مــع قــــدوم شـهـر رمــضــان يــعــود الــجــدل الـسـنـوي واملستدام حول عالقة الليبرالية بالدين وبخاصة في الـــدول األوروبـــيـــة. بعض املجاميع الدينية يغشاها الـوسـواس من التصريح بالسلوك الديني الطبيعي؛ وتنتج عـن ذلــك مجموعة مـن األسـئـلـة الـــدوْريـــة التي نسمعها مـع كـل مـوسـم ديـنـي كبير، ومــا كـانـت هذه األسـئـلـة الـتـي تُــطـرح مـن قبل املسلمني خصوصًا إال نتيجة ألمرين؛ أولهما: عدم وضوح الرؤية للمسلمني بــحــدود الـتـعـاطـي املـؤسـسـي مــع الـشـعـار الـديـنـي في املــجــال الـــعـــام. وثـانـيـهـمـا: فـشـل املــؤثــريــن فــي إيـصـال األفـــكـــار والـــطـــرق الــتــي يـمـكـن لــإنــســان أن يــعــبّــر عن شــعــاراتــه املـوسـمـيـة مـــن دون أن يــضــر نـفـسـه وال أن يُستفز منه غيره. وبمناسبة هذه اإلشكالية التي طُرحت مجددًا ال بد من العودة إلى الفيلسوف تشارلز تايلر؛ مستندين إلــى كـتـاب: «مـسـائـل الـتـعـدد واالخــتــ ف فـي األنظمة الليبرالية الغربية» لـأسـتـاذ سـايـد مـطـر، وأختصر نظريته حــول املــوضــوع بـنـقـاط عـــدة ذكـرهـا األسـتـاذ مطر وهي كالتالي: أوالً: «أن حــدود التكيُّف وحـريـة الـديـن مـن أبـرز املشكالت التي تعترض موقف الليبرالية السياسية والــــذاتــــيــــة االســـتـــعـــمـــال األداتــــــــي ملـــعـــتـــقـــدات الـضـمـيـر ووجــــوب الـتـكـيُّــف الـقـانـونـي. فكيف يمكن لـلـدولـة أن تقي نفسها من املخاطر املمكنة في استعمال الحرية الدينية على نحو (انتهازي) و(تدليسي)؟ واملثال على ذلك أن موظفًا يمكنه أن يستعمل حريته الدينية على نحو (استراتيجي) للحصول على أيام عطل إضافية مدفوعة األجر واملطالبة بترتيب دوام العمل على نحو يفضّله ويُالئم نشاطه الخاص». ثانيًا: «يضرب مثال بتقرير اللجنة االستشارية عـن عــدم مـراعـاة النظام الـعـام، وهــو االعــتــراض الـذي ســجّــلــتــه هـيـئـة االنـــتـــخـــابـــات فـــي كـيـبـك عــلــى مـطـالـب بعضهم بارتداء البرقع في أثناء عملية االقتراع، ودفع ذلــك الـبـرملـان إلــى تفسير قـانـون االنتخابات الــذي لم يكن يلحظ صراحة في بنوده أن يكون وجه املُنتخِب مكشوفًا. وفـي أثـر ذلـك، أضـاف البرملان الكيبكي، في تعديله القانون، فقرة تفرض على املقترع أن يعرِّف عن هويته مكشوف الوجه». ثالثًا: «ال يُخفي تايلر إمـكـان أن تخرج مطالب الــتــكــيُّــف عـــن مــســارهــا الــقــانــونــي الــصــحــيــح. وسـبـب ذلـك (انـدثـار التمييز بـ حرية الضمير والـديـن، من جهة، والتصور الذاتي للحرية الدينية الذي اعتمدته املحاكم، من جهة أخــرى، ما يسهل لبعضهم االدعـاء عــلــى نــحــو خــاطــئ واحــتــيــالــي أنــــه يـعـتـنـق مـعـتـقـدات عـمـيـقـة. وربـــمـــا يـــؤثّـــر ذلــــك أيـــضـــ فـــي دفــــع الـشـخـص الــــصــــادق فـــي إيـــمـــانـــه إلــــى الـــتـــطـــرف). وانـــطـــ قـــ من الــتــصــور الـــذاتـــي والــقــانــونــي لـلـحـريـة الـديـنـيـة، ربما يدّعي بعضهم هذا األمر كي تُقبل تفسيراتهم الذاتية ملـعـتـقـداتـهـم الــديــنــيــة، وإن كــــان ذلــــك يــخــالــف تـصـور املؤسسة الدينية الرسمية وتـوجُّــه الجماعة الدينية األكـثـريـة الـتـي ينتمون إلـيـهـا. فـعـدم قـبـول مـثـل هـذه التفسيرات الفردية يُــعـدّ، بالنسبة إليهم، ضربًا من ضروب االنتهاك لحريتهم الدينية الذاتية». رابعًا: «إذا كانت املحاكم ال تنظر في تفصيالت العقائد واملمارسات الدينية، فإنها ال تكتفي بأن يؤكد املـؤمـن بصدق الــدور املـركـزي الــذي يؤديه إيمانه في حياته. إذ يجب على املؤمن، بحسب تايلر، أن يشرح شـرحـ كافيًا ومقنعًا ملـــاذا ترتبط القيمة أو املعتقد الديني بعمق بكيانه ارتباطًا عميقًا، وكيف أنه يسعى جـــاهـــدًا كـــي يـحـتـرمـهـا وأن يــكــون عــلــى قــــدر عــــال من االستعداد حتى توجه هذه القيمة سلوكه وحياته». وأخلص من تحليل تايلر إلى أن األفكار الدينية فـــي املـجـتـمـعـات الـغـربـيـة لـهـا أنـمـاطـهـا املـخـتـلـفـة. إن مـــا يـمـكـن تطبيقه فـــي بـلـدانـنـا اإلســ مــيــة يستحيل استنساخه في املجتمع األوروبـي. القوانني الصارمة واالحــــتــــدام الـسـيـاسـي حـــول الـعـلـمـنـة واملـــجـــال الـعـام والدين ال بد من فهمها من قبل املسلمني في الغرب، وهــذا ال يعني التبرير وإنـمـا أطـرحـه بغية التفسير. وعليه فـإن الهلع مـن قبل البعض مـن أن هـذه الدولة الغربية أو تلك تستهدف الدين ال تبرير له، فالقانون والسياسات العامة هي التي تقنن الشعارات ومستوى حضورها في الواقع، وعليه فإن املسلم العاقل عليه أن يفهم وأن يتفهّم هـذا املستوى من التبويب لحضور الدين في املجال العام بالدول الغربية. الخالصة أن املسلمني القدامى في الغرب يعرفون هــذا النمط مـن التحديد لحضور الـشـعـارات الدينية فــي املــجــال الــعــام وهـــذا جـــزء مـنـه يـعـود إلـــى التفكير العقالني والتموضع العملي مع الحالة املُعيشة على املستويني املـؤسـسـي والـقـانـونـي، لكن الـعـبء األكبر اآلن على املرشدين املسلمني لتهيئة املهاجرين الجدد لتعليمهم أن هـذه قوانني عمومية ال تستهدفهم وال تُميّزهم وإنما لهذه السيطرة على الشعارات أسسها التاريخية القانونية والسياسية التي تبلورت على النحو الذي شرحه الفيلسوف تايلر، فالوعي أساسي لـتـجـاوز الـــوســـواس مــن الــدولــة الـغـربـيـة الـتـي يعيش فيها املسلم بمواسم الدين املباركة. اليوم تكون الحرب الروسية - األوكرانية قد أتمت سنتها الرابعة، وتكون أيضًا قد قطعت يومني في طريق السنة الخامسة! وال بد أن الذين عاشوا بدايتها لم يكونوا يتخيلون أن يمتد أمدها إلى هذا املدى البعيد، وكان تقدير الروس الذين بـدأوهـا أنهم قـــادرون على حسمها في أيــام، فإذا األيام أسابيع، واألسابيع شهور، والشهور سنوات! ورغــــم امـــتـــداد نــارهــا إلـــى هـــذا املــــدى الــــذي ال يكاد املـتـابـع يـذكـر بـدايـتـه، فإنها ال تـــزال تجد وقــودهــا على الجانبني، وال يزال كل طرف من طرفيها يقدم ما يمدها بــمــا تــحــتــاج إلــيــه مـــن وقــــود اشـــتـــعـــال، بـيـنـمـا كـــل طــرف يتمنى بينه وبني نفسه لو تتوقف اآلن، ولكن املشكلة أن كال منهما تأخذه العزة باإلثم، ويخشى أن يصرح بما تحدثه به نفسه بأكثر من الالزم، فيظهر أمام شعبه في صورة املتخاذل الجبان. وإذا كـــان هــنــاك شـــيء بـرهـنـت عـلـيـه الــحــرب وهـي تـتـمـدد ألربـــع ســنــوات، فـهـذا الــشــيء الـــذي بـرهـنـت عليه بالتجربة العملية أمامنا، هو أن الحرب العاملية ليس مـن الـضـروري أن تكون متعددة الجبهات. ففي الحرب العاملية األولى كانت هناك أكثر من جبهة بني أطرافها، وكـذلـك كـانـت الـحـال فـي الـحـرب العاملية الـثـانـيـة، ولكن هـذه الـحـرب تــدور منذ اشتعلت على جبهة واحـــدة بني الطرفني الـروسـي واألوكــرانــي، أو على جبهتني اثنتني، ومع ذلك فهي حرب عاملية بامتياز. هــــي كـــذلـــك ألن أوكــــرانــــيــــا ال تــــحــــارب وحــــدهــــا فـي الحقيقة، وإنما هي رأس حربة ألوروبا كلها، ولو حارب األوكرانيون وحدهم لكانت الحرب قد انتهت من زمان، وليست أوروبـا وحدها التي تحارب من وراء أوكرانيا، وإنما الواليات املتحدة األميركية أيضًا عاشت تحارب مع أوكرانيا إلى سنة انقضت أو أكثر قليالً، وبالتحديد إلى أن جاء الرئيس األميركي دونالد ترمب فكان له رأي آخر نعرفه ونتابع تجلياته منذ جاء. وفي دورة مؤتمر ميونيخ هذه السنة، رأينا كيف أن وزيـــر الـخـارجـيـة األمــيــركــي مــاركــو روبـــيـــو، قــد غــادر املـؤتـمـر متوجهًا إلـــى املــجــر، ومـــن هـنـاك أعـلـن أن بــ ده تساند رئيس الحكومة فـي بودابست فيكتور أوربـــان، الذي سيخوض االنتخابات خالل أيام! وقد كانت الزيارة مما يدل على مدى التحول الذي أصــــاب الــســيــاســة األمــيــركــيــة تــجــاه الـحـلـيـف األوروبـــــي الـقـديـم. فــ يـوجـد مَـــن هــو أقـــرب إلـــى الـرئـيـس الـروسـي فـ ديـمـيـر بــوتــ فـــي أوروبــــــا كـلـهـا مـــن رئــيــس الـــــوزراء أوربـــان، ولـم تنعقد قمة لالتحاد األوروبـــي في أي وقت مـنـذ بـــدء الـــحـــرب، إال وكــــان أوربـــــان يـحـضـرهـا بمنطق الشريك املخالف، الـذي إذا أشــارت عواصم االتـحـاد إلى اليمني مضى هو باتجاه الشمال، والعكس صحيح على طول القمم التي كان يحضرها في كل مرة! وإذا كانت بروكسل باعتبارها عاصمة االتحاد قد تلقت خـبـرًا سـاءهـا، فليس الخبر إال تلك الــزيــارة التي بادر بها روبيو إلى بودابست معلنًا ما أعلنه على املل من الناس! الغريب أن روبيو ملا وقف خطيبًا في ميونيخ راح يتبنى لهجة تصالحية مع األوروبيني، وراح يتحدث عن أن بالده ابنة أوروبا في واقع الحال. ولكنه ما كاد يصل بــودابــســت حـتـى كـــان قــد بـــدا كـمـن يـقـود ســيــارة معطيًا إشارة إلى اليمني، ثم منحرفًا فجأة في ناحية اليسار! وعـنـدمـا وقـــف زمـيـلـه وزيـــر الـتـجـارة فــي الحكومة هـوارد لوتنيك، يتكلم في حفل عشاء دعا إليه املؤتمر، لم يشأ أن يخفي مشاعره السلبية تجاه األوروبيني، وقد بلغت مشاعره في هـذا االتجاه حـدًا جعل رئيسة البنك املركزي األوروبــي كريستني الغـارد، تنصرف في غضب وهي غير قادرة على أن تتحمل ما كان الوزير األميركي يقوله على أرض أوروبية وعلى مسمع من األوروبيني! قديمًا كان فقهاؤنا يقولون: «رُب همة أحيت أمة» وهي عبارة تعني أن األمة بني األمم قد تنام طويال إلى حــد املــــوات، حـتـى إذا جـاءتـتـا أزمـــة أحـيـت فيها الهمة، فكانت الهمة التي تُحيي األمة. وقـــد راحــــت الــســيــدة الغــــارد تهمهم بــشــيء شبيه بذلك وهي تنصرف ساخطة، ثم وهي تقول إن أوروبـا قـــــادرة عـلـى أن تـمـضـي قُـــدمـــ وبــمــن حــضــر. وال معنى لعبارة «بمَن حضر» إال أن املُضي قدمًا بالنسبة للقارة لم يعد أمرًا فيه اختيار. ورغم مُضي السنوات األربـع من عُمر الحرب، فإن املراقب لها منذ بدايتها ال يستطيع أن يقول إن روسيا انتصرت وال إن أوكرانيا انهزمت، فكلتاهما انتصرت مرة وانهزمت مرة، وفي الحساب الختامي هناك حرب ال عنوان لها، وال مضمون، إال االستنزاف لالثنتني. وربما تمدد االستنزاف فبلغ هذا الطرف أو ذاك مما يمدهما بــالــســ ح واملــــــال، وإذا ظـهـر ذلـــك عـلـى أجــلــى مـــا يـكـون فـسـوف يظهر فـي خـزائـن األوروبـــيـــ الـتـي كلما أمـدت األوكرانيني طلبوا املزيد! كـــــــان ويـــــــل ديـــــــورانـــــــت قــــــد جــــلــــس يـــكـــتـــب «قـــصـــة الحضارة» في كتابه الشهير، وكان إلى جانب الحضارة قد جلس يكتب قصة الحرب في تاريخ اإلنـسـان، وكان قـد اكتشف أن مـا قـضـاه اإلنـسـان مـن أعـــوام ينعم فيها بالسالم على األرض، أقـل فـي حقيقة األمــر مـن السنني التي بقي فيها يشقى بالحروب، وليست حرب السنوات األربع واليومني إال دليال آخر على ذلك يضاف إلى أكثر من دليل. Issue 17257 - العدد Thursday - 2026/2/26 اخلميس الوعي أساسي لتجاوز الوسواس من الدولة الغربية التي يعيش فيها المسلم بمواسم الدين المباركة ما يحتاجه السودان ليس إعادة تموضع خطاب بل تفكيك البنية التي جعلت الحرب ممكنة لم تنعقد قمة لالتحاد األوروبي منذ بدء الحرب إال وكان أوربان يحضرها بمنطق الشريك المخالف فهد سليمان الشقيران عثمان ميرغني سليمان جودة OPINION الرأي 14 عن رمضان وأسئلة المسلمين في الغرب دليل آخر يُضاف إلى كتاب الحروب ما قاله وما لم يقله «حميدتي»! كـــل مـــا قـــام بـــه قــائــد «الـــدعـــم الــســريــع» محمد حـمـدان دقـلـو (حـمـيـدتـي) منذ لحظة وصـولـه إلى كـمـبـاال نـهـايـة األســـبـــوع املـــاضـــي، بـــدا وكــأنــه معد بعناية، وبإخراج محسوب في الشكل واملضمون. من زيه املزركش الذي ظهر به، إلى لقائه مع الرئيس األوغندي يوري موسيفيني، وصوال إلى إعالنه في خطابه أنه أفريقي، وأن الحل ألزمة السودان يجب أن يـكـون أفـريـقـيـ- كلها رســائــل تـوحـي بمحاولة البحث عن منصة أفريقية يستقوي بها في لحظة اشتداد الضغط امليداني والدبلوماسي. فهو يريد أن يقول إن جل العالم العربي أقرب إلـــى الـفـريـق عـبـد الـفـتـاح الــبــرهـان، وبـالـتـالـي فإنه يـتـوجـه إلـــى أفـريـقـيـا ملـسـانـدتـه. وفـــي هـــذا السياق حـــرص عـلـى أن يــرتــدي خـطـاب «األفــريــقــانــيــة» في كل تحركاته وإيماءاته في أوغندا، وأضـاف إليها بــأن أعـلـن أنــه أصـبـح علمانيًا. بـعـبـارة أخـــرى أراد حميدتي أن يعلن عن توجه «أفريقاني» وقطيعة رمزية مع أي تموضع عروبي إسالمي. فــي إطــــار هـــذه االنـعـطـافـة يـمـكـن أيــضــ قـــراءة انتقاده املفاجئ ملنبر جدة. فالهجوم على الوساطة الــســعــوديــة ومـنـبـر جـــدة لـــم يـكــن مـنـصـفـ ، وكـونـه جاء بعد هذه الفترة الطويلة يثير التساؤل حول دوافـــعـــه وتـوقـيـتـه. املـنـبـر كـــان بـرعـايـة الـسـعـوديـة وأمـــيـــركـــا، وهـــدفـــه املــعــلــن تـثـبـيـت هـــدنـــة إنـسـانـيـة وحماية املدنيني. فإذا كانت جدة، بحسب روايته، «تكتيكًا» إلخراج البرهان من الحصار، فأين كانت مسؤوليته هو عن حماية املدنيني؟ الوساطة ليست جيشًا ثالثًا؛ هي منصة. تحميلها فشل املفاوضني تبسيط مريح، لكنه ال يبدد حقيقة ما كان يحدث ميدانيًا. فكالمه عن أنه وقواته التزموا بمخرجات واتفاقات جدة، أبعد ما يكون عن الحقيقة، إذ إنهم اسـتـغـلـوا املــفــاوضــات وشــنــوا الـهـجـمـات وتــمــددوا نحو واليات الجزيرة والوسط مع كل ما رافق ذلك من انتهاكات جسيمة. حميدتي فـي توجهه «األفـريـقـانـي» الجديد، ال يريد االبتعاد عن مخرجات جدة فقط، بل يبدو وكأنه يبتعد أيضًا عن مساعي الرباعية الدولية. الــــرهــــان عـــلـــى مــــا يــــبــــدو، يـــقـــوم عـــلـــى أن الــســاحــة األفريقية قد توفر حلفاء أكثر استعدادًا للتعامل مـــعـــه، فـــي ظـــل تــقــاطــع الــحــســابــات الـسـيـاسـيـة مع املصالح االقـتـصـاديـة املـدعـومـة خـارجـيـ، علمًا أن عـــددًا مــن دول الــجــوار األفـريـقـي أصـبـحـت بالفعل مـمـرات لــإمــدادات العسكرية الـقـادمـة مـن الـخـارج واملتوجهة إلى «قوات الدعم السريع». ضمن هــذا السياق األوســـع، يبحث حميدتي عــن تـمـوضـع جـديـد ضـمـن الـخـريـطـة الـتـي تتشكل فـي املنطقة فـي إطـــار صـــراع يمتد مـن بــاب املندب والـقـرن األفريقي إلـى وادي النيل والبحر األحمر، والــســودان بـ شـك عقدة جيوسياسية ال تنفصم عما يدور، وما يخطط للمنطقة. والرجل ال يبحث فقط عن مظلة وحلول أفريقية، بل يبحث أيضًا عن شرعية. إيحاؤه عن «الترتيب ألخذ سفارة السودان» فـــي أوغـــنـــدا يـنـقـل الـــصـــراع إلــــى ســـاحـــة االعـــتـــراف الـدبـلـومـاسـي. الــســفــارات ليست غـنـائـم حـــرب؛ بل امـــتـــداد قــانــونــي لـــدولـــة مــعــتــرف بــهــا دولـــيـــ . وأي مـحـاولـة لخلق شرعية مــوازيــة بـاسـتـ ب سـفـارة، ستضع الدولة املضيفة أمام اختبار قانوني، لكنها في نهاية املطاف ال تمنح اعترافًا دوليًا. حـــمـــيـــدتـــي ذاتـــــــه أقــــــر بــــأنــــه ال يـــمـــلـــك شــرعــيــة وال شـعـبـيـة عــنــدمــا قــــال فـــي خـــطـــاب كـــمـــبـــاال: «إن السودانيني كرهونا بسبب الشفشافة (أي مقاتليه الذين نهبوا ممتلكات الدولة واملواطنني)». الحقيقة أن األمر أبعد وأخطر من «الشفشافة» وعـــمـــلـــيـــات الــــنــــهــــب، ومــــحــــاولــــة اخـــــتـــــزال أســـبـــاب «الـــكـــراهـــيـــة» فــــي هـــــذا الـــجـــانـــب وحـــــــده، تـتـجـاهـل عـمـق الـــجـــرح. فـاملــأسـاة لـــم تـقـتـصـر عـلــى الـسـلـب، بـل تمثلت أيضًا فـي االنتهاكات الـواسـعـة املوثقة التي شملت القتل العشوائي، واإلبـــادة الجماعية والـعـرقـيـة، وانـتـهـاك األعــــراض والــحــرمــات، وإذالل الناس وترهيبهم، وطـردهـم من بيوتهم، وتدمير مؤسسات الدولة واملستشفيات واملدارس، بل حتى املساجد. حني يقول حميدتي إنـه ال يريد السلطة وإن هـدفـه «فـقـط» اقـتـ ع اإلسـ مـيـ وتفكيك «جيش الــــكــــيــــزان»، فـهـو يــــحــــاول إعـــــــادة تـعـريــف الـــحـــرب، ألنــــه أصـــــ نــشــأ فـــي عــهــد الـــرئـــيـــس الـــســـابـــق عمر البشير، وحركته فيها عناصر قيادية معروفة من اإلسالميني. كـــذلـــك فـــــإن إعــــ نــــه أنـــــه لــــن يــســمــح بـتـقـسـيـم الـــســـودان يستبطن اعــتــرافــ ضمنيًا بـــأن مـشـروع التقسيم يبقى حـاضـرًا فـي األذهـــان. فحني تمتلك قــوة عسكرية تـمـويـ وشـبـكـات خـارجـيـة وأرضـــ ، فــإن خطر تكريس األمــر الـواقـع يصبح بنيويًا، ال دعائيًا. نفي النية ال يكفي؛ ما يهم هو واقع السالح والصراع على األرض. الـخـ صـة أن تـبـديـل الــخــطــاب، ال يـبـدل واقــع الصراع. ال يكفي أن تقول إنك ضد التقسيم لتمنع شروطه، وال أن تهاجم الوساطات لتصنع سالمًا بـديـ ً. مـا يحتاجه الـسـودان ليس إعـــادة تموضع خـــطـــاب، بـــل تـفـكـيـك الــبــنــيــة الـــتـــي جــعــلــت الــحــرب مـمـكـنـة: ســــ ح خــــارج الــســيــطــرة، اقــتــصــاد حـــرب، وتحالفات عابرة للحدود. من يملك مئات اآلالف من املقاتلني ويستقدم خبرات قتالية أجنبية، ثم يطلب أن يُصدَّق بوصفه رجل سالم، عليه أن يقدم مــا هــو أكــثــر مــن الـكـلـمـات: أي يــقــدم الــتــزامــ بنزع الـــســـ ح، وانـــدمـــاجـــ ضـمـن الــضــوابــط فـــي الــقــوات املسلحة الوطنية، وقـبـوال باملساءلة واملحاسبة. غــيــر ذلـــــك، سـيـبـقـى الــحــديــث عـــن الـــســـ م صـيـاغـة لغوية منمقة للتغطية على حقيقة املخططات التي تُحاك ضد السودان بدعم أطراف خارجية.
RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==