يُـــعَـــد الـــعـــربُ، فــي تـكـويـنـهـم الأســـاس وهــويــتــهــم الـثـقـافـيـة وبـنـيـتـهـم الــتــراثــيــة، أمــــة «شــفــاهــيــةً» لا «كـــتـــابـــيـــةً»، مـفـتـونـون بـــالـــشـــعـــر، يــســحــرهــم الــــكــــام، وتــحــركــهــم العبارة، يحتفون بالكلمة ويجسدون بها صورا حية عن حياتهم وبيئتهم وقيمهم وأخـــاقـــهـــم، وظـــلـــت أشـــعـــارهـــم وأمــثــالــهــم وحكاياتهم؛ بل وحتى أنسابهم وتواريخ أيـامـهـم تـتـرجـمـهـا مـنـطـوقـاتـهـم، تناقلها الألـــســـن وتــصــغــي لــهــا الآذان، ومــــا زالـــت «الــعــنــعــنــات»، وسـلـسـلـة «الأســـانـــيـــد» في أمــهــات كـتـب المـــغـــازي والــســيــر والــتــاريــخ، علاوة على الإجازات في التلاوات القرآنية وفـــي روايــــات الأحـــاديـــث الـنـبـويـة، شـاهـدا حيا على محورية «الشفهية» في الثقافة العربية؛ كل ذلك مستمر رغم اتساع آفاق ثـــقـــافـــة الــــعــــرب وتــــطــــور طــــرائــــق الـــتـــدويـــن والكتابة العربية في شتى الفنون والعلوم والآداب. الذاكرة الوطنية بوصفها عنصر شرعية الدول لا تستند إلى الأرض والسلطة فحسب، بل إلى سردية مشتركة تمنحها المــعــنــى والاســـتـــمـــرار. والــــذاكــــرة الشفهية الـــســـعـــوديـــة أســهــمــت فـــي تــكــويــن ســرديــة وطـنـيـة، إذ رسـخـت صـــورة دولـــة الـقـانـون والـــــعـــــدل بـــعـــد الــــفــــوضــــى، وأكـــــــدت رمـــزيـــة التأسيس ونقلت قيم الولاء والتكاتف بين الأجيال. غير أن الدولة الحديثة لا يكفيها أن تبقي هذه الروايات في نطاقها الاجتماعي الـتـقـلـيـدي؛ بــل تستطيع أن تُــحـوّلـهـا إلـى رأســـمـــال رمــــزي مــؤســســي، يُـــــدار ويُــوظــف ضمن مشروع وطني. وهنا يبدأ الانتقال من الحفظ إلى الرؤية. ففي أزمنة التحولات، تتعرض الهوية الـوطـنـيـة لـتـحـديـات مـتـجـددة، خـاصـة في ظـل الـتـحـولات الاقـتـصـاديـة والاجتماعية المـــتـــســـارعـــة. والــــــــرؤى الـــوطـــنـــيـــة لا تـبـنـي اقـتـصـادا فـقـط بــل تعيد تـعـريـف المـواطـنـة والانـتـمـاء، ومـن ثم فـإن التحدي ليس في صــون الــروايــة الشفهية بـل فـي تفعيلها، والانــتــقــال مــن مـجـرد حـفـظ الـقـصـص إلـى إعــــادة قــراءتــهــا وتـأويـلـهـا وإدمــاجــهــا في الـتـعـلـيـم وتـحـويـلـهـا إلــــى مــحــتــوى رقـمـي تفاعلي، وربــط الـذاكـرات المحلية بسردية وطنية جامعة. بذلك تصبح الذاكرة طاقة مُحركة للهوية لا مجرد حنين إلى الماضي. تحرير المصطلحات قبل الإكــمــال، لا بـد مـن تحرير ثلاثة مصطلحات تتعلق بالتاريخية «الشفهية» أو «الـــشـــفـــويـــة»، وكـــاهـــمـــا صــحــيــح لــغــةً، لكننا سنقتصر على استخدام «الشفهي» في هذا البحث: -الـــــتـــــراث الـــشـــفـــهـــي: وهـــــو مــــا يـنـقـل 1 شـــفـــهـــيـــا بــــالــــكــــام أو الــــــروايــــــة أو الأداء مــــن جـــيـــل إلـــــى جـــيـــل ويـــشـــمـــل: الــقــصــص، والأمثال، والشعر، والحكايات، والأغاني، والأهازيج، والأساطير. -الــروايــة الشفهية: تعد مـصـدرا من 2 مـــصـــادر الـــتـــاريـــخ، وهــــي الـــتـــي تـــــروى عن طريق المشافهة والنقل من شهود العيان والمعاصرين إلى من بعدهم. - التاريخ الشفهي: مصطلح حديث 3 ويـــعـــد عــلــمــا، وفـــرعـــا مـــن فـــــروع الـــتـــأريـــخ، وتعريفه: طريقة علمية تقوم بها جهات مـتـخـصـصـة لـتـوثـيـق الــــروايــــات الشفهية لأشخاص عاصروا حوادث تاريخية وفق مـعـايـيـر عـلـمـيـة وعـــبـــر مــقــابــات مسجلة ومــــــصــــــورة، مـــــع إخـــضـــاعـــهـــا لــلــمــراجــعـــة والتدقيق والتمحيص. لذا نرى أن التراث الشفهي يشمل كل أشكال التعبير الشفهي، كما لا يمكن عد كل رواية تاريخية تاريخا شفهياً. وكــــــثــــــيــــــرا مــــــــا يـــــخـــــلـــــط الـــــبـــــاحـــــثـــــون والمــــــؤرخــــــون بــــن مـــصـــطـــلـــحـــات «الــــتــــراث الشفهي»، و«الرواية الشفهية»، و«التاريخ الشفهي»، مما يوقع المتلقين في اللبس. الرواية الشفهية والتدوين لعلنا نـبـدأ بــالــروايــة الشفهية التي تـــعـــد أســــــاس الـــتـــدويـــن الـــتـــاريـــخـــي، ومـــع تـطـور علم الـتـاريـخ غــدت مكملة للوثيقة التاريخية، وهـي دائـمـا مـا توضح بعض الجوانب المرتبطة بتاريخ معين وتضيف إلـيـهـا. وتـفـسـر بـعـض الـــحـــوادث، وتجلي الـــــغـــــمـــــوض عــــــن بــــعــــضــــهــــا، كــــمــــا تــعــكــس سـلـوك المجتمع وقيمه وسـمـاتـه، وتشمل الذكريات الشخصية والروايات والقصص المجتمعية التي تتناول جوانب من الحياة اليومية ونمط العيش وأساليب الحياة، وتمتد إلى توصيف العلاقات الاجتماعية والمهن والحرف، والأنماط والممارسات في شتى المناحي كالزراعة والتجارة والرعي والتعليم، وغيرها. بـــيـــنـــمـــا تــــركــــز الـــــتـــــواريـــــخ الـــرســـمـــيـــة والمدونات المكتوبة على التاريخ السياسي والـــعـــســـكـــري، نــجــد أن الــــروايــــة الـشـفـهـيـة تَـــــــبـــــــرز كـــــتـــــاريـــــخ مــــنــــطــــوق وتــــــركــــــز عــلــى العادات والتقاليد والقضايا الاجتماعية والاقــــتــــصــــاديــــة والـــثـــقـــافـــيـــة، وتـــبـــحـــر فـي تـــفـــاصـــيـــل الأطـــعـــمـــة والأشـــــربـــــة والأزيــــــــاء والعلاجات، والفنون والألعاب، وأحاديث الـسـمـر وروايـــــات الـسـفـر وحــكــايــات الحب والــــحــــيــــاة؛ بــــل وحــــتــــى قـــصـــص المـــعـــانـــاة والأمـراض والموت، وتعبر عن الأحاسيس والـــعـــواطـــف، وتــتــرجــم المــشــاعــر والأفـــكـــار، الــــتــــي قـــــد نـــجـــد شـــيـــئـــا مـــنـــهـــا فـــــي بـعـض السجلات، والمذكرات الشخصية والوثائق العائلية والأوراق الخاصة. وحــتــى لا يُــظــن أن الـعـنـايـة بـالـتـراث الـــشـــفـــهـــي عــــمــــومــــا، والـــــــروايـــــــة الــشــفــهــيــة خــصــوصــا، وتــدويــنــهــا عــنــد الـــعـــرب، أمــر طـــارئ أو حــديــث؛ لا بــد مــن الـتـأكـيـد أنهم سبقوا غيرهم مـن الأمـــم فـي وضــع أسس لجمع التراث الشفهي ومنهجية لتدوينه عـبـر جـمـع الـسـنـة الـنـبـويـة وتـدويـنـهـا في مصنفات وفـــق أســـس وضــوابــط مـحـددة، يقول الدكتور عبد الله العسكر: «ويرجع الفضل إلى العلماء المسلمين الذين قننوا قـــواعـــد عـلـمـيـة لــاســتــفــادة مـــن الـــروايـــات الشفهية. أصبحت تلك القواعد فيما بعد علوما مستقلة مـثـل: علم الإســنــاد، وعلم الرجال، وعلم الجرح والتعديل، ومصطلح الحديث، وغير ذلك كثير». التراث الشفهي أما ما يتعلق بالتراث الشفهي الأدبي من شعر وأخبار وغيرها، فيقول الدكتور عـمـر الـسـيـف: «حـــن بـــدأ اسـتـشـعـار خطر انـــــدراس الــتـــراث الـشـعـري الـشـفـهـي، جُمع الــتــراث الشفهي، وتـأسـسـت أنظمة للفرز والــتــوثــيــق، ومـــن ثــم الـــدراســـة والـتـحـلـيـل. والـرواة حينما أرادوا جمع المـادة اللغوية وضــــعــــوا ضــــوابــــط ومــــــحــــــدِّدات أســـاســـيـــة رغـبـة فـي تحقيق الـغـايـة المنهجية لجمع المــــادة وضــعــوا مـــحـــددات صــارمــة لـأخـذ، فـــالـــغـــايـــة الـــتـــي يــــريــــدون تـحـقـيـقـهـا جـمـع اللغة الصافية من العرب الخُلص الذين لم يختلطوا بالأعاجم، كما حــددوا ضوابط زمــنــيــة بـتـحـديـد عــصــر لــاحــتــجــاج، على اعـتـبـار أن السليقة الـلـغـويـة تـغـيـرت بعد اختلاط العرب بغيرهم مع اتساع الدولة الإسلامية. وبعد جمع المــادة بـدأت حركة تأليف غـزيـرة فـي اللغة والأدب والتاريخ والـــحـــديـــث لــنــقــل الــشــفــهــي إلـــــى الــكــتــابــة، وصـــدرت الكثير مـن المــدونــات الـتـي كانت حصيلة مـهـمـة، أعـقـبـتـهـا مــراحــل لا تــزال بـاقـيـة لــدراســة تـلـك الـنـصـوص المجموعة وتحليلها واستنباط الـــدلالات المخبوءة ولـــــذا، لا يـمـكـن أن نــزعــم أن جـمـع الــتــراث الشفهي وتدوينه أمور جديدة على العرب، بيد أن تحول ذلك التراث من الشفهي إلى الـكـتـابـي وهــبــه الاحـــتـــرام والــتــقــديــر الـــذي يفتقر إليه التراث الشفهي الحالي». ولـــو تـوقـفـنـا عـنـد الـحـالـة الـسـعـوديـة تحديدا نجد أن كثيرا من التراث الشفهي لــــم يــــــدون مــمــا يـجـعـلـه مـنـجـمــا تـاريـخـيــا لـــم يـنـقـب فـــي مـــــــواده، وحـــقـــا مــعــرفــيــا لم يستخرج إلا القليل من كنوزه. منهج المؤرخين السعوديين حـــيـــث إن الــــتــــاريــــخ الــــســــعــــودي هـو الامــــــتــــــداد لـــلـــتـــاريـــخ الــــعــــربــــي الإســــامــــي بمكوناته المتعددة وقنواته الكثيرة وتراثه الـــضـــخـــم، وتـــنـــوع عـــنـــاصـــره ومـحـتـويـاتـه وأبعاده، سنتناول الرواية الشفهية، التي اعتمد المـؤرخـون السعوديون عليها منذ نـشـأة الــدولــة الـسـعـوديـة قبل ثـاثـة قـرون وتلقوها بطرق متعددة، وأفادوا منها في تدوينهم للتاريخ السعودي وفـق مناهج متباينة لـكـل مــــؤرخ. يـقـول الــدكــتــور عبد اللطيف الحميد في بحثه الذي استقصى مؤرخا منذ تأسيس الدولة 18 فيه منهج السعودية وحتى عهد الملك عبد العزيز، وتتبع منهج أولـئـك المـؤرخـن فـي توثيق الرواية الشفهية، أنه يمكن تصنيفهم إلى ثـــاث مـــــدارس؛ الأولـــــى: ابـــن بــشــر، محمد العبيّد، عبد الرحمن بن ناصر، الزركلي، مــحــمــد الــعــقــيــلــي: «مــــؤرخــــون أفـــــــادوا من الـــروايـــة الشفهية وطـبـقـوا منهجا علميا دقيقا في توثيقها، تجلى في تلقي صفة الــوقــائــع مـــن شــهــود الــعــيــان أو مـمـن نقل عـنـهـم وتــحــري الــصــدق والــحــق مــن أفـــواه الـــثـــقـــات مــــن الـــــــــرواة، وذكــــــر اســـــم الــــــراوي والمكان وصفة الخبر ومكانه». المــــدرســــة الــثــانــيــة وهــــم الأكـــثـــر : ابــن غـــنـــام، الـــبـــســـام، ابــــن عــيــســى، الــريــحــانــي، مقبل الـذكـيـر، خـالـد الـفـرج، حـافـظ وهبة، سعود بن هذلول، أحمد عطار، محمد آل عبدالقادر: «مـؤرخـون لـم يطبقوا منهجا فـــي تــوثــيــق الــــروايــــة الــشــفــهــيــة، واكــتــفــوا بـــالـــتـــنـــويـــه عـــنـــهـــا بـــوصـــفـــهـــا مــــصــــدرا مـن المــــصــــادر فــــي مـــقـــدمـــات مـــؤلـــفـــاتـــهـــم». أمـــا المـــدرســـة الــثــالــثــة، وهــــم الأقـــــل: ابــــن عــبــاد، الــــفــــاخــــري، ابـــــن ضــــويــــان: «مـــــؤرخـــــون لـم يــذكــروا مـصـادرهـم الشفهية أو منهجهم في توثيقها». أوعية التراث الشفهي حين ننظر إلى مرحلة تأسيس الدولة الـــســـعـــوديـــة، نــجــد فـــي الــــذاكــــرة الـجـمـعـيـة للمجتمعات المحلية عـديـدا مـن القصص المتناقلة عـن الفوضى وغـيـاب الـعـدل قبل تأسيس الدولة والتحول الذي حصل بعد الــتــأســيــس، يـمـاثـل ذلـــك قـصـص مـتـداولـة عـن الأمــر ذاتــه قبل عهد الملك عبد العزيز واستتبابه بعد ذلـــك. كما نجد توصيفا لـــجـــوانـــب مــــن مــعــيــشــة الــــنــــاس وحــيــاتــهــم الـــيـــومـــيـــة. إضــــافــــة إلــــــى الــــــروايــــــات الــتــي تـتـنـاقـلـهـا الأســــر والــقــبــائــل عـــن تـاريـخـهـم وأدوار بعض رموزهم وشخصياتهم. أمــا عــن «المــجــالــس»، فيمكن وصفها بمنصات التاريخ، تتداول فيها الأخبار، وتـــروى الـقـصـص، وتلقى الأشــعــار، ولها ضـوابـطـهـا وأعــرافــهــا وتـقـالـيـدهـا الـتـي لا يمكن تجاوزها. الجانب الآخر الذي لم يحظ بكثير من الاهتمام هو دور المـرأة ليس فقط حافظة لــلــروايــة الـشـفـهـيـة؛ بـــل وراويــــــة للقصص المــتــعــلــقــة بــالــتــفــاصــيــل الـــدقـــيـــقـــة لـلـحـيـاة الاجتماعية للأسر وعلاقاتهم وحكاياتهم التاريخية، ترويها «الجدات» عبر الأجيال وهذا مستمر حتى اليوم. أمــا الأشـعــار والـحـكـم والأمــثــال فتعد من خزائن التاريخ التي حفظت لنا تاريخ حوادث ووقائع واختزلتها في قصيدة أو بيت من الشعر أو حكمة أو مثل. هـــــذه كــلــهــا مــــع غـــيـــرهـــا يــمــكــن عــدهــا مــن أوعــيــة الــتــراث الـشـفـهـي، الـتـي حفظت لـنـا تــاريــخــا لـــم يـــرد لـــه ذكـــر فـــي المـــدونـــات الرسمية. تاريخ عزوة آل سعود (أخو نورة) ولعلي أدلل بمثال واحد فقط، يتعلق بـــعـــزوة آل ســـعـــود (أخـــــو نـــــــورة)، إذ يظن كـثـيـرون أنـهـا خـاصـة بالملك عبد العزيز، وأن نــورة المقصودة هـي شقيقته الأميرة نـــورة بـنـت عـبـد الـرحـمـن، والحقيقة أنها عزوة قديمة لآل سعود وردت في القصيدة بـيـتـا)، الـتـي أرسـلـهـا الأمـيـر 39( الـطـويـلـة عمر بـن سـعـود بـن عبد العزيز بـن الإمــام مـحـمـد بـــن ســـعـــود لأخـــيـــه الإمـــــام مــشــاري )، ويقول فيها: 1820 (تُوفي (عند أخو نوره عشير الغانمين مثل عد ما يغور من الشراب) كما جاءت في قصيدة ناصر الهزاني وعــــدد أبـيـاتـهـا تـسـعـة عــشــر، الــتــي يـمـدح فـيـهـا الإمـــــام عـبـد الــلــه بـــن فـيـصـل (تـوفــي )، بقوله: 1889 (وإن قيل من هو قلت غش السلاطين عباد مرجام الحريب أخو نوره) إذ لــولا مثل هــذه الـشـواهـد الشعرية لـصـعـب إيـــجـــاد الــدلــيــل الـعـلـمـي عـلـى قِـــدم هذه العزوة. إشكالية الموثوقية والانحياز والذاكرة الانتقائية الـــــروايـــــة الــشــفــهــيــة لا تــنــقــل الـــحـــدث كما وقــع حـرفـيـا، بـل تعيد صياغته وفق الـــزمـــن ووعـــــي الــــــراوي وهـــويـــة الـجـمـاعـة. لـذلـك لا تُــؤخــذ بـوصـفـهـا حقيقة جـاهـزة، بل يفترض أن تُقرأ بعين نقدية عبر ثلاث نقاط. الموثوقية: الــذاكــرة تتغير مـع الوقت وتــتــأثــر بــتــكــرار الـحـكـايـة والــســيــاق الـــذي تُـــــروى فــيــه. الــحــل لـيـس اســتــبــعــادهــا، بل اخــتــبــارهــا بـمـقـارنـتـهـا بــــروايــــات أخــــرى، ومراجعتها على الوثائق إن وجدت، وفهم زمن وظروف ظهورها. الانـــحـــيـــاز: الــــــراوي يـتـكـلـم مـــن مـوقـع اجــتــمــاعــي/فــئــوي/ســيــاســي، وقـــد يُــجـمّــل دور جماعته أو يبرّر أو يضخّم الرمزية. لذلك تُــقـرأ الــروايــة باعتبارها تكشف عن منظور الراوي بقدر ما تكشف عن الحدث. الانـــتـــقـــائـــيـــة: المــجــتــمــعــات تــحــفــظ مـا يخدم سرديتها وقـد تسكت عما يربكها، والــصــمــت هـنـا قـــد يــكــون دلالـــــة. لـــذا يـلـزم الـتـنـبـه لـلـفـجـوات ومـــا لـــم يُـــذكـــر، وتفكيك رمـــوز الــروايــة لا الاكـتـفـاء بـسـردهـا. بهذه القراءة تتحول الرواية الشفهية من مجرد حكاية إلـى مــادة تحليل يمكن الاستفادة منها علمياً. وحــــول ذلـــك يــقــول الــدكــتــور عـبـد الله الـــعـــســـكـــر: «مــــــن هـــنـــا تـــتـــضـــح أهـــمـــيـــة أن يـقـوم المــــؤرخ بفحص الـــروايـــات الشفهية وتـقـويـمـهـا ومــعــرفــة الـــدوافـــع مـــن ورائــهــا وكـذلـك طريقة تناقلها، ولـعـل هــذا العمل يــقــود إلـــى فـحـص آخـــر لا يـقـل أهـمـيـة عن الأول، وهــــو فــحــص الــحــبــكــة الأســلــوبــيــة والـــــهـــــدف والـــخـــلـــفـــيـــة لـــــلـــــراوي، كـــمـــا عـلـى المــــؤرخ أن يفحص كـذلـك الـبـنـاء الـداخـلـي والـــخـــارجـــي لـــلـــروايـــة الـشـفـهـيـة مـــن خــال المنهج المعروف لدى المؤرخين، فإذا تم كل ذلــك بنجاح يمكن عندئذ تـدويـن الـروايـة الشفهية، ومن ثم تصبح وثيقة تاريخية مثلها مثل الوثائق المعروفة». جهود توثيق التراث والروايات الشفهية مـــع كـــل ذلــــك يـمـكـنـنـا الـــقـــول إنــــه منذ تــأســيــس الـــدولـــة الــســعــوديــة كــانــت هـنـاك جهود لتوثيق الـروايـة الشفهية تحديداً، كجهود بعض المؤرخين التي وردت معنا، وهـنـاك جهود فـرديـة ومؤسسية أسهمت في توثيق التراث الشفهي عموما والرواية الشفهية، أبـرزهـا دور وسائل الإعــام من صـحـف ومــجــات وإذاعــــة وتـلـيـفـزيـون من خـــال المــقــابــات الــتــي أجــريــت مــع الـعـديـد من أصحاب الشأن في كثير من المجالات. ويـأتـي كذلك دور الرئاسة العامة لرعاية الـــشـــبـــاب مـــن خــــال إشـــرافـــهـــا عــلــى قـطـاع الـثـقـافـة والــفــنــون آنــــــذاك، إذ وثــقــت خـال ثــمــانــيــنــات الــــقــــرن المـــنـــصـــرم جــــوانــــب مـن التراث الشفهي. أمــــا الــجــهــود الـــفـــرديـــة الـــتـــي قــــام بها كــــتــــاب وبــــاحــــثــــون ومــــــؤرخــــــون وغـــيـــرهـــم فيصعب حـصـرهـا، لكننا سنتوقف عند الــــــدور الــــبــــارز لــلــدكــتــور ســعــد الــصــويــان فــــي هـــــذا المـــــجـــــال، الــــــذي وثـــــق بــــن عــامــي مئات الساعات المسجلة من 1990 و 1983 الروايات الشفهية عن حياة البادية شملت الـتـاريـخ والأشـــعـــار والأنـــســـاب والقصص والوسوم والديار والموارد وغيرها، وأنتج مـنـهـا مـــشـــروع جــمــع الــشــعــر الـنـبـطـي من مصادره الشفهية. وكذلك دور الأديب والمثقف السعودي عـبـد المـقـصـود خـوجـة مــن خـــال صالونه ) التي أعُدها 2015 - 1982 الأدبي (الإثنينية إضــافــة لــدورهــا الأدبــــي، منصة تاريخية مــن خـــال تـكـريـمـهـا لأكــثــر مــن خمسمائة شخصية مـن العلماء والمفكرين والأدبـــاء والمــثــقــفــن، وتــوثــيــق ســيــرهــم وتـجـاربـهـم مـــن خــــال روايـــــــات المـــكـــرمـــن أنــفــســهــم أو عـن طريق مـداخـات وتعليقات الضيوف الــدائــمــن أمـــثـــال الأســـاتـــذة مـحـمـد حسين زيــــــدان وعـــزيـــز ضـــيـــاء وعـــبـــد الـــلـــه بلخير وهاشم زواوي ومحمد عبده يماني وعبد الــلـــه مـــنـــاع وغـــيـــرهـــم، والـــتـــي وردت فيها معلومات تاريخية نادرة. ومثلت إثنينية عـــبـــد المـــقـــصـــود خـــوجـــة ذاكــــــــرة تــاريــخــيــة وثقافية، لكن الأهم في تقديري أن خوجة اضــطــلــع بـــــدور مــهــم فـــي تـــدويـــن الـــروايـــة الشفهية حينما فرّغ تلك الروايات بكل ما حـوتـه مــن مـعـلـومـات ومـــداخـــات ودونـهـا فـي إصــــدارات أحسبها تـجـاوزت الثلاثين مــجــلــداً، عـــــاوة عــلــى أنــــه جــمــع مـــداخـــات وتعليقات كـل مـن الأســتــاذ محمد حسين زيــــدان والـدكـتــور محمد عـبـده يـمـانـي في إصـداريـن مستقلين. وبهذا الجهد الكبير قدم خوجة ألوف الصفحات من الشهادات والروايات الشفهية إلى ذاكرتنا الوطنية. 3 يومالتأسيسالسعودي NEWS Issue 17253 - العدد Sunday - 2026/2/22 الأحد الذاكرة الشفهية السعودية أسهمت في تكوين سردية وطنية رسخت صورة دولة القانون والعدل بعد الفوضى وأكدت رمزية التأسيس ونقلت قيم الولاء والتكاتف بين الأجيال ASHARQ AL-AWSAT سردية الاستمرار القابلة للتحول إلى رأسمال رمزي مؤسسي من تأسيسها إلى رؤيتها... الدولة السعودية وذاكرتها الشفهية الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الرياض: بندر بن عبدالرحمن بن معمر
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky