issue17250

خـبـر يـنـعـش الـقـلـب قــــرار الــســعــوديــة، ترسيخ مكانة العربية لـغـة رسـمـيـة وإلــــزام جميع الجهات الحكومية والخاصة باستخدامها في (تعامالتها كافة). «السياسة الوطنية للغة العربية» التي أُعلن عنها ستكون مرجعًا لتنظيم حضور العربية في التعليم، اإلعـ م، قطاع األعمال، واملشهد العام. أي خبر سعيد هذا! سينعكس كأحجار الدومينو على املنطقة بأسرها، بعد أن بلغت العربية دركًا سحيقًا. فـي لبنان كُــثُــر يتباهون بأنهم يتكلمون لغة هـجـيـنـة، وهـــــذا عــجــيــب. دول أخـــــرى يــحــتــاج فيها الــعــربــي إلـــى مـتـرجـم كـــي يـسـلّــك مــعــامــ تــه. أسـمـاء أفــــــ م بـــاإلنـــجـــلـــيـــزيـــة؛ بــحــجــة تــســهــيــل انـــتـــشـــارهـــا العاملي، بـرامـج تلفزيونية تخلط اللغات عمدًا كي تجاري املوجة، مطاعم تأنف أن يكون السمها رنني عــربــي؛ مـخـافـة خــســارة الـــــرواد. االنـسـحـاق الـدونـي أقـــنـــع عـــائـــ ت بــالــتــحــدث مـــع أطــفــالــهــم بـإنـجـلـيـزيـة مكسّرة فقط ملجاراة العقد املستشرية. جيل بأكمله ال يكتب بالعربية، بكل فخر، وال يقرأ فيها، بـل ال يريد. بيانات صحافية، رسائل إلكترونية، فواتير، كتيبات معارض تشكيلية وحفالت، دراسات علمية، مؤتمرات بأمها وأبيها، كلها باإلنجليزية. شاهدت بأم العني عربًا يفضّلون الحضور العقيم كالطرشان، على استخدام سمّاعات الترجمة؛ فقط كي ال يبدون أقـل من اآلخـريـن. أطباء فقدوا قدرتهم على إيصال املعلومات ملـرضـاهـم؛ ألنـهـم يجهلون املصطلحات بالعربية أصالً، مع أنه يتبني أن التعاطي باللغة األم يقلل األخطاء الطبية إلـى الثلث. لكنها حالة عامة مستشرية تنذر بانهيار ثقافي. الوضع مأساوي ملن يتأمل ويتفكّر، أن يصبح التحدث بعربية متشظية مع تأتأة وتعثر، وتفرنج في النطق من دالالت الرقي االجتماعي والرفعة العلمية. أن تـقـود السعودية سفينة الـنـجـاة بما لها من قوة اقتصادية، وديموغرافيا بشرية، ومكانة ديـنـيـة، لــيــس كـــدولـــة صــغــيــرة مـهـيـضـة. سيجد محبو الربح أنفسهم أمام تحدي تعريب أنفسهم، وإعادة سليقتهم إلى نِصابها، ليكونوا جزءًا من سـوق مغرية، حتى ولـو مرغمني. شركات عاملية مــثــل «غــــوغــــل» و«مـــايـــكـــروســـوفـــت» ومــثــيــ تــهــا، مكاتبها بـاملـئـات فــي املـنـطـقـة، ستضطر لـدوافـع تـــجـــاريـــة إلـــــى تـــطـــويـــر املــــزيــــد مــــن األدوات الــتــي تـــدعـــم الــعــربــيــة؛ مـــا يـشـكـل إفــــــادة كـــبـــرى لـسـكـان دولـــة عـربـيـة. وهــي كـذلـك مرغمة على إعطاء 22 األولــويــة ملوظفني يـعـرفـون لغة الــبــ د؛ مـا يفتح نافذة وظائف بالجملة لسعوديني وعــرب كانوا مستبعدين، ألن ال حاجة لهم وال لكفاءاتهم، بما أن مَن ينوبون عنهم كثر. مجرد البدء بخطوات قليلة سيجر كمًا هائال من الفوائد غير املنظورة. نــتــعــامــل مـــع الــلــغــة كــاملــلــح والـــبـــهـــار فـــي حني هـــي الــطــبــق الــرئــيــســي عــلــى مـــوائـــد األمــــــم. صـرفـت فـــرنـــســـا املــــلــــيــــارات لــنــشــر لــغــتــهــا وتــجــمــيــل صــــورة فـــرانـــكـــوفـــونـــيـــتـــهـــا، وروَّجــــــــت أمـــيـــركـــا لـإنـجـلـيـزيـة بـافـتـتـاح مـئـات الـجـامـعـات حـــول الـعـالـم، ولـــم تترك وسـيـلـة إال واستخدمتها لتجعل الـحـلـم األمـيـركـي قـــريـــنـــهـــا، ال، بــــل بـــاتـــت هــــي الـــحـــلـــم نـــفـــســـه. الــصــ «مركز 500 عـزَّزت طريق الحرير بافتتاح ما يقارب دولـــة. 160 كــونــفــوشــيــوس» لتعليم املـــانـــدريـــن فـــي أمـا العربية فبقيت يتيمة ومـن يريدون تعلمها، ال يجدون بوصلتهم. كل منهم يتوجه إلى دولة عربية سمع أن فيها مَــن يمكن أن يـقـدّم الفائدة املرتجاة، فـي ظـل نقص املناهج. هـل يصح أن «معهد العالم الــعــربــي» فــي بـــاريـــس، الـتـقـط الـفـرصـة قـبـلـنـا، طــوَّر أساليبه التعليمية، وخــرّج دفعات من بينهم كلير لو جاندر التي عُيّنت حديثًا رئيسة جديدة للمعهد. افتخرت «الخارجية الفرنسية» في تغريدة لها على «إكس» بأن الرئيسة تتحدث العربية «اللغة املركزية فـي الدبلوماسية الـفـرنـسـيـة»، وأن شهادتها التي هي من األهمية بحيث 2021 نالتها من املعهد عام أهَّلتها ألن تتولى هذا املركز املرموق. مــــا يــــؤمّــــل فــــعــــ ً، أن تــتــمــكــن االسـتـراتـيـجـيـة اللغوية الـجـديـدة للمملكة العربية الـسـعـوديـة من تطوير أفضل املناهج، وافتتاح أمهر املعاهد لتعليم الـعـربـيـة، وأن يصبح تعريب املـــواد العلمية للمرة األولـى همًّا عربيًا مشتركًا. وهي إن طبقت بالحزم املـعـلـن عــنــه، بـجـهـود مـجـمـع املــلــك سـلـمـان الـعـاملـي للغة العربية، الــذي له بـاع طويل ومـشـرّف في هذا املضمار، فإن املشهد يمكن أن يتغيّر بسرعة. الناس في عميق نفوسهم، في عطش إلى لغتهم التي هي بيتهم، وفــي حـاجـة إلــى أن تـــزاح غـ لـة شفيفة عن أبصارهم؛ ليدركوا قيمة هويتهم التي ال تكتمل دون االعتزاز بلسانها. وقبل أن يخرج علينا دعاة التفرنج، ويرموننا بـحـجـة الـتـعـصـب واالنـــغـــ ق، فـــإن إجــادتــنــا لغتنا، وتـحـدثـنـا إيـــاهـــا، وكـتـابـتـنـا فـيـهـا مــن دون ارتــبــاك أو خـــجـــل، وكـــأنـــهـــا عـــــار نـــخـــشـــاه، هــــو مــــن اكــتــمــال إنـسـانـيـتـنـا، كـمـا كــل أمـــم األرض. أمـــا تعلم اللغات األجنبية، فباب فسيح للطاللة على اآلخـر، ووعي الـذهـنـيـات، وتـسـهـيـل الـتـعـاطـي مــع الـشـعـوب بفهم ثقافتها، وإدراك مغاليقها. وهو محبب ومحمود، ال، بـل ويشجع. أمــا مـا نعيشه، فهو إنـكـار مرضي لـــلـــذات، ومــحــاولــة عــرجــاء للتشبه بـــاآلخـــر، بألسن معوجّة وعـقـول مرتجّة، ال تــدرك فـي نهاية املطاف ذاتها، وال تصل ألن تتصالح مع غيرها. Issue 17250 - العدد Thursday - 2026/2/19 اخلميس لــم تـكـن سـيـر الـفـ سـفـة مـتـشـابـهـة قـــط؛ وإنـمـا ثمة تــ ق فـي بعض املشاريع واألفـكـار وسياسات الـتـوظـيـف لـلـمـفـهـوم، ومـــن أولــئــك املـتـمـكـنـ الـذيـن مــا كـــان صيتهم ذائــعــ عـلـى الـنـحـو الـــذي يستحقه الـفـيـلـسـوف الــراحــل مـــراد وهـبـة الـــذي غـــادر دنيانا فـي الـسـابـع مـن يناير (كــانــون الـثـانـي) املــاضــي. لم تكن مكتبته املوسوعية والفلسفية هـي األســـاس، وإنما أثّر على حضوره في املجال العام شخصيّته املنطوية التي فضّلت اإلنتاج املنضبط على القول املــفــرط والــثــرثــرة الـيـومـيّــة كـمـا تــــورّط بـذلـك بعض مجايليه. على سبيل املـثـال، كتب عنه األسـتـاذ سليمان جـــــودة بـــهـــذه الـــجـــريـــدة مـــقـــالـــة بـــعـــنـــوان: «ذكـــريـــات رحـلـة فـي رفـقـة فيلسوف» أركّـــز على نـصّــه التالي: «عاش الدكتور وهبة أقرب ما يكون إلى الفيلسوف الـيـونـانـي ديـــوجـــ ، الـــذي قـيـل عـنـه إنـــه كـــان يقطع شوارع أثنيا في عز النهار ممسكًا بمصباح في يده، فإذا سأله أحد عما يفعل رد بأنه يفتش عن إنسان. وقــد كــان القصد أنــه يريد إنسانًا باملعنى املكتمل للفضائل التي ال بد أن يحملها اإلنسان وهو يسعى بــ الــنــاس، وعـنـدمـا جـــاء اإلسـكـنـدر األكــبــر يسأله عما إذا يريد شيئًا كان رده: أريدك أن تتنحى بعيدًا ألنــك تحجب الشمس عـنـي! كــان مـــراد وهـبـة يشبه ديوجني بمصباحه الشهير في يده، وكان مشغوال بالبحث عن موقع العقل بيننا، ولـم يكن يجده إال بشق األنفس، وعـاش يحمل لقب (حفيد ابن رشد) فأصابه بعض ما أصاب ابن رشد، واستهدفوه في حياته كثيرًا وفي مماته أكثر!». بينما يرثيه األستاذ سمير عطا الله في مقالة له بعنوان: «قرن من الفلسفة» بقوله: «ودّعت مصر أشـــهـــر مـفـكـريـهـا األحـــيـــاء الــدكــتــور مــــراد وهــبــة عن قــرن كـامـل عاشه فـي الفلسفة واألدب وحـيـاة الفكر والحبر. اجتمع في وداعــه قلة من الرفاق والزمالء واملعجبني وأسـاتـذة الفلسفة، فالرجل كـان منغلقًا على عـاملـه ال يـخـرج منه إال ملـامـ، لحضور مؤتمر هنا أو إلقاء محاضرة هناك. وكما هو متوقع حفل الـغـيـاب بـالـرثـائـيـات الـتـي كتبها الـــرفـــاق والــزمــ ء وأهــــــل الـــفـــكـــر وكــــانــــت جــمــيــعــهــا مــــن قــبــيــل الــثــنــاء والتعبير عن االحترام لعطائه وأدائه معًا». نـعـم بـالـتـأكـيـد؛ كـــان مـــراد وهـبـة قليل الظهور فــي اإلعــــ م ومـبـتـعـدًا عــن االســتــعــراض األكـاديـمـي، والندوات الكثيفة. فضّل العمل من أجل اإلجابة عن مجموعة من األسئلة، ومن آخر ما تابعت له حوار تلفزيوني نــادر يتحدث فيه عن ســؤال التقدّم وقد خلص إلــى نتيجةٍ، قصيرة فـي مبناها كبيرة في معناها، إذ يرى أن «العقل العربي ديني في التقدم وعلماني في التخلف». لـقـد انـحـصـر ســــؤال الــتــقــدم بـفـرقـتَــ ، بــ مَــن تــعــد الـــتـــراث حـل الــحــلــول، ومَــــن تـــرى فـي القطيعة نـقـطـة االنـــطـــ ق، ولــكــن األزمــــة أن فــرقــة الــحــلــول لم تــشــرح مــا هــو فــاعــل، وفــرقــة الـقـطـيـعـة الــجــذريــة لم تعط تعليالتها ولم تشرح مفهومها. والقطيعة في بيئتها الغربية ظلّت محل إشـكـال مفهومي، إذ ال يمكن تصورها جذريًا باملعنى «اإلبستمولوجي». طوال القرون في تاريخنا كان لكل مفكر جوابه حول سؤال التقدم، ومعالجته الخاصة لفكرة تطوّر اآلخـــر، ومعظم اإلجــابــات تنطلق مـن مخيال مع حول طريقة التعامل مع التراث. فضال عـن نـظـريّــة مـــراد وهـبـة آنـفـة الـذكـر فإنه ألّــــف فـهـمـي جــدعــان كـتـابـه «أســس 1979 وفـــي عـــام التقدم عند مفكري اإلســــ م»، وفــي التصدير قسّم املـراحـل الثقافية واالجتماعية التي مـر بها تاريخ اإلسالم إلى حقب أربع: مرحلة التنوير الديني وبناء الـحـضـارة، ومرحلة التوقف الـحـضـاري والــتــوازن، ومـــرحـــلـــة اخـــتـــ ل الــــتــــوازن واالنـــحـــطـــاط، ومـرحـلـة الـيـقـظـة والـــنـــهـــوض. وأبـــحـــر فـــي مـــجـــاالت وضعها ضـمـن سـبـع وحـــــدات مـوضـوعـيـة هـــي: ميتافيزيقا التقدم، والحقيقة والـتـاريـخ، والـدخـول في األزمنة الحديثة، والتوحيد املحرر، ودروب الفعل، والقيم، واإلسالم واملستقبل. الخالصة؛ أن سؤال التقدّم دفن معه الكثير من الفالسفة من دون إجابة حاسمة، ولكن بنظري أنه ســـؤال تحريضي وتحفيزي أكـثـر منه أكـاديـمـي أو مدرسي. بمعنى آخـر فـإن كـل محاولة نهضوية خـارج األطــر التقليدية هـي إجـابـة عـن الـسـؤال بطريقة أو بأخرى. إن سؤال التقدم من طينة األسئلة املستدامة العصيّة على الجواب، لذلك فإن كل إجابة عن مفهوم الــتــقــدم تـــقـــدّم فــكــرة نـهـضـويـة ضـمـن ظــــرف حــالــيّ، ولـكـل طريقته فـي شرحها والتنظير لها منذ ابن رشد وإلـى مـراد وهبة ومن بعدهما من املتسائلني الطموحني. فـــــي الـــــعـــــ قـــــات الـــــدولـــــيـــــة ال تـــكـــفـــي الـــنـــبـــرة مهما بـــدت مطمئنة؛ املـعـيـار هــو مــا يُــتـرجـم إلـى سياسات. وحني تحدث رئيس الــوزراء اإلثيوبي آبـــي أحــمــد هـــذا األســـبـــوع عــن أن بــــ ده ال تحمل «نوايا توسعية»، وأنها تريد شراكة ال مواجهة، وأن تطوير النيل لن يكون على حساب جيرانها، فـــإن الـلـغـة بـــدت هـــادئـــة ومــــدروســــة. مـــوزونـــة في مــــفــــرداتــــهــــا. دقـــيـــقـــة فــــي تـــوقـــيـــتـــهـــا عـــشـــيـــة شـهـر رمضان. إنها بالغة تهدئة. لكن فـي الجغرافيا السياسية، ال سيما في منطقة قابلة لالشتعال مثل حوض النيل والقرن األفريقي والبحر األحمر، تبقى البالغة من دون تأثير مـا لـم تُجسد فـي تـحـوالت سياسية قابلة للتحقق. بــالــنــســبــة لــــلــــســــودان ومــــصــــر، الـــنـــيـــل لـيـس مشروعًا تنمويًا، بل مسألة بقاء. وقـد غيّر بناء وتـشـغـيـل ســـد الـنـهـضـة الـــتـــوازن الـهـيـدرولـوجـي لــلــحــوض جــــذريــــ . تـــؤكـــد أديـــــس أبـــابـــا أن الــسـد مشروع سيادي للتنمية لن يضر بــدول املصب، غير أن مراحل امللء األحادي، التي أُنجزت من دون اتـفـاق ثـ ثـي مـلـزم، عمّقت الشكوك بــأن إثيوبيا تــمــنــح األفــضــلــيــة ألوراق الــضــغــط عــلــى حـسـاب التوافق. إذا كــانــت تـطـمـيـنـات آبـــي أحــمــد جــديــة، فـإن املطلوب واضح: اتفاق ملزم قانونيًا بشأن قواعد امللء والتشغيل، يتضمن آليات لتسوية النزاعات، وتـــبـــادال فــوريــ لـلـبـيـانـات وبـــروتـــوكـــوالت إلدارة فـــتـــرات الـــجـــفـــاف. فـمـصـر تـطـلـب ضــمــانــ ألمـنـهـا املـائـي، خصوصًا في فترات الجفاف، والـسـودان يحتاج إلى ضمان تدفق املعلومات ملنع صدمات هيدرولوجية تهدد ســدوده وأراضـيـه. الشفافية هنا ليست تنازالً، بل شرط الثقة. إثيوبيا ذاتـهـا ستكون املستفيد األكـبـر من اتفاق ملزم، ألن االستثمار في الطاقة الكهرومائية يحتاج إلى بيئة مستقرة ال إلى توتر دائم. املشكلة أن خطاب آبي أحمد حوى في ثناياه عـــددًا مــن الـتـنـاقـضـات. فـهـو مــن نـاحـيـة يـقـول إن النهر «هبة إلهية مشتركة» ينبغي أن تُدار ملنطق الـــتــعــاون، ثـــم يـمـضـي لـيـتـحـدث عـــن أن اسـتـثـمـار إثــيــوبــيــا ملــــواردهــــا املــائــيــة «يـــأتـــي فـــي إطــــار حق سيادي مشروع». كـــذلـــك يـــقـــول إن بـــــ ده ال تـــريـــد فــــرض واقـــع أحـــادي، في حني أنها تجاهلت مطالب السودان ومــصــر ومــضــت فــي تشييد الــســد وفـــي عمليات ملئه بشكل أحادي وبمواقف تفاوضية متصلبة. وحديثه في الخطاب عن أن بــ ده ال تحمل أطماعًا جغرافية يناقض ما تقوم به في الفشقة، مثلما أن كالمه عن أن أي تحرك لبالده في شأن البحث عـن منفذ بحري سيبقى محكومًا بمبدأ احـــتـــرام ســـيـــادة الــــــدول، يـتـنـاقـض مـــع تــهــديــدات حكومته وتلويحها باستخدام القوة. مـا يـزيـد مـن تقويض تطمينات آبــي أحمد الـكـ مـيـة هــو الـتـقـاريـر الــتــي كـشـفـت أن إثيوبيا شــيــدت مــعــســكــرات تـــدريـــب لـعـنـاصـر مـــن «قــــوات الـدعـم الـسـريـع». بالنسبة للحكومة السودانية، هـــــذه لــيــســت مـــســـألـــة هـــامـــشـــيـــة؛ إنـــهـــا وجــــوديــــة. فـــاســـتـــمـــرار الـــــصـــــراع، ومـــواصـــلـــة دعـــــم وتـــدريـــب جـــمـــاعـــات مــســلــحــة خــــارجــــة عــــن ســلــطــة الـــدولـــة املـركـزيـة والجيش الـوطـنـي، هـو إنـهـاك للسودان وتدمير ملقدراته وانتهاك لسيادته. خريطة الـطـريـق واضـحـة أمـــام إثيوبيا إذا أرادت أن يـصـدقـهـا الــــســــودان. أوالً، يـمـكـنـهـا أن تسمح بتحقيق مستقل، عـبـر مـراقـبـ دولـيـ ، إلثبات أن أراضيها ال تُستخدم لتدريب أو تسليح جهات تزعزع استقرار السودان. ثانيًا، على أديس أبــابــا أن تـؤكـد صـراحــة دعـمـهـا لـوحــدة الــســودان وسالمة أراضـيـه، وأن تُطابق دبلوماسيتها مع مبدأ عدم التدخل. النزاع الحدودي بني إثيوبيا والـسـودان في منطقة الفشقة يظل أيضًا مصدرًا للقلق، ويظهر التناقض بني األفعال واألقوال. ثــم هــنــاك مـسـألـة املـنـفـذ املــائــي عـلـى البحر األحـــــمـــــر. لـــقـــد دأب آبــــــي أحــــمــــد عـــلـــى تــوصــيــف الـــوصـــول إلـــى الـبـحـر األحـــمـــر بـوصـفـه «ضــــرورة وجودية حيوية»، وأرفق كالمه أحيانًا بالتلويح بـاسـتـخـدام الــقــوة لتحقيق هـــذا الــهــدف. فعندما تـوحـي الـخـطـابـات اإلثـيـوبـيـة بـاسـتـعـادة وصـول تـــاريـــخـــي إلــــى الــبــحــر األحــــمــــر، أو عــنــدمــا تـبـدو املـقـتـرحـات مـاسـة بـسـيـادة إريــتــريــا والــصــومــال، تُـــقـــرع أجـــــراس اإلنــــــذار ال فـــي أســـمـــرة ومـقـديـشـو وحـــــدهـــــمـــــا، بــــــل فــــــي اإلقـــــلـــــيـــــم بـــــــأســـــــره. الـــبـــحـــر األحـــمـــر لــيــس مـــجـــرد خـــط ســاحــلــي؛ إنــــه شــريــان جــيــواســتــراتــيــجــي بـــالـــغ األهـــمـــيـــة، وأي زعـــزعـــة لالستقرار ستكون تهديدًا مباشرًا لألمن إقليميًا ودوليًا. وإسرائيل ليست بعيدة عن هذا املشهد، بل تتحرك فيه سرًا وعالنية. خـريـطـة الــطــريــق هـنـا تـتـطـلـب وضـــوحـــ في الــوســيــلــة. إذا كــانــت إثــيــوبــيــا تـسـعـى إلــــى منفذ بحري، فعليها أن تفعل ذلك حصريًا عبر شراكات اقتصادية تعاقدية قائمة على التراضي، ال عبر سرديات تاريخية أو إشارات قسرية. وأخـــيـــرًا، يـجـب الـتـعـامـل مــع األمـــن اإلقليمي بــصــورة شـامـلـة. إدارة الـنـيـل، وحـــرب الـــســـودان، وســيــادة إريــتــريــا والــصــومــال، وأمـــن املــ حــة في البحر األحمر، ومكافحة اإلرهاب، كلها متداخلة. الثقة في العالقات الدولية ال تُبنى بالبالغة، مهما بلغت فصاحتها، بل بما يُوقع عليه ويُلتزم بـــه. لـيـسـت املـشـكـلـة فـــي الـلـغـة الــتــي يستخدمها آبـي أحمد، بل في الفجوة بني الخطاب والواقع. تستطيع إثـيـوبـيـا أن تطمئن جـيـرانـهـا بخطاب مـــتـــوازن، لـكـن الـطـمـأنـيـنـة الحقيقية ال تُــبـنـى إال باتفاقات ملزمة، وآليات شفافة، وخفض تصعيد يمكن قياسه. وفــي منطقة مثقلة بــاألزمــات، إما أن تـتـقـدم األفـــعـــال عـلـى األقــــــوال فـتـتـراكـم الـثـقـة، وإمــــا يـبـقـى الــشــك هــو الــقــاعــدة، واالســـتـــقـــرار هو االستثناء. تستطيع أديس أبابا أن تطمئن جيرانها بخطاب متوازن كل محاولة نهضوية خارج األطر التقليدية هي إجابة عن السؤال بطريقة أو بأخرى فهد سليمان الشقيران عثمان ميرغني سوسن األبطح OPINION الرأي 14 إثيوبيا... البيان بالعمل مراد وهبة وسؤال التقدّم السعودية تقلب المعادلة إجادتنا لغتنا هو من اكتمال إنسانيتنا كما كل أمم األرض

RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==