تتيح للزائر أن يعيش التجربة ال أن يمر بها عــابــرًا. كما أُعـيـد تأهيل األوديــــة واملـسـاحـات الطبيعية لتكون فضاءات عامة تجمع بي البعد البيئي واالجتماعي والثقافي، ضــمــن بـــرنـــامـــج شـــامـــل لــأنــســنــة وتــحــســن املــشــهــد الــحــضــري وتوسيع املسطحات الخضراء. وإلــــى جــانــب إحـــيـــاء الـــتـــراث املـــــادي، بــــرزت أنـــويـــة ثقافية معاصرة تعكس حيوية املدينة وقـدرتـهـا على إنـتـاج املعرفة. فــاملــراكــز الـحـضـاريـة واملــتــاحــف التفاعلية ومــشــاريــع املـحـاكـاة التاريخية، إلى جانب الشراكات بي القطاعي العام والخاص، أسهمت في تحويل السرد التاريخي إلى تجربة تعليمية حية. ويأتي مجمع امللك عبد العزيز للمكتبات الوقفية بما يضمه من كنوز معرفية ومخطوطات نادرة ليجسد عمق املدينة العلمي، فيما يعمل مركز األمـيـر محمد بـن سلمان العاملي للخط على صـــون جـمـالـيـات الـــحـــرف الــعــربــي بـوصـفـه أحـــد أبــــرز تجليات الهوية. ولم تغب الفنون واآلداب عن هذا املسار، إذ باتت املعارض األدبية وبرامج الفنون املعاصرة واملـبـادرات الثقافية الحديثة منصات تعبّر من خاللها املدينة عن ذاتها بلغة يفهمها الجيل الجديد. حتى املطبخ املدني أصبح جزءًا من السردية الثقافية، ينقل الحكاية عبر النكهات ويجسّد العالقة الحية بي التراث والحياة اليومية. وقـــد انـعـكـس هـــذا الـتـكـامـل بـــن الـثـقـافـة والــســيــاحــة على مـؤشـرات األداء، حيث شهدت املدينة نموًا ملحوظا فـي أعـداد الزوار ومتوسط مدة اإلقامة، بالتوازي مع توسع قطاع الضيافة وتطوير منظومة النقل العام. غير أن هـذه القفزة لم تـأت على حساب سكان املدينة، بل انطلقت من مفهوم «املدينة املتوازنة» التي تضع اإلنسان في قلب املعادلة، وهـو ما تؤكده مؤشرات الرضا املتصاعدة. إن مـا تشهده املدينة املـنـورة الـيـوم ليس مـشـروع تطوير عـابـر، بـل مـسـار متكامل يـرسّــخ موقعها فـي طليعة املـــدن ذات اإلرث الـثـقـافـي الـتـي تمضي بـثـبـات نـحـو مـــدن املستقبل. إنها تجربة تؤكد أن العراقة الثقافية ليست عنصرًا تكميليا في خطط التنمية، بل حجر األساس الذي يمنحها املعنى واالستدامة. ومــــن هـــنـــا، تـضـيـف املــديــنــة املـــنـــورة الـــيـــوم إلــــى مـكـانـتـهـا الـديـنـيـة أبــعــادًا تنموية مستلهمة مــن قــداســة املــكــان، لتصوغ حيوية الحاضر ونموذج املستقبل، وتقدم مثاال عمليا على أن الهوية حي تُصان وتُفعّل تصبح رافعة للتقدم ال عائقا أمامه. * أمني منطقة املدينة املنورة، والرئيس التنفيذي لهيئة تطوير املنطقة الصاروخ الفرط - صوتي عرفناه في حرب إسرائيل وإيـران، فيما عُرف بـــحـــرب االثـــنـــي عــشــر يـــومـــا، بـوصـفـه ســـ حـــا يــتــجــاوز الــســرعــة الـتـقـلـيـديـة ويـــضـــرب قــبــل أن يــســتــوعــب الـخـصـم حقيقة ما جرى، لكن ماذا عن اإلنسان الفرط - صوتي؟ هـذا املفهوم الجديد الذي نحاول تقديمه هنا عن اإلنسان الــــفــــرط - صــــوتــــي، والــــفــــرط - صــــورة الـــذي نـــراه الــيــوم يـتـحـرك فــي الفضاء الرقمي ومنصاته املختلفة؟ وهل هو جـديـد فـعـ ً؟ نـعـم، هـنـاك إنـسـان فرط - صـــــورة، وفــــرط - صـــوتـــي، انــتــشــاره يسبق الفهم وربما يستعصي عليه، وتأثيره يتقدم على املعنى، وصوته وصـورتـه ال يقاسان بصدق أو عمق، بل بالقدرة على العبور السريع داخل دورة الخوارزميات؟ مــــا نــعــيــشــه الــــيــــوم لـــيـــس تـــطـــورًا تقنيا فقط، بل نحن أمام تحوّل عميق فـــي مـعـنـى «الـشـخـصـيـة» ذاتـــهـــا، تلك الشخصية التي كانت تُفهم بوصفها كـيـانـا لـــه عـمـق واســتــمــراريــة وحـــدود واضحة بي العام والخاص، أصبحت أداء دائـــمـــا، وصــــورة قـابـلـة لــلــتــداول، صـــــــوت وصــــــــــورة خــــاضــــعــــان ملــنــطــق الـــــخـــــوارزمـــــيـــــات وســـــرعـــــة االنــــتــــشــــار. لكنني فــي هـــذا املــقــال أريـــد أن أوصــل فكرة مختلفة، وهي أن منطق اإلنسان الفرط - صورة قديم جدًا، وال يجب أن ننبهر بـمـا هــو مـــوجـــود، فـالـقـصـة لم تبلغ نهايتها بـعـد. هــذا الـعـالـم الـذي ينفرط أمامنا ليس جديدًا في جوهره، بل هو امتداد مكثف ملسار نظري قديم رسم معامله عدد من منظّري االجتماع والــــســــيــــاســــة مــــنــــذ مـــنـــتـــصـــف الــــقــــرن الــعــشــريــن مـــن أمـــثـــال إرفـــنـــغ غـوفـمـان «عـــرض 1959 وكـــتـــابـــه املـــنـــشـــور عــــام الذات في الحياة اليومية». فــــــي هــــــــذا الـــــكـــــتـــــاب نــــظــــر إرفــــنــــغ غوفمان إلى الحياة اليومية بوصفها مسرحا، وهنا لم يكن الرجل يستخدم استعارة، بل يقدّم تشخيصا بنيويا: اإلنـــــســـــان مـــمـــثـــل، والــــســــيــــاق مــنــصــة، والـــــهـــــويـــــة لـــيـــســـت جــــــوهــــــرًا داخـــلـــيـــا بـــــل أثــــــــرًا درامــــــيــــــا يـــنـــشـــأ بـــــن الـــفـــعـــل ونــظــرة الـجـمـهـور. ومـــع ذلـــك افـتـرض غــوفــمــان وجــــود تـــــوازن بـــن الـواجـهـة والـكـوالـيـس، أو بــن مــا هــو مـعـروض عـلـى خشبة املــســرح ومــا خلفها، بي الـظـاهـر واملــخــفــي. هـــذا الـــتـــوازن ليس تـــرفـــا نــفــســيــا، بــــل شـــرطـــا اجــتــمــاعــيــا السـتـمـرار الـعـرض. املنصات الرقمية الــــيــــوم كـــســـرت هـــــذا الــــشــــرط وأزاحــــــت الـسـتـارة الفاصلة بـن خشبة املسرح والكواليس التي خلفها. الواجهة أو خشبة العرض أصبحت حالة دائمة، والـكـوالـيـس انــهــارت وأصـبـحـت جـزءًا مــن الــعــرض فــي إطـــار تـسـريـبـات تــدار بحرفية وإتقان. فـــضـــيـــحـــة جـــيـــفـــري إبـــســـتـــن هـي املـــثـــال الــحــي النــهــيــار الــكــوالــيــس. في قصة إبـسـتـن، الـصـدمـة الـيـوم ليست في الجريمة وحدها، بل في انكشاف شبكة األداء االجتماعي الـراقـي التي حمتها لسنوات. هذا االنكشاف أيضا في عالم اإلنسان الفرط - صوتي تحوّل إلى مادة للفرجة والتسلية الرخيصة: وثـائـق، وأسـمـاء، وصــور، وتسريبات هي املادة الخام لصناع املحتوى. في هـذا السياق الجديد، تتراجع العدالة خـــطـــوة إلــــى الـــــــوراء لـتـفـسـح الــطــريــق ملنطق املـنـصـة، حـيـث يصبح سقوط الكواليس جزءًا من العرض. الــنــمــوذج اآلخــــر إلنــســان الــفــرط - صـــورة والــفــرط - صـوتـي هــو نـمـوذج ال يــنــتــظــر الــفــضــيــحــة، بــــل يـسـتـبـقـهـا بـــالـــعـــرض الــــطــــوعــــي، كـــمـــا فــــي حــالــة عائلة كــارداشــيــان وعـالـم الـبـث الحي وتـــغـــذيـــة الــلــحــظــة بــمــا يـلـيـق بــهــا من فضائح. الكواليس هنا ليست مساحة محجوبة، كما كان املسرح االجتماعي فـــي الــســابــق، بـــل هـــي جــوهــر الـعـرض بـــرمـــتـــه وأســـــــاس الـــعـــ مـــة الــتــجــاريــة للشخصية. الــســوشــيــال مــيــديــا الـــيـــوم تـكـافـئ اإلنـــســـان الـــفـــرط - صــــورة فـــي صيغته املــبــتــذلــة، ولــكــن كـــي نـفـهـم مــغــزى ذلـك وتبعاته نحتاج إلى عدسة الفيلسوف الفرنسي اآلخر بيير بورديو، الذي يرى أن األداء في زمن املنصات ليس تعبيرًا ذاتيا بريئا، بل هو رأسمال رمزي قابل للتحويل إلـى رأسمال فعلي. الصورة هــــي األمــــــــــوال. املـــتـــابـــعـــة، واإلعـــــجـــــاب، واملشاركة، كلها مــوارد لجلب الشهرة واملـــــال. وهــنــا يـظـهـر الـــفـــارق الـحـاسـم: املنصات ال تكافئ العمق، بل تكافئ ما يشبه عرض املسوخ أو «الفريك شو»، عــرض األقــــزام أو مـا يثير، مـا يـصـدِم، مـــا يُــخــتــزل فـــي صــــورة أو مــقــطــع، هو الـــذي يحصد الـ يـكـات واملـتـابـعـة. أما التحليل الـعـمـيـق، والتفكير الـبـطـيء، والـلـغـة املـركـبـة، فــ تـنـاسـب مــع دورة اإلنـسـان الـفـرط - صـوتـي، وال تنسجم مع إيقاع الخوارزميات. اإلنــســان الــفــرط - صـــورة والـفـرط - صوتي ليس إنسانا، بل فكرة تقول إن الشخصية بوصفها عمقا مستقرًا ال يمكن أن تـوجـد خـــارج الــعــرض. ما نراه اليوم هو بشر يتحركون بسرعة ال تسمح بالتأمل، ويُقاسون بقابلية أدائـــهـــم لــ نــتــشــار، ال بــقــدرتــهــم على الفهم. الــــســــيــــاســــة أصــــبــــحــــت مـــنـــافـــســـة على االنـتـبـاه، واالجـتـمـاع تـحـوّل إلى اقــــتــــصــــاد ظـــــهـــــور، واألخــــــــــ ق مـــجـــرد تـــفـــاوض بـــن مـــا هـــو مـقـبـول ومـــا هو مربح. هذا العالم لم يولد مع املنصات الـرقـمـيـة الـــيـــوم، بـــل كُــتــب نـظـريـا منذ زمـــــــن، كــــل مــــا تـــحـــتـــاجـــه هــــو أن تــقــرأ الكالسيكيات فقط. الجديد اليوم هو أن املـــســـرح صــــار كــونــيــا، والـجـمـهـور دائما، والخوارزميات ال تكافئ العمق، واإلنــســان، وربـمـا للمرة األولـــى صار فـــرط - صـوتـيـا. حــــدود لــم نـبـلـغ مـدى تفاهتها بعد... وللحديث بقية. OPINION الرأي 12 Issue 17261 - العدد Monday - 2026/3/2 االثنني المدينة المنورة تعانق مدن المستقبل الضربة االستباقية باب السالم أم الصراع المتحوّل؟ اإلنسان الفرط ــ صوتي وكيل التوزيع وكيل االشتراكات الوكيل اإلعالني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] املركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 املركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى اإلمارات: شركة االمارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 املدينة املنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب األولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية املوجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها املسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة ملحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي باملعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com مأمون فندي فهد بن محمد *البليهشي سام منسى

RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==