OPINION الرأي 12 Issue 17254 - العدد Monday - 2026/2/23 االثنني وكيل التوزيع وكيل االشتراكات الوكيل اإلعالني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] املركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 املركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى اإلمارات: شركة االمارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 املدينة املنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب األولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية املوجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها املسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة ملحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي باملعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com لبنان بين التريث والهجمة الدبلوماسية هاكابي وتهافت السرديات اإلسرائيلية التاريخية الفرق بين «ماكارثر» والمكارثية رحب مجلس الــوزراء اللبناني، األسبوع الفائت، بخطة الــجــيــش لـتـنـفـيـذ املــرحــلــة الــثــانــيــة مـــن عـمـلـيـة حــصــر الــســاح بيد الـدولـة، التي تغطي املنطقة الواقعة بني نهري الليطاني واألولي. االنطباع األول، بحسب ما صدر عن الحكومة، يوحي بـــأن الـخـطـة يمكن وصـفـهـا بـاملـطـاطـيـة؛ إذ تـحـدثـت عــن مهلة أشهر إذا توفرت العوامل املساعدة نفسها، 8 إلى 4 تمتد «من وتــوفــرت اإلمــكــانــات، وتـوقـفـت االعـــتـــداءات اإلسـرائـيـلـيـة». ما صـدر عن الحكومة يميل إلـى املوقف السياسي أكثر منه إلى الخطة العملنية الـواضـحـة؛ مـا تــرك مساحة لللتباس بني مطلق العملية املحصورة في املنطقة بني النهرين أو امتدادها إلى كامل األراضي اللبنانية. التريث يبدو الثابت الوحيد فـي األداء الحكومي تجاه مـلـف الــســاح خــاصــة، ومستقبل الـعـاقـة مــع إسـرائـيـل ودور لبنان في الصراع العسكري معها. هذا التريث يجد ما يبرره إقليميًا ودوليًا مع تمهل الواليات املتحدة في نزاعها مع إيران، وحديثها عن مُهل تمتد أسابيع وفــرص للتسويات بقدر ما تشير إلى احتمال الحرب. إنما تـروِّي السلطة اللبنانية ليس جديدًا؛ فمنذ أيامها األولـــى، بـدا خطابها متأثرًا بتحوالت املنطقة: يتشدد حينًا، ويلني أحيانًا، وهي اليوم، كما يبدو، تنتظر نتائج املفاوضات بـــ واشــنــطــن وطــــهــــران. وهــنــا مـكـمـن الــخــطــر؛ إذ إن الــرهــان عـلـى نـتـائـج املــفــاوضــات أو الــحــرب مــن دون تحصني الـداخـل أو التحوط للمفاجآت، سلبية كانت أم إيجابية، يبدد فوائد التريث بدل أن يعززها. يواجه لبنان راهنًا رغبة أميركية - إسرائيلية في رفض التفاوض عبر «امليكانيزم»، واإلصرار على مفاوضات سياسية حكومية مباشرة عبر وزير عن كل طرف، وبرعاية السفيرين األميركيني في بيروت وتل أبيب، إال أن هذه الرغبة لم تتقدم بــمــا يـكـفـي بـسـبـب تـــطـــورات املـنـطـقـة الـــتـــي خـفـضـت مـسـتـوى االهتمام األميركي بلبنان، مقابل تصاعد التوتر مـع إيــران. فكيف يمكن للبنان التعامل مع هذا الضغط؟ وماذا لو تعثرت املفاوضات مع إيــران، وعـادت احتماالت الضربة اإلسرائيلية لـ«حزب الله»؟ وما الضمان بأن تكون نتائج أي تسوية لصالح لبنان، ال سيما إذا اقتصرت على صفقة نووية ال تحسم أدوار أذرع إيران باملنطقة؟ هل املطلوب االستمرار على الوتيرة املعهودة، ومراعاة الــتــوازنــات الـداخـلـيـة واملـحـافـظـة على «الستاتيكو» بانتظار انـفـراج خـارجـي؟ قد ال تكون الفرصة املتاحة للبنان لتسريع نــــزع ســــاح «حـــــزب الـــلـــه» طــويــلــة، خــصــوصــ فـــي ظـــل مـرحـلـة الضعف والقلق التي يمر بها نتيجة أوضـاع إيـران واحتمال تـراجـع الـدعـم، إضـافـة إلــى التهديدات اإلسرائيلية وضبابية املشهد اإلقليمي. ورغـــــم الــتــصــريــحــات الـلـبـنـانـيـة الــرســمــيــة األكـــثـــر جـــرأة بشأن السلح، ال توجد حتى اآلن خطوات عملية جدية، ولم يـقـدم الجيش خطة واضـحـة للمرحلة الثانية بفعل العوائق السياسية الداخلية أكثر منه بفعل الجهوزية العسكرية. هذا الـتـأخـيـر قــد يضيع فـرصـة نــــادرة أوجـدتـهـا األزمــــة اإليـرانـيـة، والـسـعـي لـتـسـريـع املــســاعــدات الـعـسـكـريـة مــن مـؤتـمـر بـاريـس وأمـــيـــركـــا، واســـتـــهـــداف الـبـنـيـة املــالــيــة لــــ«حـــزب الـــلـــه»، كـمـا أن املماطلة قد تؤدي إلى تصعيد عسكري إسرائيلي في األشهر املقبلة. يـــحـــتـــاج لـــبـــنـــان إلـــــى مــــا هــــو أبـــعـــد مــــن املـــهـــلـــة املــطــاطــيــة والغموض في ملف حصر السلح شمال الليطاني. املطلوب دبلوماسية نشطة ومتعددة املسارات تهدف إلى إعـان وقف بصيغة مــطــورة. 1949 حـــال الـــحـــرب، وإحـــيـــاء اتـفـاقـيـة هــدنــة هــــذا الـــطـــرح لـــم يــعــد مـــن املـــحـــرمـــات، بـــل بــــات يُــنــاقــش رسـمـيـ وشـعـبـيـ ؛ فمنذ وقـــف إطـــاق الــنــار بــ لـبـنـان وإســرائــيــل في ، أصـبـحـت فـكـرة الــخــروج من 2024 ) نوفمبر (تـشـريـن الـثـانـي الصراع العسكري مطروحة في الخطاب العام، بما في ذلك في املناظرات اإلعلمية. تستند هـذه النقلة الدبلوماسية إلـى جملة عوامل. أوال أنها ال تعني التطبيع كما يروج البعض، بل تثبيت االستقرار. ثانيًا أنها تفيد من عزلة «حـزب الله» داخليًا وملمح تراجع شعبيته وقـــدراتـــه الـعـسـكـريـة، مــا قــــوَّض خــطــاب «املــقــاومــة»، وأقـنـع شريحة واسـعـة مـن بيئته ومــن اللبنانيني بــأن إنهاء األعمال العسكرية هو السبيل الوحيد لوقف الحروب املتكررة. وثالثًا، أنها تتقاطع مع توجهات إدارة الرئيس دونالد ترمب إلعادة تشكيل النظام اإلقليمي. ويــشــار فــي الـسـيـاق إلـــى أن رئـيـس الـجـمـهـوريـة جـوزيـف عون تحدث في خطابه أمام الجمعية العامة لألمم املتحدة عن السلم، داعيًا إلى محادثات غير مباشرة، ومؤكدًا أن لبنان «ال يمكن أن يكون خــارج املـسـار الحالي فـي املنطقة، وهـو مسار حل األزمات». العقبات التي ينبغي تذليلها أمــام هـذه املقاربة كثيرة، أبـرزهـا سـاح الـحـزب. ويتوقف هـذا على دور رئيس مجلس النواب نبيه بري، إضافة إلى قوى أخرى حليفة إليران. قـد تـكـون الـبـدايـة الـواقـعـيـة فـي قـبـول اإلطـــار التفاوضي األميركي، واالنطلق في مسار تدريجي يشمل ترسيم الحدود الـبـريـة، والـضـغـط إلعــــادة إعــمــار الــقــرى املـــدمـــرة، واالنـسـحـاب اإلسـرائـيـلـي الـتـدريـجـي، وإطـــاق األســـرى، والبحث فـي إعــادة تشغيل خط التابلين لتخفيف أزمة الطاقة املزمنة في لبنان. إن الفشل فـي املضي فـي هـذه الدبلوماسية واالستمرار في املـراوحـة سيؤديان إلـى خفوت الدعم األميركي العسكري والسياسي، واستمرار اإلحجام العربي، وزيادة مخاطر حرب لنزع سلح الحزب بالقوة. بـيـنـمـا طـــبـــول الـــحـــرب تــــدق بــعــنــف مــخــيــف فـــي الــشــرق األوسط، ينطق السفير األميركي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، بــعــبــارات مــن الــزيــف الـتـاريـخـي، الـــروحـــي والــاهــوتــي، وبما يتجاوز فضاء عمله الدبلوماسي. في حـواره مع اإلعلمي األميركي تاكر كارلسون، أشار إلـــى أنـــه «ال بـــأس» إذا اسـتـولـت إسـرائـيـل عـلـى كـامـل أراضـــي الشرق األوسـط، مستندًا إلى تفسير مزيف لنصوص دينية، فقد موضوعيته، وانتهى عهده، وبات إرثًا من تاريخ مضى. هاكابي من خلل تصريحاته يعود بنا إلى دائرة اللعب بـالـنـار، حـ يـطـوع الـــرؤى الدينية املطلقة لخدمة األغـــراض السياسية النسبية، وهو أمر برع فيه، وإن كانت براعة مزيفة. لـم تكن هــذه املـــرة األولـــى الـتـي يخلط فيها هاكابي، القس املعمداني الذي ينتمي إلى ما يعرف بتيار اللهوت التدبيري أو التقسيمي لـفـتـرات معينة مـن الـتـاريـخ. ذاك الذي يؤكد أن إسرائيل الحديثة هي كمال تحقيق التنبؤات التوراتية، ويجب دعمها حتى نهاية العالم. ، كتب 2025 فــي يـونـيـو (حـــزيـــران) مــن الــعــام الـفـائـت هاكابي رسالة لترمب، يدعوه فيها ليدخل التاريخ من باب إقامة «مملكة الرب» على أرض إسرائيل، حتى لو كان ذلك يعني حربًا إقليمية كبرى مع كافة الجيران، دافعًا بذلك التاريخ إلـى مسار الــرؤى األبوكاليبسية لتحقيق مشهد النهاية الكبرى عبر موقعة «هرمجدون». تـمـثـل الـــــرؤى الــتــي انـطـلـق مـنـهـا هــاكــابــي، وال يـــزال، خروجًا على الفكر املسيحي التقليدي للكنيسة الرومانية الـكـاثـولـيـكـيـة، والـكـنـائـس األرثــوذكــســيــة، بــل إن كـثـيـرًا من الـطـوائـف البروتستانتية األوروبـــيـــة واألمـيـركـيـة ترفض بدورها تلك األطروحات. بـدت رسـالـة هاكابي، وبـاألمـس القريب تصريحاته، أقل شبهًا باملشورة االستراتيجية السياسية التي يقدمها سفير أمـيـركـي لرئيسه، وأكـثـر شبهًا بتتويج لعقود من أفـــكـــار يـــوم الـقـيـامـة الـيـمـيـنـيـة تــجــاه إســـرائـــيـــل، والـتـحـول املسيحاني للسياسة اإلسرائيلية نفسها، ولـم يعد األمر هـذا فـي حقيقته مجرد عناصر دينية فـي عالم السياسة األميركية، بل اختراق جوهري ديني للعقلية الشعبوية، وهــو أمــر يـعـود إلــى الـعـقـود األولـــى للمهاجرين األنغلوساكسون (الواسب) األوائل. يـــدرك هـاكـابـي بـقـوة أنـــه الـجـيـل األخــيــر مــن األمـيـركـيـ اليمينيني الـذيـن يـدفـعـون دفـعـ فـي هــذا املــســاق، وقــد جـاءت حــرب غــزة لتخيفهم مـن خــال واقـــع روحـــي وسياسي جديد يـتـبـلـور داخــــل الـــواليـــات املــتــحــدة، يــرفــض الـتـفـسـيـر الـحـرفـي للنصوص الكتابية، بل ينظر إليها من خلل املعنى واملبنى الــروحــي األوســــع قلبًا وقـالـبـ ، مــن مـجـرد تـحـيـزات عنصرية دينية. هـــل يـــزايـــد هـــاكـــابـــي عــلــى رئـــيـــس الــــــــوزراء اإلســرائــيــلــي نتنياهو، الذي ردد الصيف املاضي على املأل، وبأعلى صوت، رواية «إسرائيل الكبرى» املمتدة من الفرات إلى النيل؟ هاكابي يداعبه حلم الترشح لرئاسة الواليات املتحدة، في 2012 وهــــو مـــا ســعــى إلــيــه فـــي انــتــخــابــات الـــرئـــاســـة عــــام مـواجـهـة بـــاراك أوبــامــا فـي واليـتـه الـثـانـيـة، وغـالـب الـظـن أنه يـعـتـبـر وجـــــوده فـــي إســرائــيــل كـسـفـيـر لـتـرمـب فــرصــة ذهبية لــحــصــد أصـــــــوات األمـــيـــركـــيـــ املـــؤيـــديـــن إلســــرائــــيــــل، فــــي أي انتخابات رئاسية قادمة رغم أن عامل السن ال يسعفه. ســرديــات هـاكـابـي املـنـحـولـة، ال بـد مـن الــوقــوف أمامها وتـفـنـيـدهـا، ال سيما أنـهـا تنطلي عـلـى الـبـعـض فــي الـداخـل األميركي حتى الساعة، وإن تـراجـع زخمها فـي كـل األحــوال نتيجة الوعي املتنامي. الحديث عن فكرة الوعد يحتاج لكتابات مطولة في واقع األمر، ال سيما أنه كان إلبراهيم الخليل، ما يعني أنه لنسله من العرب أيضًا من ابنه إسماعيل، كما إلسحاق، بل إن «سفر الـتـكـويـن» الـــذي يـتـعـرض لِــلــي ذراع منهجي، يـذكـر بالنص وعـد الله إلبراهيم: «وأمــا إسماعيل فقد سمعت لك فيه. ها أنـا أبـاركـه وأثـمـره وأكـثـره كثيرًا جــدًا. اثنا عشر رئيسًا يلد، .)20-17 : وأجعله أمة كبيرة» (تكوين عن فكرة الوعد هـذا يكتب البروفسور إبـراهـام هيشيل أسـتـاذ الـتـصـوف الـيـهـودي فـي كلية الــاهــوت الـيـهـوديـة في نيويورك، في عدد صحيفة «نيويورك تايمز» الصادر بتاريخ ، فـيـقـول: «إن هــذا الوعد 1959 ) نوفمبر (تـشـريـن الـثـانـي 18 تحقق في املاضي البعيد وانتهت مفاعيله». مـــن جــانــب آخـــر يــقــدم لـنـا عـــاّمـــة مــصــري مـــحـــدث، األب الـــراهـــب املـــصـــري مـتـي املــســكــ ، فـــي كـتـابـه الــعــمــدة «تــاريــخ إسرائيل من واقع نصوص التوراة واألسفار»، رؤية تفيد بأن الوعد الذي يتعلَّل به هاكابي قد بطل منذ ألفَي عام بتحقق النبوءات املسيانية، التي رفضها شعب إسرائيل عينه. األمـــر اآلن فــي يـــدَي وزارة الـخـارجـيـة األمـيـركـيـة لتقول كـلـمـتـهـا أمـــــام هــــذا الـــتـــطـــاول غــيــر املــــســــؤول لـسـفـيـرهـا لــدى إسرائيل. األمر جد خطير، وال يعود بالشرق األوسط فحسب إلى عصور الـحـروب ذات الصبغة الدوغمائية، بـل يـزج بالعالم برمته في أتون صراع املطلقات. ســــمــــع الــــــعــــــرب بــــاملــــكــــارثــــيــــة، ولــــم يـــســـمـــعـــوا تـــقـــريـــبـــ بــــمــــاكــــارثــــر. عـــرفـــوا املكارثية بوصفها زمـن خـوف ومحاكم تـفـتـيـش طـــالـــت الـــجـــامـــعـــات، وتـخـويـنـ واســـــعـــــ لــلــمــثــقــفــ فـــــي ذروة الـــحـــرب الــــبــــاردة. واملــكــارثــيــة، كـمـا هـــو مـعـلـوم، تُنسب إلى السيناتور جوزيف مكارثي الــــذي قـــاد تـلـك الـحـمـلـة. فــي املــقــابــل، لم تـــحـــظ مـــؤســـســـة «مــــاكــــارثــــر» بــاملــعــرفــة نفسها في الوعي العربي، رغم أنها تقف على النقيض التام من منطق املكارثية، وتــــمــــنــــح مـــــا يُـــــعـــــرف عــــاملــــيــــ بــــ«مـــنـــحـــة العبقرية» القائمة على الثقة، وحماية اإلبداع، واحترام استقلل العقل. الـــفـــارق بـــ االســـمـــ لـيـس لغوي ًا فـــــحـــــســـــب، بـــــــل حـــــــضـــــــاري ومـــــعـــــرفـــــي. ولـتـوضـيـح هـــذا الـــفـــارق، أبــــدأ بحكاية شــــخــــصــــيــــة أرويــــــــهــــــــا بـــــــحـــــــذر، ووفـــــــق الــقــواعــد األخــاقــيــة لــ مــانــة الـعـلـمـيـة. ، حني كنت أعمل أستاذًا 2000 في عـام فـــي جــامــعــة جـــورجـــتـــاون بــواشــنــطــن، وصلني خطاب مقتضب وغامض يُفيد بانضمامي إلـى «شبكة الترشيحات» الـــتـــابـــعـــة ملـــؤســـســـة «مــــــاكــــــارثــــــر». هـي شـبـكـة ســـرّيـــة لــرصــد املـــواهـــب الـفـكـريـة العابرة للتخصصات. ال يحق لعضو الشبكة ترشيح نفسه، وال يعرف بقية األعــــضــــاء، وال مـــن ســـيُـــرشَّـــح أو ملــــاذا. كــل مــا طُــلـب مـنـي هــو كـتـابـة تقييمات فكرية ملسارات بعض املبدعني، تُرسل مباشرة إلى مقر املؤسسة. حتى اليوم، وبـــعـــد نـــحـــو ربـــــع قــــــرن، ال أعــــــرف ملــــاذا اخــتــيــر اســـمـــي، وال كــيــف تُـــــدار املـنـحـة فـي تفاصيلها الدقيقة. لكنني فهمت منذ اللحظة األولـــى أنـنـي أمـــام منطق مختلف في النظر إلى املعرفة ودورها في املجتمع. تـبـلـغ قـيـمـة مـنـحـة مـــاكـــارثـــر نحو ألـــف دوالر أمـيـركـي، تُــصــرف على 800 خمس سنوات، من دون شـروط إنفاق، ومـــن دون تــقــاريــر مـرحـلـيـة، ومـــن دون أهـــداف قابلة للقياس. الـشـرط الوحيد هـــو أن يـــواصـــل الــحــاصــل عــلــى املـنـحـة ما كـان يفعله قبلها. ال مشروع جديدًا مــــــفــــــروض، وال خـــــطـــــاب مُــــــــعــــــــدّالً، وال استجابة إلمــاءات ممول. فقط استمر فـي مــســارك. وهـــذه فـي حـد ذاتـهـا ثـورة صامتة على ثقافة التمويل الـسـائـدة، الـتـي تختزل املعرفة فـي مـؤشـرات أداء وعوائد سريعة. «ماكارثر» منحة غير تقليدية بكل املقاييس: ال استمارات، ال مقابلت، ال مـلـفـات إنــجــاز، وال سـبـاق سِــيَــر ذاتـيـة. الــــبــــاحــــث أو الــــفــــنــــان ال يـــتـــقـــدم إلــيــهــا أصـــاً، بـل تُــراقَــب مسيرته لسنوات من دون علمه، ثم يُــرشَّــح إن رأت املؤسسة فــي مــســاره قيمة طـويـلـة األمــــد. هـنـا ال تُـــكـــافَـــأ الـنـتـيـجـة الـــجـــاهـــزة، بـــل طـريـقـة الـــتـــفـــكـــيـــر، والــــــقــــــدرة عـــلـــى الـــــربـــــط بـ الحقول املعرفية، والـجـرأة على العمل في املناطق الرمادية بني التخصصات، واالســــــتــــــقــــــال عــــــن إمــــــــــــــاءات الــــســــوق والسلطة معًا. مـــن هــنــا يـــبـــرز الـــســـؤال الـطـبـيـعـي: ملاذا ال نملك «ماكارثر» عربية؟ اإلجــــــابــــــة ال تـــتـــعـــلـــق بـــــنـــــدرة املـــــال وال بـــنـــدرة الــعــقــول، بـــل بـغـيـاب البيئة املؤسسية. «ماكارثر» تفترض جامعة مستقلة، ومجاال عامًا يحمي االختلف. فـــي املـــقـــابـــل، تُــخــتــزل جـامـعـاتـنـا غـالـبـ فـــي خــطــاب «ســــوق الــعــمــل»، وتُـــــدان إن لــم تُــخــرِّج «مـوظـفـ جــاهــزيــن»، مــع أن هذه ليست وظيفة الجامعة األولـى، بل وظيفة املعاهد املهنية. الجامعة البحثية لم تُنشأ لتكون مــكــتــب تـــوظـــيـــف، بــــل إلنــــتــــاج األســئــلــة الـــجـــديـــدة. مـــن يــخــلــط بـــ الــجــامــعــات الــبــحــثــيــة الـــكـــبـــرى وجـــامـــعـــات الـــســـوق والدراسات التطبيقية يتجاهل حقيقة أسـاسـيـة: الــســوق تتغير أســـرع مــن أي مــنــهــج، بـيـنـمـا يــظــل الــتــفــكــيــر الـــخـــاّق هـــو االســتــثــمــار الــوحــيــد طــويــل األمــــد. «مـــاكـــارثـــر» تـفـهـم ذلـــــك، ولـــذلـــك تفصل بـوضـوح بـ التفكير والتشغيل، بني العقل واآللة. املـفـارقـة أن كثيرين مـمـن يرفعون شـــعـــار «الـــعـــقـــانـــيـــة» و«قــــيــــم الـــســـوق» يتبنّون عمليًا منطقًا مكارثيًا صريحًا: تخوين املثقف، شيطنة النقد، وتحميل األفــــكــــار مــســؤولــيــة فــشــل الــســيــاســات. هـــكـــذا تُــــبــــرَّأ اإلدارة مـــن ســــوء اإلدارة، وتُعفى الـسـوق مـن اخـتـاالت التوزيع، ويُلقى العبء كله على املثقف. تــــــــاريــــــــخ الــــــعــــــلــــــوم يـــــخـــــبـــــرنـــــا عـــن املجتمعات التي قدمت فسحة من النقد لجامعاتها، بل تركتها تطرح األسئلة غير املريحة، ولم تطلب من الباحث أن يُثبت جــدواه فـورًا في سـوق العمل، بل صـــدق تفكيره عـلـى املـــدى الـطـويـل. في هـــذا املـعـنـى، ليست «مــاكــارثــر» جـائـزة أمـــيـــركـــيـــة، بــــل درس عـــاملـــي فــــي إدارة املعرفة. وأخيرًا، ال بد من التمييز: مؤسسة «مــاكــارثــر» ليست ضــد الــســوق، لكنها ترفض أن تكون السوق الحاكم الوحيد. كــمــا تـــرفـــض مــــصــــادرة املـــعـــرفـــة. هـنـاك فرق جوهري بني املكارثية التي تطارد األفكار، و«ماكارثر» التي تحميها. في عاملنا الـعـربـي، اخـتـرنـا األولــــى، وربما آن األوان إلعـادة النظر، ال ألن النموذج أمــــيــــركــــي، بـــــل ألن أي مـــجـــتـــمـــع يـــريـــد مستقبل واعــدًا يحتاج، قبل كل شيء، إلـــــى عـــقـــول حـــــرة تــعــمــل فــــي جــامــعــات مــســتــقــلــة، وتـــنـــظـــر إلـــــى تــــراكــــم املــعــرفــة بوصفه أســـاس النهضة، ال إلــى آليات السوق وحدها. مأمون فندي سام منسى إميل أمين
RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==