issue17255

Issue 17255 - العدد Tuesday - 2026/2/24 الثلاثاء OPINION الرأي 14 عن الغرب وتعدد النظريّات النقديّة يـــعـــود الــــحــــوار حـــــول الــــشــــرق والــــغــــرب بـكـل تشظّياته وتفاصيله المفهومية على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والعلمية إلـى السطح بــــن فـــتـــرة وأخـــــــــرى. وهـــــو نــــقــــاش يــتــصــاعـــد مـع الـــــــــذروات والــــتــــحــــولات. عـــلـــى ســبــيــل المــــثــــال ثـمـة نقاشات أخلاقية حول «الذكاء الاصطناعي». أما على المستوى الاقتصادي فمن أولئك الذين ركّزوا على الدور الغربي في تسيير النظام الاجتماعي بسبب الآثار التطبيقية للرأسمالية الباحث بيتر ، وتـرجـمـه البيان 2024 فليمنغ فـي كتابه (طُــبـع غــــرة) الــــذي عـنـونـه بـــ«رأســمــالــيــة الـــشـــوكـــردادي: الوجه المظلم للاقتصاد الحديث». حـاول المؤلف دحـــض المــمــارســات الـرأسـمـالـيـة بــل خـــص فصلا حــتــى عـــن شـــركـــات الــتــوصــيــل وحـــمّـــل الـــغـــرب كل الانـــهـــيـــارات، وهــــو كـــتـــاب يـلــبّــي رغـــبـــات المثقفين الـنـزّاعـن نحو تـيـارات الـثـورة والـيـسـار ومـعـاداة الغرب. امتدادا لكل ذلك النقاش ثمة وعي مؤثر في تـلـك الــظــواهــر المـنـفـلـتـة، وســـوف أعـــرض لمقالتَين مـهـمـتَــن كُــتـبـتـا فـــي يــــوم واحــــد بــهــذه الــجــريــدة، وعبرهما طُرحت نظريتان جديرتان بالتعليق؛ الأولـــــى مــقــالــة الـــدكـــتـــور رضـــــوان الــســيــد بـعـنـوان «الصراع على الحاضر بالتاريخ!». رأى الأستاذ رضوان أنه منذ إدوارد سعيد، وإلى يساره فيما )، تصاعدت subaltern( صـار يُعرف بتيار التابع الحملة الـشـعـواء عـلـى الــغــرب الآثـــم الـعـامـل على إبــادة العالم وإبــادة نفسه. وهـذا تقليد منذ أيام الاستعمار وفي شتى العلوم والسلوكيات. عند إدوارد سعيد كـــان الإســــام (فـــي كـتـابـه «تغطية الإســـام») مظلوما فـي العلوم والإعـــام والثقافة بالغرب، ثم نما هذا الميل، و«تـردْكـل» واتجه إلى الـــتـــاريـــخ الــفــكــري والــفــقــهــي والــفــلــســفــي، فتبلور الإسـام عبر التاريخ بوصفه نظاما كاملا يكون عليه أن يصادم الغرب المتآمر عليه وعلى العالم. وكـــمـــا أفــــــاد الإســــامــــويــــون مــــن نــــزعــــات إدوارد سعيد المخاصمة للغرب، أفــادوا أكثر من نزعات الديكولونياليين المنتشرين فـي الهند وأميركا اللاتينية والجامعات الغربية. بـيـنـمـا يــــرى الأســــتــــاذ مـــمـــدوح المــهــيــنــي في مقالته المُعنْونة بــ«الأزمـة في المثقفين العرب» أن من أخطر هذه الأفكار التي يروجون لها؛ معاداة الغرب وقيم السوق والعولمة والثقافة العقلانية. أغلب الـــدول الثرية فـي قائمة العشرين هـي دول غـربـيـة، وقـيـم الـسـوق والـعـولمـة هـي الـتـي صنعت عـالمـنـا الـــيـــوم، والــثــقــافــة الـعـقـانـيـة الـعـلـمـيـة هي أساس نجاح المجتمعات. يعظون ضد القيم التي جعلت أكثر هذه الدول ناجحة، ويُحدثون ضررا فــادحــا فــي طـريـقـة تفكير مجتمعاتهم. تحولت الــصــحــف والمـــجـــات والــتــلــفــزيــونــات إلــــى مـعـامـل لإنتاج هذه الأفكار ونشرها على أوسع نطاق. نـعـم، إن هــذه الـنـقـاشـات المـتـجـاورة مــن قِبل المجتمعات والأديان، ومنها الإسلام، حول الغرب حــيــويّــة، إنـهـا ليست اسـتـشـرافـا للمستقبل كما ساد في القرون الماضية، ولا استغرابا على ثقافة الغرب، كما هو عنوان كتاب الأستاذ حسن حنفي .)1991 («مقدمة في علم الاستغراب»، طُبع ومع هذه الموجة من الدرس والتحليل يجب الـــخـــروج مـــن الـقـوقـعـة الـقـديـمـة وتــنــويــع الـــدرس والاطــــــــاع، وهـــــذا مـــا نــشــهــده مـــن كــثــافــة بحثية أوروبية تجاه الإسلام ومعارفه وعلومه وتاريخه مفيد بل ضروري. إن هذا التلاقي بين الثقافة الغربية الصاعدة خــصــوصـــا فــــي مــــجــــالات الــــتــــاريــــخ، مــــع دراســــــات الــعــلــوم الــديــنــيــة، والأنــثــروبــولــوجــيــا، يـمـكـنـه أن يـؤسـس لـنـقـاش مختلف عـن الـتـضـاد الـــذي ساد بين النخب الإسلامية والغربية في السابق. لكن هــل انـتـهـى الاســـتـــشـــراق؟! الـبـعـض يــقــول انـتـهـى، ولكن الأكيد أنه بات من المهام الدراسية القديمة، لـقـد ضُــخّــم كــتــاب إدوارد سـعـيـد («الاســـتـــشـــراق» )، واسـتـثـمـرت بــه الــتــيــارات المـتـعـددة 1978 طـبـع والمتناقضة أحياناً، وهذا من اللافت. الخلاصة؛ أن الأطروحات التي تسيء للغرب خبط عشواء من دون تعليل منهجي أو مفهومي تعبّر عن هشاشة المجال الثقافي، والكارثة أن من يـهـاجـم الــغــرب ينطلق مــن نـظـريـات غـربـيـة، مثل كتاب «تدهور الحضارة الغربية» لشبنغلر (طُبع )، وهم يظنّون أنهم يحرجون الغرب بذلك، 1918 في حين تمثّل كل تلك المقولات من شبنغلر وغيره نـقـدا ذاتـيـا لا يـفـرّغ الـغـرب مـن مضمونه المتفوّق وإنـمـا يريد لـه أن يخرج مـن بعض الأنـفـاق التي اعــتــورتْــه، وهـــذا مــا يـصـعّــب عـلـى بـعـض المثقفين المغتبطين بكتب الغربيين في الهجوم على الغرب فهمه. فهد سليمان الشقيران الأطروحات التي تسيء للغرب من دون تعليل منهجي تعبّر عن هشاشة المجال الثقافي الاستحقاقات والدور المستقبلي للبنان عـــادة مــا تفضي الـنـكـبـات الـكـبـرى إلـــى تغيير درامـاتـيـكـي؛ إلا فـي لبنان، وكــأن البلد عصي على سـنـوات: 5 نكبات ضـربـت لبنان خــال 3 . التغيير ، والتفجير الهيولى لمرفأ 2019 المَنْهَبَة المالية عـام ، وحـــرب «إســنــاد» غـــزة. تسببت 2020 بـيـروت عــام هذه الجرائم في خسائر فلكية وهجرة طالت نحو ألف مواطن. 850 ورغـــــم أن لــبــنــان شــهــد مـطـلـع الـــعـــام المــاضــي قـــيـــام عــهــد جـــديـــد أتــــى بــالــثــنــائــي جـــوزيـــف عــون ونواف سلام إلى رئاستَي الجمهورية والحكومة، فــــإن الــطــاغــي عــلــى المــشــهــد: مــــراوحــــة، واسـتـبـعـاد المحاسبة، وعدالة معلقة، واستقواء على الضعفاء، مع استنساخ سياسات أفضت إلى الوضع الكارثي الــــذي يـمـر بــه لــبــنــان. والـحـصـيـلـة تــبــرز فــي أرقـــام ألفاً، بينهم 220 التي تجاوزت 2025 الهجرة عـام كثافة شبابية ذات كفاءة هالها استمرار الوضع المـقـفـل وانـــعـــدام الـــفـــرص، لـتُــظـهـر الـنـظـرة المتأنية الهوّة بين الخطاب السياسي والممارسة، فترسخ مـن قـيـام هــذه السلطة إدارة 13 تجربة الأشـهـر الــــ متواضعة لبلد تعصف بـه الأزمـــات والتحديات، لـيـبـدو أنـــه لا قيمة كـبـيـرة لـلـمـواقـف إن لــم تقترن بخطط تنفيذية زمنيا وعملياً. الأمــر يشمل نزع السلاح اللاشرعي، والإصلاح المتعثر، واستحقاق الانتخابات العامة. لــــم يـــعـــد كـــافـــيـــا الــتــغــنــي بـــمـــا تــحــقــق مــــن نـــزع لـلـسـاح الــاشــرعــي جــنــوب الـلـيـطـانـي؛ لأن المهلة شــبــه المــفــتــوحــة لـلـمـرحـلـة الــثــانــيــة شــمــالــه مـقـلـقـة، رغــم الإلــحــاح بتقديمها شيئا مـن الأمـــان أو مظلة سياسية للناس المـتـروكـة تحد مـن قـــدرة إسرائيل على تبرير إجرامها. وقد يمنح تأخير نزع السلاح «الـــــحـــــرس الـــــثـــــوري» فـــرصـــة إعـــــــادة تـــرتــيـــب أوراق وكيله «حزب الله»، وترميم شبكاته وإحياء أدواته الأمـــنـــيـــة؛ مــمــا يـحـبـط دور الـسـلـطـة ويــحــاصــرهــا. ويتيح في المقابل لإسرائيل توسعة إجرامها، كأن تطلق تل أبيب حملة جوية مدمرة للبلد، عنوانها استهداف «الحزب»... وقد شهد البقاع عيّنة مخيفة منها ليل الجمعة الماضي، جاءت في توقيت دقيق أبــــرز مـــؤشـــرات مـقـلـقـة عـلـى رعـــونـــة فـــي الإعـــــان أن «الحزب» لن يكون على الحياد إذا شُنّت الحرب ضد إيران، فهل يتحضر «حزب الله» لحرب «إسناد» قد تقضي هذه المرة على المتبقي من أخضر ويابس؟ تــوازيـــا؛ بـــات تعثر الإصــــاح سـمـة عــامــة؛ مما أبقى العدالة ممنوعة، وحقوق الناس مستباحة، مع محاباة النافذين، والمحاسبة مستبعدة، و«التدقيق الجنائي» غير مرغوب استكماله... يجري كل ذلك رغم اتساع الملاحقة القضائية في أوروبـا وأميركا لأركـــــــان مــــن الـــكـــارتـــل المـــصـــرفـــي الـــســـيـــاســـي، بـتـهـم ارتـــكـــاب جـــرائـــم مــالــيــة، بـيـنـهـا الــتـــزويـــر وتبييض الأمــــوال. والخطير أن الـطـروحـات الـتـي تضمنتها مــشــروعــات قـــوانـــن، مـثـل بــدعــة «الــفــجــوة المـالـيـة»، وقوبلت بتحفظ شديد من «صندوق النقد»، يُخشى أن تكون منطلقا لتكريس عفو عن الجرائم المالية، خــصــوصــا أن هـــنـــاك جـــهـــات مـــؤثـــرة تـــزيِّـــن لبعض السلطة إمكانية استمرار الوضع الراهن دونما أي حاجة لبرنامج مع «صندوق النقد»! الانـــتـــخـــابـــات الــعــامــة هـــي المـــلـــف المــــحــــوري. في الأنــظــمــة الـديـمـقـراطـيـة يـتـعـذر إرجــــاء الانـتـخـابـات، فيما بالإمكان أن تكون مبكرة، خصوصا مع حدوث أزمـات تحتم الذهاب إلى صندوق الاقتراع لاختيار الــبــرنــامــج الــبــديــل لـلـفـريـق الــســيــاســي الـــقـــادر على الإنقاذ. ويكون الثابت هو القانون الذي على أساسه ستُجرى الانتخابات بحيث يعرف مسبقا كل مرشح كـيـف يــديــر مـعـركـتـه. لـكـن فــي لـبـنـان وضـــع مـغـايـر؛ فالبلد يعيش ديمقراطية منقوصة في نظام خلطة طـائـفـيـة شـمـولـيـة مــع واجــهــة ديـمـقـراطـيـة، فيتبدل الـقـانـون ارتـبـاطـا بـتـوافـقـات قـــوى الـنـظـام الطائفية المؤثرة. وهذا مما دفع برئيس الحكومة إلى وصف قوانين الانتخاب ما بعد «الطائف» بأنها متصادمة مع الدستور، والأسوأ فيها القانون الحالي. 4 بمقالة سابقة في «الـشـرق الأوســـط» بتاريخ يناير (كــانــون الـثـانـي) المــاضــي، بـعـنـوان «الأولــويــة لـــنـــزع الـــســـاح والإصــــــاح عــلــى الانـــتـــخـــابـــات»، كــان هناك تركيز على أن الممر لاستعادة الدولة المرتجاة يفترض حماية المقترعين من ترهيب السلاح، وبدء زمن المحاسبة، ومشاركة المغتربين أسوة بما حدث ، وأنه من دون ذلك، فستفضي 2022 و 2018 ْ في دورتَي الانتخابات إلى استنساخ برلمان ذي شرعية كاذبة، يجدد لمنتجات مرحلة احتلال البلد والهيمنة عليه، فيتجدد الارتـهـان لقوى الفساد والتبعية، ويكرس لبنان بلدا طاردا للفئات الشابة ذات الكفاءة. مع برلمان مستنكف عن واجبه، حسمت «هيئة الـتـشـريـع والاســـتـــشـــارات» فــي وزارة الــعــدل حتمية »؛ مما حدا برئيس 128 اقتراع المغتربين لـ«النواب الـ المجلس، نبيه بري، أن يقول إنها «المرة الأولى التي نسمع فيها أن القاضي يوقف تنفيذ القانون بدل الـسـهـر عـلـى تـنـفـيـذه». ووصـــف ذلـــك بـأنـه «يـنـم عن وجود خطة تمنع إجراء الانتخابات، وصدوره جاء بإيعاز مـن جهة مـا (...)»، فـي حـن أن مـا توصلت إلــيــه هــــذه الـهـيـئـة الـقـضـائـيـة يـضـمـن المــــســــاواة في الحقوق بين المقيمين والمغتربين، ويكرس الرضوخ للدستور، ويـحـذر ضمنا مـن أخـطـار عجز السلطة عـن واجباتها فـي منع مـصـادرة حـق المغتربين في الاقتراع الحر. عـلـى الـــــدوام كـانـت قــوانــن الانــتــخــاب حصيلة تسويات تضمن مصالح القوى الطائفية النافذة، فأتت البرلمانات متشابهةً؛ نتيجة الترهيب والرشوة كـمـا الـتـهـديـد بــالــســاح، مـهـمـشـة الـــــدور ومـنـعـدمـة الـشـرعـيـة الـشـعـبـيـة؛ وأيــــن؟ فــي ظــل نــظــام سياسي برلماني يعود إليه رسم وصياغة السياسات العامة للبلد. وما يجري اليوم من خلاف بشأن أولوية نزع السلاح والإصـــاح قبل الانتخابات، والتعسف في الموقف من اقتراع المغتربين، وتجاهل وطأة السلاح والـكَــنْــتَــنَــة ومــصــادرة الحقوق والـعـدالـة، هـو خلاف سياسي على هوية البرلمان المقبل، ودوره المرتجَى في صياغة المكانة اللاحقة للبنان. حنا صالح إبراهيم عبد العزيز المهنا دوما كانت قوانين الانتخاب حصيلة تسويات تضمن مصالح القوى الطائفية النافذة السياسة والاقتصاد والهجرات العالمية قـــــررت بــريــطــانــيــا الــــخــــروج من 2016 فـــي عــــام الاتــــحــــاد الأوروبــــــــــي، وفـــــي ذلـــــك الأســــبــــوع كـــنـــت فـي حلقة نقاش مـع مجموعة مـن الإعـامـيـن والخبراء والـــســـيـــاســـيـــن الـــبـــريـــطـــانـــيـــن، المــــؤيــــد أغــلــبــهــم هـــذا الــخــروج؛ اعـتـقـادا أن ذلــك قـد يـــؤدي إلــى عـــودة مجد بريطانيا وقوتها الاقتصادية أو جزء منها، بما في ذلك أل تكون تابعة لأوروبا وتاريخها المرير معها. لــــكــــن هـــــــذا مـــــا حـــــــدث بـــالـــفـــعـــل مــــنــــذ الــــخــــروج البريطاني مـن الاتـحـاد، وينطبق الأمــر نفسه على كثير مــن الــــدول الأوروبـــيـــة والـــولايـــات المـتـحـدة من حـيـث وجـــود أعــــداد كـبـيـرة مــن المـهـاجـريـن يــــزدادون مـــن سـنـة إلـــى أخـــــرى، ومـــن مـجـتـمـعـات غـيـر مـرحـب بها مـن (مسلمين، وأفريقيين، وهـنـود، ولاتينيين، وغـــيـــرهـــم)، ســـــواء رغـــبـــت الـــــدول المـسـتـضـيـفـة أم لم ترغب، فالمعضلة أكبر من ذلــك، والـخـيـارات تضيق يوما بعد آخـر، وهـذا يعني حـدوث تحول كبير في المجتمع الدولي لم يحصل من قبل، وستكون له آثار مستقبلية كبيرة. صــحــيــح أن الـــعـــالـــم، ومـــنـــذ نـــشـــأتـــه، فـــي حـــراك بشري مستمر، وآخـر تحرك بشري كبير حصل في الــقــرن الـسـابـع عـشـر مــن أوروبـــــا، أصـغـر قـــارة آنـــذاك في المساحة وعدد السكان، حيث قاد التقدم العلمي والــــثــــورة الــصــنــاعــيــة والـــتـــطـــور الــطــبــي إلــــى ارتـــفـــاع ســكــان أوروبــــــا بـشـكـل كـبـيـر ومـسـتـمـر. ومـــع تـوسـع المــد الاسـتـعـمـاري انتقل الأوروبـــيـــون للاستقرار في قـارات أخـرى (أميركا الشمالية، وأميركا الجنوبية، وأستراليا، ونيوزيلندا، وغيرها)، كما أدت تجارة الرقيق إلــى نقل ملايين الأفـــراد مـن أفريقيا، جنوب الصحراء، إلـى الأميركتين؛ لتسخيرهم في الأعمال الزراعية والصناعية، كذلك حصلت هجرات أخرى مـــن مـنـاطـق عـــدة فـــي الــعــالــم؛ بـحـثـا عـــن فـــرص عمل أفضل، أو هربا من مناطق الصراعات. وبـعـد الـحـرب العالمية الـثـانـيـة، حصلت موجة أخرى من الهجرة، هذه المرة إلى أوروبـا؛ للمساهمة فــي إعــــادة الــبــنــاء، فبريطانيا أوجــــدت منظمة دول الـــكـــومـــنـــولـــث، الـــتـــي تـــضـــم مــســتــعــمــراتــهــا الــســابــقــة (أنشئت قبل الحرب وتطورت بعدها)، والتي أعطت مـــواطـــنـــي هــــذه الــــــدول وضـــعـــا خـــاصـــا فــيــمــا يخص الـهـجـرة والـعـمـل فــي بـريـطـانـيـا. أمـــا ألمـانـيـا الـتـي لم يكن لها مستعمرات، فقد استقدمت ملايين العمال، وبالذات من تركيا للمساهمة في نموها الاقتصادي. والآن، ندخل في وضع مختلف وجديد، سيؤثر في الغالب على مجمل النظام العالمي، وهناك جوانب مهمة عدة لهذا التغير، ليست بالضرورة متناغمة، بـل أحيانا متعارضة، والـتـي قـد تـــؤدي إلــى مشاكل عدة. وأهــــم الــتــغــيــرات اســتــمــرار الـنـمـو الاقــتــصــادي الدولي الذي بدأ في الغرب مع نهاية الحرب العالمية الثانية، ثم تمدد باستمرار من منطقة إلى أخرى ومن بلد إلى آخر ليشمل أغلب دول العالم المستقرة، ومن المتوقع أن يستمر هـذا النمو في السنوات والعقود المقبلة؛ مـا سيخلق المـزيـد والمــزيــد مـن فــرص العمل داخـل الدولة الواحدة وبين الــدول، وبالذات العمالة المتعلمة، والماهرة، وذات أخلاقيات العمل المتميزة. وعدد السكان المرتفع أسهم إذا أحسن الاستفادة منه في نمو وتطور عدد من الدول مثل الصين، والهند، وإندونيسيا. وصاحب النمو الاقتصادي تغيرات كبيرة في حياة الـنـاس ورفاهية السكان، بما فـي ذلـك تفاوت عـــدد المـوالـيـد لـلـمـرأة الـــواحـــدة مــن دولـــة إلـــى أخـــرى، ففي الـدول الغنية والمتقدمة، ينخفض عدد المواليد بـاسـتـمـرار وبــأقــل مــن المـتـوسـط المـفـتـرض لاسـتـقـرار في المائة)، 2.1 وتوازن السكان (المستوى المطلوب هو وفــــي بــعــض الــــــدول الأوروبــــيــــة وأمـــيـــركـــا والـــيـــابـــان، وكــوريــا، فهو أقــل بكثير؛ إذ تبلغ مـعـدلات المواليد 1.6 في المائة، وفي أميركا الشمالية 1.4 في أوروبــا فـي المـائـة؛ الأمــر الــذي يعني نقصا كبيرا فـي القوى المحلية، وزيـــادة الحاجة إلـى عمالة مـن الـخـارج من الدول التي لديها معدلات إنجاب عالية، وحسب أحد التقارير الحديثة، فــإن نيجيريا سجلت خــال عام واحد عدد مواليد يفوق عدد المواليد في كامل القارة الأوروبية. والــــقــــول بـــــأن رفـــــع الـــســـن الـــتـــقـــاعـــديـــة والــــذكــــاء الاصطناعي والـروبـوتـات ستلبي تلك الحاجة، من دون الاعـتـمـاد عـلـى الــقــوى الـخـارجـيـة، هــو قـــول من الـصـعـب حـصـولـه؛ نـظـرا لطبيعة الأعــمــال المطلوبة (خــدمــات مختلفة)، وبــالــذات مـع زيـــادة أعـــداد كبار الــســن المـتـقـاعـديـن والـــذيـــن يـحـتـاجـون إلـــى خــدمــات، إلا أن هـــذه الـتـكـنـولـوجـيـا ســـوف تــؤثــر عـلـى نوعية الكفاءات المطلوبة وليس أعدادها. كما أن الصراعات الـــدولـــيـــة تـــــؤدي إلــــى زيــــــادة الـــحـــاجـــة إلــــى الــطــاقــات البشرية للعمل العسكري، وإن كان هناك عدم ارتياح لزيادتها مـن غير المـواطـنـن، فألمانيا تخشى زيـادة عدد المسلمين مثلا في الجيش. ومــــــن هـــنـــا ســــــوف يـــســـتـــمـــر الــــتــــدفــــق الـــبـــشـــري العالمي؛ فقد تضاعف عدد المهاجرين خلال الخمسة مـلـيـون 300 والــعــشــريــن عــامــا المــاضــيــة لـيـصـل إلــــى شـخـص، وهــم فـي تـزايـد مستمر. وقــد أدى هــذا إلى بــــروز حـــركـــات سـيـاسـيـة واجـتـمـاعـيـة مــعــارضــة في أغلب الدول الغربية، التي تخاف من تغير التركيبة الـسـكـانـيـة لـصـالـح المــهــاجــريــن الـــجـــدد، وتـــحـــاول أن توقفها أو حتى إبعادهم، وهو ما يُعرَف بالحركات الــشــعــوبــيــة الــيــمــيــنــيــة المـــتـــطـــرفـــة، ومـــــن المـــتـــوقـــع أن تصل بعض هــذه الأحــــزاب إلــى الحكم فـي دول مثل بـريـطـانـيـا، وفــرنــســا، وألمــانــيــا، وتــبــدأ حـركـة ضغط لـــوقـــف وصـــــول المـــهـــاجـــريـــن بـــطـــرق شــرعــيــة أو غير شرعية، كما أن البعض يسعى إلى تشجيع الإنجاب بطرق مختلفة، لتعويض الحاجة إلى المهاجرين. فهل تنجح هذه السياسات؟ طبعا لا، فهذه هي الـيـابـان، بعد سـنـوات وعـقـود مـن الممانعة والقيود 1.2 عـلـى هـجـرة الأجـــانـــب، قـــررت اسـتـقـدام أكـثـر مــن .2028 مليون شخص للعمل فيها حتى عام فــــــالــــــدول الأوروبـــــــيـــــــة وأمـــــيـــــركـــــا الـــشـــمـــالـــيـــة لا تستطيع المحافظة على النمو الاقتصادي والرفاهية الاجـتـمـاعـيـة والإنـــفـــاق الـعـسـكـري المــتــزايــد، فــي وقـت يـقـل عـــدد المــوالــيــد، وحــتــى فــي حــالــة وصــــول بعض الـشـعـوبـيـن الـيـمـيـنـيـن إلـــى الـسـلـطـة، فـــإن بـلـدانـهـم ســتــواجــه صــعــوبــات اقــتــصــاديــة كــبــيــرة عــلــى المـــدى المتوسط، تشمل المقدرة على المحافظة على الخدمات الـــجـــيـــدة والـــرفـــاهـــيـــة الاجــتــمــاعــيــة، فـــي عـــالـــم تشتد المنافسة بين دوله ومجتمعاته. وفـــــي المـــقـــابـــل، نـــاحـــظ أن بــعــض الــــــــدول، مـثـل إسـبـانـيـا، تـــرى أن اسـتـقـطـاب المــزيــد مــن المـهـاجـريـن يسهِم في نموها الاقتصادي ورخائها. وبـشـكـل عــــام، فـــإن الـتـركـيـبـة الـسـكـانـيـة عـالمـيـا، وبـــالـــذات فـــي الـــــدول الـغـربـيـة تـمـر بــتــحــولات كبيرة ومستمرة، وقــد نــرى المهاجرين الــجــدد، وأولادهــــم، يصلون إلى قمة السلطة في بعض البلدان الغربية، كما يصبحون رجال أعمال وفكر مشهودا لهم، وهذا تـــحـــول تــدريــجــي مـبـعـثـه الــحــاجــة والـــكـــفـــاءة، ولـكـن تــأثــيــراتــه المـسـتـقـبـلـيـة قـــد تــكــون كــبــيــرة، لــيــس فقط على تشكيلة المجتمع في بعض الــدول الغربية، بل وعلاقاتها الخارجية.

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky