issue_17254

نساء سلوى بكر مقاومات من الطبقة األولى... مع تفاوت أساليب مقاومتهن الثقافة CULTURE 17 Issue 17254 - العدد Monday - 2026/2/23 االثنني فازت أخيرا بالجائزة األولى من منظمة «بريكس» سلوى بكر... قراءة اآلثار االجتماعية للتحوالت السياسية ال شـــك أن ســـلـــوى بـــكـــر، كــاتــبــة الـقـصـة القصيرة والـروائـيـة املصرية املــولــودة سنة ، تحتل مركزًا في الصدارة بني جيلها 1949 مـــن الــكــتّــاب والــكــاتــبــات الـــذيـــن ظـــهـــروا على املــــســــرح فــــي حــقــبــة الــثــمــانــيــنــات مــــن الـــقـــرن املاضي، والذين قد اكتمل اليوم عطاؤهم أو قارب االكتمال. فمنذ مجموعتها القصصية األولى «زينات في جنازة الرئيس» املنشورة ، تنامى إنتاجها بوتيرة منتظمة، 1986 في وصـــوت متميز، ودرجـــة عالية مـن الحرفية الفنية لفتت األنظار إليها من وقت مبكر. تشكلت واعـيـتـهـا فــي زمـــن جــمــال عبد ) وما تميز به من اتجاه 1970-1952( الناصر وطـــنـــي، عـــروبـــي، اشـــتـــراكـــي، شـبـه عـلـمـانـي، ووفـاة ناصر 1967 والـذي انتهى مع هزيمة ، ثــم عــاصــرت فـتـرة أنـــور الــســادات 1970 فــي ،)2011-1981( )، وحسني مبارك 1981-1970( وهـــمـــا الـــفـــتـــرتـــان الـــلـــتـــان شـــهـــدتـــا االنـــهـــيـــار التدريجي للمجتمع الذي حلم به ناصر، من دون بزوغ بديل ذي مصداقية. وعلى الرغم من أن سلوى بكر تحرص فـــي كـتـابـاتـهـا أال تــصــور الــفــتــرة الـنـاصـريـة تصويرًا مثاليًا، فمن الواضح أن ما يؤرقها في أعمالها هو التحوالت املجتمعية الهائلة التي حلّت بمصر بـدايـة مـن عصر الـسـادات فـصـاعـدًا. إن اآلثــــار االجـتـمـاعـيـة للتحوالت السياسية تبقى دائمًا قريبة من السطح في أعمالها، وتمتزج امتزاجًا وثيقًا باهتمامها األكــــبــــر، وهــــو وضــعــيــة املــــــرأة فـــي املـجـتـمـع. والـــحـــق أنــــه عــنــد ســلــوى بــكــر لـيـسـت محنة املــرأة في املجتمع إال عرضًا من مـرض أكبر يعاني منه املجتمع بأكمله، والـعـاج الـذي تنشده هو علج للمجتمع كله وليس للمرأة وحدها. فــي عـالـم سـلـوى بـكـر الــرجــال والـنـسـاء جميعًا هـم رفـــاق فـي املـعـانـاة على يـد نظام سياسي واجتماعي قمعي وغير عادل، ولكن املــــرأة تـنـفـرد وحــدهــا بكونها ضحية لقمع إضـافـي على يـد الـرجـال، أو القيم الذكورية للمجتمع. ذلك أن تقاليد املجتمع البطريركي تضطهد النساء لكونهن نساءً، تمامًا كما أن تقاليد النظام السياسي السلطوي تضطهد الرجال والنساء معًا بحرمانهم من الحريات األساسية ومن حقوقهم اإلنسانية. على أنه فـي عالم سلوى بكر مـن الطبيعي أن يكون اضطهاد املرأة هو ما يشغل بؤرة اهتمامها، ومــــا لــديــهــا مـــن حـــكـــايـــات تـقـصـهـا نسمعه دائمًا من خلل واعية نسائية، على األقل في املراحل املبكرة والوسطى من أعمالها قبل أن تنتقل في املرحلة املتأخرة للنظر في الوضع املجتمعي واإلنساني من منظور يجاوز ما تمليه املعطيات التقليدية للنظرة النسوية. غير أن االضـطـهـاد يستدعي املقاومة، ومـــــــا مـــــن شـــــك أن نــــســــاء ســــلــــوى بــــكــــر هــن مـــقـــاومـــات مــــن الــطــبــقــة األولــــــــى، وتـــتـــفـــاوت أســالــيــب مـقـاومـتـهـن مـــن الــعــنــف حــــد الـقـتـل كما في رواية «العربة الذهبية ال تصعد إلى )، إلـى الهروبية التي تتخذ 1991( » السماء عـــادة شكل االنـسـحـاب مـن عـالـم الــواقــع؛ أي الجنون، كما يحدث في العديد من القصص القصيرة للكاتبة. على أن أغلب النساء في أعمالها يـقـاومـن، بـل ويـنـتـصـرن، مـن خلل سـلـوكـيـات أقـــل تـطـرفـ مــن الـجـنـون والـقـتـل، فلدى شخصياتها مطواعية للتشكّل، وقدرة عـلـى الـتـأقـلـم، وعـلـى الـنـجـاة واالسـتـمـراريـة في أحلك الظروف، ما يمثِّل سخرية صامتة مــن الــتــفــوّق املـــزعـــوم لـلـقـوة الـــذكـــوريـــة، فهي ترينا مـرة بعد أخـرى في قصصها أن املـرأة هـي مكمن الـقـوة الحيوية الحقيقية وإن لم تتمتع باملرتبة العليا في تراتبية القوى في املجتمع. عـــلـــى أنــــــه يــنــبــغــي أال نُـــغـــفـــل أن لـيـس كــل الـــرجـــال فــي أعــمــال الـكـاتـبـة مُضطهِدين لـــلـــنـــســـاء، بــــل الـــكـــثـــيـــرون مـنــهـم يُـــــصـــــوَّرون ضـــحـــايـــا لـــلـــنـــظـــام املـــجـــتـــمـــعـــي تـــمـــامـــ مـثـل النساء. وهو ما يتفق مع قولها ذات مرة في حديث صحافي إنها ال تدين الرجال كجنس، لكنها تدين األفكار املسبّقة في املجتمع التي نقبلها وكـأنـهـا طبيعية وهــي ليست كذلك سبتمبر/ أيلول 15 ،» (مجلة «نصف الدنيا ). غير أنـه ليس من بني رجــال الكاتبة 1991 مهما كانوا أسوياء من يمتلك القوة القتالية - إن جـاز التعبير - التي تمتلكها نساؤها. فغالبًا ما نراهم أضعف من أن يقاوموا قوى الــفــســاد مـــن حــولــهــم، أو أنــهــم مــغــرقــون في املـثـالـيـة، أو شــديــدو الـصـابـة أو الهشاشة فــيــنــكــســرون. وغـــالـــبـــ مـــا يــقــع إنـــقـــاذهـــم من مآزقهم الحياتية على عاتق نسائهن، كما )، وفـي روايـــة «ليل 1994( » فـي قصة «أرانـــب )، على سبيل املـثـال. غير أنه 1997( » ونـهـار في املحك األخير نساء سلوى بكر ورجالها هم جميعًا ضحايا الواقع االجتماعي الفظ ملصر املعاصرة حيث يتكالب عليهم القمع السياسي والفساد والضائقة االقتصادية، وتعيش الغالبية العظمى منهم فـي البيئة العمرانية للقاهرة التي صــار يغلب عليها الفظاظة والقبح واالكتظاظ. هـــذه الـنـوعـيـة املـتـدنـيـة لـلـحـيـاة وسـط بــيــئــة عـــمـــرانـــيـــة قــبــيــحــة خـــانـــقـــة هــــي ذاتـــهـــا مــــا تــجــعــل طـــلـــب الـــجـــمـــال مـــســـعًـــى مـشـتـركـ لـــدى الـعـديـد مــن شخصياتها، وهـــي أيضًا مـــا تـجـعـلـه هــاجــســ مــــعــــاودًا فـــي أعــمــالــهــا. ويرتبط بهذا املسعى أيضًا حنني إلى نمط معيشي انقرض. فسلوى بكر عاشت صباها وشبابها األول في مصر الستينات في زمن زهو الناصرية، حني كان هناك حس وطني قــــوي، وأهـــــداف قـومـيـة، وتـكـافـل اجـتـمـاعـي، ولـــيـــبـــرالـــيـــة فـــكـــريـــة (عـــلـــى الــــرغــــم مــــن غــيــاب الــحــريــة الــســيــاســيــة)، وحـــ كــانــت مفاهيم املجتمع الرأسمالي االستهلكي تُعد وصمة عـار، وأيضًا حني كان فضاء القاهرة ما زال يحتفظ بشيء من الجمال املعماري ورونق الـــشـــوارع واملــســاحــات الــعــامــة الــــذي تميزت به في النصف األول من القرن، وحني كانت الـثـقـافـة الـرفـيـعـة غــايــة تـتـبـنـاهـا الـــدولـــة في الفنون والوسائط التي ترعاها. وقد يكون أن بذور التدهور في فضاء املعاش ونوعية الحياة الذي ميز عصر السادات، واستشرى فيما تله من عهود؛ قد يكون أنها زُرعت في الخمسينات والستينات، لكنها لم تترعرع إال فيما بعد، وفي ظل التحول اآليديولوجي الهائل الذي وقع في مصر السادات. هذا هو السياق الذي نفهم فيه الشعور بالحنني إلى مصر مـا قبل الــســادات ومـبـارك الـــذي نجده عـنـد بـعـض شـخـصـيـاتـهـا، كـمـا عـلـى سبيل املـثـال فـي القصة ذات الـعـنـوان املـوحـي «عن .)1989( » الروح التي سُرقت تدريجيًا تتضح املعالم الرئيسية للعالم الروائي لسلوى بكر من مجموعتها األولــى «زينات ). هـي بالتأكيد 1986( » فـي جـنـازة الـرئـيـس لــيــســت عـــــدوة لـــلـــرجـــال (وهـــــو مـــا قـــد نشعر بــــه أحـــيـــانـــ فــــي قـــصـــص نـــــــوال الـــســـعـــداوي بــــاملــــقــــارنــــة)، ولـــكـــنـــهـــا تـــمـــيـــل إلــــــى تــصــويــر املــــرأة تـصـويـرًا مـثـالـيـ ، فـهـي عـنـدهـا البطل االجتماعي، والجنس األقدر على النجاة من كــوارث الحياة. نساؤها كثيرًا ما يتعرضن للخيانة مـن قِــبَــل الــرجــال، عـمـدًا أو عـن غير عمد. قد يكون ذلك عن طريق املوت أو الطلق أو مجرد التخلِّي. تلتزم القصص بالتصوير الواقعي، والــذي قد يتمادى أحيانًا، فيصل إلـى أعتاب الطبيعية (الناتورالية). وتُمكِّن الكاتبة بـطـات قصصها مـن نـسـاء الطبقة الكادحة من التعبير عن أنفسهن من طريق لـــغـــة عـــامـــيـــة مــــحــــوّرة بـــمـــا يـــنـــاســـبـــهـــن. كـمـا أن حــبــكــات قـصـصـهـا ال تــلــتــزم بالتسلسل الــــزمــــنــــي. وقــــــد يــــبــــدو أســـلـــوبـــهـــا الــــســــردي فـــوضـــويـــ بـسـبـب الــقــطــع املـــتـــكـــرر النـسـيـاب الــحــكــي، واالســـتـــطـــراد، ثــم الـــعـــودة ملـواصـلـة الـقـصـة، والــــذي ربـمـا هــو مــن تـأثـيـر يوسف إدريــس على الكاتبة الشابّة، إال أن هـذا كله لــيــس إال فـــوضـــى مـنـظـمـة يُــقــصــد بــهــا حفز القارئ للتفكير في املوقف ومحاولة تفسيره خارج املعتاد. وهذا كله مما سوف يتواصل في أعمال بكر اللحقة. مــــن ضـــمـــن قـــصـــص املـــجـــمـــوعـــة األولـــــى قـصـة بـعـنـوان «نــونــة الـشـعـنـونـة». فــي هـذه الــقــصــة املـــبـــكـــرة، وفــــي قــصــة أخـــــرى مـزامـنـة لــــهــــا بـــــعـــــنـــــوان «إحـــــــــــدى وثـــــــاثـــــــون شـــجـــرة جـمـيـلـة خـــضـــراء» فـــي مـجـمـوعـتـهـا الـثـانـيـة «مـقـام عطية»، والـتـي نُــشـرت فـي نفس سنة )، تقدم لنا الكاتبة 1986( املجموعة األولـــى مجازًا ملحنة املــرأة املتحررة سيبقى طويل فــي أعـمـالـهـا الـاحـقـة: مـجـاز الـجـنـون، وهـو مجاز مـزدوج الفاعلية؛ ألنه يخدم نقيضني في آنٍ، هما املضطهَد واملضطهِد. فبالنسبة لـلـمـضـطـهِــد (بـــالـــكـــســـر)، وصــــم الـــثـــائـــر على األعراف والتقاليد، كاشف الزيف املجتمعي؛ وصــمــه بـالـجـنـون هـــو آلــيــة نـافـعـة ومـريـحـة للضمير. أمـا في حالة املضطهَد (بالفتح)، فـــالـــجـــنـــون وســـيـــلـــة لـــلـــهـــروب مــــن الــضــغــوط املـــجـــتـــمـــعـــيـــة غـــيـــر املـــحـــتـــمـــلـــة والــــصــــراعــــات غير القابلة لـلـفـوز، كما أنــه وسيلة لتأكيد الـــذات بواسطة الـرفـض النهائي ملتعارفات اجتماعية جائرة، لـ«عقلنية» مجتمعية هي «غير عاقلة» في عرف الثائر عليها. الجنون إذن عـنـد سـلـوى بـكـر هــو أداة انـعـتـاق، أداة تحرر. هذا األثر املحرِّر للجنون نجد له وصفًا في قصة الحقة لسلوى بكر «الدود في حقل ،)1992 ،» الــورد» (مجموعة «عجني الفلحة والـــتـــي تُــفــتــتــح بـــهـــذه الــكــلــمــات: «هــــي تـكـره الـجـنـون. تـخـافـه. ترتعب مـن فـكـرة أن يفقد العقل سطوته على الجسد. فينطق اللسان بـمـا يـشـتـهـي، وتــــرى الــعــ مـــا تـــود رؤيــتــه، وتتحرر النفس من كل قيد يرسمه لها الزمان ). تلك خواطر امرأة على شفا 23 واملكان» (ص الـجـنـون، لكنها لـم تفقد عقلها تمامًا بعد، ومـــن هـنـا خـوفـهـا مــن عــواقــب الـحـريـة التي تنجم عن الجنون. أما حني يكتمل الجنون، فــــإن الـــحـــريـــة الــنــاجــمــة عــنــه تـصـبـح مطلقة ال يعوقها عـائـق. وهـــذا هـو املعنى الـــذي به يصبح الجنون عند سلوى بكر فعل مقاومة وتـــأكـــيـــدًا لــــلــــذات، ولـــيـــس مـــجـــرد اســتــســام لضغوط فوق طاقة االحتمال. فــــي عــــالــــم ســــلــــوى بـــكـــر تـــفـــهـــم الـــنـــســـاء بـعـضـهـن، ويـقـدمـن لبعضهن الـعـضـد الــذي يـــنـــكـــره عــلــيــهــن الـــــرجـــــال، ويـــواصـــلـــن مـهـمـة الـــعـــيـــش والـــبـــقـــاء بـــرغـــم كــــل الـــعـــقـــبـــات الــتــي يضعها في طريقهن الرجال واملجتمع. في عالم سلوى بكر تعرف النساء حـق املعرفة أنـه من «الجنون» أن يتحدين مجتمعاتهن الــذكــوريــة، لكنهن يبقني على اسـتـعـداد ألن «يَجْنُنَّ». سلوى بكر رشيد العناني العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر تـــبـــدو روايــــــة «الــــخــــروج مـــن الــبــوابــة الــحــمــراء» للكاتب املــصــري محمد سعيد محفوظ للوهلة األولى وكأنها تقوم على بنية درامـيـة بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات، لكنها جاءت مشحونة بتأملت فلسفية وخـواطـر إنسانية تمزج الشجن بـالـسـخـريـة عـلـى هــامــش تـجـربـة حقيقية يستند إليها العمل وهو إقامة املؤلف ملدة عشرة أيــام كاملة فـي فندق بمدينة لندن كإجراء احترازي وهو «العزل» عند سفره إلـــى بريطانيا فــي أثــنــاء جـائـحـة كـورونـا التي ضربت العالم قبل سنوات. فـــــي الـــطـــبـــعـــة الـــــجـــــديـــــدة مـــــن الـــعـــمـــل الــــصــــادرة عـــن دار«مـــيـــديـــاتـــوبـــيـــا»، يـــروي املـؤلـف مـذكـراتـه فـي ردهـــات أغــرب معتقل وسمه باسم «زنزانة العزل»، حيث ينسج تـفـاصـيـل وحـــدتـــه الــقــاســيــة، يــومــ بــيــوم، ودقيقة بدقيقة، لتتفجر من بني سطوره مـــفـــارقـــات املـــشـــاعـــر اإلنـــســـانـــيـــة وأكـــثـــرهـــا شجن ًا. تتصاعد سـطـوة الـعـزلـة فـي وجـدانـه حتى تضيق بها الروح، فيتساءل بمرارة عما إذا كــان مـن املمكن أن يخرج مـن هذا الـــحـــصـــار مــــعــــافــــىً، أم أن جــــــراح الــنــفــس سترافقه إلى عيادات األطباء بعد العناق األول للحرية، ومـن ذا الــذي سيرمم وهن جــســده، ويــــداوي عـضـاتـه الـتـي تيبست، وأقدامه التي أثقلها التورم من فرط املكوث خلف قضبان الصمت. يــكــتــســب الـــنـــص قــيــمــتــه مــــن الـحـكـي الــحــمــيــم عـــبـــر لـــغـــة بــســيــطــة تــتــخــفــف مـن الـــجـــمـــالـــيـــات والـــــزخـــــارف الـــبـــاغـــيـــة، فـمـا تــــســــتــــهــــدفــــه هــــــو نــــقــــل ضــــغــــط الـــلـــحـــظـــة وأشـــــــــــواق الــــــــــروح عــــبــــر عـــــ بـــــارعـــــة فــي الـتـقـاط التفاصيل الـصـغـيـرة واملـفـارقـات الدرامية، وكـأن «العزل» رغم قسوته فتح نوافذ للتأمل في الــذات والحياة والواقع اإلنساني برمته. فـــي تـقـديـمـهـا لـلـكـتـاب، تـــرى الـكـاتـبـة سكينة فـؤاد أن التعبير عن تلك التجربة بلغ ذروة الـصـدق، حتى كــادت أن تتوحد مع آالم كاتبها وهو يدير تفاصيل حياته الرتيبة داخـــل زنــزانــة ضيقة؛ حـجـرة هي العالم بأسره، يمارس فيها طقوس بقائه، وال ينقصه فيها شيء سوى الحرية، أثمن ما يهبه الوجود. وتضيف: «هي سطور مست أعماقي، وأثق أنها ستوقظ الصدى ذاته في نفوس كـل الـذيـن كبلتهم قضبان فُــرضـت عليهم قــســرًا، لـيـصـرخـوا مــع املــؤلــف فــي تـسـاؤل وجــــــودي حــــــارق: كــيــف قـــهـــرت نــفــســي كل هـــذه الــســنــوات ثــم أشـكـو مــن هـــذا السجن الرمزي؟ أنا خبير في تضييع الحرية، وما العزل إال عينة مما أكابد!». ويـــــــروي مـــحـــفـــوظ كـــيـــف أنـــــه لــــم يـكـن يبالي مطلقًا حـ طـرقـت أصـابـعـه لوحة املفاتيح لتدوين هذه اليوميات وأن يسعى لنشرها في كتاب؛ فقد كان كل ما يشغله حـيـنـهـا هـــو الـتـنـفـيـس عـــن الــضــيــق الـــذي يـشـعـر بـــه، وتــفــريــغ مـــا يـعـانـيـه مـــن كـبـت، فمنذ الطفولة، لم يجد لي صديقًا يتفهمه كالقلم، وظلت هــذه العلقة وطـيـدة حتى بعد أن استبدل بريشته أزرار الكمبيوتر. بــدأ بنشر اليومية األولـــى مقتضبة على «فـــيـــســـبـــوك»، فــحــظــيــت بـــاهـــتـــمـــام بـعـض األصــــدقــــاء، مـــا دفــعــه إلتــبــاعــهــا بـالـثـانـيـة ثم الثالثة والـرابـعـة، مع إضافة مزيد من التفاصيل املـاديـة والحسية، ومـع ازديــاد الـتـفـاعـل، وجـــد فــي هـــذا الــتــدويــن األنـيـس والسلوى لروحه. فـي اليوميات يتذكر أنـه عند هبوط الـركـاب مـن الطائرة وتوجههم إلـى فندق قريب، وُجّــه كل راكــب إلـى طاولة مستقلة ملـــلء بــيــانــات نـظـامـه الـصـحـي والــغــذائــي، حيث استمعوا إلــى شــرح أحــد املوظفني، مــــن خـــلـــف قـــنـــاعـــه، حـــــول طــبــيــعــة وســيــر الحياة في هذا «السجن الفندقي». أوضح املــــوظــــف أن خــــروجــــه لــلــتــريــض مـــشـــروط بــــالــــحــــصــــول عــــلــــى تــــصــــريــــح مـــســـبـــق مــن أقـــرب حـــارس لغرفته أو مــن إدارة األمـــن، كما أكــد أن موظف أمــن سيرافقه لضمان التزامه بقيود التباعد، مع ضرورة ارتداء الـكـمـامـة بـاسـتـمـرار خـــارج الـغـرفـة، ومنع التدخني نهائيًا بداخلها، مع توفير بدائل النيكوتني ملن يحتاج إليها. شملت التحذيرات منع استقبال أي ضـيـوف داخـــل الـغـرفـة، أو الــدخــول لغرف نــــزالء آخـــريـــن مـــن خــــارج دائـــرتـــه املــقــربــة، وبدال من ذلك، يمكنه التواصل مع عائلته وأصـــــدقـــــائـــــه عـــبـــر تــطــبــيــقــي «زووم» أو «سـكـايـب»، مستفيدًا مـن شبكة اإلنترنت املجانية املتاحة في الغرف. القاهرة: «الشرق األوسط» انتقل من كونه عنصرا طبيعيا إلى رمز وجودي التفلسف على الماء نـــشـــرت جـــريـــدة «الــــشــــرق األوســـــــط» في صفحة «ثقافة وفنون» مادة عن كتاب «النيل، نـهـر الــتــاريــخ» ألســتــاذ الـجـغـرافـيـا والـبـاحـث النرويجي تارييه تافيت، وهــو عمل يرصد حـــضـــور الــنــهــر فـــي املـــخـــيـــال األوروبــــــــي عبر الــعــصــور، وتـــقـــول الـزمـيـلـة رشـــا أحــمــد الـتـي اســـتـــعـــرضـــت الـــكـــتـــاب أنـــــه «جـــمـــع بــــ الـــدقـــة األكاديمية واألسلوب السردي حيث ال يكتفي بتتبع تـاريـخ النيل بوصفه نـهـرًا جغرافيًا، بل يحاول أن يكشف كيف تحوّل عبر القرون إلى رمز ثقافي وفكري، وكيف ظل حاضرًا في الفن والدين والخيال بوصفه شريان حياة ال ينضب». الـــافـــت فـــي ســيــرة املـــؤلـــف هـــي اللحظة التي بـدأت فيها علقته باملاء أصــاً. لم يكن ذلك على ضفاف النيل، بل في مدينة بيرجن الـنـرويـجـيـة املــطــيــرة، حــ أدرك ذات صباح خريفي أن األمــطــار الـتـي تحيط بـه ال تشكّل الـــطـــقـــس فـــقـــط، بــــل تـــشـــكِّـــل الـــحـــيـــاة نـفـسـهـا. مــن تـلـك اللحظة تــحــوَّل اهـتـمـامـه مــن تـاريـخ العالم إلى تاريخ املاء بوصفه الشرط الخفي الــذي تقوم عليه املجتمعات وتتشكل حوله الــحــضــارات. لقد اكتشف أن مـا يـبـدو يوميًا عابرًا، كاملطر الذي ال ينقطع، قادر على أن يعيد تشكيل نـظـرة كاملة إلـــى تــاريــخ اإلنــســانــيــة. تــبــدو هـذه الـــفـــكـــرة لــلــوهــلــة األولــــــى أقـــــرب إلــى العلوم االجتماعية منها إلى التأمل الفلسفي، لكنها تفتح سؤاال أعمق. فــالــحــضــارات الــكــبــرى لـــم تقم حـول أفكار، بل حـول مصادر املـاء. املـــــدن األولــــــى نـــشـــأت عــلــى ضـفـاف األنـــهـــار، والــــزراعــــة اســتــقــرت حيث يـمـكـن الـتـحـكـم فـــي الـــــري، والــطــرق التجارية سارت على دروب مجاري املياه قبل أن ترسمها الخرائط. كان النهر دائمًا الرحم الذي يلد املدينة، واملـؤسـس النبثاق الحياة وابتداء التاريخ. ما إن يستقر مجرى املاء حـتـى يستقر مـعـه شـكـل مــن أشــكــال الـحـيـاة، كأن الجغرافيا املائية ترسم تخومًا خفية ملا يمكن أن ينشأ من عمران وثقافة. وحتى في العصور الحديثة، حني ظن اإلنسان أنه تحرر من الطبيعة بفضل التقنية، ظل املــاء شرطًا صــامــتــ ال يـمـكـن تــــجــــاوزه، يـظـهـر حــضــوره الحاسم كلما ندر وجوده. لكن املـــاء لـم يـبـق فـي حـــدود الجغرافيا والـــتـــاريـــخ. فـحـ بـــدأ اإلنـــســـان يــتــســاءل عن أصل العالم، كان من الطبيعي أن يتجه نظره إلــى العنصر الـــذي تـقـوم عليه الـحـيـاة كلها. منذ طاليس لم يعد املاء شرط الحياة وحده، بـــل صــــار مــرشــحــ ألن يـــكـــون أصــــل الـــوجـــود نفسه. لـم يكن قوله إن «املـــاء أصــل األشـيـاء» حكمًا فيزيائيًا باملعنى الحديث، بل محاولة أولـــى للعثور على مـبـدأ واحـــد يفسّر الكثرة والـــتـــحـــول. اخــتــيــار املــــاء لـــم يــكــن اعـتـبـاطـيـ ، فــهــو الــعــنــصــر الـــــذي يــمــنــح الـــحـــيـــاة ويـتـخـذ أشـكـاال متعددة ويتحوّل مـن حـال إلـى حـال، وكأن أصل العالم ينبغي أن يكون قادرًا على التحول مثل العالم نفسه. بعده سيجعل هيراقليطس النهر صورة الوجود ذاته. العالم عنده ليس بنية ثابتة بل تدفّق دائـم، ولهذا صار النهر مثاله األشهر: «ال يمكنك أن تنزل النهر نفسه مرتني». املاء هـنـا لــم يـعـد أصـــل األشـــيـــاء بــل الـتـغـيّــر الــذي يحكمها جميعًا، وصار التدفق ال الثبات هو الحقيقة األعـمـق. أمـا أفـاطـون فسيضع املاء ضمن عالم التكوّن والتحوّل، العالم الـذي ال يستقر عـلـى صـــورة نـهـائـيـة، بينما سيعيد أرسطو املاء إلى نظام العناصر، مانحًا إياه موضعه الطبيعي في بنية الكون وسعيه إلى االستقرار. وهكذا ظل املاء حاضرًا في التفكير الفلسفي، ال بوصفه مادة فحسب، بل بوصفه مـثـاال يتيح تـأمـل الـحـركـة والـهـويـة والـزمـان الذي يجري كاملاء. وفـــي فـلـسـفـات الـــشـــرق، خـصـوصـ عند أبي الطاوية الو تسو، سيبلغ التأمل في املاء ذروة رمزية مختلفة. املاء هو النموذج األعلى للحكمة، ألنه يلني وال ينكسر، وينساب إلى أدنــى املـواضـع دون عرقلة، ومــع ذلـك يتغلب في النهاية رويدًا رويدًا على أصلب األشياء. وفـــــي الـــعـــصـــر الـــحـــديـــث ســـيـــعـــود املــــــاء مــــادة لـلـتـأمـل الـــداخـــلـــي، حـــ رآه بـــاشـــار عنصرًا لـلـحـلـم والــــذاكــــرة والـــعـــمـــق. فـــي كــتــابــه «املــــاء واألحــــــام» يـصـفـه بــأنــه مــــادة خــيــال حميمة تشكّل الوعي الباطن. فاملاء ال يعكس العالم الـخـارجـي فـقـط، بـل يـوقـظ طبقات خفية من التجربة الداخلية. وحـــــ تـــأمـــل هـــايـــدغـــر الـــنـــهـــر لــــم يـنـظـر إلـيـه كعنصر طبيعي فـحـسـب، بل كموضع يتشكل فيه سكن اإلنسان وينكشف فيه العالم، حيث يجتمع املكان والـزمـان والسكن في مجرى واحـــــــد. فــــي شــــروحــــه لـــهـــولـــدرلـــ ، تــــــحــــــدث عــــــــن الـــــــــرايـــــــــن ال كـــجـــســـم طبيعي، بل على أنه «مكان ظهور» لـلـتـاريـخ والـشـعـب والـسـكـن. النهر عـــنـــده لـــيـــس مــــــاء جــــاريــــ فـــقـــط، بـل مجال تنكشف فيه علقة اإلنسان بــــــــــاألرض والـــــســـــمـــــاء. وفـــــــي مـــثـــال (الــــجــــســــر) فــــي مـــحـــاضـــرة «الـــبـــنـــاء والسكن والتفكير» عندما يتحدث عن جسر فوق نهر، يقول إن الجسر ال يــربــط ضـفـتـ فــقــط، بـــل يكشف املــــكــــان ويـــجـــمـــع األرض والـــســـمـــاء والـــبـــشـــر والــــقــــداســــة. الـــنـــهـــر هـــنـــا جـــــزء مـمـا يسميه «الــربــاعــي». أي أن املـــاء يـدخـل ضمن بنية انـكـشـاف الـعـالـم ال كـمـوضـوع مستقل. اإلنـــســـان ال يـوجـد فــي فـــراغ بــل يسكن عـاملـ . واألنهار من أبرز املواضع التي يتشكل فيها هـذا السكن، ألنها تجمع الطبيعة والتاريخ والفعل البشري. ومع كل قـراءة جديدة يعود املـاء ليذكّر الفكر بـأن أكثر األشـيـاء بساطة فـي التجربة قد تكون أكثرها عمقًا في املعنى. بهذا املسار الطويل انتقل املـاء من كونه عنصرًا طبيعيًا إلــــــى رمــــــز وجـــــــــودي، ومــــــا بــــــدأ عـــنـــد ضــفــاف األنـــــهـــــار بـــوصـــفـــه شـــرطـــ لـــلـــحـــيـــاة صـــــار فـي الفلسفة ســـؤاال عـن أصــل الـعـالـم ومـعـنـاه. لم يكن النهر مجرد خلفية صامتة للتاريخ، بل أحد عناصره الخفية التي تعمل في العمق، ومــن حـضـوره اليومي انبثق ســؤال التفكير نـفـسـه. والــنــيــل، مـثـل سـائـر األنـــهـــار الـكـبـرى، يضعنا أمام هذه الحقيقة القديمة املتجددة، أن اإلنـسـان لم يعش إلـى جــوار املــاء فحسب، بـل فـكَّــر مـن خـالـه أيـضـ . وحــ نعيد النظر إلــى املـــاء ال بوصفه مـــوردًا طبيعيًا فـقـط، بل بوصفه أحــد مفاتيح فهم علقتنا بالعالم، يتضح أن التفلسف عليه ليس ترفًا ذهنيًا، بل محاولة لقراءة الحياة في منبعها األول. خالد الغنامي النص الكامل على الموقع اإللكتروني هايدغر باشالر

RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==