الثقافة CULTURE 17 Issue 17256 - العدد Wednesday - 2026/2/25 الأربعاء يتزيَّن بفضائل التاريخ والحكمة والشعر عرش الأرض الطيبة في قصير عمرة يحتل قصير عمرة موقعا خاصا فـي خريطة القصور الأموية التي تم الكشف عنها في صحاري بلاد الشام، ويتميّز في المقام الأوّل بجدارياته التي تشكّل منجما فنيا يزخر بالصور متعدّدة المعاني، كـــمـــا تــشــهــد الأبــــحــــاث الـــتـــي دأبــــــت عـــلـــى دراســـتـــهـــا وتحليلها، منذ اكتشاف هذا الموقع في مطلع القرن الماضي. يتوزّع قسم كبير من هذه الجداريات على قاعة كبرى تتألّف من ثلاثة إيوانات، يتوسّطها ركن يُــعـرف بــ«ركـن الـعـرش»، وفيه يحضر أمير القصر على عرشه تحت قبّة على شكل قنطرة، تزيّنها حلّة تصويرية مبتكرة تجمع بـن سلسلة مـن القامات الأنثوية. تتبنّى هـذه الحلّة طــرازا شـاع في العالم المـتـوسّــطـي خــال الــقــرون المـيـاديـة الأولــــى، وتمثّل على الأرجح الأرض المثمرة بخيراتها الوفيرة التي ورثتها الخلافة الأموية، وأضحت أمينة عليها. يـــحـــتـــل وســــــط ســـقـــف هــــــذه الـــقـــنـــطـــرة شـــريـــط تزييني عريض متقن أُنجز بحرفيّة عالية، ويتبنّى تأليفا نباتيا تقليدياً، قوامه أربع زهريّات يونانية متراصة عمودياً، تحيط بها أربع شتول من فصيلة الأقـنـثـا. تـمـتـد هـــذه الـشـتـول بــأوراقــهــا المـسـنّــنـة في فضاء التأليف، وتـتـوزّع بشكل تعادلي متناسق، لتؤلف لوحة نباتية يغلب عليها الطابع التجريدي الـــهـــنـــدســـي. لا يــخــلــو هــــذا الــتــألــيــف مـــن الـعـنـاصـر الـــتـــصـــويـــريـــة، الآدمــــيــــة والـــحـــيـــوانـــيـــة، إذ نــجــد في القسم الأسفل من هذا الشريط قـــــامـــــتـــــن مـــــتـــــواجـــــهـــــتـــــن فـــي وضعية نصف جانبية، ترفع كـل منهما ذراعيها فـي اتجاه الأخـــــــــــرى، ونــــجــــد فـــــي الـــقــســـم الأعــــلــــى طـــائـــريـــن مــتــواجــهــن في وضعية جانبية، يرفع كل منهما رأسـه في اتجاه الآخـر. تحيط بـهـذا الـشـريـط النباتي ســـت قــامــات نسائية نصفية، تـــوزّعـــت عـلـى جـانـبـي جـــداري الــقــنــطــرة المـــقـــوّســـن فـــي بـنـاء تعادلي محكم. تـــتـــشـــابـــه هــــــذه الـــقـــامـــات الأنثوية بشكل كبير، وتُقارب فــــي تـــشـــابـــهـــهـــا الـــتـــمـــاثـــل، مـع اخـــــتـــــافـــــات بـــســـيـــطـــة تـحـضــر فـــي تـفـاصـيـل ثـــانـــويـــة. تـرتـفـع الــرؤوس بشكل ثابت، محدّقة فـــي اتـــجـــاه المــشــاهــد، وتكشف عن وجـوه ذات ملامح واحـدة، تـــكـــلّـــلـــهـــا خــــصــــل مــــــن الـــشـــعـــر تلتف من حولها، وتنسدل من خلف الكتفين. اللباس واحـد، وقـــوامـــه جــبّــة، تتغير ألـوانـهـا ونـقـوشـهـا بــن قــامــة وأخــــرى. الـــــحـــــركـــــة واحـــــــــــــدة، وتـــتـــمـــثّـــل بـــحـــضـــور وشـــــــاح عـــلـــى شـكـل رزمة عريضة تنفتح أفقيا عند حــدود الـصـدر. يستقر كــل من هذه الرؤوس وسط قوس زيّن بسلسلة من النقوش المتراصة، وسط مساحة أفقية تزيّنها طيور من فصيلة الدراج، تصطف أفقيا في وضعيّة جانبية. تحضر ثلاثة طيور على الحائط الغربي، وتحضر إلـى جانبها زهـريـة يونانية في طـرف الـصـورة. ويتكرّر هـذا التأليف بشكل مماثل على الحائط الشمالي. ترتفع هذه الأقواس الستة فوق عواميد رخامية طويلة تكلّلها تيجان، وفقا لطراز كلاسيكي يُعرف بــــ«قـــوس المـــجـــد». وتـنـتـصـب وســـط هـــذه الـعـوامـيـد سلسلة مـن الـقـامـات فـي وضعية المـواجـهـة. ترتفع أربــعــة عـوامـيـد عـلـى الـحـائـط الــغــربــي، وتـجـاورهـا شجرة مورقة ترتفع إلى جانبها في طرف الصورة. تظهر تحت القوس الأوّل ثلاث قامات مُحِي الجزء الأكبر من تفاصيلها، ويتَضح عند التأمّل فيما بقي منها أنها تمثل قامة «ملكية» ترافقها قامتان من رجـــال الــحــرس، كما يـوحـي الـلـبـاس والــرمــاح التي تظهر من خلف الظهر. تظهر تحت القوس الثاني امـــــرأة تـنـتـصـب وســــط شــجــيــرات خـــضـــراء، حـامـلـة بيديها شتولا مزهرة. وتظهر تحت القوس الثالث، امـــرأة تنتصب كـذلـك فـي وضعية مشابهة. يتكرّر هـــذا الـتـألـيـف عـلـى الـحـائـط الـشـمـالـي، مــع اخـتـاف في التفاصيل. يرافق الحرس القامة الملكية تحت الـقـوس الأول. وتقف امـــرأة وسـط شجيرات مثمرة تحت القوس الثاني. وتقف رفيقتها تحت القوس الأخـــيـــر، رافـــعـــة بـيـدهـا الــيــســرى نـحـو الأعــلـــى قـرنـا ضخما ً. يستعير هــذا التأليف مـفـرداتـه مـن القاموس التشكيلي الكلاسيكي المـتـوارث. فالمرأة التي ترفع رزمــــــة، هـــي فـــي الأصـــــل «غــــايــــا»، الأرض الأم الـتـي ولـــد مـنـهـا الـــكـــون وتــشــكّــل، بـحـسـب سـفـر الـتـكـويـن اليوناني. وهي في العصر المسيحي، الأرض الطيّبة التي ترفع رزمـة مـأى بالثمار. في المقابل، تجسّد القامات النسائية المنتصبة هـذه الخصوبة، وفقا لمبدأ «تشخيص» الفضائل والقيم والخيرات الذي اعتمده الفن الكلاسيكي، وتبنّاه الفن المسيحي من بـعـده. يجمع ركـن الـعـرش الأمـــوي بـن أربــع قامات من هذا الطراز، وتتمّيز إحداها بالقرن الذي ترفعه بـيـدهـا عـالـيـا، وهـــي فــي الـفـن الكلاسيكي «تـيـكـه»، سـيـدة الـحـظ الـسـعـيـد والــنــجــاح والازدهــــــار ووفـــرة الغلال، والقرن الذي تحمله هو «قرن الوفرة» المليء بثمار الأرض. ظهر هــذا الـقـرن فـي الـقـرن الخامس قبل الميلاد حيث ارتبط بسيد العالم السفلي «هـاديـس»، أي «مــانــح الـــثـــروة»، وذلــــك كناية عـمـا يحمله بـاطـن الأرض من كنوز تشكّل جزءا من مملكته. وارتــــــبــــــط فـــــي مــــرحــــلــــة لاحـــقـــة بسيدة الازدهـــار «تيكه» التي تــــعــــدّدت صــــورهــــا ورمــــوزهــــا، فـــــبـــــات لــــكــــل مــــديــــنــــة مــــزهــــرة «تــــيــــكــــه» خـــــاصـــــة. ورث الـــفـــن المــســيــحــي هــــذا المـــثـــال فـــجـــرّده من دلالاتـه الأولـى، وجعل منه رمــزا للوفرة والـعـطـاء، ويبدو أنـه دخـل الفن الأمـــوي مـن هذا الباب. تـــحـــضـــر الــــقــــامــــة المــلــكــيــة بــرفــقــة حــرســهــا عــلــى الـــجـــدار الـــــغـــــربـــــي، كــــمــــا تـــحـــضـــر عـلــى الــــــجــــــدار الــــشــــمــــالــــي المــــقــــابــــل. فـــــي المــــقــــابــــل، يـــظـــهـــر صـــاحـــب الـقـصـيـر مـتـربّــعـا عـلـى عـرشـه المــــلــــكــــي فـــــي صــــــــورة مــــركــــزيّــــة تــــحــــتــــل الـــــــجـــــــدار الــــجــــنــــوبــــي. تتآلف هذه العناصر وتعكس صـــــورة ســـيـــادة الــخــافــة على هــــذه الأرض المـــثـــمـــرة. تكتمل هــــــــــــذه الـــــــــــصـــــــــــورة بــــحــــضــــور عناصر أخــرى مـن هــذه الحلة الاســــتــــثــــنــــائــــيــــة. فـــــي الإيـــــــــوان الــشــرقــي، تـظـهـر ثــــاث قـامـات في لوحة جامعة تحتل الجزء الأعلى من الجدار الجنوبي. تحضر قامة نسائية تقف خلف قامة أخرى وهي تمسك بذراعها. ترافق هــاتــن الـقـامـتـن كـتـابـتـان يــونــانــيــتــان، «الـحـكـمـة» و«التاريخ». تتطلّع هاتان السيّدتان في اتجاه قامة تـقـف فــي الــطــرف المـقـابـل، متكئة عـلـى عـمـود مـربّــع قصير، وترافق هذه القامة كتابة تسمّى «الشعر». يقابل هذه الصورة تأليف يحتل الأعلى من الحائط الـجـنـوبـي فـــي الإيــــــوان الــغــربــي. فـــوق لــوحــة تمثّل الأمير وسط ديوانه، يظهر طاووسان متواجهان، وتعلو كـا منهما عبارة باللغة اليونانية، تسمّى إحداها «النعمة» وتسمّى الأخرى «النصر». فـــي الــخــاصــة، تـمـتـد ســيــدة الــخــافــة لتشمل الأرض الطيبة كلها بغلال ثمارها، وتتزيّن بفضائل الــتــاريــخ والـحـكـمـة والــشــعــر، وتـحـظـى فــي حكمها بالنعمة والنصر. محمود الزيباوي تفصيل من جدارية تزين ركن العرش في قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه الجدارية يظهر صاحب القصير متربّعا على عرشه الملكي في صورة مركزيّة تحتل الجدار الجنوبي تبدت وجوهها واضحة حينا واختبأت أحيانا خلف أقنعة مختلفة النزعة النرجسية وتمثُّلاتها في التراث الشعري العربي لم تقتصر الانعكاسات الفكرية والإبداعية لأسطورة نرسيس على الثقافة الغربية وحدها، بل اتسعت دائرتها لتطال ثقافات العالم المختلفة، باعتبار أن الشخصية النرجسية غير محددة بهوية محلية، بل هي تجد شواهدها وتمثلاتها لدى سائر الشعوب والهويات والجماعات. ومع أنـنـا لا نعثر فـي الشعر الـعـربـي الـقـديـم على أي تفاعل مباشر مع هذه الأسـطـورة، أو غيرها من أساطير الـيـونـان، غير أن هــذا الشعر عــرف عبر رمـوزه المختلفة، قدرا عاليا من الزهو النرجسي والاعتداد بالذات. وســـــواء بـــدا هـــذا الـــزهـــو تـعـبـيـرا عـــن حـاجـة الذات المنبتة عن كنفها القبلي، إلى ما يحصنها فـــي وجــــه الـــعـــزلـــة والـــقـــلـــق، كــمــا فـــي حـــالـــة امـــرئ القيس وطرفة وعنترة والشعراء الصعاليك، أم كـان متصلا بــروح الجماعة، كما لـدى عمرو بن كلثوم، فالملاحظ أن تضخم الأنــا النرجسية قد شكَّل إحــدى السمات الأساسية للشعر العربي، الـــذي كــان الفخر بالنفس والـجـمـاعـة واحـــدا من ركائزه وعلاماته. والأرجـــــح أن الـــنـــزوع الـنـرجـسـي فــي الشعر العربي القديم، يجد بعض أسبابه في التفاوت الــــهــــائــــل بـــــن لا نـــهـــائـــيـــة المـــــكـــــان الــــصــــحــــراوي، ومــــحــــدوديــــة الـــجـــســـد الإنــــســــانــــي، حـــيـــث الـــــذات المثلومة والمرحَّلة بشكل قسري عن مواطنها، لا تـجـد مــا يعصمها مــن التشتت ســـوى الافـتـخـار بـنـفـسـهـا، والالـــتـــفـــاف كــالــشــرنــقــة عــلــى هـويـتـهـا الفردية أو الجمعية. وقــد بــدا الافـتـتـان بـالـذات واضـحـا فـي شعر امـرئ القيس، وهـو الـذي أفـرد مقاطع غير قليلة من معلقته للحديث عن مغامراته العاطفية مع النساء اللواتي بادلنه العشق بالعشق، والافتتان بـالافـتـتـان، كـمـا كـــان شـأنـه مــع أم الـحـويـرث وأم الرباب وفاطمة وعنيزة وغيرهن. ورغم أن عشقه لعنيزة قد دفعه إلى ذبح ناقته لكي تردفه خلفها عـلـى ظـهـر نـاقـتـهـا، فـإنـه حــن بـالـغـت فــي الغنج والتمنع، يعمد إلـى إثــارة غيرتها عبر تذكيرها بجاذبيته التي لا تقاوم. كما لـم يـتـوان «المـلـك الضليل» عـن التباهي بكسر الأعــــراف والمــحــرمــات، ســـواء عبر علاقاته مع النساء الحوامل، أو مع المتزوجات اللواتي لم تتحرج إحداهن من تحويل جسدها إلـى وليمة متقاسمة بالتساوي بينه وبين طفلها الرضيع. وهو ما تشير إليه أبياته الشهيرة: ويوم دخلت الخدْر خدر عنيزة فقالت لك الويلات إنك مرجِلي ِفقلت لها سيري وأرخي زمامه ولا تبعديني عن جَناك المعلَّل ِفمثلك حبلى قد طرقت ومرضع فألهيتُها عن ذي تمائم محْول على أن النزوع النرجسي في الجاهلية لم يأخذ شكل الاعـتـداد بـالـذات المـفـردة فحسب، بل كثيرا ما بدا اعتدادا بالذات الجمعية، باعتبارها امــــتــــدادا لــــذات الـــشـــاعـــر، وحــصــنــه ومــــــاذه. فهو إذ يـــخـــوض حـــربـــا مــــا، فـلـيـس لـــيـــذود عـــن نفسه وحدها، بل ليذود عن حياض السلالة ومكانتها ومصادر رزقها في الوقت ذاته. وقد تكون معلقة عمرو بـن كلثوم، بما فيها مـن تصوير ملحمي لـشـجـاعـة بـنـي تـغـلـب، هـــي الــشــاهــد الأبـــلـــغ على المماهاة الكاملة بين الذاتين الفردية والجمعية، وبخاصة في أبيات من مثل: لنا الدنيا ومن أمسى عليها ونبطش حين نبطش قادرينا كأنّا والسيوف مسلّلات وَلدنا الناس طرّا أجمعينا إذا بلغ الفطام لنا صبي تخر له الجبابر ساجدينا وكـثـيـرا مـا يـبـدو الـزهـو النرجسي بـالـذات، ردا مشبعا بـــالمـــرارة عـلـى ظـلـم القبيلة، الـتـي لم تتساهل أبدا في معاقبة الخارجين على أعرافها وقوانينها. فطرفة بـن العبد الـــذي انـسـاق وراء مـلـذاتـه، وقــد استشعر قصر الحياة وعبثيتها، والذي عاقبته القبيلة بعزله عنها وإفراده «إفراد البعير المعبد»، لـم يجد ردا مناسبا على الظلم اللاحق به، أفضل من التذكير بشجاعته، وبكونه فتى الجماعة وفارسها المقدام، كما في قوله «إذا القوم قالوا: من فتىً؟ خلت أنني، عنيت فلم أكسل ولم أتبلدِ». أمـــا عـنـد عـنـتـرة فـقـد بـــدا الاعـــتـــداد بــالــذات، نوعا من الرد على ما لحق به من ظلم وتهميش، بـسـبـب ســــواد لــونــه. وإذ وجـــد عـنـتـرة فــي بأسه الجسدي، ما يدفع بني عبس إلى رد الاعتبار له، بدا شعره بمعظمه اعتدادا بشجاعته، واستعادة رمـــزيـــة لـهـويـتـه المـــهـــددة. وهـــو مـــا يـــؤكـــده قـولـه: «ولقد شفى نفسي وأبرأ سقْمها، قول الفوارس: ويــــــك عــنــتــر أَقْــــــــــــدِمِ». أو قـــولـــه وهـــــو يــعــمــل عـلـى استثمار شجاعته في المجال العاطفي: «إن المنيّة يا عبيلة دوحةٌ، وأنا ورمحي أصلها وفروعها». ومــــــع أن تـــبـــاهـــي الــــشــــعــــراء بـــأنـــفـــســـهـــم فـي الــجــاهــلــيــة، قـــد أخـــلـــى مــكــانــه فـــي صــــدر الإســـــام، للخشوع والتواضع الجم أمام الخالق، فقد كانت تجربة سحيم عبد بني الحسحاس، واحـــدة من الاستثناءات القليلة، التي شكَّلت امتدادا للزهو الـجـاهـلـي بـــالـــذات. وحــيــث شــــارك سـحـيـم عنترة سواده ولم يشاركه شجاعته في ساحات المعارك، وجـــد فـــي مـــخـــادع الـــحـــب، المــيــاديــن الـبـديـلـة الـتـي تمكنه من الاعتداد بفحولته، وتوفر له سبل الرد المفحم على ما ألحقه به بنو الحسحاس من عسف واضـــطـــهـــاد. وإذ رأى سـحـيـم فـــي انــشــغــال رجـــال القبيلة بالحرب، الفرصة المثلى للانفراد بنسائهم، فقد كـان حرصه على إغاظة رجــال القبيلة الذين بالغوا فـي ازدرائــــه، أكثر مـن حرصه على حياته نفسها، مما دفعه إلى التباهي بعلاقاته الغرامية عـلـى نـحـو عـلـنـي، حـتـى إذا قـــرر بـنـو الحسحاس حرقه حياً، لم يتورع عن القول متباهياً: ُشُدّوا وثاق العبد لا يفْلتْكم إن الحياة من الممات قريب فلقد تحدَّر من جبين فتاتكم عرق على ظهر الفراش وطِيب أما عمر بن أبي ربيعة الذي كان ينتمي إلى أحــد فـــروع قـريـش الأكـثـر منعة وثــــراء، فقد بدت نرجسيته الفاقعة ثمرة عاملين اثنين هما، نشأته الباذخة التي تدعمها الوسامة والموهبة العالية من جهة، ورغبته الملحة في انتهاك المحظورات والقواعد الأخلاقية التي فرضها الدين الحنيف، بما فيها من حث على التعفف والتقوى، ونهي عــن الـفـجـور والــزنــا وارتـــكـــاب المــحــرمــات. كـمـا أن نــزوع عمر إلـى التمرد، لم تقتصر وجوهه على الـسـلـوكـيـات الـعـابـثـة والـتـلـذذ الأقــصــى بالحياة فـحـسـب، بــل تعدتهما إلـــى الـشـعـر نـفـسـه، حيث حــــوَّل قــصــائــده ومـقـطـوعـاتـه إلـــى احــتــفــال عـــارم بـــالمـــغـــامـــرات الــعــاطــفــيــة والـــتـــلـــذذ بــمــتــع الـعـيـش ومـلـذاتـه، ضـاربـا بـعـرض الـحـائـط كـل دعـــوة إلى الوقار والزهد والاحتشام. وإذ بــــدا شــعــر عــمــر تــرجــمــة أمــيــنــة لأحــــوال نــفــســه، فـنـحـن لـــن نــعــدم الـــشـــواهـــد الــتــي تعكس صــــورة أنــــاه المـتـفـاقـمـة، وهـــو الــقــائــل فـــي وصـف النساء المنتظرات قدومه بفارغ الصبر «وكن إذا أبـصـرنـنـي أو سمعن بـــي، هُــرعــن فـرقَّــعـن الـكـوى بـالمـحـاجـرِ». كما أنــه فـي سـيـاق الامــتــداح المفرط للذات، لم يجد غضاضة في التصريح بأن إحدى عاشقاته الـوالـهـات، لا تجد ما تستعين به على الـنـهـوض، إذ تــزل بها الـقـدمـان، ســوى ذكــر اسم شاعرها المعشوق، فيقول في ذلك: وإذا ما عثرت في مشيها نهضت باسمي وقالت: يا عمر عـلـى أن أي حـديـث عــن النرجسية فــي الشعر الـــعـــربـــي الــــقــــديــــم، لا يــســتــقــيــم دون الـــتـــوقـــف عـنـد شخصية أبي الطيب المتنبي، الذي بلغ به الخيلاء وتــعــظــيــم الـــنـــفـــس، حــــــدودا قــــل أن بـلـغـهـا أحــــد من الشعراء العرب السابقين. ومن يتابع سيرة الشاعر على امتداد السنوات الخمسين التي عاشها، لا بد أن يكتشف أن اعتداده بنفسه لم يقتصر على ناحية بعينها، بل كان يطال شعره ولغته، بقدر ما يطال مـــزايـــاه الـشـخـصـيـة، كـالـشـجـاعـة والمــــــروءة والأنــفــة والـــشـــعـــور بــالــغــربــة. وقــــد بــــدا واضـــحـــا أن تعظيم الشاعر لذاته، قد بدأ مع مطالع الصبا، حيث أسهم فـــوران صـبـاه وانـتـمـاؤه الـقـرمـطـي، فـي تعزيز أنـاه وتضخيمها ومضاعفة منسوبها، كما يظهر في قوله: ِ أي محل أرتقي أي عظيم أتَّقي وكل ما قد خلق الله وما لم يخلق محتقر في همّتي كشعرة في مفرقي وإذ رافـــقـــت هــــذه الــســمــة المــتــنــبــي فـــي جميع مــراحــل حـيـاتـه، فـلـن يـعـوزنـا الـعـثـور عـلـى عـشـرات الشواهد والأمثلة الدالة على نرجسيته، وشعوره الـعـمـيـق بـالـعـظـمـة والـــنـــبـــوغ. فــهــو لـــم يــتــحــرج من القول: «أنا ترْب الندى ورب القوافي»، أو «ما بقوم شـرفـت بـل شـرفـوا بـــي»، أو وصــف غربته وتعاليه عـن معاصريه مـن الـبـشـر، بـالـقـول: «ومـــا أنــا منهم بالعيش فيهمْ، ولكن معدن الذهب الرغامُ». وهو في مواضع أخرى «خير من تسعى به قـدم»، والصوت المتفرد الــذي يتحول الآخـــرون إلــى صــدى لــه. وهو الذي ينظر الأعمى إلى أدبه، ويسمع كلماته الأصم. وقـــد يــكــون الــشــاعــر الأنــدلــســي ابـــن حـمـديـس، أخـــــيـــــراً، أحـــــد أكــــثــــر الــــشــــعــــراء قـــــــدرة عـــلـــى اخــــتــــزال الـشـخـصـيـة الـنـرجـسـيـة بـقـلـيـل مـــن الــكــلــمــات، حين وصف أحد الذين يرون في أنفسهم، محور الأرض وسبب دورانها، بقوله: ِ كـأنـمـا الــعــالــم مـــرآتـــه فـــا يـــرى فـيـهـا سـوى شخصه رسم تخيلي لامرئ القيس شوقي بزيع النزوع النرجسي في الشعر العربي القديم، يجد بعض أسبابه في التفاوت الهائل بين لا نهائية المكان الصحراوي، ومحدودية الجسد الإنساني
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky