Issue 17257 - العدد Thursday - 2026/2/26 اخلميس كتب BOOKS 17 محمد البرمي يسائل مفهوم العدل في روايته الجديدة النياشين ال تغني عن الغفران في رواية «األناشيد لآللهة والنياشني للحمقى» للكاتب املصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - ال يبدو البطل، الذي ال يؤمن بعدالة الحياة، قــادرًا على تفكيك مفهوم العدل ذاتــه خــارج منطق السخرية منه، فمنذ عتبة العنوان املحتشد بالرمز واملفارقة، تتبدّى الـروايـة كقراءة في فكرة االعتراف: من يُنشد له؟ ومن يُمنح وسامًا؟ ومــــن يُــقــصــى خــــارج دائـــــرة الــقــيــمــة؟ حيث ال تُـــــوزّع الـنـيـاشـ وفــقــ لــلــعــدل، بـــل وفـقـ ملعادالت النفوذ والسلطة. صـــدرت الـــروايـــة، أخــيــرًا، وفيها يبدو الــبــطــل األربـــعـــيـــنـــي فـــي حـــالـــة مـــن الـتـلـفّــت املستمر إلى الوراء، حيث القرية التي خرج منها إلى العاصمة، وإلـى املاضي بوصفه مساحة فقدت نقاءها مبكرًا بفعل صدمات الفقد املـتـكـررة، وإلـــى املـديـنـة الـتـي تمنحه الـصـعـود الـوظـيـفـي والــطــمــوح الـسـلـطـوي، لكنها تسلبه األمان، لتصبح الحياة «لعبة شـد وجـــذب»؛ حبل يربطه بما كــان، بينما تدفعه السلطة إلى ما صار عليه. ال يــــــــــــبــــــــــــدو الـبـطـل، الـــذي تــدور الــــــروايــــــة بـــلـــســـانـــه، رغـــــم مــــا حــقــقــه مـن مــــــكــــــانــــــة ومـــــــوقـــــــع، قادرًا على التصالح مــــــع تـــــحـــــوّلـــــه؛ كــــأن االعــــــــــتــــــــــراف الــــــــذي ناله لم يكن اعترافًا بـــذاتـــه، بـــل بـصـورة مــــــصــــــقــــــولــــــة عـــــنـــــه، ويـــتـــبـــدّى ذلــــك منذ افــــــتــــــتــــــاح الــــــســــــارد بــجــمــلــة تـأسـيـسـيـة تكشف مـغـزى فعل الكتابة الـــذي يلجأ إلـــــيـــــه حــــــ يــــقــــول: «أنـــــــا أكــــتــــب ألنــنــي لـــــم أســـــامـــــح أبــــــي»، هنا تتخذ الكتابة طــــابــــعــــ اعــــتــــرافــــيــــ مــــــضــــــادًا؛ فـــوصـــيـــة األب له بالنجاة من الفساد تتحوّل إلى هــــــاجــــــس أخـــــاقـــــي يـــــــــطـــــــــارده، بـــيـــنـــمـــا تـــــتـــــحـــــوّل الـــكـــتـــابـــة إلـــى مـحـاولـة نجاة أخـــــــــــــــــرى، أو إلــــــى مــــســــاحــــة يــــفــــاوض فـيـهـا الــحــيــاة الـتـي يـقـول إنـــه يعيشها «لـــــــســـــــد الـــــثـــــغـــــرات وإكمال النواقص». ورطة السارِد يــنــهــض الــــســــرد عـــلـــى حــبــكــة اخــتــفــاء سـيـدة تُــدعــى «شــيــريــن» فــي ظـــرف غامض يتقاطع مع حياة البطل ليقوده إلى سلسلة من الورطات، غير أن السرد ال يكتفي بإدارة لغز االختفاء، بل ينحو إلـى فتح مسارات كشف لدواخل البطل؛ حيث تُعرّي كل ورطة طبقة مـن طبقاته، وكــل تعثر يضعه أمـام السؤال الذي حاول طمسه طويلً: هل كان يسعى إلـــى الـــعـــدالـــة... أو إلـــى نيشاينها؟ «ظـنـنـتـنـي أعــــرف مـــا أريـــــد» كـمـا يــقــول في عبارة تختصر هشاشة يقينه. ومـــــــع تــــصــــاعــــد األحــــــــــــــداث، ال يـــعـــود االختفاء مجرد لغز حائر، بل يتحوّل إلى مـــرآة تجبره على إعـــادة النظر فـي علقته بالسلطة، وباملاضي، وبصورته أمام نفسه قبل اآلخرين. ال تبدو الخريطة العائلية للبطل إطارًا سرديًا نمطيًا، بقدر ما يستدعيها في كشف ذاتي متكرر، فالسرد يُغيّب الزوجة نسبيًا، في مقابل اإلضاءة على صوت البطل الذي يـــجـــد فــــي االنـــفـــصـــال والــــعــــاقــــات الــبــديــلــة محاولة لتعويض اإلحساس برتابة الزواج بدال من مواجهته، فتنقسم ذاته بني بيتني، ليُفكك الـسـرد مفهوم «الـبـيـت» ذاتـــه، الـذي يـبـدو اسـتـعـارة حــاضــرة عـلـى مـــدار النص لحالة عـدم األمـــان األولـــى التي عاشها في طــفــولــتــه؛ لـــعـــدم مـسـامـحـتـه لـــــأب، ولــفــقــد مبكر للم، فيقول: «في كل مرة كنت أحاول االكـــتـــمـــال... نـقـصـت»، وكــــأن الـــروايـــة كلها كتابة عن نقص ال يُرمّم بنياشني «الزواج» أو «االرتقاء» املهني السريع. مسرح المدينة يــــتــــوزّع حـــضـــور الـــبـــطـــل عـــبـــر مـــرآتـــ : «شيرين» و«ربـــاب»، األولــى، التي يبدو لغز اخــتــفــائــهــا مــشــوبــ بــقــلــق وتـــهـــديـــد مـبـاشـر لــه، ترتبط بها عـاقـة معقدة تـتـداخـل فيها الرغبة بالذنب، فل يهدد اختفاؤها موقعه االجتماعي فحسب، بل يخلخل صورته عن نفسه ويكشف هشاشة مواقفه، أما «رباب»، الـتـي يلتقي بها مـصـادفـة بصفتها سائقة «أوبـــــر»، فـتـبـدو حــضــورًا مــضــادًا؛ ال يسعى إلـــى «نــيــشــان» وال يـنـتـظـر اعـــتـــرافـــ ، ويـبـدو تجوالهما عبر شـــوارع القاهرة ليس تنقل في املكان وحسب، لكنه في جوهره تجوال مــواز داخـل تعقيدات حياتهما، كـأن املدينة نفسها تتحول إلى مسرح مراجعة داخلية. فـي حــواراتــه معها، يجد البطل نفسه أمام مرآة أكثر صفاء؛ مرآة ال تعكس صورته املـــصـــقـــولـــة، بــــل تــكــشــف تـــنـــاقـــضـــاتـــه، فـيـمـا يــبــدو تــمــرد «ربـــــــاب»، واخـــتـــيـــارات حياتها غــــــيــــــر الـــــخـــــاضـــــعـــــة ملــــنــــطــــق االمـــــتـــــيـــــاز، تضعه أمـــام أسئلة مــــــلــــــحّــــــة، وتــــدفــــعــــه إلـــــــــــى رؤيــــــــــــــة ذاتــــــــه خــــــــــــارج صــــورتــــهــــا املصطنعة. ويُـــــــــــــســـــــــــــهـــــــــــــم اخـــــــتـــــــيـــــــار الــــــســــــرد بضمير املتكلم في تـــكـــثـــيـــف وقــــــع هـــذه املـراجـعـات الذاتية؛ فـــالـــبـــطـــل ال يـــــروي وقــائــع فـحـسـب، بل يعيد ترتيبها بما يُــرمــم صــورتــه أمــام ذاته، وكأن الرواية، فــــــي جــــــوهــــــرهــــــا، ال تُــــــحــــــاكــــــم الـــســـلـــطـــة أو الـــــــســـــــيـــــــاقـــــــات االجـــــــــتـــــــــمـــــــــاعـــــــــيـــــــــة والــــثــــقــــافــــيــــة بـــقـــدر مـــــا تُــــحــــاكــــم «وهـــــم االكــــــــتــــــــمــــــــال»؛ ذلـــــك الــوهــم الــــذي يجعل اإلنــــــــــســــــــــان يـــطـــلـــب االعـــــــــــــــــتـــــــــــــــــراف مـــــن الــــــــــخــــــــــارج، بـــيـــنـــمـــا جُرحه األول، الغائر فـي أعـمـاقـه، ال يـزال مفتوحًا. عروس النيل فـــــــــــــي مـــــشـــــهـــــد يـسـتـدعـي أســـطـــورة «عــــــروس الـــنـــيـــل»، تقف «ربـــاب» كأنها تعيد كتابة الطقس، بوصفه فعل تحرريًا، فقفزها في النيل ال يأتي تهورًا كما يتعامل معه البطل بسخرية مبطّنة، بل يبدو محاولة ملواجهة املاء بعدّه عنصر البدء واملحو والتجدد. غــيــر أن املـــفـــارقـــة تـكـمـن فـــي أن الـبـطـل ذاتــــــه، وهــــو عــلــى حـــافـــة حـــيـــاتـــه، يـسـتـدعـي الطقس نفسه، ال بعدّه مشهدًا أسطوريًا، بل بعدّه سؤاال أخلقيًا يواجه الذنب والغضب املتراكم منذ الطفولة، هنا تتقاطع األسطورة مع السرد، ويتحوّل النيل من خلفية مكانية إلـى رمــز دائــري يُعيد الـروايـة إلـى بدايتها؛ فاملشهد الذي افتُتحت به «أنا أكتب ألنني لم أسامح أبي» يجد صداه في لحظة التطهير املــؤجَّــل، وكــأن النهاية ال تُغلق الـقـوس، بل تعيده إلى موضعه األول. ولــعــل اخــتــيــار الــكــاتــب تـقـسـيـم الــســرد إلــــى فـــصـــول قــصــيــرة بــعــنــاويــن دالـــــة مـثـل: «الـــورطـــة»، «الـلـعـبـة»، «الـــرهـــان»، «الــزحــام»، «الــخــطــر»، «املـــصـــادفـــة»، «الـــخـــاص»، ليس مجرد تنظيم شكلي، بل بنية رمزية ملسار السقوط نفسه، فالحياة تبدأ لعبةً، تتحول رهنًا، وتنزلق إلى الخطر، وتحرر قليل عبر مصادفة، ثم تبحث أخيرًا عن خلص، وهي بـنـيـة تُــحــاكــي الـخـطـأ الـكـبـيـر الــــذي يتفتت إلـى خطايا صغيرة، في مسار يبدو وكأنه اســتــيــعــاب تـــدريـــجـــي لــلــحــمــاقــة؛ ال حـمـاقـة اآلخــــريــــن، بـــل حــمــاقــة الــــــذات حـــ تــظــن أن النيشان يُغني عن الغفران. القاهرة: منى أبو النصر قصور فادح في التوفيق بين ادعاءاتها الليبرالية وتاريخها االستعماري حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا في خضم التحوالت الجيوسياسية املتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصــــوات غـربـيّــة تــهــوّل مــن فكرة «أفـول أوروبـــا»؛ إذ يقف العالم اليوم على املحك أمــام مشاهد توحي بتصدع أسس الــــدولــــة الـــقـــومـــيـــة الـــحـــديـــثـــة؛ تـــلـــك الـــدولـــة الــتــي شـكـلـت تــاريــخــيــ حــجــر الــــزاويــــة في املشهد السياسي العاملي، ومصدر إلهام للتنظيم املجتمعي. يكفي إمــعــان النظر قليل للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلــــــى بــــــؤر تـــعـــكـــس أزمـــــــة هــــويــــة وجــــوديــــة تعتصر الـوجـدان األوروبــــي. املُــهـاجـر، في هـــذا الــســيــاق املــعــقــد، يـقـف كـــمـــرآة كاشفة لتناقضات أوروبـــــا، وعـــرض دقـيـق ألزمــة بنيوية متأصلة في قلب القارة. األصـــوات املـهـوّلـة تعزو فـي خطابها الـسـائـد أزمــــة الـــقـــارة الـحـالـيـة إلـــى إخـفـاق املهاجرين املسلمني في االندماج والذوبان فـي البوتقة الغربية. لكن قـــراءة تفكيكية لــلــواقــع تــبــرز انــهــيــار الــنــمــوذج األوروبـــــي ذاتــــه، وقـــصـــوره الـــفـــادح فــي الـتـوفـيـق بني ادعـــــاءاتـــــه الــلــيــبــرالــيــة الـــبـــراقـــة وتــاريــخــه االستعماري املمتد. تتجلى هـذه األزمــة في بنية معرفية وتـاريـخـيـة بـالـغـة الـتـعـقـيـد؛ فـمـن الــزاويــة اإلبستمولوجية، يـؤسـس العقل الغربي رؤيـتـه لـلــ«آخـر» على مـركـزيـة استعلئية مـــتـــجـــذرة. يـــوضـــح املــفــكــر إدوارد سعيد فـي أطـروحـاتـه االسـتـشـراقـيـة كيف تسهم استدامة هـذه النظرة الدونية فـي إقصاء أي إمــكــانــيــة حـقـيـقـيـة لـــانـــدمـــاج، محيلة املـهـاجـر «كـبـش فــــداء» آيـديـولـوجـيـ تُــبـرَّر به اإلخفاقات الهيكلية املتعاقبة. ويرتبط هـــذا االســتــعــاء املــعــرفــي عـضـويـ بـــاإلرث الــكــولــونــيــالــي؛ بــعــدمــا شُـــيِّـــدت الـرفـاهـيـة األوروبية الحديثة على استغلل مقدرات املــــســــتــــعــــمــــرات، فــــــي حــــــ تـــســـتـــمـــر هــــذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة. وينسحب هذا االستغلل على الداخل األوروبـــــــي ذاتـــــه عــبــر تـهـمـيـش اقــتــصــادي ومــــكــــانــــي مـــمـــنـــهـــج. فــــاملــــهــــاجــــرون الـــذيـــن اســتُــقــدمــوا كـــــأيــد عـامـلـة رخـيـصـة إلعـــادة بـــنـــاء مـــــدن الــــقــــارة بـــعـــد الــــحــــرب، وجـــــدوا أنفسهم محتجزين فــي مــعــازل جغرافية وضــواح قاحلة، عُرضة إلقصاء مؤسسي يعكس تفاوتًا طبقيًا حادًا يكذّب كل وعود املساواة الليبرالية. فــــي ظــــل هـــــذه الـــهـــشـــاشـــة الــبــنــيــويــة، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم االجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة املـخـاوف». ففي حـداثـتـنـا الـسـائـلـة واملــــأزومــــة، ومـــع تـآكـل الـــضـــمـــانـــات االجـــتـــمـــاعـــيـــة واالقـــتـــصـــاديـــة لـــدولـــة الــرفــاهــيــة، يـتـحـول «الـــغـــربـــاء على أبوابنا» تجسيدًا ماديًا ومرئيًا لهواجس املـواطـن األوروبــــي حـيـال فـقـدان استقراره وهـــويـــتـــه. ويـــغـــدو املــهــاجــر لـــذلـــك بـمـثـابـة الــــشــــاشــــة الــــتــــي تــــعــــرض عـــلـــيـــهـــا أوروبـــــــا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزًا بذلك كونه مجرد تهديد عابر. تـــــعـــــد فــــرنــــســــا أكـــــبـــــر مـــــســـــرح لـــهـــذه الـتـحـوالت العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قـــــفـــــزة هــــائــــلــــة فــــــي الـــــــحـــــــوادث املـــرتـــبـــطـــة باالحتقان املجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات فـي املـائـة مـن مسلمي 44 حديثة تفضيل فـرنـسـا االلـــتـــزام بـقـواعـد الــديــن اإلسـامـي وتـــقـــديـــمـــهـــا عـــلـــى قـــــوانـــــ الـــجـــمـــهـــوريـــة، في 57 وتــرتــفــع هـــذه الـنـسـبـة لـتـصـل إلـــى املائة بني الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقـة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الـدراسـات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين األول) يجسد هـذا التصدع. إذ تحولت ساحات التعليم مـيـاديـن صــراع مفتوح، تقاطعت فــيــهــا خـــطـــابـــات الـــيـــســـار الـــراديـــكـــالـــي مع تيارات اإلســام السياسي لتشكيل جبهة مــــعــــارضــــة لـــســـيـــاســـات الـــــدولـــــة والـــيـــمـــ املتطرف معًا. الفيلسوف سلفوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لــقــصــور الـــتـــعـــدديـــة الــثــقــافــيــة بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها باالحتفاء الشكلي بـالـتـنـوع، وتغافلها عـن الـجـذور العميقة للتفاوت الطبقي. وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بــــروكــــســــل، قـــلـــب أوروبــــــــا الـــنـــابـــض ومــقــر االتـحـاد األوروبــــي العتيد، تتضح معالم األزمـــــــــة بـــشـــكـــل أعـــــمـــــق. حــــــي مــولــيــنــبــيــك يــــقــــدم نــــمــــوذجــــ حـــيـــ لـــتـــعـــثـــر ســـيـــاســـات الــدمــج وافــتــقــار مــؤســســات الـــدولـــة لـرؤيـة استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مــســاحــة مــعــزولــة تــعــانــي إهـــمـــاال مـزمـنـ ، واستغلت تـيـارات التشدد الديني الفراغ اإلداري والتخبط فـي الهياكل الفيدرالية إلنـــــشـــــاء شـــبـــكـــات اســـتـــقـــطـــاب وتـــجـــنـــيـــد. املهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها. فـــي مــديــنــة بــرمــنــغــهــام اإلنــجــلــيــزيــة، تـــتـــكـــرر املــــشــــاهــــد ذاتـــــهـــــا بـــنـــكـــهـــة مـحـلـيـة خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى في املائة من وظائف القطاع 80 إلى فقدان الصناعي الكلسيكي، تــرك آالف العمال املهاجرين فريسة للبطالة املدقعة. تدهور الظروف املعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما محكمة دينية نشطة، تفصل 85 ال يقل عن فـي قضايا األحـــوال الشخصية للطوائف املختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. وال شك أن نجاح مرشحني ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرملان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جــديــدة، تشير إلـــى تـفـوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلل التهميش وافـــتـــقـــار الـــســـاحـــة لــســيــاســيــ يــطــرحــون بــــرامــــج لــتــحــقــيــق تــنــمــيــة شـــامـــلـــة عـــابـــرة للديان واألعراق والطبقات. ومــــع تــصـــدع الـــســـرديّـــة والــبــحــث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار املـراقـب فـي تفسير إصـــرار الخطاب الـغـربـي املـحـافـظ على تحميل املهاجرين مسؤولية هــذا الــتــردي الـشـامـل. الحقيقة الـسـاطـعـة تـكـمـن فـــي شـيـخـوخـة الـسـرديـة األوروبـــــــيـــــــة وقـــــصـــــورهـــــا عـــــن اســـتـــيـــعـــاب التحوالت الديموغرافية الجارية. أوروبـا املـعـاصـرة تـصـارع بشراسة للحفاظ على صورتها املثالية بوصفها واحة للتنوير، بـــيـــنـــمـــا تـــكـــشـــف ســـيـــاســـاتـــهـــا الـــداخـــلـــيـــة والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق. الفيلسوف املعاصر جورجيو أغامبني يحذّر من سياسات «حال االستثناء» التي تـتـبـنـاهـا الــــــدول الــغــربــيــة، واملُـــسْـــتَـــخْـــدَمَـــة لـــتـــســـويـــغ الـــــتـــــجـــــاوزات الـــقـــانـــونـــيـــة بـحـق املهاجرين بحجة حماية األمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبـا»، ربــمــا كــــون هــــذا األفـــــول املـــزعـــوم يـمـثـل في صــمــيــمــه مــــجــــرد انـــهـــيـــار لـــلـــواجـــهـــة الــتــي اختبأت خلفها القارة طويلً. الهجرة، بحد ذاتــهــا، ظــاهــرة إنـسـانـيـة طبيعية ومـحـرك أسـاسـي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلة أمنية يعكس بوضوح هـــشـــاشـــة الــــنــــمــــوذج األوروبـــــــــــي وفـــقـــدانـــه البوصلة األخلقية والسياسية. إن األزمــــــة الــحــالــيــة تـتـخـطـى مـسـألـة اندماج املهاجرين لتلمس مـادة املشروع األوروبـــــي بـرمـتـه؛ ذلـــك أن إصــــرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والــــتــــمــــســــك بــــخــــطــــاب اســــتــــعــــائــــي يــلــقــي بـــالـــائـــمـــة عـــلـــى «اآلخـــــــــــر» املـــســـتـــضـــعـــف، سيسرع من وتيرة التفككات املجتمعية، بـيـنـمـا املـــهـــاجـــر ســيــظــل دومـــــ تــلــك املــــرآة الــــصــــادقــــة الـــعـــاكـــســـة لـــلـــوجـــه األوروبـــــــــي الــــحــــقــــيــــقــــي، بـــــكـــــل نـــــــدوبـــــــه وإخـــــفـــــاقـــــاتـــــه التاريخية. تجاوز هذه املحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تــواجــه أخــطــاء املــاضــي بـــجـــرأة، وتـؤسـس لعقد اجـتـمـاعـي مـتـجـدد يحتضن الـنـديّــة واملواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد األصول واملنابت. ندى حطيط جورجيو أغامبين زيغمونت باومان تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة» صــــــــــدر حـــــديـــــثـــــ املــــــجــــــلّــــــد الـــــثـــــالـــــث ) مــــن مـجـلـة 2025 والــــعــــشــــرون (خــــريــــف «الـبـحـث املـوسـيـقـي» عــن املجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، وهــــي مـجـلـة ســنــويــة مــحــكّــمــة. وتـضـمّــن املـجـلّــد سبع دراســــات لباحثني عــرب من أقـطـار عربية عـــدة، مـن املتخصصني في مـــجـــال املـــوســـيـــقـــى الـــعـــربـــيـــة مــــن جـــوانـــب متعددة. صـدر هـذا العدد - املجلّد في عَمّان، ضمن اتفاقية التعاون بني املجمع العربي لـلـمـوسـيـقــى ودار «الـــــعـــــائـــــدون لـلـنـشـر صفحة. 180 والتوزيع»، وجاء في وممّا جاء في افتتاحية العدد، التي كـتـبـهـا رئــيــس هـيـئـة الــتــحــريــر، الـدكـتـور نبيل الـــــدراس، تـحـت عــنــوان «املـوسـيـقـى الــعــربــيــة بـــ الــــذاكــــرة واملــــعــــاصــــرة»، أن الثقافة املوسيقية العربية، أو مـا يمكن تسميتها «املوسيقى العربية املعاصرة»، قـــد «أخــــــذت فــيــمــا بـــ الــعــقــد الــــرابــــع من الـــقـــرن الــعــشــريــن وبـــدايـــة الـــقـــرن الــحــادي والــعــشــريــن، مــســارًا قــد يــكــون مــغــايــرًا ملا كـــانـــت عـلـيـه الـــحـــال فـــي عـــصـــور سـابـقـة. جاء ذلك متوافقًا مع االتجاهات العاملية نحو عملية تشكيل مجتمع واحد وثقافة واحدة على نطاق البشرية جمعاء، والتي تتشكّل على أساس الثورة التقنية (تطور الــتــقــنــيــات اإللـــكـــتـــرونـــيـــة والــحــاســوبــيــة، ونمو وسائل اإلعلم، وتطوير االتصاالت واإلنـــــتـــــرنـــــت... إلـــــــخ)، وتـــكـــامـــل مـخـتـلـف مـــجـــاالت الـــتـــواصـــل الـــثـــقـــافـــي اإلنـــســـانـــي (الـــروحـــي واالجـتـمـاعـي والــلــغــويّ) لهذه املرحلة». وبـاإلضـافـة إلــى االفتتاحية، ضمّت املجلة دراسات لكل من: بوعزيز سمحون (تونس)، وكلير خـوري (لبنان)، وميرنا زغيب (لبنان)، ووسيم جمعة (تونس)، وبـديـع الـحـاج (لـبـنـان)، ومعتصم عديلة (فلسطني)، وعبد العزيز بن عبد الجليل (املغرب). عمان: «الشرق األوسط» يسهم اختيار السرد بضمير المتكلم في تكثيف وقع المراجعات الذاتية
RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==