4 NEWS Issue 17253 - العدد Sunday - 2026/2/22 الأحد ASHARQ AL-AWSAT فاطمة القحطاني تقدم قراءة لإسهامات المرأة في مقاومة الحملات العثمانية باحثة: دور محوري للنساء بالمعارك التاريخية السعودية شكّلت مقاومة الحملات العثمانية في الدرعية وغيرها من مناطق الدولة السعودية الأولــــــــى، ثــــم لاحـــقـــا فــــي الــــدولــــة الــســعــوديــة الثانية، اختبارا قاسيا لقدرة المجتمع على الصمود. وفـي مثل هـذه السياقات، لم تكن المواجهة حِكرا على الميدان العسكري وحده، بـل امـتـدت إلـى الفضاء الاجتماعي بأكمله، حيث لعبت المــرأة دورا محوريا في الحفاظ عـلـى تـمـاسـك المـجـتـمـع واســـتـــمـــراره فـــي ظل الحصار والدمار. قـالـت الــدكــتــورة فـاطـمـة بـنـت حـسـن آل فـردان القحطاني، أستاذة التاريخ بجامعة الملك سعود، لـ«الشرق الأوسط»، إن الحديث عن الحضور النسائي في المقاومة لا يعني بـــالـــضـــرورة إقـــحـــام المـــــرأة فـــي صــــور قتالية نــمــطــيــة، بـــقـــدر مـــا يـعـنـي الاعــــتــــراف بـــــأدوار واقـعـيـة فرضتها طبيعة المجتمع والـظـرف التاريخي، فقد تجلّت هـذه الأدوار فـي عدة جوانب رئيسة. الصمود اليومي أوضـحـت أســتــاذة الـتـاريـخ أن الدرعية لم تكن، خلال حصارها في مواجهة الحملة الـعـثـمـانـيـة، ســاحــة قــتــال عـسـكـري فحسب، بــل فـضـاء لمـقـاومـة مجتمعية شـامـلـة كانت الــــنــــســــاء فـــــي قـــلـــبـــهـــا. فــــقــــد شـــــاركـــــت نـــســـاء الدرعية فـي الصمود اليومي للحياة تحت الحصار، من خـال إدارة شـؤون الأســرة في غياب الرجال، وحماية الأطفال والممتلكات، ورعاية الجرحى، وتأمين ما أمكن من الغذاء، والــحــفــاظ عـلـى تـمـاسـك المـجـتـمـع فــي لحظة وجودية فارقة. وتشير التقارير العثمانية نفسها إلـى أن المدينة لـم تُحاصَر بوصفها قوة عسكرية منفصلة، بل بوصفها مجتمعا كاملاً، وهو ما يفسّر شمول إجراءات الأُسر والترحيل للنساء والأطـفـال بعد سقوطها، في اعتراف غير مباشر بأن المقاومة لم تكن فــعــل الـــســـاح وحـــــده، بـــل فــعــل مـجـتـمـع آمَـــن بفكرته ودافع عنها حتى النهاية. وتــكــشــف بــعــض الـــشـــهـــادات الأجـنـبـيـة عـــن مـــامـــح أخـــــرى مـــن المـــقـــاومـــة الـنـسـائـيـة المنسية، لا بوصفها دعما خلفيّا فحسب، بل بوصفها حضورا جسورا في قلب المواجهة. فـقـد نـقـل هــارفــرد بـريـدجـز، المـكـلّــف مــن قِبل الإمـبـراطـوريـة البريطانية فـي المنطقة، عن المـــــؤرخ الـفـرنـسـي فـيـلـيـكـس مــنــجــان، المقيم آنــــذاك فــي بـــاط محمد عـلـي بـاشـا والمُــطّــلـع عــلــى مــــراســــات الـــجـــنـــود وحـــمــلـــة إبــراهــيــم باشا، وصفا دقيقا لإحـدى لحظات القتال، حـن علم الإمـــام عبد الله بـن سعود بغياب إبــراهــيــم بــاشــا عــن المـعـسـكـر، أصــــدر أوامــــره بضرب خطوط الأتراك كافة. ويـشـيـر الــوصــف إلـــى أن المـعـركـة دارت بعنف وصــابــة، واسـتـمـرت نــيــران الـبـنـادق ســاعــات طـويـلـة فــي ظـــروف مُــنـاخـيـة قاسية وحـــــرارة مـرتـفـعـة. وفـــي خِــضـم ذلـــك المشهد، شُــــوهــــدت نـــســـاء الــــدولــــة الـــســـعـــوديـــة وهُـــــن يــحــمــلــن جــــــرار المــــــاء ويــــمــــررن أمــــــام طـلـقـات الـــبـــنـــادق بــكــل شـــجـــاعـــة، لإســـقـــاء المــدافــعــن مـــن الــجــنــود. وتُـــقـــدّم هـــذه الــشــهــادة صـــورة نــادرة عن مشاركة المــرأة في زمـن الـحـرب، لا كـرمـز مـعـنـوي فـحـسـب، بــل كعنصر حاضر فــي مــيــدان الــخــطــر، يـجـسّــد روح التضحية والتكاتف الـتـي وسـمـت المجتمع السعودي المبكر في دفاعه عن دولته وكيانه. من التحصين إلى اليقظة الأمنية فــــي ســـيـــاق المـــشـــاركـــة الــنــســائــيــة الــتــي تــــجــــاوزت حـــــدود الـــدعـــم الــتــقــلــيــدي، أبــــرزت الــــقــــحــــطــــانــــي أحـــــــــــداث بـــــلـــــدة شــــــقــــــراء ســنــة م مـثـالا واضـحـا على انخراط 1818/ هــــــ 1233 الـــنـــســـاء فـــي الــجــهــد الـــدفـــاعـــي الــعــمــلــي زمــن حملة إبـراهـيـم بـاشـا، أثـنـاء مـــروره بالبلدة تـمـهـيـدا لـلـتـوجـه نـحـو الــدرعــيــة. فـقـد كانت شـقـراء محاطة بخندق بــدأ العمل فيه منذ أيـام طوسون باشا ثم توقف. ومـع تصاعد الـتـهـديـد أمـــر أمـيـر الـبـلـدة باستكماله على وجــه الـسـرعـة تحسبا لحصار طـويـل. وفي هــذه اللحظة الـحـرجـة، هــب الـسـكـان جميعا رجــــــالا ونــــســــاءً، فـــي مـشـهـد يـعـكـس طبيعة المــــقــــاومــــة بـــوصـــفـــهـــا فـــعـــا جـــمـــاعـــيـــا، حـيـث شـــاركـــت الــنــســاء فـــي أعـــمـــال الـحـفـر وتـقـديـم الــعــون، متحملات مـشـاق العمل فـي ظـروف قاسية، فـي تضحية تؤكد أن حضور المـرأة فــــي زمــــــن الــــحــــرب لــــم يــقــتــصــر عـــلـــى الـــدعـــم المـعـنـوي أو الخلفي، بـل امـتـد إلــى المشاركة المباشرة في تحصين المدن وحماية المجتمع. وزادت الـــدكـــتـــورة فــاطــمــة الـقـحـطـانـي بالقول: «يُضاف إلى أدوار الصمود والدعم أن نـــســـاء الـــدرعـــيـــة ومـــنـــاطـــق المـــقـــاومـــة كُــــن حـــــاضـــــرات الـــــذهـــــن، مــــشــــاركــــات فــــي الـــوعـــي الأمني العام للحرب، لا يتوانين عن التدخل مـتــى أدركـــــن خــطــرا يــهــدد المــجــتــمـع. وتُــــورد الــروايــات المحلية، فـي سياق حصار الــرَّس، أن الــــقــــوات الــعــثــمــانــيــة حــــاولــــت حـــفـــر نـفـق أسفل سـور المدينة للتسلل إليها ليلاً، غير أن امـــرأة كانت تطحن، فـي سـاعـات متأخرة من الليل، انتبهت إلى الأصوات غير المألوفة قُرب منزلها، فأدركت خطورة ما يجري. ولم تتردد في التوجه إلى الشيخ قرناس بن عبد الرحمن بن قرناس، أمير الرَّس، وإبلاغه بما سمعت، الأمر الذي أسهم في تنبُّه المدافعين إلـى الخطر، فبادر الشيخ إلـى اتخاذ إجـراء مــضــاد عـبـر حـفـر حــفــرة اعـتـراضـيـة لإفـشـال المحاولة. وتكشف هـذه الواقعة أن مشاركة النساء في المقاومة لم تكن عاطفية أو رمزية فـحـسـب، بــل اتـسـمـت باليقظة والمـسـؤولـيـة، وأسهمت عمليا في حماية المدينة وإفشال خـطـط الـــعـــدو، بـمـا يـعـكـس طبيعة المـقـاومـة بوصفها جهدا جماعيا شـارك فيه المجتمع بكل فئاته». الحضور العسكري لــــــــم يــــقــــتــــصــــر حــــــضــــــور الــــــنــــــســــــاء فـــي مـــقـــاومـــة الـــحـــمـــات الــعــثــمــانــيــة عـــلـــى أدوار الـدعـم والصمود فحسب، بـل تشير الـقـراءة السياقية للمصادر النجدية والعثمانية إلى وجـود مشاركة نسائية عسكرية ظرفية في لـحـظـات الـخـطـر الـقـصـوى، ولا سيما أثـنـاء حــصــار بـعـض الـــبـــلـــدات. تــقــول الـقـحـطـانـي: «فـــــي مــجــتــمــعــات الــــحــــصــــار، حـــيـــث يـصـبـح الـبـقـاء نفسه مـعـركـة، لــم يـكـن حـمـل الـسـاح حِــكـرا مطلقا على الــرجــال، بـل جــرى أحيانا بوصفه فعل دفاع مباشر عن النفس والمكان. ورغــــم أن المـــصـــادر لــم تُــفــرد أســمــاء نسائية مــحــددة فــي هـــذا الــســيــاق، وهـــو أمـــر مفهوم في طبيعة التدوين التقليدي، فإن الإشارات العامة إلى القتال داخل المدينة، وإلى اشتراك (أهـــالـــي الــدرعــيــة) فــي الـــدفـــاع، تفتح المـجـال لفهم أوسع لدور النساء بوصفهن جزءا من الجبهة الداخلية المسلَّحة عند الضرورة. إن هـذا الحضور العسكري النسائي، وإن كان مـــحـــدودا وظــرفــيــا، يـعـكـس طـبـيـعـة الــصــراع بـوصـفـه صــــراع وجـــــود، ويـــؤكـــد أن مـقـاومـة الدرعية لم تكن فعل رجـال وحدهم، بل فعل مجتمع قاتل دفاعا عن كيانه وسيادته». وذكــرت أن غالية البقمية تُعد من أبرز الـنـمـاذج الـتـاريـخـيـة الـتـي تُــجـسّــد الحضور الــنــســائــي الــعــســكــري المـــبـــاشـــر فـــي مــقــاومــة الحملات العثمانية على الـدولـة السعودية الأولـــــــى، بــوصــفــهــا فـــاعـــا قـــيـــاديـــا لا مـجـرد رمـــز مـعـنـوي، فـقـد أشـــار القنصل الفرنسي في القاهرة فيليكس مانجان إلـى الأوضـاع الـــتـــي رافـــقـــت الــحــمــات الـعـثـمـانـيـة فـــي تلك المرحلة، ومنها وصول القوات العثمانية إلى تربة ومحاصَرتها ثلاثة أيــام متتالية؛ في محاولة لإخضاعها وكسر مقاومتها. غير أن البلدة صمدت صمودا لافتاً، وكان لغالية البقمية دور محوري في ذلك، إذ عملت على رفــع معنويات المـدافـعـن مـن رجـــال قبيلتها البقوم. وتشير بعض المصادر إلى أنها خرجت على رأس فريق من رجالها لمواجهة الغزاة، فــي مـشـهـد يعكس طبيعة الــصــراع بوصفه صــــــراع وجــــــود لا تـــمـــايـــز فـــيـــه بــــن الـــقـــيـــادة العسكرية والقيادة المجتمعية. وتزامن هذا الصمود مع وصول المدد السعودي، لتنتهي المواجهة بمعركة وادي السليم، التي دارت فيها معركة شرسة انتهت بهزيمة القوات الـعـثـمـانـيـة وانــســحــابــهــا بــاتــجــاه الــطــائــف، مُــخـلـفـة وراءهــــــا قـتـلـى وغــنــائــم كــثــيــرة، في واحـدة من أقسى الهزائم التي تعرّضت لها تلك الحملات. ويكشف هذا المثال أن مشاركة المرأة في المقاومة لم تكن حاضرة في الهامش فحسب، بل تجلّت، في حالات مفصلية، وفي أدوار قيادية عسكرية أسهمت مباشرة في تـغـيـيـر مــســار المـــواجـــهـــة، ورسّـــخـــت حـضـور المرأة بوصفها جزءا أصيلا من تاريخ الدفاع عن الدولة والمجتمع. الرياض: بدر الخريف جانب من مدينة الدرعية التي شهدت العديد من الأحداث التاريخية السعودية (موقع الدرعية) تكشف شهادات أجنبية عن ملامح مقاومة نسائية منسية بوصفها حضورا جسورا في قلب المواجهة قراءة في بنيته ودلالته فارس المشرافي يُقدم لـ محمد بن سعود وفّر مشاريع دعمت البنية التحتية للدولة السعودية ختم الدولة السعودية الأولى... اعتراف رسمي وتوثيق إداري الاستقراران السياسي والاقتصادي يتلازمان في بدايات التأسيس أكد الدكتور فارس بن متعب المشرافي، رئيس قسم التاريخ في جامعة الملك سعود، أنـــه فــي يـــوم الـتـأسـيـس لا تقتصر الكتابة التاريخية الرصينة على استعادة الحدث أو تمجيد الــبــدايــات، بـل تتجه إلــى تفكيك أدوات الدولة؛ تلك العلامات الصغيرة التي تكشف كيف فـكَّــرت السلطة، وكـيـف عرَّفت نفسها، وكيف مارست حضورها السياسي والإداري. ومـــــن بــــن هـــــذه الأدوات، يــبــرز الخَتْم بوصفه وثيقة مادية مكثّفة الدلالة، تختصر مفهوم الدولة في أثر واحد. وأوضــح المشرافي لـ«الشرق الأوســط» بـــالـــقـــول: ولأن الــخــتــم لا يُـــقـــرأ بــمــعــزل عن سـيـاقـه الـسـيـاسـي والإداري، فـــإن الــوقــوف عـــنـــد بــنــيــتــه وصـــيـــغـــتـــه يـــفـــتـــح بــــابــــا لـفـهـم أعـمـق لطبيعة الــدولــة الـتـي تنتجه. الختم المنسوب إلـى الإمــام سعود بن عبد العزيز م)، ثـــالـــث أئـــمـــة الـــدولـــة 1814/ هــــــــــــــ 1229 . (ت الــــســــعــــوديــــة الأولـــــــــــى، اســــتُــــخــــدم لــتــوثــيــق المكاتبات الرسمية، ومنها رسالة موجّهة إلــى والـــي الـشـام فـي العقد الأول مـن القرن الـثـالـث عـشـر الـهـجـري. يحمل الـخـتـم نصّا مركزيا هو: «عبده سعود بن عبد العزيز»، هــــــــ)، مـــع صياغة 1223( ويـتـضـمّــن تــاريــخــا كـــتـــابـــيـــة مــــحــــاطــــة بـــــإطـــــار دائــــــــــري يـــوحـــي بــالاكــتــمــال والــضــبــط، كـمـا لا يُــنـشـأ الختم لـلـزيـنـة، بـــل لــاعــتــراف الــرســمــي، فــوجــوده يعني أن هـنـاك سلطة مركزية تحتاج إلى توثيق قراراتها ومراسلاتها، وإدارة واعية بالتمثيل؛ إذ إن كـل رسـالـة مختومة تقول ضـمـنـا: هـــذه دولـــة تتكلم بـاسـمـهـا، ونـظـام لــلــشــرعــيــة؛ فــــا تُــكــتــســب الـــرســـالـــة قـوتـهـا مـن مضمونها فـقـط، بـل مـن الأثـــر المطبوع عليها. وأشــار إلـى أن صيغة «عبده سعود» تـــتـــجـــاوز بُـــعـــدهـــا الــشــخــصــي لــتــدخــل في لـغـة الـشـرعـيـة الـسـيـاسـيـة، فـاخـتـيـار لفظ «عبده» يعكس تصورا للسلطة لا ينفصل عن المرجعية الدينية؛ حيث تُقدَّم القيادة بـوصـفـهـا تـكـلـيـفـا أخــاقــيــا قــبــل أن تـكـون امتيازا سياسياً. هذه اللغة ليست عفوية، بـل تعبير عـن نـمـوذج حكم يــرى أن القوة السياسية لا تكتمل إلا بشرعية قيمية، وأن الدولة لا تعلو على منظومة الاعتقاد، بل تعمل داخلها. الختم ووظائف الدولة: الداخل والخارج يـشـدد رئـيـس قسم الـتـاريـخ بجامعة المـــــلـــــك ســـــعـــــود عــــلــــى أن أهــــمــــيــــة الـــخـــتـــم تــتــضــاعــف حــــن نــعــلــم أنـــــه اســـتُـــخـــدم فـي مـراسـلـة خــــارج المــجــال المـحـلـي؛ إلـــى والــي الـــشـــام. هــنــا يُــصــبــح الــخــتــم أداة عــاقــات سياسية خارجية، يعبّر عن وعـي الدولة السعودية الأولى بنفسها بوصفها فاعلا سـيـاسـيــا يـــتـــواصـــل، ويـــخـــاطـــب، ويُـــعـــرّف ذاتــــه بـلـغـة رسـمـيـة مـعـتـرف بـهـا فــي عالم المكاتبات السياسية آنذاك. وبذلك، لم يكن الختم موجّها للداخل فقط، بل أدّى وظيفة سيادية تجاه الخارج. وفي الوقت نفسه، فإن وجود التاريخ الهجري على الختم ليس تفصيلا شكلياً، بــل مـؤشـر عـلـى «زمــنــنــة» الـعـمـل الإداري، فـالـدولـة الـتـي تـــؤرّخ وثائقها دولـــة تـدرك أهـمـيـة الـتـسـلـسـل، والأســبــقــيــة، والـحـجّــة، وتـعـي أن الفعل السياسي لا يكتمل دون ضبطه في الزمن. وهنا تبرز ملامح مبكرة لمـا يمكن تسميته بالعقل الإداري للدولة السعودية الأولى. وتـــــحـــــدّث المــــشــــرافــــي عــــن الـــخـــتـــم فـي ســيــاقــه الإقــلــيــمــي المـــعـــاصـــر، مــوضــحــا أن دلالـــة خـتـم الإمــــام سـعـود بــن عـبـد العزيز تتضح على نحو أدق عند مقارنته بأختام دول إسلامية معاصرة له في أواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر. أكـــــــدت الــــدكــــتــــورة هــــالــــة بـــنـــت ذيــــاب المطيري، الأمين العام للجمعية التاريخية الــســعــوديــة، أن تــجــربــة الإمـــــام مـحـمـد بن ســعــود أظـــهـــرت أن الـنـهـضـة الاقـتـصـاديـة فـــي الـــدولـــة الــســعــوديــة لـــم تــكــن منفصلة عـــن الـــجــوانـــب الاجــتــمــاعــيــة والـسـيـاسـيـة، بـــل كـــانـــت مــتــداخــلــة مــعــهــا، لافـــتـــة إلــــى أن الاســتــقــرار الأمــنــي كـــان لــه أثـــر مـبـاشـر في ازدهار النشاط الزراعي الذي شكل الركيزة الأساسية لاقتصاد الدولة الأولى. وقـالـت المطيري لــ«الـشـرق الأوســـط»، قامت الـدولـة السعودية الأولـــى فـي وسط شـــبـــه الــــجــــزيــــرة الـــعـــربـــيـــة خــــــال مــرحــلــة تاريخية اتسمت بعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، حيث كانت منطقة نجد قبل قيام الـدولـة تعاني مـن التفكّك السياسي وتـــــــعـــــــدّد الـــــكـــــيـــــانـــــات المـــــحـــــلّـــــيـــــة، وغــــيــــاب سـلـطـة مـــركـــزيــة قــــــادرة عــلــى فــــرض الأمـــن وحـمـايـة المـصـالـح الــعــامّــة. وقـــد أدّى هـذا الـوضـع غير المستقر إلــى تـراجـع النشاط الاقــتــصــادي بـشـكـل مـلـحـوظ، إذ تـضـرّرت الــزراعــة والـتـجـارة بسبب كـثـرة الـنـزاعـات وانتشار أعمال السلب وقطع الطرق، ممّا جـعـل الــقــوافــل الـتـجـاريـة عُــرضــة للخطر، كما أضـعـف حـركـة الـتـبـادل الـتـجـاري بين مناطق نجد والمـنـاطـق المــجــاورة، متّسما آنذاك بالبساطة والعشوائية، حتى اعتمد السكان على الجهود الفردية المحدودة في تأمين معيشتهم، مع ضعف الموارد المالية وغياب أي تنظيم اقتصادي شامل. وأضــــــــافــــــــت: عــــنــــدمــــا تــــــولّــــــى الإمــــــــام محمد بـن سـعـود -رحـمـه الـلـه- الحكم في الـدرعـيـة، أدرك منذ الـبـدايـة أن بـنـاء دولـة قـــويـــة مــســتــقــرّة لا يــتــحــقّــق إل مـــن خــال الأمن وتنظيم الموارد الاقتصادية، فالأمن يُــعـد الأســـاس الــذي تقوم عليه أي نهضة اقتصادية حقيقية. ولذلك عمل الإمام على توحيد الجهود وبسط النفوذ في المناطق المحيطة، وتأمين الطرق التجارية وطرق الحجاج، وحماية القوافل من الاعتداءات، حتى أسهم هذا الاستقرار الأمني في إعادة الـثـقـة إلـــى طـــرق نـجـد الــتــجــاريــة، بـعـد أن كانت مهجورة أو محفوفة بالمخاطر، مما شجّع الـتّــجـار على مـعـاودة استخدامها، فتحقّق تنشيط حركة الـتـجـارة الداخلية والخارجية، وزيادة التبادل التجاري بين نجد وبقيّة مناطق شبه الجزيرة العربية. الازدهار وليد الاستقرار كان للاستقرار الأمني أثر مباشر في ازدهار النشاط الزراعيّ، الذي شكّل الركيزة الأســـاســـيـــة لاقـــتـــصـــاد الــــدولــــة الــســعــوديــة الأولى، فقد شهدت منطقة الدرعية ووادي حنيفة توسّعا ملحوظا في الزراعة، نتيجة توفُّر الأمن والاستقرار السياسيّ. وأسهم ذلك في زيادة إنتاج المحاصيل الأساسية، مثل الحبوب والتمور والخضراوات، التي كانت تشكّل الغذاء الرئيسي للسكان. كما شجّع المـزارعـن على استصلاح الأراضــي والــعــنــايــة بـــهـــا، وتــحــســن أســالــيــب الــــري والزراعة، فتحقّق قَدْر من الاكتفاء الذاتي، وقَـــل الاعـتـمـاد على الــــواردات مـن المناطق المــــجــــاورة. وأســـهـــم الــفــائــض الـــزراعـــي في دعْـــــم الأســــــواق المــحــلّــيــة وتـــزويـــد الــقــوافــل التجارية بالمؤن، الأمـر الـذي عـزّز الروابط الاقتصادية بين سكان الحاضرة والقبائل المجاورة. وفـــــــي ظِــــــــل هـــــــذا الــــنــــشــــاط الــــــزراعــــــي المتنامي، تؤكد المطيري أن أسواق الدرعية شـــهـــدت ازدهـــــــــارا كـــبـــيـــراً، حـــتـــى أصـبـحـت مـــن أهـــم المـــراكـــز الــتــجــاريــة فـــي نــجــد، فقد جـذبـت هــذه الأســـواق الـتّــجـار مـن مختلف المـــنـــاطـــق، ووفّــــــرت بـيـئـة مـنـاسـبـة لـتـبـادل الــســلــع والمـــنـــتـــجـــات. وتـــنـــوّعـــت الـبـضـائـع المــــعــــروضــــة فــــي الأســــــــواق بــــن المــنــتــجــات الــــزراعــــيــــة المـــحـــلّـــيـــة، والـــــحِـــــرَف الـــيـــدويّـــة، والسلع المـسـتـوردة التي كانت تصل عبر الــقــوافــل الــتــجــاريــة، كـمــا نـشـطـت الـــحِـــرَف والمِــهَــن، مثل النجارة والــحـدادة وصناعة الأدوات الـــزراعـــيـــة، فـــتـــوفّـــرت فــــرص عـمـل جديدة، وتحسّنت مستويات المعيشة لدى السكان. ولـــــــم يـــقـــتـــصـــر دور الأســــــــــــواق عــلــى الــــجــــانــــب الاقـــــتـــــصـــــادي فــــقــــط، بـــــل كـــانـــت -أيــــــضــــــا- مـــــراكـــــز لـــلـــتـــفـــاعـــل الاجــــتــــمــــاعــــي وتـبـادل الـخـبـرات والمــعــارف، مما عــزّز من مكانة الـدرعـيـة بصفتها مـركـزا حضاريّا واقتصاديّا مهمّاً. ورأت أن الـــنـــظـــام المــــالــــي فـــي الـــدولـــة الــــســــعــــوديــــة الأولـــــــــــى، تـــمـــيّـــز بـــالـــبـــســـاطـــة والــتــنــظــيــم، والالــــتــــزام بـــأحـــكـــام الـشـريـعـة الإسلامية. واعتمدت الدولة في مواردها المالية على الزكاة والصدقات، التي كانت تُجمَع وتُـــدار بطريقة منظّمة، بالإضافة إلى عوائد الأسـواق والتجارة من الرسوم الـبـسـيـطـة عـلـى الــســلــع، دون إثــقـــال كـاهـل الـــتـــجّـــار أو الـــسّـــكـــان. كــمــا شـمـلـت المـــــوارد المالية الإنـتـاج الــزراعــي والسلع الفائضة المتداولة في الأسواق، بالإضافة إلى موارد المناطق التي خضعت لسلطة الدولة، بما في ذلك بعض الغنائم الناتجة عن توسيع النفوذ. وقد مكّن هذا النظام المالي الدولة من تسيير شؤونها الإداريــة والعسكرية، ودعْـــم الأمْـــن، وتحقيق قـــدْر مـن الاستقرار المـــــالـــــيّ، فـــتـــعـــزّزت ثـــقـــة الـــســـكـــان بـــالـــدولـــة وسلطتها. الرياض: بدر الخريف الرياض: بدر الخريف )1978 - 1861 طغراء السلطان عبد العزيز (حكم يومالتأسيسالسعودي
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky