issue_17254

11 حرب أوكرانيا NEWS Issue 17254 - العدد Monday - 2026/2/23 االثنني ASHARQ AL-AWSAT «البنتاغون» صاغ «انسحابا تدريجياً» ونقل عبء التمويل إلى أوروبا من قيادة الدعم إلى هندسة التفاوض: كيف تحوَّل الدور األميركي في أوكرانيا؟ مـــع دخــــول الـــحـــرب األوكـــرانـــيـــة عـامـهـا الخامس، بات واضحًا أن السنة األولـى من والية دونالد ترمب الثانية لم تكن سنة قرار بقدر ما كانت سنة إعــادة تعريف: تقليص تدريجي للدور األميركي املباشر في قيادة جهد دعــم كييف، مقابل هندسة ترتيبات تجعل أوروبــا املموّل والواجهة السياسية، وتـحـوّل البنتاغون مـن «قـائـد ائـتـاف» إلى «مـــديـــر شـــــروط» يــربــط اإلســـنـــاد الـعـسـكـري بمسار تفاوضي سريع لم يكتمل بعد. هذا التحول ظهر في شكلني متوازيني: داخل منظومة املساعدات ألوكرانيا، وداخل مــقــاربــة واشــنــطــن لـحـلـف «الـــنـــاتـــو» واألمـــن األوروبــــــــي األوســـــــع، حــيــث أصـــبـــح الــشــعــار الضمني «شــراكــة ال تـبـعـيـة»، لـكـن بفلسفة تحمل في طياتها أخطار فراغ القيادة إذا لم تُترجم أوروبا الوعود إلى قدرات. من «رامشتاين» إلى «الدول الراغبة» أوضـــــــــح مـــــــؤشـــــــرات تــــــراجــــــع الــــقــــيــــادة األميركية كان في األطر التي كانت واشنطن تــــقــــود إيــــقــــاعــــهــــا. فــــ«مـــجـــمـــوعـــة االتــــصــــال الـدفـاعـيـة ألوكـــرانـــيـــا» (مــعــروفــة بمجموعة غـرفـة 2022 رامــشــتــايــن) الــتــي شـكّــلـت مـنـذ الـعـمـلـيـات الـسـيـاسـيـة لـتـنـسـيـق الـتـسـلـيـح، انـــتـــقـــلـــت رئـــاســـتـــهـــا فــعــلــيــ إلـــــى بــريــطــانــيــا وأملــــانــــيــــا، وتــــكــــرّس الـــغـــيـــاب األمـــيـــركـــي فـي اجــتــمــاعــات مـفـصـلـيـة عــنــدمــا تــغــيَّــب وزيـــر الــــدفــــاع ألول مــــرة عـــن لــــقــــاءات كـــانـــت تُــعــد «اختبار حضور» لإلدارة األميركية، واكتفت واشنطن بتمثيل أقــل وزنـــ أو مشاركة عن بُعد. التغيير لـم يكن بروتوكوليًا فـقـط؛ إذ حني تتراجع واشنطن عن «قيادة املنصة»، تـــتـــراجـــع مـعـهـا قـــدرتـــهـــا عــلــى فــــرض إيــقــاع موحد على الحلفاء، خصوصًا بعد تغيير األوروبـيـ تسمية املجموعة إلـى «تحالف الــــــدول الـــراغـــبـــة» لـلـتـرتـيـبـات طــويــلــة األمـــد والضمانات. وهو ما أدى أيضًا إلى ظهور إشـــارات فتور أو تحفظ أميركي مبكر، بما يــنــســجــم مــــع فـــكـــرة أن واشـــنـــطـــن تـــريـــد مـن أوروبـــــا أن تـتـقـدم إلـــى مـقـعـد الــقــيــادة ال أن تنتظر توجيهًا أميركيًا دائمًا. وهنا يلتقط الباحث برايان كاتوليس مـــن مـعـهـد الـــشـــرق األوســــــط فـــي حـــديـــث مع «الــشــرق األوســـــط»، جـوهـر الــصــورة عندما يــصــف الــنــهــج فـــي عـــامـــه األول بـــأنـــه اتـسـم بـالـتـقـلـب وعــــدم االتـــســـاق: «هــــدف سياسي سريع إلنهاء الحرب، من دون استثمار كاف في األدوات العسكرية والدبلوماسية التي تجعل (الـــســـام الــســريــع) مـمـكـنـ ؛ مــا يعني عـمـلـيـ أن واشــنــطــن أبــقــت الــدعــامــة قـائـمـة، لــكــنــهــا اســتــخــدمــتــهــا لـــدفـــع الــجــمــيــع نـحـو تسوية لم تنضج شروطها بعد». «هدف جديد» يسبق أدواته في خطاب إدارة ترمب، لم تعد اإلشارة األبــــــــرز نـــــوع الــــســــاح أو عـــــدد الـــشـــحـــنـــات، بـــل تــعــريــف «الـــغـــايـــة» نــفــســهــا. فـــي مـؤتـمـر ميونيخ لألمن، بـدا وزيـر الخارجية ماركو روبيو أقـرب إلـى صياغة «منطق وسطي»: ال أحـــــد «مـــنـــتـــصـــرًا» بـــســـهـــولـــة، وواشـــنـــطـــن ملتزمة إنــهــاء الــحــرب، لكنها ال تـعـرف إذا كانت موسكو جـادة فعل وما هي الشروط املقبولة لـدى الطرفني، وهـي صياغة تُبقي الــبــاب مفتوحًا لـلـتـفـاوض وتُــبـقـي الضغط على كييف في الوقت نفسه. غير أن الجديد فـي األيـــام األخـيـرة هو أن الخطاب األمـيـركـي لـم يعد كتلة واحــدة. فـــبـــيـــنـــمـــا يــــكــــرر تــــرمــــب أن روســـــيـــــا «تـــريـــد السلم» وأن كييف مطالبة باملرونة، جاءت تـــصـــريـــحـــات روبــــيــــو عــــن خـــســـائـــر روســـيـــا األسبوعية، «سبعة إلى ثمانية آالف» حسب مـا نُــقـل عـنـه؛ لـتـقـارب روايـــة أوروبــيــة تقول إن موسكو تدفع ثمنًا باهظًا، لكنها تُراهن على الوقت وعلى تحسني شروط التفاوض. وفي الخلفية، يزيد ذلك التباين من انطباع الحلفاء بـأن واشنطن تريد اتفاقًا سريعًا، لكنها ال تريد أن تدفع ثمن «فرضه» وحدها. على املستوى التنفيذي، تُظهر تقارير سابقة عن قرارات إيقاف أو تأخير شحنات (ثـــم اسـتـئـنـافـهـا) أن الــتــحــول لـــم يـكـن خطًا مستقيمًا، بــل شـــدًّا بــ الـرغـبـة السياسية وميكانيكا املـؤسـسـة الـعـسـكـريـة. وهـــذا ما يلتقي مع تحليلت أشارت إلى أن واشنطن في عهد بايدن كانت تقود االئتلف الغربي وتــــدفــــع الـــكـــونـــغـــرس إلـــــى تــمـــويـــل إضـــافـــي، بينما فـي عهد ترمب «تخلّت عـن القيادة» وخفّضت املساعدات. وبعد تسليم ما تبقى من حزم سابقة، باتت معظم األسلحة تصل بـــأمـــوال الـحـلـفـاء، بــل إن قــيــادة الـبـنـتـاغـون حـاولـت أكثر مـن مـرة وقـف شحنات ذخائر حساسة بالكامل. واشنطن لألوروبيين: ادفعوا أنتم الـــتـــحـــول الــــجــــوهــــري لــــم يـــكـــن «وقــــف الدعم»، بل تغيير طريقته: تقليل التبرعات املــبــاشــرة مـــن مـــخـــزون الـــواليـــات املـتـحـدة، مـــقـــابـــل دفـــــع األوروبــــــيــــــ لــــشــــراء الـــســـاح األمــيــركــي وتــمــويــل نـقـلـه إلـــى كـيـيـف. هـذا املـــنـــطـــق تـــبـــلـــور فــيــمــا ســـمـــي آلـــيـــة «قــائــمــة املـــتـــطـــلـــبـــات األوكـــــرانـــــيـــــة ذات األولـــــويـــــة» الـــتـــي يـعـمـل الــحــلــف عــبــرهــا عــلــى تجميع مساهمات مالية لشراء معدات، خصوصًا دفــــــاعــــــات جــــويــــة وذخــــــائــــــر، مـــــن مـــصـــادر فبراير (شباط) الحالي، 12 أميركية. وفي أعـلـن األمـــ الــعــام لحلف «الــنــاتــو»، مــارك روته، عن تعهدات «بمئات املليني» لصالح هــذه القائمة، مـع إشـــارة إلــى أن املـزيـد من التعهدات متوقعة. وبـــــــالـــــــتـــــــوازي، ضـــغـــطـــت واشــــنــــطــــن، ســـيـــاســـيـــ وإداريــــــــــــــ ، لـــجـــعـــل هــــــذا املـــســـار «الـــــنـــــمـــــوذج الــــقــــيــــاســــي» بـــــــدال مـــــن الـــحـــزم األميركية الكبيرة. وقالت وكاالت أميركية إن قــــرار تعليق بـعـض شـحـنـات األسـلـحـة بـعـد مـراجـعـة مــخــزونــات الـبـنـتـاغـون جـاء أيضًا تحت عـنـوان «أولـويـة األمــن القومي األميركي»؛ ما يضع سقفًا عمليًا ملا يمكن أن تتعهد به واشنطن من مخزونها في أي لحظة. هــنــا يـضـيـف الـــبـــاحـــث مــايــكــل روبـــ من معهد «أميركان أنتربرايز» في حديث مـع «الـشـرق األوســــط»، زاويـــة تقنية مهمة عند تفسير «ما بقي وما تغيّر»: فالتعاون االســـتـــخـــبـــاري األمـــيـــركـــي مـــع كــيــيــف، بما فـــــي ذلــــــك مــــشــــاركــــة املــــعــــلــــومــــات لـتـحـسـ االســـــتـــــهـــــداف واإلنــــــــــــذار املـــبـــكـــر لــهــجــمــات املسيّرات والصواريخ، استمر، وهو عنصر تأثير ال يقل حساسية عن السلح نفسه؛ ألنه يرتبط بحماية األرواح وفاعلية الدفاع الجوي. لكن ما تغيّر، وفق قراءته، هو قطع جزء كبير من تدفقات التسليح التي كانت واشـنـطـن تقدمها سـابـقـ ، مــع افــتــراض أن أوروبا ستمأل الفجوة. «ناتو» أوروبي القيادة فـي السنة الرابعة مـن الـحـرب واألولــى من عهد ترمب الثاني، لم يعد الـسـؤال «كم تـدفـع أوروبــــا؟» فـقـط، بـل «مــن يـقـود الـدفـاع التقليدي عن أوروبا؟». وقد جاءت األسابيع املــاضــيــة بــــإشــــارات جـــديـــدة أكــثــر مــبــاشــرة: كبير مسؤولي السياسات فـي البنتاغون، البريد كولبي، تحدث في بروكسل عن «ناتو » تــقــوم فـكـرتـه عـلـى أن يـتـولـى الحلفاء 3.0 «املــســؤولــيــة األســاســيــة» لـلـدفـاع التقليدي عن أوروبـــا، مع بقاء الـتـزام املــادة الخامسة والردع النووي األميركي. لكنه قال أيضًا إن الواليات املتحدة ستقلص القوات التقليدية فــــي أوروبــــــــــا، أي أن املــــعــــادلــــة تــتــجــه نـحـو «ضمانات باقية» لكن بوجود أقل. وتــزامــن هـــذا مــع خـطـوة رمــزيــة عملية أخــــــرى: الــــواليــــات املـــتـــحـــدة ســتُــســلّــم قــيــادة موقعني قياديني كبيرين داخل هيكل قيادة الحلف، في نابولي ونورفولك، إلى ضباط أوروبــيــ ، بما يعزز فكرة «أوربـــة القيادة» داخـــل «نــاتــو»، حتى لـو احتفظت واشنطن بقيادات عملياتية محورية أخرى. هـــــذه الــــتــــطــــورات تــتــقــاطــع مــــع مـنـطـق اإلدارة: تـركـيـز أكــبــر عـلـى الــصــ والـــدفـــاع عـن الـوطـن، وتحويل املـسـرح األوروبـــي إلى ملف تـقـوده أوروبــــا بتمويلها وصناعتها وتسليحها، على أن تبقى واشنطن «املوازن األعــــلــــى» ال «املــــمــــول األول». غـــيـــر أن هـــذا التحول، كما يحذّر الباحث كاتوليس، إذا لم يترافق مع استثمار كاف في أدوات الضغط والـــضـــمـــانـــات، قـــد يـنـتـهـي إلــــى دعــــم «يـكـفـي لـــلـــصـــمـــود»، لــكــنــه ال يــكــفــي لـــفـــرض شـــروط تسوية مستقرة، فتستمر الحرب بشكل أقل حدة لكن أطول زمنًا، مع مفاوضات متقطعة ال تُنتج اتفاقًا دائمًا. الـيـوم، يبدو دخــول الحرب األوكرانية عامها الخامس يمر عبر خطوط التمويل والقيادة بقدر ما يمر عبر خطوط الجبهة. وبـــيـــنـــمـــا تـــــحـــــاول واشــــنــــطــــن إبـــــقـــــاء خــيــط اإلســنــاد قـائـمـ عـبـر االسـتـخـبـارات وبعض القنوات العسكرية، فإنها تُحوّل الثقل املالي والـسـيـاسـي إلـــى أوروبــــــا، وتــدفــع «الــنــاتــو» نحو «قيادة أوروبية» مع تعهدات أميركية بالردع واملادة الخامسة. االختبار الحقيقي فـــي األشـــهـــر الــتــالــيــة لـــن يـــكـــون فـــي اإلعــــان عـن اآللــيــات، بـل فـي قدرتها على إنـتـاج أثر مـــيـــدانـــي يــخــلــق «ســـامـــ مـــســـتـــدامـــ »، وفــي الوقت نفسه يمنع أن تتحول «أوربة امللف» إلــى انـقـسـام غـربـي يـقـرأه الكرملني بوصفه فرصة جيوسياسية لتعزيز نفوذه. (أ.ف.ب) 2025 أغسطس 15 الرئيسان األميركي دونالد ترمب والروسي فالديمير بوتين خالل «قمة أالسكا» يوم (رويترز) 2025 أغسطس 18 ترمب برفقة قادة أوروبيين لبحث حرب أوكرانيا في البيت األبيض واشنطن: إيلي يوسف دخول الحرب عامها الخامس يمر عبر خطوط التمويل والقيادة سنوات على حرب أوكرانيا... والدة قيصرية ألوروبا الجديدة 4 في ختام الكلمة التي ألقاها مطالع مايو ، خلل الحفل التأسيسي ملجموعة 1950 ) (أيار الفحم والصلب األوروبــيــة، التي كانت النواة األولـــى للمجموعة االقـتـصـاديـة األوروبـــيـــة ثم للسوق األوروبــيــة املشتركة وبعدها للتحاد األوروبـــي، قـال جـان مونّيه، أحـد «آبــاء أوروبــا األربعة» (إلـى جانب كونراد أديناور وروبـرت شومان وآلشيدي دي غاسبيري)، إن «املشروع األوروبـي لن يكتمل بناؤه إال من رحم األزمات التي هي أفضل حليف له». سنة على تلك الـعـبـارة التي 75 انقضت أكّــــدت صحتها سبحة األزمــــات الـتـي تعاقبت على املشروع األوروبـــي، ليخرج منها بقفزات نـــوعـــيّـــة رسّــــخــــت دعــــائــــمــــه، وكــــانــــت خـــطـــوات واسعة نحو املزيد من االندماج والتكامل على األصــعــدة املـالـيـة واالجتماعية واالقـتـصـاديـة. لـكـن الـعـمـاق االقــتــصــادي الـــذي تـولّــد مــن ذلـك املـشـروع الطموح الــذي قـام ليكون ســدًّا منيعًا فــــي وجـــــه املــــغــــامــــرات الــعــســكــريــة الـــتـــي أدمــــت التاريخ األوروبي، ما زال «قزمًا سياسيًا» على مائدة الكبار الذين يوزعون الغنائم ويرسمون الخرائط الجيوسياسية. معادلة االقتصاد والسياسة ال يختلف اثنان في أوروبــا على أن فشل املشروع األوروبـــي حتى اآلن في معادلة قوته االقتصادية بالنفوذ السياسي الـذي يتناسب مـــعـــهـــا، يـــعـــود لــســبــبــ : األول، تـــمـــنّـــع الـــــدول األعضاء، وبخاصة منها الكبرى، في التنازل لـــ دارة املشتركة عن صلحيات في السياسة الـــخـــارجـــيـــة. والــــثــــانــــي، وربــــمــــا األهـــــــم، رفـــض الحكومات األوروبية وضع قدراتها العسكرية تــحــت عـــبـــاءة قـــيـــادة مـــوحّـــدة وتـشـكـيـل جيش مشترك يخضع لتوجيهات املجلس األوروبـي وأوامره. لــكــن الـــحـــرب الــــدائــــرة مــنــذ أربـــــع ســنــوات في أوكرانيا على خطوط التماس األوروبـيـة، واملــخــاوف الـتـي أيقظتها مـن تـكـرار مغامرات اســـتـــعـــادة املـــجـــد الــــروســــي الـــضـــائـــع، والـــشـــرخ الـعـمـيـق الـــــذي ظــهــر فـــي الـــعـــاقـــات األوروبـــيـــة - األمـــيـــركـــيـــة عــلــى أكـــثـــر مـــن صــعــيــد، كـــل ذلــك وضـــع األوروبـــيـــ أمــــام واقــــع كــانــوا يــنــاورون لـتـجـاهـلـه مـنـذ ســـنـــوات، وأدركــــــوا أن أمـنـهـم ال يمكن أن يبقى مـرهـونـ بـمـزاج حليف تبدّلت أولوياته ومصالحه وبات في خانة املنافسني والـخـصـوم. الــــدورة األخــيــرة مـن مؤتمر األمـن في ميونيخ كانت بمثابة تـاوة الفاتحة على جــثــمــان الــنــظــام الــعــاملــي الـــــذي قــــام فــــوق ركـــام الــحــرب الـعـاملـيـة األخـــيـــرة، كـمـا شـهـدت جـنـازة الـعـاقـات األطلسية الـتـي نـشـأت لـــردع التمدد السوفياتي وراء الحدود التي رسمها الحلفاء فـــي يــالــطــا، والـــتـــي كـــانـــت طـــــوال عـــقـــود سبعة صمّام أمان لألوروبيني وعباءة أمنية سمحت لــهــم بـــاالنـــصـــراف إلــــى بـــنـــاء مـــشـــروع الـتـكـامـل االقتصادي بعيدًا عن هموم التسلّح وتكاليفه الباهظة، قبل أن تقرر إدارة دونالد ترمب إعادة تشكيل جذرية لهذه العلقات، وأظهرت عزمًا واضحًا على رفـع الغطاء األمني عن حلفائها الـتـاريـخـيـ ، إال إذا اســتــوفــوا شـروطـهـا التي لـــم تـعـد تـقـتـصـر عـلـى زيـــــادة تـمـويـل املـجـهـود العسكري، لتتجاوزه إلـى العلقات التجارية والسياسية. أوكرانيا تُفجّر الخالفات وعــنــدمــا انــدلــعــت الــحــرب فــي أوكــرانــيــا مــنــذ أربـــــع ســـنـــوات، تـــداعـــت بـــلـــدان االتـــحـــاد األوروبــــــــي لـلـنـفـيـر الـــــذي أطــلــقــتــه إدارة جو بــــايــــدن، وحـــشـــدت مــــــوارد عــســكــريــة ومــالــيــة ضخمة، إلى جانب دعم أميركي سخي باملال واألسلحة والتكنولوجيا، ملساعدة الجيش األوكــــــرانــــــي فــــي مـــجـــهـــوده لـــصـــد الــهــجــمــات الروسية. وتفيد املصادر الرسمية األوروبية بأن مجموع املساعدات التي قدمها االتحاد األوروبـــي إلـى أوكرانيا منذ فبراير (شباط) مـلـيـار 190 حــتــى الــــيــــوم، يـــزيـــد عــلــى 2022 دوالر، تضاف إليها حزمة أخيرة وافق عليها مليار 94 البرملان األوروبـي منذ أيام بمقدار دوالر. هـــــذا املـــجـــهـــود الـــضـــخـــم كـــانـــت لـــــه، وال تزال، تداعيات عميقة على املشهد السياسي األوروبــــــــــي؛ إذ تـــنـــامـــت الـــجـــهـــات املـتـحـفـظـة عـلـى االســتــمــرار فــي تـمـويـل أوكــرانــيــا، وتلك الـــرافـــضـــة ملـــواصـــلـــة الــــرهــــان عــلــى املــواجــهــة العسكرية مع موسكو والداعية إلى استعادة قنوات التواصل املباشر معها إلنهاء الحرب بأقل قدر ممكن من الخسائر. لــكــن فـــي املـــقـــابـــل، ومــــع مــضــي اإلدارة األميركية في انكفائها عن الدعم العسكري واملــــــادي ألوكـــرانـــيـــا، وتـــزايـــد املـــخـــاوف من إقـــــــدام روســــيــــا عـــلـــى مـــغـــامـــرات أخــــــرى فـي الــجــوار األوروبـــــي، بـــدأت تـرجـح كفة الــدول الداعية إلـى افـتـراص هـذا الـوضـع لتحقيق الـــحـــلـــم الـــكـــبـــيـــر الــــــــذي كــــــان يـــــــــراود اآلبــــــاء املؤسسني للتحاد بتشكيل جيش أوروبي تحت قـيـادة مـوحـدة يـكـون املــدمــاك األخير الـــذي يــرسّــخ مــشــروع االتــحــاد فــي صيغته الفيدرالية. وكـان الفتًا ما جاء في التقرير األمني األخـــــيـــــر الـــــــذي صــــــدر عـــــن مــــركــــز الـــبـــحـــوث االستراتيجية التابع للمجلس األوروبـــي، أن تكلفة الــدعــم الـــذي تـقـدمـه دول االتـحـاد ألوكــــــرانــــــيــــــا، هـــــي دون الـــكـــلـــفـــة الـــســـنـــويـــة املــفــتــرضــة فـــي حــــال نــصــر روســـــي محتمل وحـــــرب ضـــد الــحــلــف األطـــلـــســـي، عـلـمـ بــأن مخاطر الفرضية الثانية أكبر بكثير. «عطلة تاريخية طويلة» كـــــان الـــتـــقـــريـــر املــــذكــــور صـــــدر عـشـيّــة مـــؤتـــمـــر مــيــونــيــخ الــــــذي مــــا زالــــــت تـــتـــردد فــي أصـــدائـــه الـتـصـريـحـات «الـديـغـولـيـة»، التي أدلــى بها املستشار األملـانـي فردريك مـيـرتـس عـنـدمـا قـــال: «إن الـنـظـام العاملي الـــــــذي كــــــان قـــائـــمـــ طـــيـــلـــة عــــقــــود لـــــم يـعـد مـوجـودًا... وإن العودة إلى سياسة القوة ليست فحسب نـاشـئـة عــن الـتـخـاصـم بني الــــدول الـعـظـمـى بــقــدر مــا هــي ثــمــرة رغبة دول ديمقراطية عديدة في قيادة قوية، في عالم أصبحت فيه هذه الدول قاب قوسني أو أدنــــى مــن الـــحـــدود الـقـصـوى لـقـدراتـهـا على التأثير في األحداث العاملية الكبرى». وأضـــــاف: «أوروبــــــا الـــيـــوم عـــائـــدة من عطلة تاريخية طويلة»، كاشفًا عن أنه في مرحلة متقدمة في محادثاته مع الرئيس الفرنسي إيـمـانـويـل مــاكــرون حــول «قــدرة ردع نووية أوروبية» تحت املظلة النووية للحلف األطلسي، ودعا إلى زيادة اإلنفاق العسكري األوروبــي، وتوحيد الصناعات الحربية األوروبية. لكن ماكرون، من جهته، أكد التركيز على أهمية الـعـاقـات األطلسية كما فعل مــيــرتــس، وشــــدد عـلـى ضـــــرورة التنسيق األوروبي إلرساء القواعد النهائية للبنيان األمـنـي املستقل، رافـضـ املـفـاوضـات التي تـدار من خـارج االتحاد لفرض أطـر أمنية على األوروبيني. وأرســـــل الــرئــيــس الـفـرنـسـي أكــثــر من إشارة إلى أن الوقت قد أزف لتشكيل جيش أوروبـــــي مـــوحّـــد يــكــون نــــواة االسـتـقـالـيـة األوروبية، خاصة بعد أزمة غرينلند التي طويت صفحتها مؤقتًا، وبصيغة غامضة تنذر بعودتها مجددًا إلى مشهد العلقات بني أوروبا والواليات املتحدة. ورغـم تحاشي األوروبـيـ حتى اآلن الــحــديــث صـــراحـــة عـــن «جـــيـــش مــشــتــرك»، يتفق الجميع على أن التسمية ليست هي املهمة، بـل أن يكون للتحاد قـوة دفاعية أوروبــــــيــــــة مــــقــــتــــدرة، أو كـــمـــا قــــــال رئــيــس املـجـلـس األوروبــــــي أنـطـونـيـو كـوسـتـا في 27 مـيـونـيـخ مـــؤخـــرًا: «لـسـنـا بـحـاجـة إلـــى دولـــة عـضـوًا في 27 جيشًا قــويــ ، بــل إلـــى االتــــحــــاد تــســاهــم فـــي مــنــظــومــة أوروبـــيـــة مشتركة للدفاع». وقد علمت «الشرق األوسط» أنه برغم تحفظات بعض الــدول على فكرة الجيش املشترك، والـحـذر الشديد الــذي تقارب به املفوضية هــذا املـلـف الـحـسّــاس سياسيًا، كـــان مــوضــوع الــقــوة الـدفـاعـيـة األوروبـــيـــة املـشـتـركـة مــطــروحــ ، لـلـمـرة األولــــــى، على جـــــــــدول أعـــــمـــــال مـــجـــلـــس وزراء الـــــدفـــــاع األوروبيني في بروكسل مطلع هذا الشهر. وذكّـــــــــر أحــــــد الــــــــــــوزراء املــــشــــاركــــ فـي ذلـــك االجــتــمــاع، بـــأن فـكـرة الــقــوة العسكرية املــــشــــتــــركــــة تــــعــــود إلـــــــى بــــــدايــــــات املــــشــــروع 1952 األوروبـي، وهي طرحت ألول مرة عام تحت عنوان «مجموعة الدفاع األوروبـيـة»، لـكـنـهـا لـــم تـشـهـد الـــنـــور يــومــهــا بــســبــب من رفـــــض فـــرنـــســـا الـــقـــاطـــع لـــهـــا. فـــرنـــســـا الــتــي هــي الـــيـــوم، إلـــى جــانــب أملــانــيــا، أكــثــر الـــدول تـحـمـسـ لـــهـــا. وثـــمّـــة مـــن ذهــــب إلــــى الـــقـــول: «عـلـى األوروبــيــ أن يـغـيّــروا بشكل جـذري استراتيجيتهم الدفاعية، وسـاذج هو الذي ما زال يراهن على ترمب للدفاع عن أوروبا». بروكسل: شوقي الريّس

RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==