issue17252

13 حــصــاد الأســبـوع ANALYSIS Issue 17252 - العدد Saturday - 2026/2/21 السبت جولة مع القراءة الفرنسية لسياسات واشنطن الجديدة في ضوء أحـدث التطوّرات الأطلسية - ولــــعــــل آخــــرهــــا كــــــام وزيـــــــر الـــخـــارجـــيـــة الأمــــيــــركــــي مـــــاركـــــو روبـــــيـــــو فـــــي «مـــؤتـــمـــر ميونيخ للأمن» - انتقلت باريس إلى مربع «الحزم المدروس». هذا ما عكسه تصريح وزير الحكومة ســيــبــاســتــيــان لـــيـــكـــورنـــو أمــــــام الـجـمـعـيـة الوطنية (البرلمان) قبل فترة عندما وصف التدخل في فنزويلا بأنه «غير قانوني». وهــــــذا بــــالــــتــــوازي مــــع تـــحـــذيـــرات مـنـسـقـة السياسات الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كـالاس من أن «النموذج الفنزويلي» يـمـثـل سـابـقـة خـطـيـرة قــد تـشـرعـن أطـمـاع واشنطن فـي غرينلاند، الأمــر الــذي يهدّد السيادة الأوروبـيـة والمصالح الدنماركية في تلك المنطقة الاستراتيجية. الــــعــــقــــيــــد مــــيــــشــــال غــــــويــــــا، الـــخـــبـــيـــر الــعــســكــري الــــبــــارز، يــــرى أن هــــذا الــتــحــوّل الـفـرنـسـي يـعـكـس «نـضـجـا اسـتـراتـيـجـيـا» فـرضـتـه تـجـربـة «حــــرب أوكـــرانـــيـــا»، حيث لــم تـعُــد بــاريــس تقبل بـــدور «الــتــابــع» في استراتيجية أميركية تشتِّت مـوارد حلف شـــمـــال الأطـــلـــســـي «نــــاتــــو» بــــن صـــراعـــات الـنـفـط فــي أمــيــركــا الـاتـيـنـيـة وطـمـوحـات تحييد البرنامج النووي الإيراني. بل إن بعض التقارير ترى أن باريس بـاتـت تـقـود الــيــوم حــراكــا أوروبـــيـــا يهدف إلى «أورَبة» الدفاع وتحقيق الحكم الذاتي الاســتــراتــيــجــي، مـعـتـبـرة أن «الانــعــزالــيــة» الأمـيـركـيـة الــجــديــدة تــفــرض عـلـى أوروبــــا أن تــكــون «ســـيـــدة قــــرارهــــا» لـتـجـنـب شـلّــل استراتيجي يلوح في الأفق نتيجة تقلبات القرار في واشنطن. غرينلاند تـــمـــثـــل قـــضـــيـــة غــــريــــنــــانــــد مـــخـــتـــبـــرا خــــطــــيــــرا يــــجــــسّــــد هـــــــذه المـــــــخـــــــاوف، حــيــث يستغل الرئيس دونالد ترمب إقليما تابعا للدنمارك، وهـي دولــة عضو في «الناتو»، لاختبار حدود التحالف من دون تفجيره. فهو تكلم صـراحـة عـن «الاســتــحــواذ» على الجزيرة «بطريقة أو بأخرى»، مشيرا علنا إلــى الـخـيـار الـعـسـكـري، رغــم وجـــود قواعد .1951 أميركية هناك بموجب اتفاقية هذا التصعيد الجديد هو وفق العديد مـن المـسـؤولـن الفرنسيين، يـعـادل عـدوانـا من عضو على آخر، وهو ما لا تنص عليه المـعـاهـدة، وقــد يـــؤدي إمــا إلــى شلل أو إلى انـفـجـار الـتـحـالـف. وأيــضــا يـــرى المـحـلّــلـون الــفــرنــســيــون فـــي ذلــــك تــوضــيــحــا مـلـمـوسـا لـنـيـة «تــدمــيــر نــاتــو مـــن الـــداخـــل» بـاعـتـبـار أن الـتـحـالـف لا يـتـفـكّــك بـانـسـحـاب رسـمـي للولايات المتحدة، بل بأفعال تجعل عمله غير قابل للاستمرار. ويضيف هؤلاء أن أي مغامرة عسكرية أمـيـركـيـة ضـــد جـــزيـــرة غــريــنــانــد، الـتـابـعـة لسيادة مملكة الـدنـمـارك، لـن تكون مجرّد أزمة دبلوماسية عابرة، بل ستمثل «خطرا وجودياً» يهدد بقاء حلف شمال الأطلسي. ويذهب بعض الخبراء إلى حد التنبؤ الــصــريــح بــــ«مـــوت نـــاتـــو» فـــي حـــال أقـدمـت واشـنـطـن على ضــرب شـريـك وحليف بـدلا مـــن تــوفــيــر الــحــمــايــة لــــه، مـــا يـقـلـب فلسفة الحلف رأسـا على عقب. وفي هذا السياق، يــرى ألكسندر تـايـت، الأسـتـاذ الباحث في ،)FRS( » «مؤسسة البحوث الاستراتيجية أن تـهـديـدات الـرئـيـس تـرمـب تـنـدرج ضمن «حــــرب نـفـسـيـة» أو نـــوع مـــن «الـتـضـلـيـل»، لكنه يشير إلــى أن الخطر الحقيقي يكمن فـــي «الــعــجــز الأوروبــــــــي» وحـــالـــة الانــقــســام الـــقـــاري أمـــام حليف تــحــوّل هــو نفسه إلـى مصدر خطر. وفــــــق تــــايــــت، فــــــإن «أوروبـــــــــــا لا تـمـلـك ســوى القليل مـن أوراق الـضـغـط، وستظل منقسمة لأن دولا مثل المجر أو بولندا قد أعـلـنـت ولاءهــــا الــتــام لــلــولايــات المـتـحـدة». وفـــي تحليل لافـــت، وصـــف تـايـت الخطاب الأمـــــيـــــركـــــي حـــــــول الــــتــــهــــديــــدات الــــروســــيــــة والصينية في غرينلاند بأنه خطاب مبالغ فيه. ورأى أن ترمب يعمد إلـى «تضخيم» الـــبُـــعـــد الاســتــراتــيــجــي لــلــجــزيــرة لأغــــراض تتعلق بالسياسة الداخلية الأميركية، ما يكشف كيف يمكن توظيف حلف «نـاتـو» وتحويله إلى أداة لخدمة أجندات انتخابية محلية في واشنطن. انهيار عقيدة «الدفاع الجماعي» مـــــــــن جــــــهــــــة أخــــــــــــــــــرى، وفــــــــــــي تـــحـــلـــيـــل جيوسياسي معمّق، حذّر خبراء من أنه إذا انتقلت الولايات المتحدة من مرحلة الضغط اللفظي إلــى مرحلة «العمليات العسكرية» ضـــد غـــريـــنـــانـــد، فــــإن ذلــــك سـيـفـقـد المـنـظـمـة - أي «الـــنـــاتـــو» - مـــبـــرّر وجـــودهـــا الأخــاقــي والــقــانــونــي «لأن مـيـثـاق الـحـلـف لـــم يُصمم أبــــدا لإدارة صــــراع يـعـتـدي فـيـه عـضـو على عـضـو آخــــر». ومـــع أن الـبـيـت الأبــيــض يؤكد أن «الـــلـــجـــوء إلـــــى الـــجـــيـــش الأمـــيـــركـــي يـظـل خيارا قائماً» بذريعة وجود «حاجة حيوية» لتأمين الجزيرة في مواجهة روسيا والصين، فـــإن المـحـلـلـن يـجـمـعـون عـلـى أن هـــذا النهج يـضـع الـحـلـف أمــــام الاخــتــبــار الأكـــثـــر حـرجـا وخــــطــــورة فـــي تـــاريـــخـــه مــنــذ تــأســيــســه عــام ، حيث تترنّح المـبـادئ أمـــام لغة القوة 1949 والمصالح القومية الضيقة. تحوّل استراتيجي هــــنــــا يــــجــــب الــــتــــذكــــيــــر، بـــــــأن خــــبــــراء فرنسيين اعـتـبـروا الـتـدخـل الأمـيـركـي في فـــنـــزويـــا، مـطـلـع يــنــايــر (كـــانـــون الــثــانــي) ، «تحوّلا استراتيجيا جوهرياً» في 2026 ســيــاســة واشــنــطــن الـــخـــارجـــيـــة، وتـفـعـيـا صـريـحـا لــ«شـرعـة مـــونـــرو». وحــقــا، يضع هذا التوجه الجديد تأمين النصف الغربي مــن الــكــرة الأرضـــيـــة عـلـى رأس الأولـــويـــات الأمـــــيـــــركـــــيـــــة، عــــلــــى حـــــســـــاب الالـــــتـــــزامـــــات الـــتـــاريـــخـــيـــة عـــبـــر الأطــــلــــســــي. وفـــــي مــقــال نـشـره مـوقـع التحليل الـسـيـاسـي «ديبلو ويــــب»، كـتـب الـبـاحـثـان سـيـلـفـان دومــيــرغ وفـــيـــكـــتـــوريـــا فــــــــولات أن هــــــذه الــعــمــلــيــة، بـالـتـزامـن مــع الـتـقـاريـر الـــــواردة مــن إدارة تــرمــب حــــول تــدخــل عــسـكــري مـحـتـمـل في إيــــــــران، أدّت إلـــــى ســـحـــب هـــائـــل لـــلـــمـــوارد الــعــســكــريــة الأمـــيـــركـــيـــة، مـــن قــطــع بـحـريـة وطائرات وقوات خاصة، وتوجيهها نحو القارة الأميركية والشرق الأوســط. وحـذّر الـــبـــاحـــثـــان، مـــن ثــــم، مـــن أن هــــذا الــتــحــرّك يقلّص بشكل حاد القدرات المتاحة لـ«ناتو» فـي شــرق أوروبــا.مــن جانبه، نبّه العقيد روبــــرت هـنـري بـيـرغـر، فــي مـقـال نشرته مجلة «لــو غـــران كونتينان» مـن التأثير المتسلسل المعروف بـ«تأثير الدومينو»، إذ يرى أن هذا التركيز الأميركي يفرض أجندات إقليمية أحادية الجانب من دون الـتـشـاور مـع الـحـلـفـاء. وهــو أمــر يُــعـرّض الـحـلـف لـــ«إنــهــاك اسـتـراتـيـجـي» تُضحي فيه واشنطن بالتماسك الجماعي مقابل مكاسب فورية، تتمثل في السيطرة على الــنــفــط الــفــنــزويــلــي، وتـحـيـيـد الـبـرنـامـج النووي الإيراني. تعدد الجبهات واستنزاف القدرات وفـــي قـــراءتـــه لـلـمـشـهـد، أوضــــح جـان ميشيل بلانكيه، الوزير الفرنسي السابق، أن «نـــشـــوة مـــا بــعــد مــــــــادورو» هـــي الـتـي تغذّي الآن طموحات ترمب تجاه طهران، مـــع تـــزايـــد الـــكـــام عـــن ضـــربـــات محتملة تستهدف «الــحــرس الــثــوري» أو المنشآت النووية. ووفـق صحيفة «لوموند»، هذه «النشوة» تشكّل معضلة عسكرية وتأتي بـيـنـمـا تـــحـــاول واشــنــطــن «المــــوازنــــة» بين انسحابها من الشرق الأوسـط وتركيزها الجديد على فنزويلا. فـــــي ســــيــــاق مــــــــــوازٍ، نـــقـــلـــت مــؤســســة ) عــن FRS( الأبــــــحــــــاث الاســــتــــراتــــيــــجــــيــــة ضباط فرنسيين قولهم إن «تشتت القوى الأميركية بـن مكافحة تهريب المـخـدرات والــســيــطــرة عـلـى الـنـفـط فـــي فــنــزويــا من جـــانـــب، ومــواجــهــة (مـــحـــور المـــقـــاومـــة) في إيـــران مـن جانب آخــر، أدّى إلــى استنزاف الــــقــــدرات الـلـوجـسـتـيـة. ومــــن ثــــم، حّــــد من عـــمـــلـــيـــات الــــتــــنــــاوب الـــعـــســـكـــري فــــي بـحـر البلطيق والبحر الأسود، تاركا (ناتو) في وضـع دفاعي هّــش أمــام تحركات روسية انتهازية». وضـمـن السياق ذاتـــه، حـــذّر الجنرال فــنــســنــت ديـــــبـــــورت، عـــبـــر قـــنـــاة «بــوبــلــيــك سينا»، من «متلازمة المسارح المتعددّة»، مـؤكـدا أن المـــوارد الأميركية المثقلة أصـا فــي منطقة المـحـيـطـن الـهـنـدي والـــهـــادئ، تكافح بصعوبة لدعم هـذه الجبهات في وقـت واحــد، ما يخلق فراغا استراتيجيا قـد تستغله موسكو عبر حـــروب هجينة في أوكرانيا. انتقاد لسياسة «المركز والأطراف» عـــــودة إلــــى الــعــقــيــد مـيـشـيـل غــويــا، فقد وصــف الخبير العسكري الفرنسي الـــبـــارز هــــذا الــتــحــول بــأنــه يـشـكّــل عـــودة إلـــى سـيـاسـة «المـــركـــز والأطـــــــراف»، حيث يــــتــــحــــول حــــلــــفــــاء «نــــــاتــــــو» إلـــــــى مـــجـــرد «توابع» لعمليات أميركية خارج النطاق الأوروبــــي، مـا يضعف مصداقية «المــادة الــخــامــســة» لـلـحـلـف أمـــــام الاســـتـــفـــزازات الروسية. وبـدوره، ربط كلود مونيكيه، مدير معهد «إيريس» للأبحاث الاستراتيجية ) الفرنسي، بين الملفين الفنزويلي IRIS( والإيـــرانـــي، لافـتـا إلـــى أن أي ضـربـة ضد طـهـران ستستوجب استنفار الأسـطـول الـخـامـس الأمــيــركــي، وهـــو مــا سيسحب أصولا عسكرية حيوية من «ناتو». وبـالـتـالـي، حـــذّر مـن أن هــذا «الكيل بمكيالين» - إذ يُتسامح معه في أميركا اللاتينية ويُــدان في روسيا - سيستغله فـــاديـــمـــيـــر بـــوتـــن لـــتـــبـــريـــر تـــوسّـــعـــاتـــه. وفــي جلسة اسـتـمـاع بمجلس الشيوخ، شّــدد الأدمـيـرال باتريك شوفاليري على الــتــداعــيــات «الـسـيـبـرانـيـة» والـفـضـائـيـة، مـؤكـدا أن العمليات فـي فنزويلا وإيــران تــســتــنــزف قــــــدرات الـــحـــرب الإلــكــتــرونــيــة الأمـيـركـيـة، مـا سيترك أوروبــــا، المفتقرة لـأقـمـار الصناعية والــطــائــرات المسيّرة الكافية، في حالة ارتهان وضعف. سلاح في يد الخصوم! كــثــيــر مــــن المــــقــــالات تـــطـــرق أيـــضـــا إلـــى «شـرعـيـة مـعـيـاريـة مــنــهــارة»، إذ كــل عملية أحـاديـة (اختطاف مـــادورو، قصف منشآت إيرانية) تمنح موسكو وبكين حجة دامغة إزاء «المعايير المــزدوجــة» الغربية: «نـاتـو» يتسامح مع انتهاكات واشنطن لكنه يدين الانتهاكات الروسية، ما يجعل خطابه غير مسموع لدى الجنوب العالمي، حتى أوروبا الشرقية. ومــــداخــــات لــخــبــراء مـعـهـد الــعــاقــات الــدولــيــة أشــــارت إلـــى أن وضـعـيـة كــهــذه قد تضعف التعبئة الأوروبـــيـــة؛ فكيف نـدافـع عــــن «المـــــــــادة الـــخـــامـــســـة» ضــــد روســــيــــا إذا كانت واشـنـطـن، الحليف الأطلسي الأكبر، تتجاوزها في مكان آخر؟ هــــــذا يـــــســـــرّع الــــــدعــــــوات إلــــــى «ركــــيــــزة أوروبـــــيـــــة» مـــســـتـــقـــلـــة... إذ عـــنـــدمـــا تـنـتـهـك واشـنـطـن سـيـادة دولـــة (فـنـزويـا) أو تفكّر فــــي اســــتــــخــــدام الــــقــــوة ضــــد إقـــلـــيـــم حـلـيـف (غرينلاند)، يجد الأوروبـيـون أنفسهم في اسـتـحـالـة أخـاقـيـة لـلـدفـاع عــن «الــقــواعــد» الــتــي يــعــارضــون بـهـا روســـيـــا، خــاصــة في أوكرانيا. وهـــــذا الــتــنــاقــض يــجــعــل مـــن الـصـعـب تـعـبـئـة الــــــرأي الـــعـــام الأوروبـــــــي لالـــتـــزامـــات «ناتو» المقدمة كدفاع عن القانون الدولي، لأن هــذه الاستراتيجية «الـتـرمـبـيـة» تمنح مـــوســـكـــو ذريــــعــــة لـتـصـعـيـد الــعــمــلــيــات فـي أوكــرانــيــا تـحـت مـسـمـى «المـعـامـلـة بـالمـثـل»، مـسـتـغـلـة الانـــفـــراديـــة الأمــيــركــيــة والـصـمـت الأوروبي. ثـم إن هــذا الـواقـع دفــع شخصيات من اليسار، مثل جان لوك ميلونشون وفابيان روســـيـــل، لــوصــف المـشـهـد بـــ«الإمــبــريــالــيــة» الـــتـــي تــجــبــر «نــــاتــــو» عــلــى مـــراجـــعـــة ذاتــيــة عـمـيـقـة؛ فـهـل يـــواصـــل الـحـلـف تـقـبّــل قـيـادة أمــيــركــيــة مـتـقـلـبـة، أم يــدفــع نــحــو «أورَبــــــة» الحلف؟ خصوصية باريس فــــي أي حــــــال، تـــظـــل الـخـصـوصـيـة الـفـرنـسـيـة نـابـعـة مــن إرثــهــا الـتـاريـخـي الـديـغـولـي ومـصـالـحـهـا الـقـومـيـة؛ ففي أفـــريـــقـــيـــا والمـــــشـــــرق الــــعــــربــــي، لا يـمـكـن لــــبــــاريــــس الــــقــــبــــول بـــســـابـــقـــة أمـــيـــركـــيـــة تُــشــرعِــن الــتــدخــات الــعــابــرة لـلـحـدود، خشية أن تستحضر بـعـض الأصـــوات «الـــــنـــــمـــــوذج الــــفــــنــــزويــــلــــي» لــــلــــرد عــلــى الـعـمـلـيـات الـفـرنـسـيـة (فـــي الــســاحــل أو لبنان). ومن الناحية الاستراتيجية، تمتلك فرنسا قـوة نووية مستقلة ونـفـوذا في منطقة المحيطين الهندي والـهـادئ، ما يجعلها أقل ارتهانا لـ«المظلة الأميركية» مـقـارنـة بـألمـانـيـا. هــذا الاسـتـقـال يتيح لها هامشا للمناورة والانتقاد من دون الـــخـــوف مـــن «الـتـخـلـي الأمـــيـــركـــي»، ولا سيما أن الـغـواصـات الـنـوويـة وحاملة الــــطــــائــــرات «شــــــــارل ديـــــغـــــول» تــعــوض الانكفاء الأميركي في المتوسط. لــــكــــن مـــــع ذلــــــــك، أي مــــواجــــهــــة مــع إيـــران ستمس مـبـاشـرة مصالح شركة «توتال إنرجي» وطـرق إمـــدادات النفط فـــي مـضـيـق هـــرمـــز. واقــتــصــاديــا، تثير الهيمنة الأميركية على النفط الفنزويلي مليون برميل يوميا تحت سيطرة 1.5( «إكـــســـون»)، ومـعـهـا احـتـمـال السيطرة عــلــى الــحـــقــول الإيـــرانـــيـــة، مـــخـــاوف من قفزة في الأسـعـار، ما قد يفاقم فاتورة الطاقة الفرنسية (التي ارتفعت بالفعل في المائة بعد أزمة أوكرانيا). 20 بنسبة كل هذا يفرض على باريس تسريع تـــنـــويـــع مـــصـــادرهـــا مــــن الـــطـــاقـــة، وهـــو مسار قد يصطدم مجددا مع توجهات ترمب بشأن العقوبات الثانوية. وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع السفير لدى «الناتو» ماثيو ويتيكر في بروكسل (غيتي) تـــواجـــه الــعــواصــم الأوروبــــيــــة، وفـــي مـقـدمـتـهـا بــاريــس، اخـتـبـارا وجــوديــا غـيـر مـسـبـوق أمـــام سـيـاسـات واشنطن الجديدة؛ حيث أدت الضغوط الأميركية للاستحواذ على غرينلاند والتدخلات العسكرية في فنزويلا وإيـــران إلى تــصــدّعــات فــي بـنـيـان حـلـف شـمـال الأطـلـسـي «نـــاتـــو»، ما يـدفـع أوروبـــا نحو استقلالية استراتيجية غير مسبوقة عـن الـولايـات المتحدة، وقـد تلعب فيه فرنسا دورا رياديا يهدف إلـى استعادة السيادة الدفاعية بعيدا عن أولويات البيت الأبيض. كذلك رصّــد المراقبون تحوّلا تدريجيا في المـوقـف الرسمي الفرنسي، بــدأ بمقاربة «حـــذرة» تجنبت الصدام المباشر مع الحليف الأطلسي الأكبر، حيث اكتفى الرئيس إيمانويل مـاكـرون فـي الـبـدايـة بالترحيب بنهاية «ديكتاتورية مادورو» (في فنزويلا) مع التذكير بضرورة احترام السيادة، إلا أن هذا التحفّظ سرعان ما تبدّد تحت وطأة الضغوط الداخلية. مواقف البيت الأبيض تسبب تصدّعات في بنية «الناتو» باريس: أنيسة مخالدي نحو نهاية «الناتو»... كما نعرفه اليوم؟ تشير التحليلات الفرنسية إلى أن نموذج > «القوة كمنظم» يقوّض «ناتو» من الداخل، ليس بانسحاب رسمي، بل بفقدان التماسك المعياري. إذ كل عملية في أميركا اللاتينية أو تهديد لإيــــران، أو ضـغـط عـلـى غـريـنـانـد، تــطــوّر يـوسّــع الـهـوة بـن الـخـطـاب الأطـلـسـي الـقـائـم على القِيَم والممارسة الأميركية القائمة على القوة المجرّدة. ويرى خبراء فرنسيون أن احتمال انسحاب واشـــنـــطـــن مـــن «نــــاتــــو» - رغــــم كـــونـــه غــيــر وشـيـك وســـــط اســــتــــفــــزازات إدارة تـــرمـــب فــــي غــريــنــانــد وإيـــران وكـوبـا - يفتح الـبـاب أمــام سيناريوهات استراتيجية كبرى: يتمثل الأول في بقاء «ناتو مصغّر» تحت قيادة أوروبـيـة، يعاني من فقدان في المائة من القدرات الأميركية الحيوية، أما 70 الثاني فيقوم على «تفتت التحالف» إلى ائتلافات إقــلــيــمــيــة مــتــبــايــنــة، مــــا ســـيـــتـــرك الــــقــــارة عـــرضـــة لروسيا متأهبة. وفي المقابل، يطل «سيناريو» متفائل يتمثل في ولادة «اتحاد دفاعي أوروبي» بتمويل ضخم وتـنـسـيـق نــــووي (فــرنــســي - بـريـطـانـي) لحماية ألمـــانـــيـــا وبـــولـــنـــدا. وفــــي هــــذا المــشــهــد الــتــحّــولــي، ســتــلــعــب فـــرنـــســـا دور «حـــجـــر الــــــزاويــــــة» كــقــائــد عسكري لا غنى عنه، مستندة إلـى «قــوة الــردع» المستقلة وخبرتها الميدانية الواسعة. ومن المتوقع أن تتولى بـاريـس قـيـادة الحلفاء الأطلسيين في الـجـنـوب، وتنسيق «قــوة مهام قطبية» لمواجهة الأطـــمـــاع فـــي غــريــنــانــد، فـــارضـــة بـــذلـــك رؤيـتـهـا «الديغولية» لـ«أوروبا القوية». وتشير تحليلات ) إلـى FRS( » «مـؤسـسـة الأبــحــاث الاسـتـراتـيـجـيـة أن هذا الانسحاب المفترض سيُجبر فرنسا على فـي المـائـة مـن جهود الحلف. وتحويل 30 تحمّل «تـوجّــسـهـا» الـحـالـي مــن الـتـخـبّــط الأمـيـركـي إلـى «قـــيـــادة أوروبــــيــــة مـــســـتـــدامـــة»، كــرّســهــا الـرئـيـس » حين دعا 2025 إيمانويل ماكرون في «قمة لاهاي إلى «استقلال استراتيجي لا رجعة فيه». ASHARQ AL-AWSAT سيناريوهات لتفتت حلف «الناتو» إلى ائتلافات إقليمية متباينة

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky