11 تحقيق FEATURES Issue 17257 - العدد Thursday - 2026/2/26 الخميس ASHARQ AL-AWSAT من «نكتة سياسية» إلى قرار مصيري... هل تشهد أميركا هجرة معاكسة؟ الـافـت فـي رغبة الهجرة مـن أميركا في موجتها األخيرة أنها لم تعد حكرًا على فئة واحـدة أو سبب واحـد. السردية أكثر تعقيدًا: الـــنـــاس تــتــحــدث عـــن مـــزيـــج مـــن االســتــقــطــاب، واإلحـــــــســـــــاس بــــتــــراجــــع «الـــــحـــــد األدنــــــــــى مــن الــــتــــوافــــق» داخــــــل املـــجـــتـــمـــع، وارتـــــفـــــاع تـكـلـفـة الـعـيـش، وتــراجــع الثقة بـاملـؤسـسـات، والقلق من العنف املسلح، وصوال إلى شعور متزايد بـــأن الـبـلـد صـــار مـسـاحـة «مــفــاوضــة يـومـيـة» عـلـى الـحـقـوق والــهــويــة والــلــغــة. لــــذا، خرجت فكرة الرحيل من إطـار «الرمز السياسي» إلى «الخيار الحياتي». أحــد املــؤشــرات على ذلــك نـشـوء خدمات جديدة تُحوّل القلق إلى خطة. في تقرير ملجلة «فوربس» عن شركة ناشئة تساعد األميركيني عـلـى االنــتــقــال، ال يــقــدّم األمــــر بـوصـفـه موجة هــــروب جـمـاعـيـة، بــل بـوصـفـه صـنـاعـة تُــرشـد الناس إلى مسارات قابلة للتطبيق، وتحديدًا نحو بعض البلدان األوروبية، عبر دعم إداري وقـــانـــونـــي وتــرتــيــبــات مـعـيـشـيـة. الــفــكــرة هنا ليست أن الجميع سيغادر، بل أن عددًا متزايدًا يريد أن يـعـرف: مـا الــذي يمكن فعله واقعيًا؟ وما التكلفة؟ وما املسار القانوني؟ وعــــلــــى مـــســـتـــوى املــــــــزاج الـــــعـــــام، جــــاءت أرقـــــام «غـــالـــوب» لـتـكـسـر حــاجــز «االنـــطـــبـــاع». االســـتـــطـــاع املـــنـــشـــور فــــي نــوفــمــبــر (تــشــريــن أظـــهـــر أن نــحــو واحـــــد مـــن كل 2025 ) الـــثـــانـــي خمسة أمـيـركـيـ يـقـولـون إنـهـم يـرغـبـون في مــــغــــادرة الــــواليــــات املـــتـــحـــدة بــشــكــل دائـــــم إذا أتيحت الفرصة، وأن الدفعة األكبر تأتي من في املائة من النساء 40 : النساء األصغر سنًا عامًا عبّرن عن رغبة في االنتقال 44 و 15 بني فــي املــائــة من 19 الـــدائـــم إلـــى الـــخـــارج، مـقـابـل الرجال في الفئة العمرية نفسها، مع مقارنة الفــتــة بــــأن الـنـسـبـة لــــدى الـــشـــابـــات كــانــت أقــل بكثير قـبـل عـقـد. وتـنـبّــه «غـــالـــوب» إلـــى نقطة منهجية حاسمة: االستطلع يقيس «الرغبة» ال «الـخـطـة» وال «الـتـنـفـيـذ»، لكنه يكشف في الــوقــت نفسه عــن أزمـــة ثـقـة عميقة لـــدى جيل كـــامـــل، وعــــن فـــجـــوة جـــنـــدريـــة فـــي الـــرضـــا عن املسار األميركي. هنا يظهر جانب من «الهجرة املعاكسة» ال يحتاج إلــى «طــائــرة»: انسحاب نفسي من فـكـرة املستقبل األمـيـركـي لـــدى فـئـات تـــرى أن معارك الداخل، على األمان والحقوق والتعليم، لم تعد هامشية، بل باتت تحدد شكل الحياة اليومية. وهذا االنسحاب النفسي، حتى لو لم يتحول إلى انتقال فعلي لدى األغلبية، يترك أثرًا سياسيًا واقتصاديًا طويل املدى: من أين يخطط الـنـاس لبناء حياتهم؟ وأيــن يريدون تربية أطفالهم؟ وأي مجتمع يثقون به؟ األرقام الصلبة عن أميركا حـــــ تُـــــذكـــــر «الــــهــــجــــرة املــــعــــاكــــســــة» فـي الــنــقــاش الـــعـــام، يـسـهـل االنــــــزالق إلــــى صـــورة درامـــيـــة: أمــيــركــيــون يــرحــلــون بــاملــايــ . لكن مـــا تــقــولــه الــبــيــانــات األحــــــدث هـــو أن الـقـصـة ترتبط 2026–2025 الـديـمـغـرافـيـة األهــــم فـــي بــانــخــفــاض الــهــجــرة إلــــى الــــواليــــات املــتــحــدة، وتراجع صافي الهجرة الدولية بصورة حادة مقارنة بالعام السابق. ، نشر 2026 ) فــي يـنـايـر (كـــانـــون الــثــانــي مكتب اإلحــصــاء األمـيـركـي تـدويـنـة تحليلية عن تقديرات السكان تُظهر أن صافي الهجرة ثم 2024 مليون في 2.7 الدولية بلغ ذروة عند ، مع توقعات 2025 مليون في 1.3 انخفض إلى بـــأن يـتـراجـع أكــثــر إذا اسـتـمـرت االتــجــاهــات. ويضيف مكتب اإلحـصـاء نقطة قـد تُستخدم فــي غـيـر محلها: االنـخـفـاض الكبير نـتـج من تـراجـع الـهـجـرة إلــى الــداخــل وارتــفــاع الهجرة إلـــى الــخــارج مـعـ، لـكـن ذلـــك ال يعني تلقائيًا «هــــروب مــواطــنــ » بـقـدر مــا يعكس تـغـيّــرات أوســـع فــي تـدفـقـات الـسـكـان، بـمـا فيها تشدد السياسات وتبدل سلوك الهجرة عمومًا. وفـــي قــــراءة أكــثــر تـفـصـيـاً، تـشـيـر ورقــة )2026 محدثة من معهد «بروكينغز» (يناير كــــان على 2025 إلــــى أن صـــافـــي الـــهـــجـــرة فـــي األرجــــــح قــريــبــ مـــن الــصــفــر أو سـلـبـيـ لـلـمـرة األولى منذ نصف قرن على األقل، ضمن نطاق آالف، مع توقعات 10 ألفًا و 295 تقديري بني . الــورقــة نفسها 2026 بـــأن يبقى ضعيفًا فــي تــعــتــرف بـــتـــزايـــد عــــدم الــيــقــ بــســبــب تــراجــع الـشـفـافـيـة فــي بـعـض الــبــيــانــات، لكنها تؤكد االتـجـاه الـعـام: التغيير األكـبـر هـو فـي ميزان الـــداخـــلـــ والــــخــــارجــــ كـــكـــل، ال فــــي «رحـــيـــل األميركيني» وحده. أهــــمــــيــــة هـــــــذا الـــتـــفـــصـــيـــل أن «الــــهــــجــــرة املـعـاكـسـة» تُــطـرح أحـيـانـ كدليل على تراجع جـــاذبـــيـــة أمـــيـــركـــا، بــيــنــمــا األثــــــر االقـــتـــصـــادي املـبـاشـر لـتـراجـع صـافـي الـهـجـرة يظهر غالبًا عــبــر قـــنـــوات أخـــــرى: نــقــص الــيــد الــعــامــلــة في قـطـاعـات مـــحـــددة، وتـبـاطـؤ فــي نـمـو الـسـكـان فـــــي واليــــــــــات كـــــبـــــرى، وضـــــغـــــط عــــلــــى الـــنـــمـــو واالســـتـــهـــاك. وفــــي تـحـلـيـل نــشــرتــه مـؤسـسـة «بــــارونــــز» اســتــنــادًا إلـــى نـمـذجـة اقـتـصـاديـة، 2024 أشــــار إلـــى أن تـبـاطـؤ نـمـو الـسـكـان بــ يمكن أن يرتبط بخسائر اقتصادية 2025 و كبيرة، مع ربط واضح بني التراجع الحاد في صافي الهجرة الدولية وبني خسارة وظائف وعــائــدات اقـتـصـاديـة، حتى مـع وجـــود نقاش بني الباحثني حول حجم األثر النهائي. بهذا املعنى، فإن العام األول من الوالية الثانية ال يمكن اختزاله في «الناس تغادر»، بـل فـي «أمـيـركـا تقلل الـداخـلـ »، وهــو تحوّل يـــغـــيّـــر تـــركـــيـــبـــة ســــــوق الـــعـــمـــل والـــجـــامـــعـــات واالبتكار، ويعيد رسم علقة الواليات املتحدة بـالـعـالـم لـيـس فـقـط عـبـر الـتـجـارة واألمــــن، بل عبر البشر أنفسهم. الجامعات العريقة في خط النار إذا كان ملف الضرائب واألمان املجتمعي يُــغــذي رغـبـة الـرحـيـل لـــدى الـعـائـات واألفــــراد، فــإن ملف الـجـامـعـات يفتح بـابـ مختلفًا: باب «هـجـرة الـعـقـول» وتـآكـل الـقـوة الـنـاعـمـة. فمنذ االحتجاجات الواسعة في الجامعات األميركية عـلـى خلفية حـــرب غـــزة، اتــخــذت املـواجـهـة بني اإلدارة الفيدرالية وبعض املؤسسات األكاديمية الكبرى طابعًا أكثر خشونة، امتزج فيه األمن الجامعي بالتمويل الفيدرالي وبالتحقيقات وبالخطاب السياسي حول «معاداة السامية» وحدود االحتجاج. ، حـــــذّر املـجـلـس 2025 ) فـــي مـــــارس (آذار مليون 400 األمـيـركـي للتعليم مـن قـــرار إلـغـاء دوالر مــــن مـــنـــح وعــــقــــود فـــيـــدرالـــيـــة لــجــامــعــة كـولـومـبـيـا، واعــتــبــرتــه سـابـقـة خــطــرة تـقـوض األبــــحــــاث وتــلــتــف عــلــى الــعــمــلــيــات الـقـانـونـيـة املــــعــــتــــادة، فــــي إشـــــــارة إلـــــى أن الـــتـــمـــويـــل بـــات يُستخدم كأداة ضغط سياسية يمكن أن تمتد آثـــارهـــا إلـــى مـــجـــاالت عـلـمـيـة وطـبـيـة ال عـاقـة مباشرة لها بالسجال السياسي. لـيـؤكـد أن 2025 ) ثـــم جـــاء يـولـيـو (تـــمـــوز نـمـوذج «الـعـصـا والــجــزرة» ليس نـظـريـ ، حني تـــوصـــلـــت جـــامـــعـــة كــولــومــبــيــا إلـــــى اتــــفــــاق مـع الــحــكــومــة إلعــــــادة الــتــمــويــل الــبــحــثــي، تضمن مـلـيـون دوالر، بينما قالت 220 دفـــع أكـثـر مــن «رويـــتـــرز» إن الـبـيـت األبــيــض رأى فــي االتـفـاق نموذجًا يمكن تكراره، في حني حذّر منتقدون من أن ذلك قد يفتح الباب لتدخلت أوسـع في الحوكمة الجامعية. أهـمـيـة هـــذه املـعـركـة فــي سـيـاق «الـهـجـرة املــعــاكــســة» أنــهــا تـمـس أحـــد أعـــمـــدة الـجـاذبـيـة األمـــيـــركـــيـــة الـــتـــاريـــخـــيـــة: الـــجـــامـــعـــة بـوصـفـهـا مـصـنـعـ لـلـنـخـب الــعــاملــيــة وحـــاضـــنـــة للبحث واالبــتــكــار. حــ تـتـحـول الـجـامـعـة إلـــى ساحة صدام مالي - سياسي، وحني يشعر األكاديمي أو الـــطـــالـــب أن الــــحــــرم الـــجـــامـــعـــي بـــــات تـحـت ضغط دائـم، يرتفع احتمال التفكير في بيئات أخــرى أقـل تقلبًا، حتى لـو لـم تكن أكثر بريقًا. وفــي حـــاالت كـثـيـرة، ال تـكـون النتيجة «هجرة فورية»، بل تراجع تدريجي في قدرة الواليات املتحدة على اجتذاب أفضل الباحثني والطلب األجـانـب، وهـو مـا يلتقي مـع ملف التأشيرات والتنافس التكنولوجي. واألمـــــــــر ال يـــقـــف عـــنـــد كـــولـــومـــبـــيـــا. هـــذا الـشـهـر رفــعــت وزارة الـــعـــدل األمــيــركــيــة دعـــوى ضد جامعة «هارفارد» تتهمها بعدم االمتثال لتحقيق فيدرالي بشأن سجلت القبول. وتقول الــوزارة إن الدعوى تهدف إلى إجبار الجامعة على تسليم وثـائـق تتعلق بـأي اعتبار للعرق فــي الــقــبــول، مــن دون اتـهـامـهـا بتمييز فعلي. وحـظـيـت الـقـضـيـة بـتـغـطـيـة إعــامــيــة واســعــة، مــا يعكس اتــســاع نـطـاق املـواجـهـة إلـــى ملفات القبول والحوكمة وسياسات التنوع، بالتوازي مع ملفات االحتجاجات. هــنــا يـتـشـكـل لــــدى جــــزء مـــن الـــــرأي الــعــام األكاديمي شعور بأن «املعركة» لم تعد حادثًا مرتبطًا بـغـزة وحــدهــا، بــل جـــزءًا مــن مواجهة أوســــع مـــع املــؤســســات الــتــي تُـــوصـــف تقليديًا بــأنــهــا «نـــخـــبـــويـــة». وفــــي مــثــل هــــذه األجــــــواء، يصبح التفكير فـي االنـتـقـال أو على األقـل في «تـــدويـــل» املـــســـار املـهـنـي خـــيـــارًا عـقـانـيـ لـدى بعض األكاديميني، ال ألن أميركا فقدت ميزاتها العلمية، بل ألن تكلفة عدم اليقني ارتفعت، وألن السياسة دخـلـت بـحـدة إلــى التمويل والقبول والحوكمة. أوروبا تلتقط حرب التنافس مع الصين الــــــخــــــط األكـــــــثـــــــر حــــســــاســــيــــة فـــــــي قـــصـــة «الهجرة املعاكسة» ال يتعلق بمن يغادر من األمــيــركــيــ ، بـــل بــمــن ال يــأتــي إلــــى الـــواليـــات املتحدة، خصوصًا في مجال التعليم العالي والتكنولوجيا. فالتنافس التكنولوجي مع الصني ال يدور حول املصانع وحدها، بل حول املختبرات، واملــهــارات، والـطـاب، والباحثني. وفــــــي هــــــذا الــــســــيــــاق، يـــصـــبـــح مـــلـــف الـــطـــاب األجـــانـــب جـــــزءًا مـــن «حـــــرب مـــواهـــب» عـاملـيـة، حيث تسعى الدول إلى اجتذاب العقول أو منع خصومها من الوصول إلى املعرفة. عــلــى مــســتــوى الـــبـــيـــانـــات، أظـــهـــر تـقـريـر مـعـهـد الـتـعـلـيـم الـــدولـــي أن إجــمــالــي الــطــاب في 1 الـدولـيـ فــي الـــواليـــات املـتـحـدة تــراجــع ، لكن 2026-2025 املــائــة فــي الــعــام األكــاديــمــي األهم كان في «النبض املستقبلي»: انخفاض في املائة في أعداد الطلب الدوليني 17 بنسبة الجدد. كما قالت غالبية كبيرة من املؤسسات املشاركة إن مخاوف التأشيرات كانت العائق األول أمام الطلب. هذه األرقام ال تعني انهيارًا فــوريــ ، لكنها تـضـيء عـلـى اتــجــاه قــد يصبح مؤملًا إذا استمر؛ ألن «الجدد» هم من يحددون ما سيكون عليه الحضور الدولي بعد سنتني أو ثـــاث. فـي الـوقـت نفسه، اتـخـذت واشنطن خطوات أكثر صرامة تجاه الطلب الصينيني. ، قــــالــــت الـــخـــارجـــيـــة 2025 ) فــــي مــــايــــو (أيــــــــــار األميركية إنها ستعمل على «إلغاء التأشيرات بشكل هجومي» لفئات من الطلب الصينيني، خصوصًا من لديهم صلت بالحزب الشيوعي أو يدرسون في «مجاالت حرجة»، مع تشديد الـــتـــدقـــيـــق عـــلـــى طـــلـــبـــات مـسـتـقـبـلـيـة. وغـــطّـــت تـــقـــاريـــر إعـــامـــيـــة هــــذه الــســيــاســة فـــي سـيـاق تــحــذيــر مـــن «اســـتـــغـــال» الــجــامــعــات وســرقــة أبـحـاث، بينما أشــارت أخــرى إلـى أن الخطوة أثارت قلقًا واسعًا في الجامعات وبني الطلب، فـــي وقـــت تـعـتـمـد فـيـه مــؤســســات كـثـيـرة على الرسوم التي يدفعها طلب دوليون. هـــنـــا تـــتـــشـــابـــك خــــيــــوط الــــقــــصــــة: تــشــدد الـتـأشـيـرات والتنافس مـع الـصـ يقللن من تــدفــق طـــاب وبــاحــثــ ، ومـــعـــارك اإلدارة مع الجامعات على خلفية احتجاجات غزة تزيد شـعـور عـــدم الـيـقـ داخـــل الــحــرم، فتجد دول أخـــرى فـرصـة لتقديم نفسها كـبـدائـل «أهـــدأ» أو «أوضـــــح قـــواعـــد». ولــيــس صــدفــة أن تـبـرز وجهات أوروبية بعينها كهولندا وبريطانيا والـبـرتـغـال فـي خـطـاب االنـتـقـال األمـيـركـي، ال ســيــمــا أن بـعـضـهـا يــجــمــع بـــ جـــــودة حـيـاة وإمكانية قانونية قابلة للتطبيق. في هولندا مثلً، نقلت تقارير إعلمية محلية، اسـتـنـادًا إلــى بـيـانـات دائـــرة الهجرة، 2025 آالف أمـيـركـي تـقـدمـوا خـــال 7 أن نـحـو بطلبات تتعلق بتصاريح عمل أو دراسة أو لم شمل، وهو أعلى مستوى منذ عقد على األقل، مع ارتفاع الفت في استخدام مسار «معاهدة الصداقة الهولندية - األميركية» الــذي يتيح لـأمـيـركـي تـأسـيـس نـشـاط تــجــاري بـرأسـمـال مـتـواضـع نسبيًا. هــذه ليست أرقــامــ ضخمة قياسًا بحجم الواليات املتحدة، لكنها كافية إلظهار أن «الخطة ب» تتحول إلى سلوك عند شريحة محددة قادرة على الحركة. وفـــي املـمـلـكـة املــتــحــدة، ال يـظـهـر املـؤشـر فـــــي ســــجــــات الــــهــــجــــرة فــــقــــط، بـــــل فـــــي ســـوق العقار. شركة «رايـت موف» البريطانية قالت إن االسـتـفـسـارات مـن الــواليــات املـتـحـدة حول منازل معروضة للبيع في بريطانيا ارتفعت فـــي املـــائـــة عـــن الـــعـــام الــســابــق، وهـــو أعـلـى 19 ، مع ملحظة أن جزءًا كبيرًا 2017 مستوى منذ مـن الطلب يتركز على وحـــدات صـغـيـرة، بما يوحي بأن األمـر غالبًا استثمار أو منزل ثان أكثر من كونه انتقاال نهائيًا لعائلت كبيرة. أمـــا الــبــرتــغــال، فـتـبـقـى جـــذابـــة كـنـمـوذج «جــودة حياة» وتكاليف أدنـى نسبيًا لبعض الــفــئــات. لكنّها تـقـدم فــي الــوقــت نفسه درســ على أن أوروبا ليست بوفيهًا مفتوحًا. ونقلت 2025 ) وكـالـة «رويـــتـــرز» فـي يونيو (حـــزيـــران أن الحكومة البرتغالية اتجهت إلــى تشديد قواعد التجنيس ولم الشمل ورفع مدة اإلقامة املطلوبة ملعظم األجانب قبل طلب الجنسية، تحت ضغط سياسي داخـلـي متصاعد حول الهجرة؛ أي أن من يراهن على استقرار طويل األمد يجد أن القواعد يمكن أن تتغير بسرعة، وأن «الوجهة» ليست وعدًا ثابتًا. ما الواقعي وما المبالغ؟ بـــــهـــــذا املـــــعـــــنـــــى، ال تــــعــــنــــي الــــوجــــهــــات األوروبـــــــيـــــــة أن أمــــيــــركــــا فــــقــــدت هــيــمــنــتــهــا. العكس: كثير من حركة «الهجرة املعاكسة» لـدى األثـريـاء واملهنيني تعكس منطق إدارة املخاطر داخل اقتصاد عاملي تقوده الواليات املـــتـــحـــدة. فـــاألمـــيـــركـــي الـــــذي يــشــتــري مــنــزال فـي لـنـدن أو يفتح بــاب إقـامـة فـي أمـسـتـردام ال يـقـطـع عــاقــتــه بـالـهـيـمـنـة األمـــيـــركـــيـــة، بل يــســتــخــدم مــــزايــــاهــــا: الــــدخــــل، ورأس املـــــال، والعمل عن بعد، لبناء خيار إضافي خارج املـــجـــال الــســيــاســي الـــداخـــلـــي. إنـــهـــا مــفــارقــة «الهيمنة»: القوة التي تمنح فرصًا هائلة هي نفسها الـتـي تجعل الـسـيـاسـة داخـلـهـا أكثر صخبًا وتأثيرًا في حياة الفرد، فتدفع بعضه إلى توزيع حياته على أكثر من جغرافيا. فـي النهاية، تـبـدو «الـهـجـرة املعاكسة» أقل اتساعًا مما يوحي به ضجيجها، لكنها أكـثـر داللـــة مـمـا يـريـد الـبـعـض االعـــتـــراف بـه. ليست موجة نـزوح جماعي، بل تيار نوعي يـقـوم على ثــاث طـبـقـات: رغـبـة مـتـزايـدة في الرحيل لدى فئات محددة، وخطوات عملية لـــبـــنـــاء مــــخــــارج قـــانـــونـــيـــة ومـــالـــيـــة، وتـــحـــوّل ديمغرافي أكبر يتمثل فـي تـراجـع الداخلني إلـــى الـــواليـــات املــتــحــدة. وبـــ هـــذه الطبقات تتشكل صـورة بلد يــزداد نفوذًا في الخارج، لكنه يخوض في الداخل معارك متزامنة على الهوية واألمـان واملعرفة، وهي معارك تكفي وحدها إلنتاج سؤال الرحيل، حتى إن بقي، في معظم األحيان، «خطة ب» أكثر منه قرارًا نهائي ًا. مسافر ينتظر القطار في مدينة نيويورك (أ.ف.ب) مارة يعبرون الطريق في تايمز سكوير بمدينة نيويورك (شاترستوك) منذ عودة الرئيس األميركي دونالد ترمب إلى البيت األبيض، تحوّل سؤال «هل حان وقت املغادرة؟» من نكتة سياسية تُقال بعد كل انتخابات، إلـى حديث جـاد يتكرر في غـرف األخبار، وعــلــى مـنـصـات الـــتـــواصـــل، وحــتــى فـــي مـكـاتـب االســتــشــارات الضريبية وشركات الهجرة. لم يعد سؤال «هل نغادر؟» مجرّد انفعال انتخابي عابر أو تهديد يُطلقه نجوم الشاشة ثم يُطوى. صار السؤال جزءًا من أحاديث يومية في أوساط واسعة: عائالت تُقلّب خرائط مدارس أكثر أمنًا وتبحث عن مجتمع أقل توترًا، نساء شابات يقرأن معارك الحقوق والثقافة بوصفها مؤشرًا على مستقبل أكثر ضيقًا، أكاديميون يتعاملون مـع العالقة املـتـدهـورة بـن الـدولـة والجامعة باعتبارها اختبارًا الستقالل املعرفة، وأثرياء يتحدثون عن الضرائب والبيئة السياسية بلغة إدارة مخاطر، ويفكرون في «خطة ب» هادئة ال تنفي عالقتهم باالقتصاد األميركي، بقدر ما تؤمّن لهم مخرجًا من تقلبات السياسة والضرائب. في هذا املناخ املتشنّج، تحوّلت «الهجرة املعاكسة» إلـى عبارة تختصر مزاجًا أكثر مما تصف حركة سكانية كبرى. فالضجيج كبير، لكن الدقة تقتضي التفريق بي رغبة في الرحيل تُقاس باالستطالعات، وبي خطوات قانونية فعلية للحصول على إقامة أو تأشيرة، وبي حقيقة ديمغرافية تُقاس بصافي الهجرة وتدفّقات الداخلي والخارجي. املفارقة أن أهم ما تُظهره األرقام في العام األول من الوالية الثانية ال يبدو «نزوحًا أميركيًا جماعيًا» بقدر ما يبدو تراجعًا في الداخلي إلى الواليات املتحدة، أي في الهجرة إليها، مع آثـار اقتصادية وديمغرافية ملموسة. كيف تحوَّل «القلق» إلى «خطة ب» في بلد يزداد نفوذه الخارجي واشنطن: إيلي يوسف أميركيين 5 من كل 1 «يرغب» بالهجرة الدائمة
RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==