لـــم تــكــن الانـــتـــخـــابـــات الــفــرعــيــة، الــخــمــيــس، مـجـرد خــســارة «الــعــمــال» فــي دائــــرة احـتـكـروهـا لأكـثـر مــن قــرن، بل شكلت مؤشرا إضافيا على تصدع أعمق في المشهد الـــســـيـــاســـي الـــبـــريـــطـــانـــي. الـــــدائـــــرة خــــرجــــت عــــن المـــســـار التقليدي، بفوز حزب «الخضر» في اختراق هو الأول من نوعه على هذا المستوى. والأخـطـر أن الأحـــزاب الثلاثة التقليدية -«العمال» و«المـــحـــافـــظـــون»، و«الــديــمــقــراطــيــون الأحـــــــرار»- حصلت فــي المــائــة مــن الأصـــــوات، مـمـا يعكس 29 مجتمعة عـلـى استمرار تآكل الثقة في المنظومة الحزبية التقليدية منذ .2016 استفتاء «بريكست» في المفارقة أن مرشحة «الخضر» الفائزة، التي تعمل سبَّاكة محلية من الطبقة العاملة، ركزت في خطابها على أولــويــات هــذه الطبقة؛ كـالـخـدمـات، ومـسـتـوى المعيشة، و«جعل العمل مجزياً»؛ غير أن الطبقة العاملة البيضاء نفسها لم تمنحها أصواتها بل منحتها لحزب «ريفورم»، 28.7 (الإصــــاح)، الــذي جـاء فـي المرتبة الثانية (بنسبة فـي المـائـة الـتـي تـفـوق مـا نـالـه «الـعـمـال» و«المـحـافـظـون» مـــعـــا)، بــتــركــيــزه عــلــى الاقـــتـــصـــاد والـــوظـــائـــف والــهــجــرة التي ربطها بتراجع الخدمات، وهنا يظهر التباين بين الرمز والتصويت: فتمثيل الخلفية الاجتماعية لا يعني بالضرورة استعادة القاعدة الاجتماعية نفسها. التصويت يحمل رسالة سياسية مباشرة إلى زعيم «العمال» كير ستارمر، الــذي ركّــز خطابه على مواجهة صــعــود «ريـــفـــورم» الـيـمـيـنـي، مـمـا جـعـلـه يُــغـفـل الـجـنـاح الأيسر داخـل قاعدته الانتخابية التقليدية، فترك فراغا استثمره «الخضر» بخبث واضح. زعامة ستارمر تواجه التحديات؛ فكل أسبوع يبدو أسوأ من سابقه: تراجع في الشعبية، وانتقادات داخلية، والحزب يخسر من جهتين -من اليمين عبر «ريفورم»، ومن اليسار عبر «الخضر»، وسـتـارمـر يسير على حبل مـشـدود فـي مـحـاولـة تــوازن تحالف انتخابي متباين. لكن هناك إشارات مقلقة في التحولات داخل شرائح معينة مثل الناخبين المسلمين والشباب. «الخضر» قسَّم الرسائل لغويا حسب الجمهور المستهدف. منشوراته بــــــالأورديــــــة والـــبـــنـــجـــابـــيـــة ركـــــــزت عـــلـــى قـــضـــايـــا تـخـص المسلمين في الهند، وعلى ما يجري في غزة، في خطاب يستنهض مشاعر التضامن الـديـنـي والـهـويـة العابرة للحدود. وخصص منشورات باللغة الإنجليزية للشباب والــلــيــبــرالــيــن الـــبـــيـــض، ركـــــزت عــلــى الــبــيــئــة، والـــعـــدالـــة الاجتماعية، وانتقاد سياسات «العمال» و«المحافظين» في الشرق الأوسط من منظور حقوقي عام. الـتـمـايـز يـثـيـر تـــســـاؤلات جــوهــريــة حـــول المـشـاركـة السياسية. فمخاطبة شرائح ديمغرافية حصرا بلغات غـــيـــر الـــلـــغـــة الـــوطـــنـــيـــة، وبـــقـــضـــايـــا خـــارجـــيـــة، قــــد تــعــزز الانعزال السياسي والثقافي. فذلك يتجاوز «الترجمة»، إلـى بناء فضاء نقاشي مـــوازٍ، قد لا يتقاطع مع الحوار الوطني الأوسع حول التعليم، والسياسات الاجتماعية، والتشريعات التي تمس الحياة اليومية. وهنا تكمن الإشكالية الأعمق. فبعض السياسات المـــركـــزيـــة الـــتـــي يـتـبـنـاهـا حــــزب «الـــخـــضـــر» -مـــثـــل تقنين بـــيـــع وتـــعـــاطـــي المــــــخــــــدرات، وتـــوســـيـــع نــــطــــاق الــتــعــلــيــم المتعلق بالهوية والجندرية والمثلية في المــدارس- تمثل رؤيـــة اجـتـمـاعـيـة تـتـعـارض بــوضــوح مــع الـقـيـم الدينية والاجـــتـــمـــاعـــيـــة لــــدى قـــطـــاعـــات مـــن الــنــاخــبــن المـسـلـمـن الذين صـوّتـوا لـه. وقـد يكون الـدافـع الغضب من قضايا خـارجـيـة. لكن التصويت على أســـاس قضية واحـــدة لا يُلغي التناقضات البنيوية بين برنامج الحزب السياسي وقيم الناخبين الذين منحوه أصواتهم. الاحـــتـــمـــال الأكــــثــــر إثـــــــارة لــلــقــلــق أن عـــــدم مـتـابـعـة ناخبين للنقاش الوطني باللغة الإنجليزية يحرمهم من الاطـاع بالكامل على مجمل السياسات الداخلية التي سيترتب عليها أثر مباشر في حياة أبنائهم. فالأبناء يتلقون تعليمهم في المـــدارس البريطانية، ويتفاعلون يـومـيـا مـــع بـيـئـة ثـقـافـيـة وإعــامــيــة مـخـتـلـفـة. وإذا كـان التصويت قـد تـم بـدافـع التضامن مـع قضية خارجية، فإن نتائجه ستتجلى في المناهج والقوانين والسياسات الاجتماعية. هــذا يـطـرح ســـؤالا أكـبـر. فالديمقراطية تـقـوم على نقاش مشترك من الوعي بقضايا تحدد مسار المجتمع. وعـنـدمـا تتشكل جــزر مـعـزولـة لغويا وثقافياً، يتجاوز الــخــطــر مـــجـــرد ســــوء الاخـــتـــيـــار الانــتــخــابــي إلــــى اتــســاع الفجوة بين مكونات المجتمع. فـي المحصلة، تكشف هــذه الانـتـخـابـات عـن مشهد سـيـاسـي مُــتَــشَــظٍّ: «ريـــفـــورم» يستقطب الطبقة العاملة الـــبـــيـــضـــاء، و«خـــــضـــــر» يـــخـــتـــرقـــون مــــن بــــوابــــة الـــهـــويـــة والـقـضـايـا الــدولــيــة، و«عـــمـــال» يـخـسـرون مــن الـطـرفـن، و«مـــحـــافـــظـــون» يُـــهـــمَّـــشـــون. وحـــصـــول الأحــــــزاب الـثـاثـة التقليدية مجتمعة على أقل من ثلث الأصوات، يشير إلى تآكل الثقة بالمنظومة الحزبية التي حكمت البلاد لعقود. ليست مجرد خـسـارة مقعد، بـل علامة على إعـادة رسم الخريطة السياسية. ستارمر يجد نفسه محاصرا بين يمين يصعد ويسار يتمدد، فيما يتآكل الوسط الذي يعتقد أنه قاعدته الآمنة. ومع تكرار الانتكاسات وازدياد التململ داخـل حزبه، يتحول التراجع في الشعبية إلى اختبار فعلي لصلابة قيادته. فـــــــإذا اســـتـــمـــر الـــنـــزيـــف مــــن الـــجـــانـــبـــن، وتـــحـــولـــت الانـتـخـابـات الـفـرعـيـة إلـــى نـمـط يـتـكـرر، فـــإن الـــســـؤال لن يكون فقط: إلى أين تتجه السياسة البريطانية؟ بل عمّا إذا كانت قيادة ستارمر نفسها ستصمد طويلا أمام هذا الضغط المتصاعد. Issue 17260 - العدد Sunday - 2026/3/1 الأحد لا نستطيع أن نــعــرف كــم أمـضـى أنــيــس فـريـحـة مــن الــوقــت فــي دراســــة الماجستير فــي جـامـعـة شـيـكـاغـو بـأمـيـركـا، ولا كــم أمــضَــى مــن الــوقــت لاسـتـكـمـال هـــذه الـــدراســـة في جامعة توبنغن بألمانيا وفي جامعة غراتس بالنمسا. ولا في أي عـام ذهـب إلى أميركا لدراسة الماجستير وما تاريخ حصولِه عليها، ولا في أي عام ذهب إلى ألمانيا والنمسا لاستكمالها، ولا في أي عـام عـاد إلـى جامعة شيكاغو للحصول على درجـة الدكتوراه، ولا في أي عام حصل عليها، ولا في أي عام عاد إلى لبنان. لا نستطيع أن نعرف ذلك كلَّه أو بعضه، لا من خلال سيرته الذاتية (قبل أن أنسى)، ولا من خلال سجلّه الجامعي في الجامعة الأميركية ببيروت، ولا من خلال كتاب ترجم له ترجمة جزئية أو شاملةً. يقول المؤرخ اللبناني إلياس قطار في الجزء الأول من كتابه «مؤرخون من لبنان»، ، فــي تـرجـمـتـه لأنـيـس فـريـحـة: «كـــان منتميا إلـــى جمعية الأصـحـاب 1998 الــصــادر عـــام الدينية الإنجليزية (الـفـريـنـدز)». ويقول سجل أنيس فريحة الجامعي: «تلقى تعليمه المبكر في مدرسة برمانا الثانوية على يد الآباء المؤسسين التبشيريين، بعد ذلك التحق بـ (الكويكرز)». أنيس فريحة منذ ولادتـه كان «كويكرزياً»، فأبوه إلياس هو الـذي انتمى والتحق بمذهب «الكويكرز» لا هو. فأنيس فريحة في بيت أبيه وفي مدرسة قريته التي علّمه فيها أبــوه المعلّم إلياس دينه المسيحي، حسب مذهب جماعة «الكويكرز»، نشأ نشأة دينية (كـويـكـرزيـة)، وظــل ملتزما بتعاليمها الدينية، كما يقول هـو عـن نفسه، فـي قصته مع في 1922 العميد نيكولي التي ذكرناها في مقال سابق. ويقول إلياس قطار: «درس في عام الجامعة الأميركية ثم في ألمانيا. والدقيق أنه بعد تخرجه في الجامعة الأميركية ببيروت درس في جامعة شيكاغو وحصل منها على درجة الماجستير. وبعد حصوله على هذه الدرجة من هذه الجامعة ابتعثه مباشرة رئيس الجامعة الأميركية ببيروت بيارد دودج إلى جامعة توبنغن بألمانيا ليتعمق في دراسة اللغات السامية، على يد المستشرق أنُّو لتمن صهر المستشرق الشهير نولدكه. وفي أثناء دراسته في ألمانيا اقترح عليه أستاذه لتمن أن يــزور جامعة غـراتـس فـي النمسا، ليتعرّف على رودو كناكس المتخصص في النقوش اليمنية». من خلال حديث أنيس فريحة عن هذه الزيارة نستشف أن مدتها كانت قصيرة، وقد صرّح بأنه لم يتعلم من هذا المستشرق، اليوناني الأصل، شيئاً. في رأس المتن. عام الولادة 1903 ) ذكر في سجل الجامعة، أنه ولد في سبتمبر (أيلول هنا غير صحيح. وكثير من المواقع اللبنانية المختلفة، تقول بهذا العام الخطأ لولادته. .»1902 أيلول 21 إلياس قطار يقول: «ولد أنيس فريحة في قرية رأس المتن في وهـذا هو التاريخ الصحيح، ليوم وشهر وعـام ميلاده. أقـول بهذا استنادا إلـى ما سجله فريحة في سيرته الذاتية (قبل أن أنسى) عن تاريخ ميلاده: «غير مخيّر صبيحة . وبعد أن بشّر أبي بمولود صبي، سارع إلى 1902 الحادي والعشرين من شهر أيلول، سنة توراة العائلة - وفيها صفحة بيضاء لتدوين الأحداث العظيمة - وسجّل يوم ولادتي. فلم يعد هناك مجال للكذب في حقيقة عمري. وحال هذا التدوين دون إنقاص عمري، عندما بلغت سـن التقاعد، لأستفيد مـن العمل المثمر سنتين أو ثـاثـا، كما فعل ويفعل بعض الناس. التوراة لا تكذب!». ، يـعـرّف عمر 1961 فـي كتاب «القومية الفصحى»، الـصـادر فـي طبعته الأولـــى عـام فروخ بأنيس فريحة، قائلاً: «أنيس الخوري فريحة، أو أنيس فريحة، ولد في قرية رأس ، وتخرج في الجامعة الأميركية في بيروت برتبة بكالوريوس 1902 المتن (لبنان) في عام . وفـي الـعـام التالي نـال شـهـادة أسـتـاذ علوم ثـم إنـه سافر إلـى الـولايـات 1927 علوم عـام .»1935 المتحدة وحصل على شهادة دكتور في الفلسفة في عام . هذه المعلومة غير دقيقة من أكثر من جهة: 1928 يقصد عمر فروخ بالعام التالي عام أولاً، أنه لم ينل شهادة أستاذ علوم من الجامعة الأميركية. وهذه الشهادة تعني في الجامعة الأميركية ببيروت في ذلك التاريخ شهادة الماجستير. هو نال منها فقط شهادة .1927 بكالوريوس علوم في الأدب العربي. وقد يكون نالها - كما ذكر فرّوخ - عام ثانياً، أنـه نـال شهادة الماجستير من جامعة شيكاغو. نالها في رسالة كتبها في اللاهوتي والفيلسوف والطبيب أبي الفرج ابن العبري، المعروف في الغرب باسم «بار - هيبروس». ومن شرحه لطريقة عمله فيها، نعرف أن عمله عليها لم يستغرق وقتا طويلاً. وعليه نستنتج أنه أمضى في جامعة شيكاغو لدراسة الماجستير أقل من سنة. ، الذي أخبر فرّوخ بأن فريحة نال شهادة أستاذ علوم (شهادة 1928 ثالثاً، في عام ماجستير) من الجامعة الأميركية ببيروت، كان فريحة في جامعة توبنغن بألمانيا. يقول فريحة في سيرته الذاتية (قبل أن أنسى) تحت عنوان «أوغاريت: رأس الشمرا»: «في ربيع علق محراث فلّح سوري ببلاطة قبر في رأس الشمرا، شمال اللاذقية، فظن أن 1928 سنة Tubingen قد عثر على كنز من الذهب... في هذه الأثناء، كنت طالبا في جامعة توبنغن من أعمال ألمانيا». مما تجدر الإشــارة إليه هنا في سيرة أنيس فريحة الذاتية المتعلقة بهذا الكشف الأثري الذي نجم عنه بعد التنقيبات والبحوث التعرف إلى اللغة والكتابة الأوغاريتية، أن .1966 له كتابا اسمه «ملاحم وأساطير من أوغاريت – رأس الشمرا» صدر عام عمر فـروخ كان زميلا لأنيس فريحة في كلية الآداب والعلوم بالجامعة الأميركية ) وكان بينهما أصدقاء 1906 ببيروت، وهو يصغره في السن قليلا (فروخ من مواليد عام مشتركون كالشاعر إبراهيم طوقان الذي يجتمعان - على خصومتهما في اللغة والفكر - في الافتتان بشعره، وعلى حبهما ومودتهما لشخصه. عمر فروخ تخرّج في الجامعة ، وأظنه لم يكن دقيقا في معلومته السالفة حول حصول أنيس فريحة 1928 الأميركية عام ، لأنه اعتمد فيها على الذاكرة. 1928 على شهادة أستاذ علوم من الجامعة الأميركية عام قد تلحظون في الاقتباس السابق من كتاب «القومية الفصحى» أن عمر فرّوخ كان يسمي أنيس فريحة بأنيس الخوري فريحة! وفـي كتاب آخـر لـه، وهـو كتاب «شـاعـران معاصران، إبراهيم طوقان وأبــو القاسم ، سماه أيضا بهذه التسمية: أنيس الخوري 1954 الشابي» صادر في طبعته الأولى عام فريحة! وفي هذا الكتاب فتح هامشا إيضاحيا في أسفل الصفحة التي استعمل بها هذه التسمية قــال فـيـه: «فــي الجامعة الأميركية فـي بـيـروت أســتــاذان بـاسـم أنـيـس الـخـوري: الأستاذ أنيس الخوري المقدسي والأستاذ أنيس الخوري فريحة». أنيس الخوري المقدسي الخوري من بداياته في كتابة المقالات وفي تأليف الكتب يستعمل هذا الاسم الثلاثي، أما أنيس فريحة فلم يستعمل اسم الخوري في وسط اسمه ولا مرة واحدة من بداياته في كتابة المقالات وفي تأليف الكتب. فهل استعمل اسم «الخوري» في وسط اسمه في أثناء دراسته الجامعية بالجامعة الأميركية ببيروت في الوثائق الرسمية بالجامعة أو استعمله بين زملائه وأساتذته؟! دعونا نذهب إلى سيرته الذاتية (قبل أن أنسى)، لنفتش فيها عن أبيه «الخوري» أو عن جد من أجداده، كان من طبقة «الخوارنة». نعلم من هذه السيرة أن جدّه الخوري نقولا «آثر أن يعد ابنه للكهنوت ليحل محله !12 في الكنيسة. وكان أبي يحسن القراءة ويعرف مبادئ الحساب حتى جدول الضرب بـ كــان يـعـرف الــتــوراة والإنـجـيـل ويحفظ غيبا سفر المـزامـيـر. وكـــان صـوتـه جميلاً، وأتقن الألحان البيزنطية... أما لماذا عدل والدي عن الكهنوت فلست أدري، ولا هو قال لي... وبعد زواجه بقليل انضم إلى جمعية (الفرندز)، أي الأصحاب، ويعرفون أيضا بـ (الكويكرز)... وعُــن مـدرسـا فـي القرية مـن قبل (الـكـويـكـرز) بـراتـب قــدره ليرتان ذهبيتان، وكــان راتبا محترماً، لأن الأسعار كانت بغرش وبغرشين، وبنصف الغرش!». في مقال من سيرته الذاتية القديمة (اسمع يا رضـا!) كان قد ذكر سبب عدول أبيه عن الكهنوت، إذ قال في هذا المقال: «المجاعة الرهيبة التي وقعت في أثناء الحرب العالمية الأولى صرفت جدك بونجم عن التعليم - أغلقت المدارس في ضيعتنا - وأعادته دباغا كما كان في أيام شبابه الأولى». هذا المقال في سيرته الذاتية القديمة عنوانه «أنيس الدباغ». في هذا المقال حكى عن صنعة الدباغة التي كانت مهنة أبيه، ومهنته حين كان صغيرا في العمر. ففي ضيعته كان - كما يقال - معروفا باسم أنيس الدباغ. المـأمـور بالسمع فـي عـنـوان هــذه السيرة (اسـمـع يـا رضـــا!) هـو ابنه رضــا حـن كان صبياً. يخاطبه في مفتتح هذه المقال كاشفا سبب تسميته برضا، قائلا له: «قبل أن ولدت سماني الشاعر المرحوم إبراهيم طوقان (أبا الرضا) لأنني، كما كان يقول، كنت راضيا عن عيشي، قانعا برزقي، متنازلا عن حقي كي يرضى الناس عني». الشاعر طوقان لقبه بهذا اللقب أيام كانا طالبين في الجامعة الأميركية. أبــــوه إلــيــاس المـكـنـى فــي ضيعته مـنـذ كـــان غـضـا فــي عــمــره بـــ«بــونــجــم» عــلّــم - كما احتسبها هو - نحو ثلاثة أجيال. فأبوه كان دبّاغاً، وإضافة إلى هذه المهنة الأساسية كان معلما للصغار في كنيسة جماعته (الكويكرز) الصغيرة والبسيطة على ما وصفها. جدّه هو الذي كان خوريا أرثوذكسيا (آل فريحة وآل سعد کانتا الأسرتين المسيحيتين في قرية رأس المتن، وكانت مسيحيتهما مسيحية أرثوذكسية) والذي حدّثنا أنه جد في البحث عن اسمه الدنيوي أو العلماني قبل الترهبن، فسأل أباه وأهل ضيعته عنه، فأجابوه أنهم لا يعرفونه إلا باسمه الكهنوتي: الخوري نقولا! أنيس فريحة قبل أن يدعو إلى تيسير النحو، كان قد دعا إلى إحلال العامية محل الفصحى، وكتابتها بالأحرف اللاتينية، زميله عمر فـروخ تناول دعوتيه هاتين بالرد عليهما في كتابه «التبشير والاستعمار» الذي اشترك معه في تأليفه مصطفى الخالدي، وفي كتابه «القومية الفصحى». فـــي «الـتـبـشـيـر والاســـتـــعـــمـــار» الــــذي صـــدر قـبـل بـضـع سـنـن مـــن صــــدور «الـقـومـيـة الفصحى»، وصدر قبل صدور «شاعران معاصران...». كان يسمي أنيس فريحة باسمه الثنائي المشهور: أنيس الخوري فريحة. فلماذا عدل عن هذا الاسم الثنائي إلى اسم ثلاثي هو أنيس الخوري فريحة في «القومية الفصحى» وفي «شاعران معاصران...»؟ هل يريد أن يعلم القارئ العربي المسلم بأنه مسيحي، ويريد أن يعلمه فوق ذلك أن في عائلته «خوريّاً» أو «خوارنة»، أي رجال دين مسيحيين؟! إن القارئ لكتب أنيس فريحة قبل أن يتناول فـرّوخ أراءه في اللغة العربية بالرد، سيعلم أنـه مسيحي مثلما سيعلم الـقـارئ لكتب عمر فـروخ أنـه مسلم، وصاحب اتجاه قومي عروبي - إسلامي. وما نفع هذه المعلومة في حجاج فرّوخ اللغوي القوي والمتين مع أنيس فريحة؟! ففرّوخ يعلم أن فريحة قبل أن يبدأ بإعلان دعوتيه المذكورتين، كان قبله دعا إليهما مصريون مسلمون. وللحديث بقية. علي العميم عادل درويش OPINION الرأي 14 في تعريف عمر فروخ بأنيس فريحة بريطانيا: صعود «الإصلاح» و«الخُضر» يهدد تماسك قيادة ستارمر خـــال الأيــــام القليلة المـاضـيـة، والـعـالـم مـنـشـغِــل وقـــلِـــق جــــراء الــتــوتــر فـــي الـعـاقـات بين إيران وأميركا، متهيئا لأسوأ التوقّعات باحتمال اشتعال نيران حرب جديدة بينهما في أي لحظة، في حالة مواصلة إصرار إيران عـــلـــى الــتــشــبــث بــمــوقــفــهــا ورفــــــض المــطــالــب الأميركية، وبين استمرار التهديد والوعيد مـــن الــجــانــبــن، أنــهــت الـــحـــرب الأوكـــرانـــيـــة - الـــروســـيـــة عــامــهــا الــــرابــــع، ودخــــلــــت عـامـهـا الخامس، من دون ترك انطباع باحتمال قرب انتهائها. تــــقــــديــــرات الـــضـــحـــايـــا مـــــن الـــجـــانـــبـــن، اســـــتـــــنـــــادا إلـــــــى تــــقــــاريــــر مــــنــــشــــورة مــــؤخــــرا عـــن مـــراكـــز أبـــحـــاث غــربــيــة مـتـخـصـصـة في الـــدراســـات الـدفـاعـيـة، قـاربـت على المليونين من الطرفين. خــــــــال الــــــســــــنــــــوات الأربــــــــــــع المــــاضــــيــــة، شـــهـــد الـــعـــالـــم عــــــدة حــــــــروب، آخــــرهــــا نـشـب فـجـأة فــي الـيـومـن المـاضـيـن بــن باكستان وأفـــغـــانـــســـتـــان. أفـــظـــعـــهـــا وأكــــثــــرهــــا دمـــويـــة كانت فـي قطاع غـــزّة. الـحـرب الأخـــرى كانت بـن إيـــران مـن جهة، وإسـرائـيـل وأميركا من جهة أخرى في الصيف الماضي. تلك الحرب عُـــرفـــت بـــاســـم «حـــــرب الاثـــنـــي عــشــر يـــومـــا». قـبـلـهـا نـشـبـت حـــرب بـــن بـاكـسـتـان والـهـنـد وتـــوقـــفـــت بـــوســـاطـــة أمـــيـــركـــيـــة، وأخــــــرى بين باكستان وأفغانستان، وحـرب في الكونغو الـــديـــمـــقـــراطـــيـــة بـــأفـــريـــقـــيـــا. وفــــــي فـــنـــزويـــا بأميركا اللاتينية شهد العالم، لـدى نهاية العام الماضي وبداية العام الجديد، اختطاف رئيس دولــة وزوجــه من حجرة نومهما من القوات الأميركية. حـــــــــدث كـــــــل ذلــــــــــــك، ونــــــــيــــــــران الـــــحـــــرب الأوكرانية - الروسية تلتهب مستعرةً، ولا تبدو في الأفق مؤشرات، حتى الآن، تُفضي إلــــى الــتــكــهــن بــنــهــايــة قــريــبــة مــمــكــنــة. ومــا يــجــري مــن جــــولات تـفـاوضـيـة بــن روسـيـا وأوكــرانــيــا بـوسـاطـة أمـيـركـيـة تـوقـف أمــام عقبة كــأْداء لم يمكن حتى الآن زحزحتها. العقبة ممثلة فــي إقـلـيـم دونـيـتـسـك، شـرق أوكــــــرانــــــيــــــا. تــــشــــتــــرط روســــــيــــــا انـــســـحـــاب أوكـرانـيـا مـن هــذه المنطقة وتسليمها لها مــقــابــل إنـــهـــاء الـــحـــرب. وأوكـــرانـــيـــا تـرفـض الانـــســـحـــاب والــتــســلــيــم مـــدعـــومـــة مـــن دول أوروبـــــــا. وتــشــتــرط فـــي المــقــابــل لأي اتــفــاق ســــام ضــــــرورة حــصــولــهــا عــلــى ضــمــانــات سلام دائم، تقف رادعا ضد مواصلة روسيا الحرب ضدها في المستقبل. جهود الرئيس الأمـيـركـي للتوسط، حتى الآن، تـبـدو غير كافية، حتى لا نقول إنها غير مجدية. وهذا يُفضي إلى استنتاج غير مطمئن باحتمال أن يـــكـــون الــــعــــام الـــخـــامـــس مــــن الــــحــــرب لا يختلف عمّا سبقه من أعوام. الـرئـيـس الأوكـــرانـــي زيلينسكي قـــال في مقابلة مع وسائل إعلام بريطانية مؤخراً، إن جنديا في المتوسط مقابل 167 روسيا تخسر كـــل كـيـلـومـتـر تـتـقـدمـه عــلــى الأرض. وأكــــدت تقارير إعلامية أن سنوات روسيا الأربـع في حربها مع أوكرانيا فاقت في طولها الزمني سنوات حربها مع ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية. وأن تأثيراتها السلبية على الاقتصاد الروسي خصوصا تصدير النفط والغاز بـدأت تبرز آثارها، نتيجة ما تعرَّض له القطاعان من عقوبات غربية، آخرها كان فـــي الأيــــــام الــقــلــيــلــة المـــاضـــيـــة، حـــن أصــــدرت 300 بريطانيا قائمة عقوبات جديدة شملت شــركــة ومــؤســســة روســيــة وغــيــر روســيــة في قطاع النفط والغاز والمال. استمرار الحرب يبعث على قلق حقيقي، والـــخـــوف مــن أن يـتـحـول الــعــام الــخــامــس إلـى بـــوابـــة يــدخــل مـنـهـا الــعــالــم إلـــى نـفـق مـعـتـم لا مَـــخـــرج مـــنـــه، آخـــذيـــن فـــي الاعـــتـــبـــار الــتــوتــرات فـي بـقـاع مختلفة مـن الـعـالـم، أبـرزهـا احتمال اشــتــعــال جــبــهــات أخـــــرى فـــي الـــشـــرق الأوســــط وآسـيـا فـي بحر الـصـن الـجـنـوبـي، مما يضع النظام الدولي برمّته أمام اختبار لا عهد له به منذ نهاية الحرب الكونية الثانية، خصوصا بعد نشر تقارير استخباراتية روسـيـة تتهم بريطانيا وفرنسا بنيّة تزويد أوكرانيا بقنابل نووية قذرة، مصنوعة من نفايات اليورانيوم، كونها أقل ضررا من القنابل النووية. الرئيس الأوكـــــرانـــــي اضـــطـــر إلــــى الـــظـــهـــور فـــي وســائــل الإعلام وتكذيب تلك التقارير. التوقعات تزداد باحتمال لجوء الإدارة الأمـيـركـيـة إلـــى تنفيذ وعـيـدهـا ضــد إيــــران، وتنفيذ ضربة عسكرية خـال الأيــام المقبلة نــتــيــجــة وصــــــول المــــفــــاوضــــات الأخـــــيـــــرة فـي جنيف إلى باب موصد، بسبب رفض إيران -حـــتـــى الآن- الـــقـــبـــول بــالمــطــالــب الأمــيــركــيــة بـالـتـخـلـي عـــن الـــبـــرنـــامـــج الــــنــــووي. وهــنــاك خــشــيــة مـــن تـــداعـــيـــات الـــحـــرب وانــعــكــاســهــا على دول المنطقة، بعد تهديد إيـران بضرب كـل القواعد الأميركية فـي المنطقة فـي حالة تعرضها لهجوم. وســـائـــل الإعــــــام تــتــحــدث عـــن احــتــمــال عقد جـولـة جـديـدة مـن المـفـاوضـات الثلاثية بـن روسـيـا وأوكـرانـيـا والـوسـيـط الأميركي الــشــهــر الـــقـــادم فـــي دولـــــة الإمــــــــارات. وهــنــاك تـقـاريـر إعـامـيـة مـسـرّبـة مــن مــصــادر قريبة من المفاوضات عن إمكانية حدوث ثغرة في الـــجـــدار قـريـبـا تـفـتـح الـطـريـق أمــــام تــنــازلات أوكـــرانـــيـــة مـقـابـل حـصـولـهـا عـلـى ضـمـانـات أمنية من أميركا وأوروبـا. وإذا كان التفاؤل مطلوبا وضـــروريـــا، فـــإن الــحــرص وتـجـارب المــــاضــــي يـــحـــثـــان عـــلـــى الــــحــــذر مــــن الإفــــــراط فـي الـتـفـاؤل، مـا لـم يكن مـدعـومـا ومسنودا بــخــطــوات مـلـمـوسـة عـــل الأرض، نـــأمـــل لها التحقق. جمعة بوكليب عام خامس من الحرب ولا سَلام في الأفق
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky