issue17256

Issue 17256 - العدد Wednesday - 2026/2/25 الأربعاء OPINION الرأي 14 الجزائر ــ السعودية... رهانات مشتركة لإعادة هندسة آفاق الشراكة ديــنــامــيــات مــتــســارعــة نــحــو تــعــزيــز الــتــقــارب الاسـتـراتـيـجـي وتـكـثـيـف التنسيق المــتــبــادل؛ ذلـك مـا تشهده الـعـاقـات الـجـزائـريـة الـسـعـوديـة تحت دافـعـيـة تـصـاعـد نـسـق الــتــوافــقــات الإقـلـيـمـيـة ذات الأبـــعـــاد الـجـيـوبـولـيـتـيـكـيـة والــجــيــوأمــنــيــة ضمن الـــفـــضـــاء الـــعـــربـــي والإســـــامـــــي المـــتَّـــســـع لــلــنــطــاق الأفـــروآســـيـــوي، فـالـعـاقـات الثنائية بــن البلدين الشقيقين اللذين يعدّان من ركائز النظام الإقليمي الــــعــــربــــي تـــســـتـــنـــد إلــــــى جـــمـــلـــة مـــــن ثـــــوابـــــت الإرث التاريخي السليم وقواعد الاحـتـرام المتبادل التي شكّلت مرجعية تاريخية رسـمـت معالم العقيدة الــســيــاســيــة الـــراســـخـــة فـــي إدارة حـــــدود الــتــوافــق والــتــبــايــن ضــمــن هــــذه الــثــنــائــيــة، حــيــث لــعــب هــذا المُعطى دورا حيويا في الحفاظ على زخم العلاقات بين الطرفين حتى خلال تلك الفترات التي شابتها مستويات دنيا من تباينات الرؤى والمواقف تجاه أحداث بعينها، وما عزّز من ذلك هو قدرة الطرفين على إدارة التناقضات المرتبطة بعلاقاتهما مع أطـــــراف إقـلـيـمـيـة أخــــرى تـشـتـمـل عـلـى مـلـفـات جد حساسة لكليهما. زيـــارة وزيـــر الـداخـلـيـة الـسـعـودي الأمـيـر عبد الــعــزيــز بـــن ســـعـــود مـــؤخـــرا إلــــى الـــجـــزائـــر، جـــاءت اســتــثــنــائــيــة فـــي تـوقـيـتـهـا وظـــروفـــهـــا فـــي ظـــل ما تشهده المنطقة من تحولات متسارعة تمس جوهر التوازنات الجيوسياسية فيها، على النحو الذي تصاعد معه رهــان الطرفين على تعزيز مسارات الــتــقــارب الأمـــنـــي، هـــذا الأخــيــر الــــذي لــم يـكـن وليد اللحظة وظـروفـهـا بــل لـطـالمـا شـهـد أنـسـاقـا عالية سابقاً، ومن المنتظر أن تعزّز الظروف الراهنة من ذلك. وضــــمــــن الــــســــيــــاقــــات الإقـــلـــيـــمـــيـــة والــــدولــــيــــة الراهنة، وتحت وطـأة جنوح النظام الـدولـي نحو المزيد من منطق القوة بعيدا عن بنيوية المأسسة الـــدولـــيـــة ومــــا تـكـتـنـفـهـا مـــن مــنــظــومــات قـانـونـيـة، تـــوازيـــا مــع حـالـة عـــدم الـيـقـن الاسـتـراتـيـجـي الــذي تــنــحــو نـــحـــوه مــــســــارات تـــطـــور الأحــــــــداث، فـــي ظل هـذا الوضع تتصاعد مخاطر الانعزالية بالنسبة للقوى الإقليمية وبخاصة تلك المحاطة بأحزمة من التحديات الأمنية الـعـابـرة للوطنية الناجمة عن هشاشة النظام الإقليمي، وهو ما تُعنى به الجزائر والسعودية بشكل مباشر، خاصة في ظل الوضع الــراهــن للنظام الإقليمي الـعـربـي المــتــأزم فـي كثير من ثناياه، وما يكتنف بعض مكوناته من أزمات قُطرية طــال تأثيرها مستقبل كينونة الـدولـة مع تصاعد مخاطر التفكّك، توازيا مع احتدام التنافس بين مشروعين متناقضين، هامش التمايز بينهما آخـذ في الاتساع مع غياب أي مؤشرات للجم هذا التوسع؛ الأول يراهن على مشروع التفكيك وإعادة صياغة الـوضـع الجيوسياسي الــراهــن، عبر دعم كيانات غير نظامية ذات نزعة انفصالية، والثاني يراهن على تثبيت الاستقرار ودرء مخاطر التفكيك عـبـر دعـــم الـكـيـانـات الـنـظـامـيـة فــي الــــدول الـواقـعـة ضــمــن نــطــاقــات أمــنــيــة هـــشّـــة تــتــوفــر عــلــى بــواعــث تـحـوّل الهشاشة إلــى فشل دولـتـي، حيث تبرز كل من الجزائر والسعودية بوصفهما من أكثر الفواعل المستأثرة بمقومات أداء الدور المانع للتفكّك. وحـــــول الــنــهــوض بــالــشــراكــة الاسـتـراتـيـجـيـة اســـــــتـــــــنـــــــادا إلــــــــــى نـــــهـــــج «الــــــتــــــكــــــامــــــل» المــــنــــاقــــض لـ«الاصطفاف» وسياسة المـحـاور، صــرّح الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بـأن «أمــن المملكة من أمن الجزائر»؛ في معرض وصفه للزخم المتصاعد في علاقات البلدين الشقيقين، ما يعبّر عن وجود قـنـاعـة راســخــة مـتـبـادلـة بحتمية الــرفــع مــن نسق الـــتـــعـــاون الــثــنــائــي انـــطـــاقـــا مــمــا يــفــرضــه الـــواقـــع الدولي والإقليمي الراهن من تحديات تقع ضمن صـمـيـم أمـنـهـمـا الــوطــنــي والإقــلــيــمــي، تـــوازيـــا مع تصاعد نسق الضغوط على القرار السيادي للدول فـــي ظـــل نـمـو أنـــمـــاط جـــديـــدة مـــن الـتـفـاعـل الــدولــي خارج نطاق الأطر التقليدية. فـي مقابل ذلـــك، فــإن المـسـار العقلاني لإعــادة هندسة آفاق الشراكة الجزائرية السعودية يتطلب مـــقـــاربـــات تـكـامـلـيـة بــعــيــدة عـــن نــمــط اصـطـفـافـات المــــحــــاور ومــــا تـــفـــرزه مـــن اســتــقــطــابــات حــــــادة، لما لتغذية مثل مسار كهذا من تكاليف بعيدة المدى، والـسـبـيـل هـنـا هــو اعـتـمـاد مـقـاربـة هــادفــة تبتغي بـــنـــاء مــنــظــومــة عــائــقــيــة أكـــثـــر تـــمـــاســـكـــا، والأهـــــم التأسيس لتوازن إقليمي أكثر استقرارا وسط بيئة إقليمية ودولية سريعة التحوّل، عبر الاستناد إلى العمق التاريخي للعلاقات بـن البلدين وتعزيز الوعي المشترك بالتحديات، واستيعاب التكاليف الــنــاجــمــة عـــن مـواجـهـتـهـا خــــارج ســيــاق الإجــمــاع وأطر العمل المشترك ثنائيا كان أم متعدّدا قد يمتد نحو إعادة تفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك، خاصة أن رهانات البلدين تتشاركها ضمنيا جل الأقطار العربية. ويتعزّز هذا الرهان في ظل ما يكتنف علاقة البلدين من توافقات إقليمية، تجلّت بداية بالأزمة الـلـيـبـيـة الـــتـــي تـــكـــاد تــتــطــابــق مــقــاربــتــا الــدولــتــن لسبل تسويتها. وكـذلـك مقاربتا الـدولـتـن تجاه الأزمـة في السودان، فكلا الطرفين يعد المؤسسات الرسمية في السودان الجهات الشرعية الوحيدة الــواجــب الـتـعـامـل معها بــل ودعـمـهـا فــي مواجهة مشاريع تفكيك الــدولــة، ولا يمكن استثناء الملف الـيـمـنـي الــــذي يـشـهـد تـــطـــورات مـتـسـارعـة وإعــــادة هيكلة جذرية لتوازنات كل الفواعل المؤثرة فيه من مسار هذا التوافق؛ إضافة للقرن الأفريقي والموقف من ملف «أرض الصومال». مـنـطـقـة الــســاحــل الأفـــريـــقـــي الــتــي تــعــانــي من جــمــلــة مـــن الأزمـــــــات المـــركـــبّـــة والمــــتــــعــــدّدة الأبـــعـــاد، المـــفـــرزة لـشـبـكـات واســـعـــة مـــن الــتــحــديــات الـعـابـرة للحدود الوطنية، تعد هي الأخرى فضاء مرشحا لتوسع الشراكة الجزائرية السعودية، خاصة في ضـــوء وقـــوع منطقة الـسـاحـل ضـمـن دائــــرة أوســع تشهد مسارا متسارعا نحو إعـادة هندسة حدود الـنـفـوذ كنتيجة لحالة الــفــراغ الـنـاجـم عـن تراجع الـــنـــفـــوذ الــفــرنــســي الــكــولــنــيــالــي الــتــقــلــيــدي، ومــن جهة ثانية فــإن المنطقة تـعـد عمقا جيوسياسيا وجيواستراتيجيا للأمن القومي الجزائري، وفي ضـــوء الـتـحـسّــن المـــتـــدرّج لـلـعـاقـات الـجـزائـريـة مع دول الساحل فإن خيارات الجزائر قد تمتد لتشكيل شـبـكـة مـــن الــتــفــاعــات الإقــلــيــمــيــة المـــســـانـــدة الـتـي تمتلك السعودية مقومات التفاعل معها. أما بالنسبة للقضية الفلسطينية والتعاون تـحـت مـظـلـة «أوبــــــك» وتـنـسـيـق الأدوار فـــي سـوق الطاقة العالمي، تبقى من المسلّمات التي لا يمكن الاجتهاد فيها فيما تعلّق بسقف التوافق الثنائي، فالجزائر والسعودية أعلنتا بشكل صريح أنه لا تطبيع دون قيام دولة فلسطينية كاملة السيادة، أما فيما تعلق بالتنسيق في سوق الطاقة العالمية فـــهـــو مـــلـــف راســــــخ فــــي عــــاقــــات الـــبـــلـــديـــن الــلــذيــن يـسـعـيـان لـلـحـفـاظ عـلـى مــوقــع «أوبـــــك» كمرجعية للتنسيق بين الدول المصدرة للنفط. وحـــول نـطـاق الأولــويــات الحيوية فـي الوقت الـــراهـــن يــبــرز المـــحـــدّد الأمـــنـــي، بـوصـفـه أحـــد أكـثـر المـــــحـــــددات المــــرجــــو أن تـــنـــال الـــحـــصـــة الأوفـــــــر مـن الـنـقـاشـات المرتبطة بتصاعد نسق الـتـعـاون بين البلدين حـول قضايا كبرى متعلقة بأمن المنطقة ووحدة الدولة الوطنية فيها، وسط بيئة إقليمية تشهد نهجا متسارعا نحو إعــادة هندسة حدود الـــنـــفـــوذ، وهــــــذا مــــا يــعــكــس بـــــــدوره أهـــمـــيـــة الـبـعـد الجيوبوليتيكي في التعاون الثنائي بين البلدين، بـل إن ذلــك يـعـد مـن أهــم الـرهـانـات الاستراتيجية التي من المؤكد ستكون ركنا أساسيا في مستقبل الـشـراكـة، فـي ظـل مـا يُــرسـم للمنطقة مـن مـسـارات للتفكيك من جهة، والـرؤيـة الجزائرية السعودية المشتركة المنافية لهذا المسار من جهة أخرى. توازيا مع ذلك ورغم أن الرهان الأمني سيبقى أولـويـة فـي ضــوء مـا تمليه الـظـروف الـراهـنـة، فإن الـرهـان الأكـبـر للنهوض بالشراكة الاستراتيجية الأشــمــل يـرتـهـن لـاقـتـصـاد، وهـــو مــا تــدركــه قـيـادة الـبـلـديـن ويــعــززه واقـــع الــفــرص الـهـائـلـة للنهوض بالشراكة الاقتصادية، وهذا يتطلب حتمية إعادة صياغة ميكانيزمات الشراكة الاقتصادية وتحويل الإرادة الراهنة في تعزيز الشراكة إلى خطط عملية قابلة للتنفيذ، ســـواء فـي إطـــار مـا هـو متوفر من آلـيـات مشتركة، أو مـا تعلق بـاسـتـحـداث مـا يلزم مـن آلـيـات تماشيا مـع مـا هـو مـــدرك مـن طموحات ثنائية تقع ضمن آفاق تحويل الاقتصاد إلى رهان رئيسي في سبيل التأسيس لشراكة استراتيجية مستدامة. * باحث بمركز الخليج للأبحاث - الرياض عبد الرزاق *غراف ... سردية الدولة السعودية 2030 من الدرعية إلى زرت الـدرعـيـة مـــرات عـــدة، مـــررت بقصورها وقلاعها الطينية، وكلما عدت إليها شعرت بدهشة لا تخفت، ليست ،1727 دهشة الوقوف أمام مكان يمتد بثلاثة قرون إلى عام بل دهشة السؤال الذي يتكرر داخلي: كيف يمكن لهذا المكان البسيط أن يصل إلـى مـا وصـل إلـيـه، مـن قصر لا تتجاوز مـسـاحـتـه بـضـعـة آلاف الأمـــتـــار، وثـــاثـــة طـــوابـــق ومجلس متواضع، ورجــال اجتمعوا وتحلقوا حـول فكرة هي أكبر مـن المـكـان، بـل أكبر مـن الإمـــارة نفسها، وإمـــام يــدرك أن ما هو ذاهـب لتأسيسه ليس حصناً، بل معادلة استقرار في قلب بيئة مضطربة، الفوضى هي عنوانها الأبرز وسمتها الأسـاسـيـة؟! لـم تكن أمامهم خـرائـط سياسية معلقة على الــــجــــدران، ولا مـــؤشـــرات اقــتــصــاديــة تــقــاس بــــالأرقــــام، ولا مؤسسات حديثة تحيط بهم، بل إرادة صلبة وإيمان راسخ وعميق بضرورة تنظيم الاجتماع السياسي وصياغة عقد بين الحكم والمجتمع. هنا أدركت أن التأسيس لم يكن حدثا عابراً، ولا حفلة شـاي، بل كـان اختيارا واعيا لبناء دولـة؛ مـعـادلـة سياسية ستختبر مـــرارا وتنجح فـي كـل مــرة في إعادة إنتاج نفسها. كــل ذلـــك كـــان حــاضــرا فــي ذهـنـي ونـحـن نحتفل هـذه الأيام بيوم التأسيس للمرة الخامسة. فقد أدركت أن القرار باعتماد 2022 ) الملكي الـصـادر فـي يناير (كـانـون الثاني الثاني والعشرين من فبراير (شباط) يوما وطنياً، لم يكن إجـــراء تنظيميا أو مجرد إضـافـة إلـى رزنـامـة الاحتفالات الـوطـنـيـة، بــل هــو تثبيت لـوعـي جمعي وذاكــــرة مشتركة ببداية سردية أو قصة الـدولـة، وربــط الأجـيـال بجذورها الـتـي تمتد إلـــى لحظة الـتـكـويـن الأولــــى فــي الــدرعــيــة عـام .1727 كــمــا أن الــتــجــربــة الــســعــوديــة تــجــربــة مـلـهـمـة للعالم وفـريـدة فـي سياقها، فهي لـم تتشكل فـي لحظة سياسية عــابــرة أو ظـــرف سـيـاسـي طــــارئ، بــل عـبـر امــتــداد تاريخي طــويــل رسّــــخ مـــا يـمـكـن وصــفــه بـــ«شــرعــيــة الاســتــمــراريــة». شـرعـيـة سـيـاسـيـة تستند إلـــى تـمـاسـك الـفـكـرة السياسية رغم السقوط المتكرر، وقيادة استمرت رغم الانقطاع. فمنذ تأسيس الـدولـة السعودية الأولـــى فـي الـقـرن الثامن عشر على يد الإمام محمد بن سعود، تشكلت معادلة حكم التف . غير 1818 حولها المجتمع واستمرت حتى سقوطها عام أن السقوط لم يكن نهاية الفكرة ولا القيادة، إذ عادت الدولة في صورتها الثانية على يد الإمـام تركي بن عبد الله، ثم عـلـى يــد المـغـفـور لــه المـلـك عبد 1932 تـأسـسـت الـثـالـثـة عـــام العزيز. ثلاث دول قامت في أزمنة متباينة، وفكرة واحدة استمرت وظلت متماسكة، وقـيـادة ظلت محور الالتفاف الاجتماعي وحافظت على خيطها السياسي الناظم عبر التحولات. وبالتالي فالدولة التي تعود بعد السقوط ثلاث مــــرات لا تــكــون ابــنــة لحظتها، بــل ثــمــرة شـرعـيـة مـتـجـذرة تتجاوز الانقطاع وتستعصي على الزوال. إلا أن هذه الشرعية المتجذرة في التاريخ لا يمكن أن تكتمل إلا إذا تحولت إلــى بـنـاء دولـــة حديثة ومـعـاصـرة. فـالاسـتـمـراريـة لـثـاثـة قــــرون؛ نـعـم تمنح الــدولــة جـذورهـا وشـرعـيـتـهـا، لكنها لا تمنحها مـكـانـتـهـا. وبـالـتـالـي منذ تأسست الدولة السعودية الثالثة على يد المغفور له الملك عبد العزيز بدأت مرحلة ترسيخ الكيان وبناء مؤسساته. وعلى امـتـداد عهود أبنائه من بعده حتى عهد الملك عبد الله، تشكلت ما يمكن تسميته «شرعية الإنجاز»؛ شرعية قـــامـــت عــلــى بـــنـــاء الـــدولـــة الــحــديــثــة، وتــرســيــخ أجـهـزتـهـا، وتـــوســـيـــع قـــاعـــدتـــهـــا الاقــــتــــصــــاديــــة، وتـــعـــزيـــز حـــضـــورهـــا الإقليمي والدولي. فانتقلت هذه الدولة الحديثة من كيان ناشئ في مطلع القرن العشرين إلى واحدة من أكبر عشرين اقتصادا عالميا خلال أقل من قرن. فعضويتها في مجموعة الــعــشــريــن، وتــقــدمــهــا فـــي مـــؤشـــرات الـتـنـافـسـيـة الـعـالمـيـة، وحضورها المـؤثـر فـي أســـواق الطاقة والمـــال؛ لـم يكن قفزة مفاجئة، وإنـمـا كــان امــتــدادا طبيعيا لفكرة الإنــجــاز التي تقاس بالنتائج وتترجم في الواقع. ومـع عهد خــادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن » بــقــيــادة ولـــي العهد 2030 عـبـد الــعــزيــز، وإطـــــاق «رؤيـــــة الأمـيـر محمد بـن سلمان، دخـلـت الـدولـة مرحلة مختلفة؛ مرحلة لم تعد تتوقف عند حـدود الإنجاز المتراكم، وإنما أعــادت صياغة العقدين الاقتصادي والاجتماعي للدولة، وبصورة استباقية. فمع تشابك وتعقد الاقتصاد الدولي والتغيير في موازين الطاقة العالمية والتحول التكنولوجي الكبير، أصبح من الصعب أن تبقى الدولة أسيرة لنموذج اقتصادي وإداري معين مهما تراكم الإنجاز، وأصبح من الـــضـــروري إعــــادة تـعـريـف المــســار ذاتــــه. ومـــن هـــذا السياق » على أنها أسست لما يمكن تسميته 2030 يمكن فهم «رؤية شرعية التحول. تحول هيكلي في بنية الدولة. تحول من إدارة مورد واحد وهو النفط، إلى إدارة نموذج متنوع قائم على الاستثمار والصناعة والخدمات والتقنية والسياحة. كما أن «الرؤية» إعادة تعريف دور الدولة من مشغّل ومموّل مـبـاشـر لـلـنـمـو إلـــى مـمـكـن ومـنـظـم ومــحــفّــز، يـفـتـح المـجـال لـلـقـطـاع الــخــاص والمـجـتـمـع لـيـكـونـا شـريـكـن فــي الإنــتــاج وصناعة الفرص. والأهم أنها جاءت في لحظة استقرار، لا استجابة لأزمة اقتصادية أو سياسة داخلية؛ ما يجعلها تحولا استباقيا لا ضرورة تفرضها الظروف. وعليه تكون شرعية التحول هي امتداد طبيعي لشرعية الاستمرارية وشرعية الإنجاز لا قطيعة معهما. وأخيرا حين نحتفل بيوم التأسيس، وربطا لما قيل، فإننا لا نستعيد لحظة في الماضي فحسب، بل نستحضر مـــســـارا مــتــصــا مـــن الاســـتـــمـــراريـــة إلــــى الإنــــجــــاز، ثـــم إلــى التحول. فهذه الـدولـة والقيادة التي صمدت ثلاثة قـرون، وأثبتت قدرتها على البناء والتأثير، تؤكد اليوم مع «رؤية » بــقــيــادة ولـــي الـعـهـد الأمـــيـــر مـحـمـد بن 2030 الــســعــوديــة سلمان، قدرتها على التجدد والتكيف وصناعة المستقبل. وهـــنـــا يـكـمـن ســـر الإلـــهـــام فـــي الــتــجــربــة الـــســـعـــوديـــة؛ وهــو عمق تاريخي يمنحها جذورها، وإنجاز يرسخ مكانتها، وتحول يصنع مستقبلها. إبراهيم العثيمين غزة... أمل هش ومسار صعب فـي الـنـزاعـات الطويلة، لا يأتي الأمــل عـادة في صورة اختراق تاريخي مفاجئ، بل في شكل خطوات صغيرة تُعيد فتح نافذة السياسة بعد أن أغـلـقـتـهـا الـــحـــرب. مـــا يــحــدث الـــيـــوم فـــي غــزة يمكن قراءته من هـذا المنظور؛ فالتقدم الجزئي الذي تحقق بعد المرحلة الأولى من خطة السلام لا يعني اقــتــراب التسوية الـشـامـلـة، لكنه يمنح فـــرصـــة حـقـيـقـيـة لإحـــيـــاء فـــكـــرة الـــســـام نـفـسـهـا، غير أن هـذه الفرصة تبقى هشة؛ لأنها مرهونة بعاملين حاسمين: جدية الأطــراف المتنازعة في تنفيذ التزاماتها، وقـــدرة المجتمع الـدولـي على كـبـح جــمــاح إســرائــيــل ومـنـعـهـا مــن الـــعـــودة إلـى منطق القوة المنفردة. لقد خلق انتهاء المرحلة الأولـى من الخطة، وعــــــــودة الــــرهــــائــــن، وإعــــــــــادة فـــتـــح مـــعـــبـــر رفــــح، وانسحاب الجيش الإسرائيلي إلـى الخط الـذي حــدده وقـف إطــاق الـنـار، انطباعا بـوجـود زخم ســـيـــاســـي جــــديــــد، هـــــذا الــــزخــــم لا يــنــبــع مــــن ثـقـة مـتـبـادلـة بــن الـخـصـوم، بــل مــن تـقـاطـع مصالح مؤقت؛ فـ«حماس» ترى في الهدنة فرصة للبقاء التنظيمي، وربـمـا الـحـفـاظ على نـفـوذ سياسي غـيـر مـبـاشـر فــي غـــزة، بينما تـــرى إســرائــيــل في وقـــف الــنــار متنفسا لتخفيف الـضـغـط الــدولــي، وإعادة ترتيب أولوياتها الإقليمية، والاستعداد لـــاســـتـــحـــقـــاقـــات الـــداخـــلـــيـــة. بــمــعــنــى آخــــــر، كـا الطرفين لا يسعى إلى السلام بقدر ما يسعى إلى تجنب تكلفة الحرب في هذه المرحلة. ومـع ذلــك، فـإن هـذه المصلحة المؤقتة يمكن أن تـــتـــحـــول إلـــــى أرضــــيــــة ســيــاســيــة إذا أحــســن اسـتـثـمـارهـا؛ فـفـي تــاريــخ الــصــراعــات، كـثـيـرا ما بـدأت عمليات السلام بوقفات تكتيكية تحولت لاحقا إلـى مسارات تفاوضية دائمة، لكن الفرق بين هدنة عابرة ومسار سياسي مستقر يكمن في ما يحدث بعد تثبيت وقف النار، وليس في إعلان الوقف نفسه. التحدي الأكبر الآن هو الانتقال من منطق «إدارة الأزمــــــة» إلــــى مـنـطـق «بـــنـــاء الاســـتـــقـــرار»، مــســارات 3 وهــــذا يـتـطـلـب تــقـدمــا مــتــوازنـــا عـلــى مـتـرابـطـة: الـسـيـاسـي، والأمـــنـــي، والاقــتــصــادي. فعلى المستوى السياسي، لا يمكن لأي تسوية أن تستقر مـن دون وجـــود سلطة حكم واضحة وفـــعـــالـــة داخــــــل غــــــزة. نـــقـــل الـــســـلـــطـــة إلـــــى هـيـئـة فلسطينية جديدة أو معاد تشكيلها ليس مجرد إجراء إداري، بل هو اختبار حقيقي لقدرة النظام الفلسطيني عـلـى إعــــادة بــنــاء نـفـسـه، واخـتـبـار لــقــدرة إســرائــيــل عـلـى الـقـبـول بــواقــع فلسطيني سياسي جديد لا يقوم فقط على منطق السيطرة الأمنية. أمـــــا المــــســــار الأمـــــنـــــي، فـــهـــو الـــعـــقـــدة الأكـــثـــر حساسية. مسألة نزع السلاح، خصوصا سلاح «حــــمــــاس»، لا يــمــكــن أن تُـــحـــل بـــفـــرض إمـــــاءات أحــاديــة؛ لأن الـحـركـة تــرى فـي سلاحها ضمانة وجـوديـة وأداة تفاوضية فـي آن واحـــد. لكن في المقابل، لا يمكن لإسرائيل أو للمجتمع الدولي القبول ببقاء بنية عسكرية كاملة داخـــل قطاع يسعى إلــى إعـــادة الـبـنـاء. الـحـل الـواقـعـي هنا لا يـكـمـن فـــي نـــزع فــــوري وشـــامـــل لــلــســاح، بـــل في عملية تـدريـجـيـة مـرتـبـطـة بـضـمـانـات سياسية وأمـــنـــيـــة، وربـــمـــا بـــإشـــراف دولــــي فــعــلــي، بحيث يتحول نزع السلاح من مطلب انتصار إلى جزء من صفقة استقرار. غير أن المسار الاقتصادي قد يكون العامل الأكــثــر تــأثــيــرا فــي تثبيت أي تــقــدم سـيـاسـي أو أمـــنـــي؛ فــغــزة الـــيـــوم لـيـسـت فـقـط ســاحــة صـــراع، بـل منطقة منكوبة اقتصاديا وإنسانياً. إعــادة الإعــــمــــار لــيــســت مـــســـألـــة خـــدمـــاتـــيـــة، بــــل مـسـألـة شــرعــيــة ســيــاســيــة. حـــن يــــرى الـــســكـــان تحسنا ملموسا في الكهرباء والمياه والتعليم والعمل، يصبح الحفاظ على الهدوء مصلحة شعبية، لا مجرد اتفاق بين النخب السياسية؛ ولهذا فإن أي خطة سلام لا تربط التهدئة بتحسن ملموس في حياة الناس ستبقى معرضة للانهيار. لــــكــــن كـــــل هـــــــذه المـــــــســـــــارات ســـتـــظـــل مــعــلــقــة مـــا لـــم يــتــم الــتــعــامــل مـــع الــعــامــل الأكـــثـــر حـسـمـا: ســلــوك إســـرائـــيـــل؛ فـالـتـجـربـة الـتـاريـخـيـة تشير إلــى أن فــرص الـسـام فـي الـصـراع الفلسطيني - الإسرائيلي غالبا ما تعثرت بسبب اختلال ميزان القوة، الذي يسمح لإسرائيل بتفسير الاتفاقات وفــــق رؤيـــتـــهـــا الأمـــنـــيـــة الـــخـــاصـــة. إذا اســتــمــرت الـعـمـلـيـات الـعـسـكـريـة المـــحـــدودة، والــتــوســع في المناطق الـعـازلـة، وفـــرض القيود الـصـارمـة على الحركة والإعمار، فإن أي تقدم جزئي سيتحول إلـــى مـجـرد إدارة طـويـلـة الأمـــد لــأزمــة، لا بـدايـة لحلها. لهذا فإن الدور الدولي، خصوصا الأميركي، يـــجـــب ألا يــقــتــصــر عـــلـــى رعــــايــــة الــــتــــفــــاوض، بـل على فــرض معادلة تـــوازن حقيقية: ضـمـان أمن إسـرائـيـل، لكن أيـضـا ضـمـان عــدم تحويل الأمـن إلى ذريعة لتعطيل أي مسار سياسي. السلام لا يمكن أن يولد في ظل شعور طرف بأنه يملك حق استخدام القوة متى شاء. في النهاية، لا يمكن القول إن غزة تقف على أعــتــاب الــســام، لكنها تـقـف عـلـى مـفـتـرق طــرق. التقدم الجزئي الحالي قـد يصبح بـدايـة مسار جديد إذا توافرت الإرادة السياسية والضمانات الدولية، وقد يتحول إلى هدنة قصيرة إذا عادت الــحــســابــات الـضـيـقـة لـتـغـلـب مـنـطـق الـتـسـويـة. الأمل موجود، لكنه ليس في الاتفاقات المكتوبة، بـل فـي قــدرة الأطـــراف على تحويلها إلــى واقــع، وفـــي قـــدرة الـعـالـم عـلـى مـنـع الــقــوة مــن أن تقتل السياسة مرة أخرى. يوسف الديني

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky