issue17255

الثقافة CULTURE 18 Issue 17255 - العدد Tuesday - 2026/2/24 الثلاثاء وظيفة النسيان «إنني أقرأ لأنني نسيت»... هذه المقولة أطلقها رولان بارت، وهي التي تكاد تكون الحقيقة الأولى في الأدب وفي الفن. إننا نقرأ الأدب ونتمتع بالفنون نظرا واستماعا لا لشيء، إلا لما نجده فيها من انعكاسات لأنفسنا. إنها نحن معكوسة أمامنا في أبيات شعرية أو حبكة روائية أو خطوط على لوحة... أو نغمة موقعة، (مقتبس من كتابي «الخطيئة والتكفير»). ومنه أنطلق لوظيفة النسيان في الإبداع. ولو تصورنا كم تنتج أذهاننا من أفكار في ساعة واحدة مثلاً، لما أحطنا بذلك عـــدداً، وكــل حـركـة تـمـر بنا أو صـــورة أو صــوت ستترك جميعها على صفحة الذهن صــورا ذهنية تتحول مع الوقت إلـى أفـكـار حسب حـال ما نستقبله ومـا نسمعه وما نشمه. وكثيرا ما تكون هذه ظنونا حسب مصطلحنا العام أو أوهاما وهواجسَ، لكنها كلها تترك أثرها فينا ويختزنها الذهن وستذهب هناك في مخازن الذاكرة ظنا منا بأننا نؤجلها لتنقيحها وتنقيتها أو التخلص منها. والذهن تلقائيا يفعل فعل المحو المتصل، فكل صـورة جديدة تدخل للذهن تنسخ سابقتها بمعنى إيداعها في خانة النسيان، وكل وجه يمر بنا سيتزاحم مع وجوه قبله. وقد يلتصق بنا وجه محدد أو صوت محدد أو رائحة، ولكن ذلك كله سيمر وكأنه لم يحضر ونحن نعرف ذلك بخبرتنا مع ما يقع لنا في حياتنا اليومية ونعرف من خبرتنا أننا سننسى، ولذا نلجأ لتسجيل بعض الحوادث اللافتة إما بالتقاط صورة أو رصد ملاحظة على ورق أو تثبيتها باستمرار تحت مظنة التفكر فيها، إلى أن يطرأ ما هو أشد إلحاحا فيسرق لها نقطة اهتمام مباشر وبمقدار إشغالها لتفكيرنا فهي ستتوثق معنا. وهـذا ما يجعل التركيز على أي حال استقبالا ذهنيا يفعل فعله في إلغاء غيره مما تخزّن من قبل. وهذا يعني أننا مرهونون لفعل النسيان والمحو مع كل خطوة نخطوها طوال يقظتنا. وكذلك نجنح لنسيان أحلامنا في المنام وقليل نـادر منها ما يتبقى ويظل معنا ولو لبعض الوقت. ونحن ننسى فعلاً، والذاكرة الجمعية للبشر أيضا تنسى، وفعل التذكير يصبح ضروريا لاستعادة ولو بعض المنسي. كما أننا نمارس التغافل وهو وجه من وجوه التناسي. والتغافل فعل أخلاقي وترفع سلوكي وأحيل هنا لكلمة ابـن حنبل في أن «التغافل تسعة أعشار حسن الخلق» وأنك لكي تعفو لا بد أن تنسى وهي قيم أخلاقية عليا لها وظيفة تحقق سلامة الضمير وتحريره وتعني العيش بسلام، وهذه ضرورية للعلاقات العامة وللأمن الاجتماعي. وقد يكون التذكر نقمة حين يكون سببا للحقد أو الرغبة في الثأر، والثأر حس شيطاني شخصه غاندي بقوله «الثأر هو أن تعظ الكلب الذي عظك». على أن التذكر الكامل الذي نسميه الحفظ يكون مزحوما بالتفاصيل، والتفاصيل تقتل الإبداع كما تفعل التخمة بالجسد، حيث تفسد حس التذوق، ولكن نصف التذكر يحفز الذهن لتغطية الناقص وهـذا مدعاة لـإبـداع. والأبلغ إبداعية هو حين ننسى الحدث بالمطلق، وهنا تنشط المخيلة لاستعاضة المفقود كما فعلت الثقافة مع قيس بن الملوح حيث أفقدته عقله أولاً، ثم جعلته يهيم بليلاه العامرية، وهو الاسم الذي أصبح مطلبا لكل شعراء الحب والفقد والتعلق اقتداء منهم بالمجنون تعشقا وتأسياً. وكل فقد هو مدعاة لإبداع يسد مسد ما فات. غير أن هناك صيغا للنسيان تعطي نتائج سلبية كأن ننسى المعروف أو ننسى حق غيرنا علينا أو ننسى درسا في لحظة الامتحان، أو حبة دواء تضبط جريان الدم في الجسم. وهذا النسيان الضار، ويجاريه النسيان النافع كحال الكوليسترول النافع يقابله الآخر الضار. ومن ثم فإن وظيفة النسيان وظيفة حيوية تفوق وظائف التذكر من حيث مزايا النسيان أو مـخـاتـاتـه، وكــل مـزيـة لها وجهها السلبي، فـقـوة المـاحـظـة مـثـا ترهق صاحبها ولو غفل استراح. وفي النهاية فلعبة التذكر والمحو هي لعبة إبداعية تجلت لدى مجنون ليلى بقوله: ُ عَشيَّة ما لي حيلَة غَير أَنَّني بِلَقط الحَصا وَالخَط في الدار مولَع ُ ُأَخُط وَأَمحو كُل ما قَد خَطَطتُه بِدَمعِي وَالغِربان حَولِي وُقَّع فالخط والمحو هو الصيغة الشعرية لفعل الذاكرة في لعبة التذكر والتناسي. ولا تستقيم أمور الحياة العقلية ولا الوجدانية إلا في تداول مستمر بين التذكر والنسيان، وهـــذه وظـيـفـة الـنـقـص فــي الـبـشـر، حـيـث تـتـحـرك الـعـقـول لـسـد الـنـواقـص ومـنـه تأتي الابتكارات والاختراعات وكذلك فتوحات الإبداعات الكبرى. ويبلغ النسيان أخطر درجاته حين يكون متقّصدا وهو الذي نسميه بالتناسي، وهذا جرم ثقافي فتاك ومن أقصى أمثلته تناسي دور المرأة في الفلسفة، وبما أن الفلسفة هي أعلى درجــات الفكر الحر، فإنها وقعت تحت سـوط الاحتكار الـذكـوري مثلها مثل الفحولة الشعرية، وكلاهما حكر على الرجال رغم وجود عشرات الفيلسوفات على مر التاريخ، وقد جرت محاولات لاستعادة ذاكرة الفيلسوفات، ولكن بعد أن تمكن التناسي من سحق وجودهن حتى لم يعد ينفع معه أي مسعى لتذكير ما طمسته الثقافة. جمال القصاص يقدم قراءات نقدية ترصد تحولات المشهد تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر» عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، صدر كـــتـــاب «فــــي مـــرايـــا الـــشـــعـــر» لــلــشــاعــر والــنــاقــد المصري جمال القصاص، الذي يقدم فيه قراءات ودراســـات متعمقة، بلغة عذبة وشعرية لعدد من أبـرز المشاريع الشعرية الإبداعية الخاصة بجماليات القصيدة العربية وتحولاتها. ويــــضــــم الـــكـــتـــاب عــــشــــرات الــــــقــــــراءات فـي تــجــارب شــعــريــة، تنتمي إلـــى أجــيــال مختلفة ومرجعيات جمالية متباينة وأنـسـاق لغوية وجـغـرافـيـة مــتــعــددة، مــثــل: مـحـمـد الـفـيـتـوري، وسميح القاسم، وفاضل السلطاني، وفتحي عـــبـــد الـــســـمـــيـــع، وصـــــــاح الـــلـــقـــانـــي، وعـــائـــشـــة بـلـحـاج، وسـمـيـة عـسـقـانـي، ومـحـمـود قـرنـي، وعيد صالح، وميسون صقر، وديمة محمود، وعـــاطـــف عـبـد الــعــزيــز، وعـــزمـــي عـبـد الـــوهـــاب، وبهية طلب، وعبد الرحمن مقلد، وعماد فؤاد، وإبـــراهـــيـــم الــبــجــاتــي، وأحـــمـــد يــمــانــي، وعـمـر شهريار، ورشا أحمد. ويـــشـــيـــر الـــقـــصـــاص فــــي مـــقـــدمـــة الــكــتــاب إلـى أنـه على مــدار سـنـوات كتب هـذه الـقـراءات فـرحـا بالشعر وبـالـشـعـراء والــشــاعــرات، حيث كـــانـــت خــبــرتــه كــشــاعــر هـــي الــبــوصــلــة الأولــــى الـتـي ينظر مــن خـالـهـا بـعـن الــقــارئ والـنـاقـد معا لهذه الأعـمـال التي أحبها، ويحسب أنها عــبــر نــمــاذجــهــا تــشــكــل تــمــثــيــا مــرضــيــا على الأقـل بالنسبة له في متابعة الحركة الشعرية الـعـربـيـة ورصــــد مـــا وصــلــت إلــيــه مـــن مـغـامـرة الحداثة والتجديد، عبر حركتها الدائبة منذ فـــتـــرة الــســتــيــنــات الـــتـــي شـــهـــدت تــــحــــولا لافــتــا على مستوى الشكل والمضمون حتى اللحظة الراهنة. ورغــم أن لكل مرحلة عطاءها ومنجزها اللافت، لكن يظل المشكل الأساسي الذي لا يزال يواجه هذه الشعرية، كما يقول القصاص، أن «حـداثـتـنـا ومغامراتنا فـي التجديد محمولة دومــا على المنجز الغربي والـنـقـدي، ســواء في النظر أو التطبيق. ونتجت عن ذلك تلك النظرة النقدية العقلانية للشعر، واعتباره فنّا خالصا لذاته، وأن مغامرته لا تنهض ولا تتأسس على العقل وحـده، رغم أن الوعي المتصل بالعقل لا ينتج شعرا حقيقيّاً، فالصورة الشعرية ليست ظـاهـرة ذهنية محضة، إنـمـا هـي أسـاسـا ابنة الـــروح فـي ومضها ووهـجـهـا المـبـاغـت المنفلت مـن قبضة الأطــر والتقاليد والمنطق الصوري المبني على نمطية العلاقة ومصداقية المقدمات والنتائج». ويـــرى القصاص أن جـوهـر الشعر يكمن في أنه يجعلنا نحس بحريتنا وبحداثة قابعة فــي داخـلـنـا، علينا أن نوقظها ونـحـررهـا من أســـر الــعــادة والـنـمـط والمـعـرفـة الـغـيـريـة، وهـي حداثة غنية تمتلك إرثا عميقا وتنوعا لا يزال قـادرا على إثـارة الأسئلة والدهشة، وأن يهزّنا جسدا وروحا بشكل جديد. وهو في كل هذا لا يدّعي الصواب، وما زال يسعى لامتلاكه فيما تبقى لــه مــن هـــذه الـرحـلـة الممتعة مــع الشعر، وفـــي ظـنـه دائــمــا أن الـخـطـأ مـحـض صــــواب، لم ينضج في أوانــه، بل ربما لم نلتفت إليه وهو يسقط من شجر الحياة ليعاود الكرة من جديد بقدرة أوسع على إدراك نفسه وإدراك الحرية. ورغـم إيمانه الشديد بضرورة التجريب والبحث عن دماء جديدة للشعر، فإن القصاص يتوجس من أغلب هذه الأفكار، خصوصا أنها وافدة إلينا من بيئة أخرى وطينة مختلفة، لها ثقافتها وفضاؤها وأطماعها وآيديولوجيتها. وهو لا يثق في الآيديولوجيا، لأنها غالبا ما تنطوي على خطاب زائف. في المقابل، يتساءل؛ لماذا لا تكون لنا حداثتنا الخاصة النابعة من تربتنا وتراثنا، وهما ليسا فقيرين، بل بهما مــن الـــثـــراء المـعـرفـي والـــوجـــدانـــي مــا يجعلهما سؤالا ممتدا في الزمان والمكان؟! القفزة الأخيرة في فضاء حلمي سالم ويـتـنـاول جمال القصاص بعض ملامح تجربة الشاعر المـصـري الـراحـل حلمي سالم، مـشـيـرا إلـــى أنـــه مثلما كـــان شــاعــرا استثنائيا كــان كـذلـك مريضا استثنائيا بـامـتـيـاز، حيث أدرك منذ البداية أن صراعه مع المرض سيطول وسـيـتـفـرع ويــتــشــابــك، فــقــرر أن يـنـتـصـر عليه بــــإرادة الـشـعـر، وكـــان موقنا أنــه بـذلـك ينتصر لإرادة الحياة. تخلى حلمي مـع اشـتـداد ضـــراوة المـرض عـــن فــكــرة الـــعـــداء لـلـمـرض نـفـسـه، واتـــجـــه إلـى مصادقته وكأنه مجرد طفل تنبغي ملاطفته ومــســامــرتــه، وهـــي الـفـكـرة الــتــي قــلّــب أوجـهـهـا وأقنعتها الشعرية بمهارة الصانع والـعـراف معا في ديوانه «مديح جلطة المخ»، ثم ناوشها عن بعد في ديوانه «الثناء على الضعف». وكان السؤال الذي يواجهه بألم وحيرة؛ هل تستطيع القصيدة أن تسبق الموت وتهزمه طالما أنـا أصبحت غير قــادر على ذلــك؟ ثم هل يـعـنـي ذلــــك انـــتـــصـــارا لـلـشـاعـر نـفـسـه الــــذي لم ينفصل عــن قـصـيـدتـه، ومـــا زال قــــادرا عـلـى أن يـضـخ فــي شرايينها روح الــجــدة والمــغــامــرة؟! ومع دخوله في محنة الفشل الكلوي، وبعد أن نجا من سرطان الرئة، أدرك أن سؤاله سيظل مسكونا بالنقص، وأن الإجابة عنه سيختلط فيها العبث بـمـرارة الــرجــاء، فكأنه إذن سـؤال ناقص يبحث عن إجابة ناقصة. مـــعـــنـــويـــا بــــنــــى حـــلـــمـــي اســـتـــراتـــيـــجـــيـــتـــه لمــجــابــهــة المـــــرض عــلــى فـــكـــرة الــتــســامــي عـلـيـه، واعتباره مجرد محطة ضمن محطات كثيرة، خبرها فـي الـحـيـاة، ورغـــم أنــه كــان يـــدرك أنها المـحـطـة الأحــــرج، لا مــن حـيـث الــوصــول إليها، وإنــــمــــا مــــن حـــيـــث صـــعـــوبـــة تــغــيــيــر مـــســـارهـــا المحتوم، فإن روح التسامي كانت أداة الشحن الأساسية فـي أن ينتصر، ولـو مؤقتا ويقاوم بشراسة عسى يستطيع أن يؤجل ولـو لبضع دقائق لحظة الوصول إلى حيث ينهي الجسد لعبته مـع المــرض اللعين مستسلما إلـى قـدره، وتنفتح الـــروح على حياة أخــرى يشكل المـوت البوابة الرئيسية للدخول إليها. على هذا النحو يثبّت حلمي سالم صورة العائلة فـي المشهد، ويوثقها بطرق شتى في متن النص. وفي الوقت نفسه لا يتعامل معها كتيمة أو حيلة شعرية أو أيقونة دلالية، وإنما حقيقة ماثلة وحية في طبقات الجسد والروح والتاريخ بمستوييه الشخصي والعام. يـقـول فـي قصيدة بـعـنـوان «تحليل دم» مستحضرا صورة أسرته الصغيرة... قلت لشقيقة النهر أريد بعد خروجي من البئر بناتي أمامي لميس ذكاء القلب والندية حكمة الحنان عيون القطط ورائحة «زاهية» رنيم: حصة في الرقة القافزة خلف البحر حنين: سلامة الفطرة ملح الأرض التي لا يعجبها «دهاليزي والصيف ذو الوطء» وبسببي حفظت مستشفيات القطر جماليات الإيقاع والصورة كـــمـــا يــــتــــنــــاول الــــكــــتــــاب تـــجـــربـــة الـــشـــاعـــر الـعـراقـي فـاضـل السلطاني، ويـــرى أن هاجس الـتـحـول عـنـده يشكل مـرتـكـزا جماليا وفكريا يصعد منه الشعر ويهبط إليه، كما في ديوان «ألــــــوان الــســيــدة المــتــغــيــرة» الــــذي صــــدرت منه نـسـخـة مــصــريــة عـــن الـهـيـئـة الــعــامــة لـلـكـتـاب، حـــيـــث «يـــتـــنـــوع هـــــذا الـــهـــاجـــس فــــي مـــنـــاخـــات الديوان مشتبكا مع أزمنة وأساطير مسكونة برائحة الماضي والحاضر وتقاطعات الأزمنة والأمـكـنـة، بينما تــدور الأشـيـاء فـي فلكه بقوة الطبيعة والنص الشعري معاً». ويــتــكــشــف هـــــذا الـــهـــاجـــس، كـــمـــا يـضـيـف المؤلف، في أضـاع المثلث التي وسمت عنوان الـديـوان، فالبصري والحسي يكونان ضلعيه في علاقة تجاور بين خطين يلتقيان في نقطة الــــــــذروة أعـــلـــى رأس المـــثـــلـــث بــنــســقــه الـــهـــرمـــي، صـــانـــعـــة تــفــاصــيــل الـــلـــوحـــة شــعــريــا بــألــوانــهــا وخطوطها المفعمة بالأنوثة. وهـــو يـــرى أن الــــــدال المـضـمـر فـــي مـفـردة «المتغيرة» لا يأتي كتوصيف مجازي فحسب، بـــل يـشـتـبـك بــصــريــا وحــســيــا مـــع كـــل عـنـاصـر المـــثـــلـــث، لـــيـــمـــارس انـــزيـــاحـــا مــعــرفــيــا يـقـيـه من الركون ليقين ما محدد، فالأشياء تمشي وراء الصمت والكلام وفي الألـوان والرائحة وإيقاع الزمن الذي يجعل الذات دائما قابعة في منطقة المــنــتــصــف كـحـلـقـة وصــــل وقـــطـــع بـــن الــســابــق واللاحق، بين البدايات والنهايات بين الـ«هنا» والــــــ«هـــــنـــــاك»، وهـــــو مــــا يــطــالــعــنــا فــــي الـــنـــص، الـــذي استشهد بــه الــقــصــاص، والــــذي يستهل بــه الـشـاعـر الـقـسـم الأول فــي منتصف الــذاكــرة بعنوان صغير كأنه برواز لـ«صورة»... «هل تذكرين؟ كنت في وسط الصورة وعلى جانبيك كانت الموسيقى تعزف كأنها الموسيقى الأخيرة على الأرض وكنت أحار كيف أميز العازف من العزف؟ والراقص من الرقص؟ كنت تجلسين وسط الصورة لاهية عن الموسيقى عن لحظة ثبّتتك إلى الأبد صورة في إطار وكنت أحار كيف أدخل في الصورة؟ كيف أفصل النور عن الظل؟ لكنك كنت تبتسمين لاهية عن اللحظة وهي تكبر خلف الإطار» أحجار رفعت سلام أمــــا مـــا يــخــص تــجــربــة الـــشـــاعـــر الـــراحـــل رفـعـت ســـام، فيشير جـمـال الـقـصـاص إلــى أن الـــوثـــوق والــيــقــن والإرادة هـــي بـمـثـابـة ثـاثـة أحـــــجـــــار صـــغـــيـــرة بـــنـــى عـــلـــيـــهـــا رفــــعــــت ســـام شعريته، وتعبّر بجلاء عـن موقفه مـن العالم والواقع والأشياء، كما تشكل فيما بينهما ما يشبه المتوالية النصية الشعرية، وهي متوالية تتمتع بالصلابة والـوضـوح، فليس ثمة يقين من دون الوثوق بـه، ومـن دون إرادة تـدل عليه وتـتـشـبـث بـلـحـظـات وعـيـه ولا وعــيــه، لحظات حضوره وغيابه. لقد انحاز رفعت، كما يقول، ومنذ وقت مـبـكـر لمـفـهـوم الـــوعـــي، وربـــطـــه بــهــذه الأحــجــار الثلاثة، باعتباره نافذة العقل لإدراك الوجود وحقائق الأشياء والعالم الخارجي متحاشيا حقيقة الوعي في ذاته ولذاته، ربما لأنه ينطوي عـلـى مـسـاحـة مـــا، يـبـرز فيها الــاوعــي كصنو وشـــريـــك أســـاســـي فـــي صــنــاعــة هــــذه الـــنـــافـــذة، بما ينتجه مـن عـاقـات مباغتة ومفاجئة، قد تـــشـــارف الــجــنــون والمـــغـــامـــرة والـــفـــوضـــى الـتـي تهدد بنسف النافذة نفسها. وظلّت القصيدة لديه ابنة الوعي الواضح الثاقب، وهو ما انعكس على هم التجريب الذي انصب في جوهره على إخراج النص الشعري في شكل طباعي خاص وإبـرازه وكأنه محض فضاء سيميائي تتراكب فيه العلامات والرموز والإشارات في أنساق لغوية وأسلوبية محددة، ضـمـن حــقــول دلالــيــة ومـعـرفـيـة يـمـكـن القبض عليها وتـأويـلـهـا بـوضـوح واقـتـفـاء أثـرهـا من أقصر نقطة يمتد إليها النظر. القاهرة: رشا أحمد يتساءل القصاص في الكتاب لماذا لا تكون لنا حداثتنا الخاصة النابعة من تربتنا وتراثنا وهما ليسا فقيرين؟ «الموزية»... إعادة صياغة مفهوم الإلهام يــروي كتاب «المــوزيــة»، وهـي الترجمة الحرفية لـ«المُلهمة»، الصادر عن «دار المدى»، للكاتبة روث ميلينغتون، بترجمة عباس المـــفـــرجـــي، الــقــصــص الـحـقـيـقـيـة لـلـمُــلـهِــمـات الرائعات اللواتي ألهمن روائـع تاريخ الفن. مـــن مـــرســـم لـــيـــونـــاردو دافـــنـــشـــي إلــــى أغـلـفـة مجلة «فـوغ»، تكشف مؤرخة الفن والناقدة والكاتبة الإنجليزية روث ميلينغتون عن الـــــدور الـــبـــارز لـلـمـلـهـمـات فـــي بــعــض أشـهـر وأهم الأعمال الفنية في التاريخ. وبالتعمق في العلاقات الواقعية التي جمعت عارضات الأزيــــــاء بـالـفـنـانـن الـــذيـــن خـــلـــدوا ذكـــراهـــن، يكشف الكتاب عن الدور المؤثر والفعّال الذي لـعـبـنـه، ويـفـكـك الــصــور النمطية المُــبـسـطـة، ويعيد صياغة مفهوم الإلهام كعنصر مؤثر وفاعل في تاريخ الفن. «كـــشـــف الــشــخــصــيــات الــخــفــيــة وراء تـحـف تــاريــخ الــفــن» هــو الــعــنــوان الـفـرعـي لـكـتـاب الــــذي يــقــدم صــــورة حقيقية آســرة لثلاثين ملهمة رائعة، ودورهـن في بعض أشــهــر روائـــــع تـــاريـــخ الـــفـــن، حـيـث نتعرف وجــــوه الــعــديــد مـنـهـن مـــن أشــهــر الأعــمــال الفنية في العالم، من خـال الأسئلة التي تـثـار مــن خـــال مــن الـكـتـاب: مــن هــي حقا «المــــرأة الـبـاكـيـة» لبيكاسو؟ أو الـلـص في أعـــمـــال فــرانــســيــس بـــيـــكـــون؟ ولمــــــاذا غطت الكتابة على الجدران غريس جونز؟ بعيدا عـــن كــونــهــن مـــجـــرد عــــارضــــات صــامــتــات، قـدمـت الملهمات الـدعـم العاطفي والطاقة الـــفـــكـــريـــة والإبــــــــــــداع الــــــــذي غــــيّــــر مــســيــرة الفنانين، فضلا عن المساعدة العملية. مع ذلــك، يُنظر إلــى الملهمة على أنها نموذج ســـلـــبـــي وعــــاجــــز (عـــــــــادة مــــا تــــكــــون شــابــة وجذابة) تحت رحمة فنان ذكر مؤثر وأكبر ســـنـــا. هـــل يـمـكـن أن يـــكـــون هــــذا الانــطــبــاع خاطئا وظالماً؟ هل هذه الصورة النمطية مـــجـــرد أســــطــــورة رومـــانـــســـيـــة؟ هــــل تـقـبّــل الــنــاس دور ومـكـانـة المـلـهـمـة؟ والأهــــم من ذلك، أين كان سيصل الفنانون لولاهن؟ تسعى روث ميلينغتون في «الموزية» إلى إعادة تقييم هذا المصطلح واستعادة معناه في ســرد احتفالي يُظهر مـدى قدم المفهوم الشائع له. كما يستكشف الكتاب فــــكــــرة «المـــلـــهـــمـــة» مــــن مــــنــــظــــور مــخــتــلــف، مُـــتـــضـــمـــنـــا فــــنــــانــــات الأداء والمـــشـــاهـــيـــر، وشخصيات أيقونية ربما لم نعتبرها من قـبـل مـصـدر إلــهــام، مـثـل تـيـلـدا سوينتون وغــــريــــس جــــونــــز، مــــن خـــــال الــــغــــوص فـي العلاقات الواقعية التي جمعت عارضات الأزيــــاء بالفنانين الــذيــن خــلــدوا ذكـراهــن. ويكشف الكتاب عن الــدور المؤثر والفعّال الـذي لعبنه في إثــراء الأعمال الفنية التي ألهمتهن، والــطــرق المتنوعة الـتـي تجاوز بها الناس الأدوار النمطية لـ«الملهمة». مـن مشرفي العمل إلـى المشردين في هـــارلـــم، يـعـرفـنـا الـكـتـاب عـلـى نــمــاذج غير متوقعة، ومُتجاهلة، ومنسية في تاريخ الــفــن، مــن خـــال قـصـص ثـاثـن شخصية اســـتـــثـــنـــائـــيـــة، ويُـــفـــكـــك الــــصــــور الـنـمـطـيـة المُـــخـــتـــزلـــة لــلــمــلــهــمــة، ويـــعـــيـــد صـيـاغـتـهـا كعنصر مؤثر وفاعل في تاريخ الفن. الــــهــــدف الـــرئـــيـــســـي لــــــ«المـــــوزيـــــة» هـو إعــادة صياغة معنى «المُلهم/الملهمة» في الــفــن. بـــدلا مــن رؤيــتــه/رؤيــتــهــا شخصية سلبية أو تـابـعـة للفنان، أو مـجـرد جسم جـمـالـي فــي خلفية الــلــوحــة، أو أداة فقط فـــي إبـــــداع فــنــي. تــقــول روث ميلينغتون إن «هـــذا الـتـصـور رائـــج لكنه مـضـلّــل، وأن )، كــــان لــهــم/لــهــن/ muse( مَــــن يُـــســـمّـــون بــــــــــ أدوار نشطة فـي إلـهـام الأفــكــار، أثـــروا في عملية الإبـــداع نفسها، ساهموا/ساهمن فـي دعــم الفنانين عاطفياً، فكرياً، أحيانا عملياً»، وتذهب ميلنغتون أكثر من ذلك، حيث تـدعـو إلــى اعتبار «المــوزيــة» شريكا فـــي صـنـاعـة الـعـمـل الــفــنــي، ولــيــس مـجـرد موضوع للرسّام أو النحات. ولـــعـــل أحــــد أهــــم مـــحـــاور الــكــتــاب هو تفنيد الصورة النمطية التي تربط الملهمة بــأنــوثــة خــاضــعــة لـــصـــورة الـــرجـــل الـفـنـان المتفوق. ويوضح الكتاب أن هذه الصورة لـم تكن أصلية فـي الـتـاريـخ، بـل أصبحت جـــزءا مـن الثقافة بسبب الــروايــات الفنية المعتمدة التي كتبها الرجال عبر القرون. وكما تشير ميلينغتون في مقدمتها، لـم تكن الملهمات الأصليات مجرد أشياء سـلـبـيـة، بــل عـلـى الـعـكـس تـمـامـا، فـقـد كـن آلهة يونانية قديمة، صُــوّرن في القصائد الملحمية قوى إلهية للإلهام. علاء المفرجي عبد الله الغذامي

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky