issue17253

الثقافة CULTURE 20 Issue 17253 - العدد Sunday - 2026/2/22 الأحد أحمد عبد المعطي حجازي هكذا أرى المستقبل نحن والعالم كله نسأل عن المستقبل. فالعالم يتغير ويتحول، لا كل عصر فقط، بل كل يـوم، رأينا أو لم نر. لكن الـذي نعيشه يشغلنا أكثر، لأنه الواقع الماثل الـذي نفتح عليه عيوننا فنرى ما يحدث لنا ولغيرنا، بالقرب منا أو بعيدا عنا. ولا شك في أن الذي يدور حولنا يؤثر فينا بصورة أو بأخرى، ويتجه نحونا بالسؤال، فإن تجاهلناه ونـحـن نـواجـهـه سـهـوا أو انسياقا وراء مـا يشغلنا مـن هـمـوم اليوم ومطالبه، فوجئنا به يلاحقنا ويطاردنا، وتلك هي الحياة. الحياة تفرض علينا أن نـواجـه واقعنا ونشغل بـه ونطلب فيه ما نحتاج إليه، ونلبي أيضا في المقابل ما نـرى أن تلبيته واجـب أو شرط في مواصلة هذا الحوار الدائر بيننا وبين الواقع الذي لا يمكن أن يعطينا مـن دون مـقـابـل. وذلـــك لسبب بسيط واضـــح، هـو أنــه من صنعنا. فنحن في الحقيقة نعطي أنفسنا حين نلبي حاجات الواقع أو نحرم أنفسنا حين نقصر أو نتوقف عن مواصلة الحوار بكفاءة. نؤدي ما يجب أداؤه ونفحص النتائج ونراجع أنفسنا لنميز بين الصواب والخطأ، وبـن النافع والـضـار، وبـن الوهم والحقيقة، فليس كل ما نقوم به أو نراه حقاً. *** لكننا في هذا الحوار نجد أنفسنا مضطرين للنظر خلفنا مرات، وأمامنا مرات أخرى. نعم نحن مضطرون أحيانا للتفكير في الماضي، وأحــيــانــا لاسـتـكـشـاف المـسـتـقـبـل. ونـحـن فــي استجابتنا لمــا يدعونا للنظر خلفنا وأمامنا لا نخرج من الحاضر، بل نحن بالعكس نؤكد وجودنا فيه، فليس الحاضر إلا لحظات طائرة سرعان ما تمر ليكون ما سبقها ماضيا وما يليها مستقبلاً، سواء أدركنا هذا أم لم ندركه. ونحن بالتالي لا نستطيع أن نطيل هذه اللحظات إلا بالمستقبل الذي لا يمكننا أن ندخله أو نحتل مكانا فيه إلا بالخبرة التي نحصل عليها مـن مراجعة المـاضـي، فــإذا هربنا مـن التفكير فـي المـاضـي عجزنا عن دخـول المستقبل، بل عجزنا أيضا عن البقاء في الحاضر الـذي نظن أحيانا أننا أطلناه، وهـو لـم يطل، وإنـمـا أصبح ماضيا نحتاج فيه لـلـوعـي الــــذي نـسـتـرد بــه مـكـانـنـا فــي الــزمــن الــحــي المــتــدفــق. والمــدخــل الصحيح للحصول على هذا الوعي هو معرفة الماضي معرفة نؤكد بها وجــودنــا فـي الـحـاضـر مـن نـاحـيـة، ونستكشف بها الـطـريـق إلى المستقبل من ناحية أخــرى. وهــذا ما عبّر عنه الشاعر الألمـانـي غوته وهو يتحدث عن حركة التاريخ التي لا يعرفها الإنسان بأن يقرأ عن عصر أو عـن جيل فحسب، بـل عليه أن يحس حـركـة الـتـاريـخ فـي كل يوم من أيامه. ونـحـن نعلم عـلـم الـيـقـن أن الــتــاريــخ لـيـس واحــــدا بالنسبة لكل الــبــشــر، وإنـــمـــا لـكـل أمـــة زمــنــهــا، لأن لـكـل أمـــة سـعـيـهـا وقــدرتــهــا على التخطي والانتقال من حال إلى حال. صحيح أن التاريخ قد يجمع عدة أمم في حضارة واحدة أو في ثقافة مشتركة، وهـذا ما نعرفه حق المعرفة في تاريخنا، ونستطيع بهذه النظرة أن نتحدث عن الحضارة الإنسانية التي أسهم في بنائها كل البشر، لكننا نعرف مع هذا أن هذه الإسهامات المتعددة إسهامات متنوعة، وبهذا التعدد والتنوع يتكامل الكيان ويتقدم، لكن الحوار الـجـاد المـسـؤول مـع الـواقـع بكل مكوناته هـو الأســـاس، فبهذا الحوار الذي يجب أن نستحضر فيه كل طاقاتنا وخبراتنا الماضية وأشواقنا الـتـي تسبقنا إلــى المستقبل وتـقـودنـا إلـيـه، بـهـذا الــحــوار مـع الـواقـع، نغيره ونتغير معه وننتقل إلـى واقــع جديد وزمــن جديد يتقدم إلى الأمـام على الــدوام، ويظل مع هذا وفيا للماضي الـذي تعلمنا فيه أن نتقدم بفضل مـا نملكه مـن طــاقــات، نتذكر بها مـا فــات ونستكشف بها ما سوف يجيء، وبينهما هذا الحاضر الذي نعيشه بكل كياننا ونـعـرف فيه المـاضـي الـــذي تحقق، فهو امـتـداد لــه، ونـعـرف المستقبل أو نتوقعه ونتخيله، لأننا نـرى فـي الحاضر مقدماته ونستدل بما كان على ما سوف يكون، بل نحن بالحاضر لا نرى المستقبل وحده، وإنما نعيد أيضا قراءتنا للماضي الذي نعرفه في الغالب من خلال شــهــادات وشــواهــد مختلفة لا تتفق فــي كــل شـــيء، وتستحق إعـــادة النظر والانتفاع بما جد في رؤية ما لم نكن نراه وفي نقده وتجاوزه. وهكذا نتقدم، ونواصل في المستقبل ما صنعناه في الحاضر فنسير، ونحاسب أنفسنا، وننظر ونعيد النظر. وهذا هو الوضع الأمثل الذي يتمناه الإنــســان لنفسه ويـحـتـاج فيه لـطـاقـات تعمل كلها وتـشـارك كلها في الحوار الذي ندخله مع الواقع الذي نعيش فيه، مع الحاضر والماضي، ومع أنفسنا، ومع الآخرين. *** غير أن هذا الشرط لا يتحقق في كل المجتمعات، ولا يتحقق في أي مجتمع على الـــدوام، لأن الـظـروف الداخلية والأحـــداث الخارجية المحسوبة وغير المحسوبة تفعل فعلها سلبا وإيجاباً، ولأن العقائد والثقافات والمطالب والأهــداف تختلف كثيرا أو قليلا داخـل المجتمع الواحد وداخـل الثقافة الواحدة، لأن وجهات النظر قد لا تتفق، ولأن الاجـتـهـادات تتعدد. ولكل طـرف مـا يــراه ويـدفـع عنه بصور متعددة تحتاج فيها كل الأطـراف لاحترام الروابط المشتركة التي يصبح بها الاجتهاد حقا والاخـتـاف مـبـرراً. وهــذا ما يتحقق بالثقافة القومية الــتــي تـضـمـن الــحــريــة لـكـل الأطــــــراف داخــــل الـــحـــدود الــتــي تـظـل فيها كــل الأطـــــراف جـمـاعـة واحـــــدة، تختلف لكنها تـظـل جـمـاعـة مترابطة متضامنة، فاختلاف الرأي لا يفسد للود قضية، كما يقول شوقي. ونحن الآن في أشـد الحاجة لهذا الــود الـذي تضمنه لنا الثقافة القومية، لأنه هو المستقبل الذي ينبغي أن نفكر فيه ونسعى لبلوغه، ولا سبيل لبلوغه إلا بالروابط الجامعة التي نصبح بها بنيانا حيا قوياً، يشد بعضه بعضاً. وفـي مقدمة هـذه الـروابـط لغتنا الفصحى وثقافتنا القومية التي تستطيع في المستقبل أن تحقق لنا ما حققته فـي المـاضـي إذا تهيأنا وتـزودنـا بالمعارف والـوسـائـل التي نستطيع بــهــا أن نــقــرأهــا قـــــراءة جـــديـــدة، لا نــقــف فـيـهـا عــنــد الــظــاهــر المـبـاشـر ونسعى للكشف عما لـم نــره ولــم نصل إلـيـه مـن قـبـل، ونستعين في ذلك بحاجاتنا الجديدة وخبراتنا الحية. هكذا أرى المستقبل. وهكذا أُجيب على السؤال. الرعب والدمار يتصادمان مع الجمال والموسيقى 2025 أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام بـعـد أن انـغـمـسـت فــي قــــراءة مـجـلـدات «أفضل قصائد الشعر الأميركي» في وقت ســـابـــق مــــن الــــعــــام الـــــجـــــاري، تـــعـــهـــدت بـــألا أبـــــدأ أبـــــدا أيــــا مـــن مــقــالاتــي بــالــتــســاؤل عن معنى كلمة «الأفـضـل»، وهي كلمة أزعجت مــــحــــرري تـــلـــك الــســلــســلــة أكـــثـــر بــكــثــيــر مـن كلمتي «أمــيــركــي» أو «شـــعـــر». كـنـت أرغــب في الابتعاد عن ذلك أيضاً، ما أسمته لويز غلوك «استبداد صناعة الـــذوق». أنـا أكتب هذه القوائم لصحيفة «التايمز» منذ خمس ســنــوات الآن؛ وأنـــا عـلـى ثـقـة مــن أن قـرائـي يعرفون أن كل ما تعنيه كلمة «الأفضل» في عالم الفنون هـو مـا تحبه فئة بعينها من الناس. قصيدة «إنقاذ» هيدجي تشوي بعض القصائد الـتـي أثَّـــرت فــي بشدة هـــذا الــعــام تعكس قـسـوة معينة. خــذ على سـبـيـل المـــثـــال الأســـطـــر الأولـــــى مـــن قـصـيـدة تشوي «الهلع»: «أعلم أن الآخرين حقيقيون، لا تُذكرني بـذلـك». أنـا نفسي نطقت عبارة «الآخـــــــــرون حـــقـــيـــقـــيـــون»، لـــــذا شـــعـــرت أنــهــا بمنزلة مواجهة مباشرة معهم. وضحكت بـصـوت مـرتـفـع مـــرات عـــدة فــي أثــنــاء قـــراءة قـصـيـدة «إنـــقـــاذ»، أول عـمـل لـتـشـوي، وهـو عمل مفعم بالحقد والسخرية القاسية -بل ربما هو أقرب إلى الوحشية! يـــنـــم صــــوت تـــشـــوي عـــن ثــقــة الــشــبــاب المتحدية، التي نحتاج جميعا إلى التعرض لـهـا. الـقـصـائـد مسيئة بـعـض الــشــيء («ألا يـــمـــكـــن أن تـــــكـــــون، مـــثـــل مـــمـــلـــكـــة الـــســـمـــاء، فالصور/ للخاسرين والمختلين؟») بطريقة جذابة للغاية، مثل جدال يُغير رأيك بالفعل. «هــــل مـــن المــهــم مــعــرفــة الـــحـــقـــائـــق؟»، تـسـأل قـصـيـدة «مــــراحــــل»؛ «لأنـــنـــي بــــدأت أعـتـقـد/ ربما لا». لا يمكن للقصائد أن تؤذيني إلا قـلـيـاً، ويـمـكـن أن تــبــدو قـسـوتـهـا حقيقية لـلـغـايـة: «فـــي الــنــهــايــة/ أنــــا/ شـخـص جـاد للغاية/ لكننا لم نصل إلى النهاية بعد». «أعرف بعض الأشياء» لريتشارد سايكن كـــــان هـــــذا كـــتـــابـــا آخـــــر مــنــحــنــي مـتـعـة شـــبـــه مــــازوخــــيــــة. فــــي خـــــــروج رســــمــــي عـن مجموعة سايكن بعنوان «صراع الثعالب» )، ومجموعته الأولى المؤثرة بعنوان 2015( )، تـــأتـــي هــــذه الـقـصـائـد 2005( » «انـــكـــســـار فــي صـــورة نـثـريـة. كُــتـبـت جميع القصائد (والرقم تكريم، على ما أعتقد، لمؤلفة 77 الــ ») بـعـد إصـابـة 77 بـيـريـمـان «أغــانــي الـحـلـم ســـايـــكـــن بـــالـــســـكـــتـــة الـــدمـــاغـــيـــة وخـــالـــهـــا، وتُشكل في حد ذاتها سيرة ذاتية موجزة: «إنـهـا نـافـذة صـغـيـرة، تلك الـفـتـرة الزمنية التي نستطيع فيها أن نقول ما نعرفه». هـــذا عـمـل قـــــاسٍ، ومـخـيـف أحــيــانــا في تـعـامـلـه مـــع الــشــيــخــوخــة والمــــــوت -الــحــيــاة بوصفها ضرراً- والصراع من أجل استعادة الــجــســد والــعــقــل والــــــذات بــعــد الأزمــــــة. كما يـسـتـجـوب ســايــكــن أيـــضـــا مــفــهــوم الــذاتــيــة بوصفها مشروعا طويلاً، وطريقة للدفاع، وفــــعــــا مــــن أفــــعــــال المـــخـــاتـــلـــة: «قـــلـــت كــذبــة وتحولت إلى حقيقة». تَظهر كلمة «يحدث» كـــعـــبـــارة مـــخـــفَّـــفـــة مـــخـــيـــفـــة؛ مــــا يــــحــــدث قـد يحطم حياتك: «كــان مـن الـواضـح أن شيئا مــا قــد حـــدث ولـــن يــتــراجــع» («الــرصــيــف»). «أنـــا أنـتـظـر أن يخبرني أن هـــذا لــن يحدث مــــرة أخــــــرى. إنــــه لا يـــقـــول ذلـــــك» («خــريــطــة حرارية»). «عليك أن تكون حذراً، فالأشياء ترغب أن تحدث» («غابة ديفون»). قـــد يـــكـــون هــــذا الــكــتــاب قــاتـــمــا، ولـكـنـه ساحر أيضا («تـحـت السرير الأرضــيــة، ثم الأرض، ثم الجانب الآخر والنجوم. سقطت فـــي كـــل الاتــــجــــاهــــات») ومــضــحــك بـطـريـقـة غـريـبـة -ضـحـكـة مــن مقطع واحـــد فــي وجـه الشيطان، يكتب قائلاً: «إذا كان في ذلك أي عزاء، فلن أسامحك أبداً». قصيدة «رحمة الدم» لآي. إس. جونز تُــعــيــد هــــذه الــقــصــائــد فـــي هــــذا الـعـمـل الأول المــــثــــيــــر لـــــإعـــــجـــــاب، تـــفـــســـيـــر قــصــة قــابــيــل وهــابــيــل عــلــى أنــهــمــا أخـــتـــان، وهــي تتمتع بـقـوة الأســطــورة المخيفة والعنيفة والموسيقية. «معظم الألم منعدم الفائدة»، كما تكتب جونز في القصيدة الافتتاحية، «لــكــنــه أقـــــدم أغــنــيــة لــلــجــســد». تـشـكـل هــذه القصائد سلسلة مـن التفاعل المستمر مع فكرة القوة -القوة التي نستسلم لها والقوة التي نطالب بها- وتجسد نوعا من الفضاء الـــهـــجـــن الــحــقــيــقــي والـــــرمـــــزي، والـــحـــاضـــر والأبدي في آن واحد. تــكــتــب جـــونـــز فــــي قـــصـــيـــدة «قـــابـــيـــل»: «كـنـت أســطــورة ذات يـــوم، وأنـــا الآن فـتـاة». وفي قصيدة «حواء ليليث» تكتب: «يكسر/ السماء فوق جمجمتي ويُظلم العالم. أختي، يستمر الأمر هكذا/ .../ الأيام لا تُعدّ». يتحقق تماسك مذهل بصفة جزئية من خـال تكرار رمـزيـات الـدم والشفرات والماعز القربانية والشمس: «أنـا الفأس التي تحلم بشق طريقها عبر حلق آدم». وفــي قصيدة «تـاريـخ موجز للعالم حسب المـاعـز»، تكتب جونز: «يولد الماعز برؤية بانورامية ليرى الموت/ الماعز يخطط للحرب مثل أي حيوان آخر/ هذه قصيدة عن التعفن». وفي النهاية الـرائـعـة لقصيدة «قطعة موسيقية حـالمـة»: «تـــجـــســـيـــد حُـــلـــم مـــعـــانـــاتـــي/ الـــشـــمـــس تـجـر جسدها مقطوعة الرأس عبر السماء كنصب تذكاري/ للحرب». قصيدة «غزة: القصيدة قالت ما لديها» لناصر رباح يــعــلــق مــتــرجــمــو كـــتـــاب «غـــــــزة»، الـــذي يــــضــــم مـــــخـــــتـــــارات مــــــن قــــصــــائــــد الــــشــــاعــــر الفلسطيني ناصر رباح، في خاتمة الكتاب عـلـى الـصـعـوبـات الــتــي واجـهـتـهـم فــي نقل هــذه القصائد إلــى الإنجليزية الأميركية، الـــتـــي تــلــعــب دورا فــــي تــمــكــن الــكــثــيــر مـن الـتـشـويـهـات فــي طـريـقـة تـصـويـر فلسطين على الـسـاحـة الـعـالمـيـة. وسـعـى المترجمون إلى تجنب «الإفراط في الترجمة»، مُفسحين النطاق لقَدر من الغرابة و«الغموض وحتى عـــدم الــفــهــم». أدى ذلـــك إلـــى ظــهــور سـطـور تُـــســـبـــب أحـــيـــانـــا ارتـــبـــاكـــا نـــحـــويـــا، غـــيـــر أن الاغـتـراب والغرابة أمــران مألوفان في هذه المـــنـــاطـــق الــســريــالــيــة الــشــبــيــهــة بـــالأحـــام، حيث يتصادم الـرعـب والـدمـار مـع الجمال والمـــوســـيـــقـــى والـــجـــنـــس، وحـــيـــث تـتـعـايـش الروتينية اليومية والملل مع الجنون واللا معقول. وفـــــي حــــن أن الــــصــــوت قــــد لا يُــتــرجــم دائـمـا، فــإن الـصـورة تُــتـرجَــم، وأعـمـال ربـاح مليئة بـالـصـور الـتـي لا تُــنـسـى: «أنـــا لست جندياً، لكن/ فـي أثـنـاء الـحـرب أرى نفسي شـرفـة معلَّقة فــي الـسـمـاء/ بـعـد أن هـدمـوا المبنى... أنا لست جندياً، لكنني أرى نفسي في أثناء الحرب أرتِّب/ مشهد الموت الأخير، لإرضــــــاء الأحـــيـــاء بـــمـــوتـــي». فـــي الـقـصـيـدة الطويلة «ما لم أقله لنفسي»، يكتب رباح: «كن مملاً... كن توم هانكس وقل: يا إلهي! كـل شــيء رائــع يـا رفـــاق. كـن أي شــيء، فقط لــــــوِّح لمـــوتـــك الـــجـــمـــيـــل فــــي المــــــــــرآة»، و«لمـــــرة واحدة، كن برتقاليا يا بحر، وأنت يا سماء، أمطري لمرة واحدة في اتجاهك». قصيدة «ابنة المينوتور» لإيفا لوكا أحـــيـــانـــا بـــعـــد ســـطـــر أو ســـطـــريـــن فـقـط تعرف أن الشاعر يتحدث إليك -كما لو أن الــحــســاســيــة تــتــبــدى فـــي أصـــغـــر الــكــلــمــات. كـــانـــت هـــــذه تــجــربــتــي مــــع لـــوكـــا وقــصــيــدة «ابنة المينوتور»، المترجَمة عن السلوفاكية بـــــواســـــطـــــة جـــيـــمـــس ســـــاذرلانـــــد-ســـــمـــــيـــــث. أحــب هــذه القصائد السحرية عـن الأمـاكـن الحدودية والمخلوقات الهجينة، والرجالالـــوحـــوش والأســـمـــاك-الـــطـــيـــور والــكــائــنــات الحية-الميتة: «مكسوة-مكشوفة/ في فمها تبكي وتـغـنـي/ تـعـود إلــى أسـفـل المنحدر/ إلــى المـنـزل الـــذي ليس مــنــزلاً»، تكتب لوكا فـــي قــصــيــدة «الأخـــــت الـــبـــريـــة». «لا مـاشـيـة على الأقدام ولا راكبة في عربة/ على كتفها بـــومـــة، فـــي يـــدهـــا/ تــفــاحــة، فـــي تـفـاحـتـهـا/ حب، في حبها/ سُمّ». انـجـذبـت بـصـورة خـاصـة إلــى سلسلة الـقـصـائـد المـسـتـوحـاة مــن لــوحــات لـيـونـورا كارينغتون، مثل «لـوحـة السيدة بـارتـردج الـراحـلـة» (هـــذه المـــرأة تـبـدو كأنها تجسيد لــلــبــرق) و«دجـــاجـــة أخــتــي غـيـر الـشـقـيـقـة»: «لكن الآن هو أوان التمرد. الدجاجة تكشر عــــن أنـــيـــابـــهـــا/ .../ انـــتـــظـــري فـــقـــط، تــقــول الـــدجـــاجـــة/ يــومــا مـــا سـتـقـيَّــديـن فـــي طـــوق، كما يحدث بين المالكين/ والمملوكين... يوما مــا سـنـتـبـادل الأدوار». هـــذا كــتــاب ينبض بـــظـــامـــيـــة حــــكــــايــــات الـــقـــصـــص الــخــيــالــيــة القديمة. قصيدة «نوبات غضب في الهواء» لإميلي سكيلينغز بناء على مجموعتها الثانية، «نوبات غضب في الهواء»، أرى أن سكيلينغز زميلة لـي فـي محبة الــفــراغ -نـحـن الـذيـن نحب أن نجمل الفراغ. عن «زهرة الجزرة، أو دانتيل المــلــكــة آن»، تــكــتــب سـكـيـلـيـنـغـز فـــي إحـــدى قـصـائـدهـا: «أحـبـهـا عـنـدمـا تــكــون كـبـيـرة/ وبــيــضــاء مـثـل صـحـن خـــزفـــي/ الـنـقـطـة في المنتصف/ إيماءة صغيرة للتركيز/ رشفة مــن الــظــام، ثـقـب/ يـنـزلـق فـيـه كـــل/ تطريز السماء». تُــذكــرنــا قـصـائـد سكيلينغز بـمـدرسـة «غــــورلــــســــك» (مـــصـــطـــلـــح أريــــيــــل غــريــنــبــرغ لـــــإشـــــارة إلــــــى «دمـــــــج الـــنـــســـويـــة لــلــغــريــب والــقــاســي مـــع الـــبـــراق والـــحـــالـــم»)، قصائد سكيلينغز تــبــدو أشــبــه مــا تــكــون بمسرح عــــبــــثــــي فــــــي بــــيــــت دمــــــــى مـــــســـــكـــــون. فـــكـــرة اسـتـعـارتـهـا مــن إيــلــن مـايـلـز -أن الـشـعـراء لــيــســوا أذكــــيــــاء، بـــل «شـــــيء آخــــــر»- تـتـكـرر طــوال القصائد فـي شكل إصـــرار على نوع من الذكاء الخارجي، سبيل سلبي: «نصف تفكير، نصف لا شيء». الـقـصـيـدة الأخـــيـــرة آســـــرة، بـسـطـورهـا الـــطـــويـــلـــة لـــــدرجـــــة أنــــهــــا مـــطـــبـــوعـــة بـشـكـل أفــقــي: «أوه، لـقـد لاحـظـت الــفــئــران، لا تهتم بها/... / بدأت أعتقد أنها توسِّع الفجوات بـــن الأشــــيــــاء: الــكــلــمــات، الأيــــــــــام/.../ هــذه مجرد غرفة واحــدة في مـؤامـرة واسعة من الفضاء». * تــشــمــل مـــجـــمـــوعـــات إلـــيـــســـا غـــابـــرت الشعرية والقصصية، في الآونــة الأخيرة، «المـــســـافـــة الــطــبــيــعــيــة»، و«أي شــخــص هو النفس الوحيدة». تُنشر مقالاتها في دورية «حول الشعر» أربع مرات في السنة. * خدمة: «نيويورك تايمز» *إليسا غابرت قصيدة عن غزة: أنا لست جندياً... لكن خلال الحرب أرى نفسي شرفة معلقة في السماء

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky