الثقافة CULTURE 17 Issue 17260 - العدد Sunday - 2026/3/1 الأحد ترجمة جديدة لمسرحية شكسبير أنجزها محمد عناني «عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور عــــن دار «الــــكــــرمــــة» بـــالـــقـــاهـــرة، صــــدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عـــطـــيـــل»، تـــرجـــمـــة الـــدكـــتـــور مــحــمــد عـنـانـي » والمـلـقـب بــ«شـيـخ المترجمين 2023 - 1939« 130 الـعـرب» نظرا لإسهاماته التي تـجـاوزت كتابا في هذا السياق. يـــشـــيـــر عـــنـــانـــي فـــــي مـــقـــدمـــتـــه الـــنـــقـــديـــة التي يستهل بها ترجمته الكاملة، والمــزودة بــــهــــوامــــش وشـــــــروحـــــــات مـــــع ذكـــــــر الـــقـــائـــمـــة الــتــفــصــيــلــيــة لـــلـــمـــراجـــع والمــــــصــــــادر، إلـــــى أن الـعـمـل ينتمي إلـــى المــســرح الـشـعـري، وطـابـع الــشــعــر هــنــا لا يـقـتـصـر عــلــى ظـــاهـــرة الـنـظـم، بــل يـتـعـداهـا إلـــى صـلـب الـــرؤيـــة الـفـنـيـة التي تستمد قوتها من طاقة الاستعارة بأشكالها التي تتراوح ما بين الصور الجمالية بشتى أنواعها والرمزية، إلى جانب ما يتمتع به فن الشعر من تكثيف في الصياغة والضغط في التعبير، وهــو مـا تـؤكـده خصوصية البناء المسرحي الفريد في «عطيل». ويجمع الدراسون على أن شكسبير قد استقى الحبكة من قصة وردت في مجموعة مـــن مــائــة قـصـة طـويـلـة مـقـسـمـة إلـــى عـشـرات تحمل عنوان «القصص المائة»، ومؤلفها هو جـوفـانـي بـاتـسـتـا جــيــرالــدي تشنثيو، وتقع في العشرة الثالثة، وقد نشرها في البندقية ، كما نُــشـرت في 1566 باللغة الإيطالية عــام من ترجمة 1584 باريس باللغة الفرنسية عام جابريل شـائـوي. ولــم يستطع الباحثون أن يـعـثـروا على ترجمة إنجليزية لها قبل عام ، وربما يكون أحد المترجمين قد أصدر 1753 لها ترجمة معاصرة لشكسبير فاطلع عليها قــبــل نـــفـــاد نــســخــهــا، وربـــمـــا يـــكـــون قـــد أطـلـع عليها بالإيطالية بدليل وجود أصداء لفظية مباشرة في النص لتلك اللغة، وهو ما بينه الكثيرون، أو أن يكون قد قرأها بالفرنسية. تتحدث القصة عـن قـائـد مغربي يتخذ لــنــفــســه زوجــــــة مــــن بـــنـــات مـــديـــنـــة الــبــنــدقــيــة، رغــم مـعـارضـة والـديـهـا واسـمـهـا «دزدمــونــة» ويـعـيـشـان مـعـا زمــنــا طــويــا فــي ســـعـــادة، ثم يقرر مجلس الحكم في البندقية تغيير نظام حامية قبرص وإرسال المغربي «عطيل» قائدا لــهــا، دون تـحـديـد أســبــاب لتغيير الـقـديـمـة. وبـــعـــد مـــعـــارضـــة طــفــيــفــة يــقــبــل المـــغـــربـــي أن تصحبه زوجته؛ فالرحلة يسيرة، والسفينة مأمونة ومتينة البناء. وبـــعـــد الــــوصــــول يـــقـــدم تــشــنــثــيــو ثـــاث شـخـصـيـات أخـــــرى أهــمــهــا «يـــاجـــو» الـشـريـر الـــذي يشغل منصب حـامـل الـعـلـم، ويـقـع في حب «دزدمونة»، ويتمنى الظفر بها، ويحاول بـــشـــتـــى الــــوســــائــــل إغــــــواءهــــــا فــــا يـــجـــد أذنــــا مصغية، فهي تحب المغربي حبا جـارفـا ولا تتصور خيانته مطلقاً، وهنا يتساءل الشرير عن ذلـك ويوحى إليه ذهنه الفاسد بأنها لم تتمنع عليه إلا لأنها تحب ضابطا آخـر هو «كـاسـيـو»، ومـن ثـم يتحول الحب الــذي يكنه لها إلى كراهية مرة. يُقنع ياجو «عطيل» بأن زوجته خائنة، فيصر الأخــيــر عـلـى طـلـب دلـيـل عـيـنـي، ويــرد «ياجو» قائلا إنـه كـان يمكنه تحقيق مطلبه لولا أن الرجل قد فقد منصبه ولم يعد يأتي إلـــــى مـــنـــزل «عـــطـــيـــل»، ومـــــع ذلـــــك فـــهـــو يــعــده بتلبية طلبه بأن يأتي بدليل حاسم. ويتذكر «ياجو» أمر المنديل المغربي النادر الذي أهداه «عـطـيـل» إلــى زوجـتـه ويـسـرقـه يـاجـو بنفسه في أثناء زيارته مع زوجته وابنته الصغيرة لــــ«دزدمـــونـــة»، ويـرمـيـه فــي مـنـزل «كـاسـيـو»؛ تمهيدا لاتهام الزوجة الغافلة البريئة بأنها أهدته ذلك المنديل. يـنـاقـش «عــطــيــل» مــع «يـــاجـــو» أمـــر قتل زوجته والرجل الذي يتهمه بالخيانة معها، ويـــقـــرر مـــن ثـــم تـكـلـيـف الــشــريــر بـقـتـل الــرجــل وفعلا يفاجئه «ياجو» ذات ليلة وهو خارج مـن منزل فتاة ليل، ويعاجله بضربة تكسر ساقه ولكن «كاسيو» يتحامل بشجاعة على نـفـسـه ويـنـهـض لــلــدفــاع شـــاهـــرا سـيـفـه فيفر «يــاجــو» فـي ظــام الـلـيـل، ويصيح «كاسيو» طالبا للنجدة، ويهتف قائلاً: «لقد قُتلت»، ثم يعود «ياجو» وسط الظلام ويواجه بالشرطة التي هرعت إلى مكان الحادث. تعلم «دزدمـــونـــة» بـمـا حــل بــــ« كاسيو» فتحزن حزنا عميقاً، ويــرى «عطيل» أن ذلك دليل لا يقبل الشك على خيانتها، ويدبر له حـامـل العلم أمــر قتلها، بحيث لا يتهم أحد بارتكاب الجريمة، ويتفقان على أن يضرباها حــتــى المـــــوت بـــجـــورب مــمــلــوء بـــالـــرمـــال، وأن يــســقــطــا ســـقـــف الـــغـــرفـــة الـــخـــشـــبـــي المــتــهــالــك عليها؛ حتى يبدو الحادث كأنه قضاء وقدر، وينجحان في تحقيق ذلك، ويعتري المغربي حـــزن شــديــد عـلـى زوجـــتـــه، وكــراهــيــة عميقة لحامل العلم، لكنه لا يجرؤ على قتله فيفصله من منصبه. هـنـا يـدبـر «يــاجــو» خـطـة لقتل المغربي فيقنع «كاسيو» بالعودة معه إلـى البندقية ويقول له إن «عطيل» هو الذي ضربه بالسيف فكسر سـاقـه بــدافــع الـغـيـرة، ثــم قـتـل زوجـتـه، ويـــتـــقـــدم «كـــاســـيـــو» بــالــشــكــوى إلــــى مجلس الـحـكـم، ويُــسـتـدعـي «يــاجــو» شــاهــداً، ويـؤيـد كـل مـا ذهــب إلـيـه فـي دعـــواه، وتلقي الشرطة القبض على المغربي وتعيده إلـى البندقية، حيث يتعرض للتعذيب حتى يعترف، لكنه يـصـر عـلـى الإنـــكـــار، فـيـصـدر المـجـلـس الحكم بالنفي المؤبد عليه، ولكن أســرة «دزدمـونـة» تقتله، ويــواصــل حـامـل العلم «يــاجــو» حياة الـــشـــر فــيــكــون لـــه المـــزيـــد مـــن الــضــحــايــا، لكن يُقبض عليه فـي نهاية الأمـــر، ويــعــذّب حتى الموت. ويشير الدكتور عناني إلى أن الانهيار السريع الـذي يتسبب في النهاية المفجعة لا تبرره على المستوى الواقعي المحض نظرتنا إلــــى المــســرحــيــة بـوصـفـهـا مـــأســـاة زوج يـغـار أو يـــشـــك فــــي زوجــــتــــه أو حـــتـــى مــــأســــاة بـطـل جندي مغوار وشاعر يمثل صـورة «العاشق المــحــارب» الـتـي ورثـتـهـا أوروبــــا مـن العصور الوسطى. والفكرة هنا أن «ياجو» يشارك «عطيل» عـــدم انـتـمـائـه طبقيا إلـــى البندقية بوصفها دولة غنية تعتمد على التجارة وثراء الأعيان من ذوي الحسب والنسب، فضلا عن امتياز البحارة المقاتلين أو الأفذاذ في صنعة الحرب من القادة والأعلام. و«ياجو» لا يتمتع بالثراء ولا الحسب والنسب، ولا هو من السادة، ولا يأمل حقا في أن ينافس ابـن المجتمع الراقي «كاسيو» الذي تلقى التعليم، ويتمتع بمزايا الأعــــيــــان مـــن ذوي الــشــعــر المــــهــــدل، ويـحـظـى بإعجاب بنات الطبقة الراقية، ويعرف موقعه فـي السلم الاجـتـمـاعـي فهو يـغـار غـيـرة حقد وحسد من «كاسيو» أولاً، ومن «عطيل» ثانياً. القاهرة: رشا أحمد سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا فــــي كـــتـــابـــه «ســــيــــرة الــــنــــور والـــصـــمـــت – مــصــر والـقـطـيـعـة الـــحـــضـــاريـــة»، الــصــادر عـن الهيئة المـصـريـة الـعـامـة للكتاب، يبدي الـــكـــاتـــب والــــبــــاحــــث المــــصــــري مـــحـــســـن عـبـد العزيز اهتماما خاصا بتجربة الفيلسوفة المـــصـــريـــة الـــقـــديـــمـــة هــيــبــاتــيــا بـــعـــدّهـــا رمــــزا تـاريـخـيـا فــريــدا مــن نــوعــه، لكنه لــم يـنـل ما يستحق مــن الـشـهـرة أو الـــذيـــوع رغـــم عمق المعاني التي يتضمنها. كــانــت فـاتـنـة الــجــمــال، راجـــحـــة الـعـقـل، جـامـحـة الــخــيــال، نـهـلـت مــن الـفـكـر المـصـري ونزعته الصوفية وكانت من أكثر المعبرين عنه، كما قال عنها المؤرخ الأميركي الشهير ول ديـــــورانـــــت، إنـــهـــا بـــــزت جــمــيــع فـاسـفـة زمـانـهـا، ولمـــا عُــيـنـت أســتــاذة للفلسفة هـرع لـسـمـاعـهـا عـــدد كـبـيـر مـــن الـــنـــاس مـــن شتى الأقطار. وقد بلغ من حبها للفلسفة أنها كانت تقف في الشوارع تشرح لكل من يسألها عن النقاط الصعبة في كتب أفلاطون وأرسطو ما أكسبها احترام الناس. م وكان أبوها «ثينون» 370 ولدت عام فيلسوفا عمل بالفلسفة والجبر والهندسة، ثــم مــديــرا لمكتبة الإســكــنــدريــة، أخــــذت عنه حــــب الــتــفــكــيــر والـــفـــلـــك والـــريـــاضـــيـــات كـمـا دربـهـا على الخطابة والــتــدريــس، وعندما كـــتـــب شــــرحــــا لـــكـــتـــاب بـــطـــلـــيـــمـــوس اعـــتـــرف بالدور الذي قامت به في تأليفه، كما كانت أبحاثها تشمل الفلك والـريـاضـة وصنعت أجهزة لتقطير المياه وقياس منسوبها، كما صنعت «إسـطـرلاب» وجهازا لقياس كثافة السوائل. وفـــى الـثـاثـن مــن عـمـرهـا صـــدر الأمــر الإمــبــراطــوري بتعيينها أســتــاذة بالمكتبة، وغدت فيلسوفة من أتباع أفلاطون وتزعمت مدرسة «الأفلاطونية الجديدة» ذات النزعة الـــصـــوفـــيـــة، وكــــانــــت بــعــثــا لــلــفــكــر المـــصـــري القديم، تميزت به مدرسة الإسكندرية منذ الـقـرن الـثـالـث قبل المــيــاد، وازدهــــر على يد أفلوطين كآخر المدارس اليونانية الفلسفية الكبرى. كـــانـــت تـــقـــول إن «مــــن يـــقـــدر عــلــى خلع بدنه وتكسير حواسه ووساوسه وحركاته، يـسـتـطـع الـــرجـــوع إلـــى ذاتــــه والــصــعــود إلـى العالم العقلي، كما أن الامتناع عن الشهوات وعـــدم أكــل الـلـحـوم عـوامـل مـسـاعـدة لصفاء النفس، وعلى الإنسان أن يمارس العبادات لـتـطـهـيـر الــنــفــس والــــزهــــد، فـقـيـمـة الإنـــســـان ليست فــي جـمـال مـامـحـه ولـكـن فــي جمال أخلاقه». عــــدّهــــا المــتــعــصــبــون ديـــنـــيـــا واحـــــــدة مـن ألـد أعدائهم بسبب جمالها وروعـــة منطقها وحــداثــة أفــكــارهــا، فهجموا عليها فــي أثـنـاء عودتها من إلقاء إحدى المحاضرات وأنزلوها من عربتها وجروها إلى منطقة نائية. وهناك جــردوهــا مــن مـابـسـهـا، وأخــــذوا يرجمونها بقطع القرميد حتى قتلوها، بل أكثر من ذلك قطعوا جسدها إربــا، وحـرقـوا بعضه، كانوا يفعلون كل ذلك بمرح وحشي شنيع لتذهب أسطورة هيباتيا ضحية للصراع بين الفكر والــعــلــم مـــن نــاحــيــة، والــتــعــصــب الــديــنــي من سنة. 45 ناحية أخرى وعمرها لم يعاقب الجناة على فعلتهم البشعة واكتفى الإمبراطور بتقييد حرية المتطرفين فـــي الـــظـــهـــور أمـــــام الــجــمــاهــيــر، مـــع حــرمــان الـــوثـــنـــيـــن مــــن المــــنــــاصــــب الــــعــــامــــة، وأغـــلـــق المعابد والمــــدارس لتنطفئ شعلة العلم في الإســكــنــدريــة ويـنـطـفـئ دورهـــــا الــحــضــاري، ويرحل أساتذتها إلى أثينا خوفا من مصير هيباتيا. القاهرة: «الشرق الأوسط» الشعر مكان لكل تنوعات الخبرة الإنسانية اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟ الشعر في رأي كثيرين تـاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه الـعـلـيـا، يجمع بــن عـمـق الـفـكـر وحيوية الـــــــصـــــــور الــــحــــســــيــــة ودرجـــــــــــــــات الـــســـلـــم الموسيقي. وهو يخاطب العقل والوجدان والـــــحـــــواس صــــاهــــرا إيــــاهــــا فــــي سـبـيـكـة واحدة محملة بالدلالات والإيحاءات. لـــكـــن الـــكـــتـــاب الـــــــذي نـــتـــوقـــف عــنــده هـنـا يــطــرح ســـــؤالاً؛ هـــل الـشـعـر مقصور على الأفكار العالية والعواطف السامية واللغة الجليلة؟ ويجيب؛ إن فيه مكانا لــلــثــقــافــة الــشــعــبــيــة والمــصــطــلــح الــعــامــي ضاربا أمثلة لذلك من الشعر الإنجليزي في مختلف عصوره. إنــــــــه كـــــتـــــاب «مــــهــــنــــة ســـــامـــــيـــــة»، أو «رســـالـــة ســـامـــيـــة»، أو «مــــن أيــــن تحصل A High Calling? Or:( »؟ عــلــى أفــــكــــارك ?) من where do you get your ideas from )John Greening( تـألـيـف جـــون غريننغ وقــــد صــــدرت مــنــه طـبـعـة ورقـــيـــة الــغــاف Renard( » عن دار النشر «مطبعة رينارد صفحة. 224 ) في Pressing نـــحـــن هـــنـــا نـــبـــحـــر مـــــع المـــــؤلـــــف فـي عـــوالـــم شــعــريــة شـــتـــى، قــديــمــا وحــديــثــا، مـع الإشــــارة إلــى الــروابــط بـن فـن الشعر وفـــن المـوسـيـقـى. فـقـد كـــان المــؤلــف مولعا بالموسيقى الكلاسيكية، خـاصـة أعمال المــــــؤلــــــف المــــوســــيــــقــــي الــــفــــنــــلــــنــــدي جــــان سيبليوس صاحب القصيد السيمفوني ). ويــقــول غريننغ عن 1900( » «فـنـلـنـديـا سيبليوس: «لقد كــان سعيدا بــأن ينتج مـــنـــمـــنـــمـــات شــعــبــيــة (أعــــــمــــــالا صـــغـــيـــرة) إلــــــى جــــانــــب روائـــــعـــــه المـــتـــمـــيـــزة بـــالـــقـــوة والـــحـــدة والـــكـــثـــافـــة». ويــخــصــص نصف الفصل المعنون «العبقرية» للحديث عن موسيقيين. ويـلـخـص غريننغ وجـهـة نـظـره في قـــولـــه: «تـسـتـطـيـع الــعــبــقــريــات الــحــقــة أن تتغنى علوا وسفلاً». ويضرب مثلا لذلك شكسبير الـــذي جمع بـن الـجـد والـهـزل، والفكر العميق والتهريج الرخيص: «لقد كانت عظمته تتجلى أكثر ما تتجلى حين بدأ؛ العالي والواطئ يندمجان لديه، كما في شخصية الملك لير ومهرجه». - 1605( » فـــفـــي مــــأســــاة «المــــلــــك لـــيـــر ) نـجـد أن المــلــك الــعــجــوز، وقـــد دب 1604 إليه الخرف، يرتكب غلطة مأسوية حين يتنازل عن عرشه وكـل سلطاته لابنتيه جــونــريــل وريـــجـــان، غـــافـــا عـمـا تنطوي عليه نفساهما مـن شـر وقـسـوة، ويحرم مـــن المـــيـــراث ابـنـتـه الــصــغــرى كـورديـلـيـا، وهـــــى الـــــبـــــارة بـــأبـــيـــهـــا حـــقـــا، لأنـــهـــا أبـــت أن تـجـامـلـه بـمـعـسـول الـــقـــول كـمـا فعلت أخـتـاهـا المـنـافـقـتـان. وتنتهى المسرحية بـمـصـرع كـورديـلـيـا والـبـهـلـول (مضحك الملك أو مهرج البلاط) فينطق لير بهذه الكلمات: «ومضحكي المسكين قد شنق. ليس، ليس، ليس من حياة؟ لِـــــم تـــكـــون لــلــكــاب والــــجــــواد والـــفـــأر حياة وأنت بلا أنفاس البتة؟ لن تفيق مرة أخرى. هـــيـــهـــات هـــيـــهـــات هـــيـــهـــات هــيــهــات هيهات أرجـــوكـــم حـــلّـــوا هــــذا الـــــزر. شـــكـــرا يا سيدي». إن الـــــلـــــغـــــة فـــــــي هـــــــــذه الانــــــفــــــجــــــارة الانــفــعــالــيــة لــغــة بــسـيـطـة تــخــلــو مــــن أي صـور شعرية بعيدة المـنـال. فهي تعبير تلقائي، في لحظة صـادمـة، لا يلجأ إلى الـتـفـنـن والإغــــــراب. الــحــيــوانــات المــذكــورة هـــنـــا (الــــكــــلــــب والــــــجــــــواد والــــــفــــــأر) كـلـهـا حـيـوانـات مـألـوفـة وليست كالحيوانات الأسطورية (عنقاء مغرب أو طائر الرخ أو الــــجــــواد بـــجـــاســـوس الــــــذي يــطــيــر أو القنطور الذي يجمع بين رأس رجل وبدن جــــواد). ويـتـكـرر حـــرف الـنـفـي ذو المقطع ). كما تتكرر كلمة «هيهات» no( الواحد مـرات وهى من أشيع الكلمات 5 )never( في الحديث اليومي. مثل آخر يضربه المؤلف هو شعر ت. س. إليوت في قصيدته «الأرض الخراب» )، خاصة الحركة الثانية المعنونة 1922( «مباراة شطرنج». فمسرح القصيدة هنا )pubs( مـــشـــرب مـــن المـــشـــارب الــرخــيــصــة الـتـي تعج بها مدينة لـنـدن وغـيـرهـا من المـــدن والــبــلــدات والــقــرى الـبـريـطـانـيـة. إن المتكلم يتحدث إلى امرأة تدعى ليل، سرّح زوجـــهـــا مـــن الـــجـــيـــش، وهــــو الآن بـصـدد العودة إلى بيته. وينصحها المتكلم بأن تعنى بمظهرها، وأن تركب «طقم أسنان» جديدا حتى تحلو في عيني زوجها الذي أعـــــوام فـــي الــخــدمــة الـعـسـكـريـة، 4 قـضـى وهـو الآن يتطلع إلـى قضاء وقـت ممتع. ويحذرها المتكلم أنها إن لم توفر لزوجها هـــذا الــوقــت فسيبحث عــن امــــرأة غيرها تلبي حاجاته. والمصطلح اللفظي الذي يستخدمه إليوت هنا، بعكس سبحاته الشعرية العالية فـي مـواضـع أخـــرى من الـقـصـيـدة، مصطلح عـامـي دارج يعكس بـــيـــئـــة مــــتــــواضــــعــــة وحـــــظـــــا ضــــئــــيــــا مــن التعليم. ونـجـد إشـــارات إلــى ظـواهـر من الحياة المـعـاصـرة كـأقـراص منع الحمل، وما يمكن أن يكون لها من أثر في صحة المرأة: «قــــــالــــــت هــــــي تــــلــــك الأقــــــــــــراص الـــتـــي تناولتها لأجهض طفلي (كانت أما لخمسة أطفال وقد كادت تموت يوم ولادة جورج الصغير) وقـد زعـم الصيدلي أنـي لـن ألبث أن أعود إلى حالتي الطبيعية ولكنى ما عدت قط كما كنت». مــثــال ثــالــث لـلـشـعـر الــــذي يــدنــو من لــغــة الــحــيــاة الــيــومــيــة هـــو و. هـــــ. أودن، الذي يصفه المؤلف بأنه «يذكرنا بالمجال المـــتـــاح أمـــــام شـــاعـــر ذي عـــبـــقـــريـــة». ففي قصيدته المسماة «سأحصل على وظيفة» ) نقرأ: 1932( «سأحصل على وظيفة في مصنع سأعيش مع الأولاد العمال سـألاعـبـهـم لـعـبـة لــوحــة الـسـهـام في المشرب العام سأشاركهم أحزانهم وأفراحهم ولن أعيش في عالم ولى زمنه». ويــــؤكــــد غــريــنــنــغ أن الـــشـــعـــر يـمـكـن أن يـــجـــد جـــمـــهـــورا مــهــمــا جـــــاء مـخـالــفــا للتصورات التقليدية بما يجب أن يكون عليه من سمو وجـال: «يستطيع الشعر أن يجد سوقا خاصة عندما يشتمل على قـصـة إنـسـانـيـة قــويــة أو يـعـبـر عــن فكرة مستحوذة على الأذهان، وأحيانا بفضل كلماته الفعلية». ومسيرة الشعر منذ النصف الثاني مــــن الــــقــــرن الـــعـــشـــريـــن حـــتـــى يـــومـــنـــا هـــذا (عـنـدنـا كما عند غـيـرنـا) تشهد بصواب نـــظـــرة غــريــنــنــغ (وهــــــو ذاتــــــه شـــاعـــر إلـــى جـــــــوار كــــونــــه نـــــاقـــــداً). فـــنـــحـــن حــــن نــقــرأ قصائد شاعر معاصر كالشاعر اليوناني يانيس رتسوس مثلا (ترجم رفعت سلام قـصـائـده إلـــى الـعـربـيـة) نـجـده يستوحي مـــفـــردات الـحـيـاة الـيـومـيـة ويــنــأى عــن أي إغـــراب. وكذلك الشأن مع محمد الماغوط في قصائد نثره، كما أوضح دانيل بيهار فـي كتابه «الـشـعـراء الـسـوريـون وحـداثـة اللغة المـحـكـيـة»، أو صــاح عبد الصبور الـذي يحدثنا أنه رتق نعله وشـرب شايا في الطريق ولعب دور نرد أو دوريــن، أو أحمد عبد المعطي حجازي الذي يتحدث بـصـوت بـائـع لـيـمـون: «الــعــشــرون بقرش - بـالـقـرش الــواحــد عــشــرون». ويبلغ هذا الاســـتـــخـــدام لـلـغـة الــحــيــاة الـيـومـيـة أبـعـد نـقـطـة لـــه فـــي شـعـر الـعـامـيـة المــنــحــدر من ابن عروس إلى فؤاد حداد، وعبد الرحمن الأبـنـودي، وصـاح جاهين، مــرورا ببيرم الـــتـــونـــســـي. إن الــبــســاطــة لــيــســت نقيض الـعـمـق. وفـــي الـشـعـر مـكـان لـكـل تنوعات الخبرة الإنسانية من أعلاها إلى أدناها. د. ماهر شفيق فريد محمد الماغوط ت. س. إليوت يستطيع الشعر أن يجد سوقا خاصة عندما يشتمل على قصة وفكرة قويتين، وأحيانا بفضل كلماته الفعلية مشهد من مسرحية» عطيل» على مسرح رويال هيماركت اللندني ، بإخراج توم موريس
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky