الثقافة CULTURE 18 Issue 17249 - العدد Wednesday - 2026/2/18 األربعاء الجواهري ال يملك حسابا في «إنستغرام» في تسجيل مصوّر، ينصح «شاعر العرب األكبر» محمد مهدي الجواهري املشتغلني باألدب بقراءة أمهات الكتب العربية لتعزيز الرصانة اللغوية واألدبية، ويحدد من بينها كتاب «أمالي أبي علي القالي»، أحد أمهات كتب األدب واللغة العربية، وكتاب «الكامل في اللغة واألدب للمبرد»، ويعتبره مرجعًا أساسيًا في األدب، وكتاب «أدب الكاتب البن قتيبة»، لتعلم أصـول الكتابة والبيان، وكتاب «نهج البالغة» لإلمام علي، ويقول إنه كتاب يوصى به منذ ألف سنة، وكذلك «ديوان املتنبي»، ويقول الجواهري إنه واظب على قراءة هذه الكتب منذ صغره، بل إن بعضها قرأها عشرات املرات. لــذلــك نـفـهـم، مـــع املــوهــبــة، كـيـف تــأســس الـــجـــواهـــري لـيـصـبـح آخـــر عـمـالـقـة الشعر الكالسيكي العمودي و«متنبي عصره» و«نهر العراق الثالث»، وكيف وصف نفسه «أبا الشعر»، و«يا ابن الفراتني قد أصغى لك البلد / زعمًا بأنك فيه الصادح الغردُ».. و«أنا العِراق لساني قلبه ودمي/ فراتُه وكياني منه أشطارُ». إذا حملت املوهبة في كـفّ، ففي الكف األخـرى ذاك الجَلد الطويل مع املثابرة على نبش الكتب وقضاء الوقت في قراءتها. فالقراءة كما يصفها طه حسني «غوص في بحر املعرفة»، وهي جهد مستمر ال ينقطع، فـ«من يتوقف عن القراءة ساعة، يتأخر عن العالم قرونًا»، كما يقول نجيب محفوظ. أمــا الــقــراءة الـتـي سقت العبقريات الفكرية واألدبــيــة، فهي الــقــراءة العميقة التي يصاحبها الـبـحـث والـتـأمـل وتـمـنـح صاحبها عمقًا معرفيًا ال تــوفــره أشــكــال الــقــراءة السريعة السائدة اليوم، التي تقدّم سيال من املعلومات السريعة ذات األثـر السطحي، الذي يتالشى بعد انطفاء الشاشة. هناك نهم في الحصول على وجبات ثقافية سريعة، تبثها وسائل التواصل، لكن نفعها قليل، بالقياس مع ما ترسخه القراءة العميقة، وما زاد اليوم أن تقنيات الذكاء االصطناعي أصبحت توفر إجابات فورية، لكنها تقلل من «الكفاح الفكري» الذي يبني الذاكرة ويثير التفكير النقدي. رغـــم حـسـنـات تقنيات الــتــواصــل، فـإنـه ال يمكن الـتـغـافـل عــن سلبياتها، منها أن «اإلنترنت زج باإلنسان في عالم رقمي مسيّج بـاألوهـام واألمـــراض واالســتــ ب»، هذا مـا يقوله الصحافي األميركي نيكوالس كـار فـي كتابه «السطحيون: مـا تفعله شبكة اإلنترنت بأدمغتنا؟». يالحظ املؤلف أن اإلنسان يصبح أسيرًا للعادات التي صنعها بنفسه: «نصنع عاداتنا... ثم تصنعنا عاداتنا»، ومن بني تلك العادات تحطيم القدرة على التركيز املُثمر والعميق في أي موضوع، وبالنسبة للقراءة فإنه يقول: «لقد كنت من قبل غواصًا في بحر من الكلمات، واآلن أندفع على سطح املاء بزالجة مائية»، يشتكي مـن أن التقنية الحديثة «ال تحفّز التركيز العميق مطلقًا»، بـل «تشجّع على التفكير السطحي»، وتصيب اإلنسان بالتشتت الذهني. لقد وجــدت دراســـة نشرت حديثًا أن الـطـ ب الـذيـن يـقـرأون نصوصًا قصيرة على وسائل التواصل يظهرون انخفاضًا في نشاط الدماغ املسؤول عن الفهم العميق، مقارنة بقراءة كتاب مطبوع. ونقل موقع الجمعية األميركية للفيزياء عن أحـد الباحثني قوله: «األطـفـال الذين استخدموا وسائل التواصل االجتماعي بكثرة حصلوا على درجات أقل، وحتى أولئك الذين استخدموها قليال ظهرت لديهم فروق طفيفة في أدائهم العقلي». كما نعلم فإن القراءة العميقة التي يصاحبها البحث والتأمل تمنح صاحبها عمقًا معرفيًا ال توفره أشكال القراءة السريعة التي تقدّم سيال من املعلومات السريعة ذات األثـر السطحي، ومـا يفعله اإلدمــان على وسائل التواصل هو قتل «الفضول املعرفي» الذي يفتش عن أصل األشياء ونشوئها، وتحويله إلى «فضول استهالكي» كالبحث عن حياة املشاهير ونجمات وسائل التواصل... وصوال ألن يصبح اإلنسان كائنًا رقميًا في حسابات الشركات املشغلة لهذه الشبكات، فشركات التقنية ال تبيع املعرفة، بل تبيع وقتك وانتباهك، فكل تمرير للشاشة تدر أرباحًا، لقد بلغ متوسط استخدام الفرد ملواقع ساعة سنويًا، 1800 التواصل في بعض البلدان خمس ساعات يوميًا يعني أكثر من (أي نحو شهرين ونصف الشهر في العام الـواحـد)، يضع اإلنـسـان نفسه في عزلة مع الشاشة، يكون في «حالة اتصال» دائــم، يستقبل ويتفاعل مع البث املضطرب واملثير لإلحباط والتشتت الذهني، نحتاج للخروج من هذه الضوضاء قليالً... لنطفئ الشاشة ونبدأ الحياة..! ميرزا الخويلدي الوليد بن يزيد يوم كان وليا للعهد أمير قُصير عمرة متربعا على عرشه شُــيّــد قُــصـيـر عـمـرة فــي بــاديــة األردن خالل القرن الثامن، وتحوّل مع الزمن إلى خربة مهجورة إلى أن خرج من الظلمة إلى الـنـور فـي مطلع الـقـرن العشرين، فتوالت الدراسات التي تناولت جدارياته وسعت إلــى تحليلها وفــك أســرارهــا. بقيت هوية صاحب هذا القصير الفريد موضع بحث إلى أن ظهر اسمه خالل حملة ترميم جرت ، وبــــات مــن املــؤكّــد 2012 ) فـي مــايــو (أيـــــار أن الـولـيـد بـن يـزيـد بـن عبد املـلـك أقـــام في هــذا املبنى يــوم كــان ولـيـ للعهد فـي زمن خـــ فـــة هـــشـــام بـــن عــبــد املـــلـــك. يـظـهـر هــذا األمير في لوحتني تحتالن موقعًا رئيسيًا في الجداريات التي تزيّن قاعة االستقبال املـؤلّــفـة مــن ثـ ثـة إيـــوانـــات مـعـقـودة. نــراه مـمـدّدًا وســط ديـوانـه فـي اإليـــوان الغربي، ونراه متربّعًا على عرشه في ركن يقع في عمق اإليوان األوسط. يُـــعـــرف هـــذا الـــركـــن بــــ«ركـــن الـــعـــرش»، وفيه يظهر األمير على الحائط الجنوبي تـحـت قـبـة تـزيـنـهـا مـجـمـوعـة مــن الـقـامـات املـــنـــتـــصـــبـــة. فـــقـــدت هـــــذه الـــلـــوحـــة الـكـثـيـر مــن عـنـاصـرهـا لــأســف، ومـــا تـبـقّــى منها يكشف عـن رجـل يتربّع على عـرش وثير، وفـــقـــ لــــطــــراز كــ ســيــكــي يُــــعــــرف بـــالـــطـــراز «اإلمـــــبـــــراطـــــوري». شـــــاع هـــــذا الــــطــــراز فـي العالم الروماني كما في العالم البيزنطي الذي تبنّاه من بعده، وتشكّل لوحة قصير عـــمـــرة اســـتـــمـــراريـــة مــبــتــكــرة لـــهـــذا الـنـسـق الذي انتشر بشكل واسع في سائر أنحاء ضفّتي العالم املتوسّطي. يحضر األمير جالسًا فـي وضعية املـواجـهـة على أريكة عـريـضـة تـعـلـو عـرشــ شُـــيّـــدت قـــواعـــده من الـخـشـب املـــرصّـــع بـــاألحـــجـــار، كـمـا تـوحـي شـبـكـة الــنــقــوش الــتــي تــزيّــنــهــا. ظـــهْـــر هـذا الــعــرش مـسـتـطـيـل، ويــعــلــوه قـــوس يشكّل مساحة نصفة دائـريـة يرتفع في وسطها رأس األمــــيــــر. تـحـيـط بـــهـــذه الـــهـــامـــة هـالـة دائـــــريـــــة، تـــرمـــز فــــي الـــفـــن الــــرومــــانــــي إلـــى السلطة امللكية، وقد دخلت في هذا املعنى فـي الـفـن املسيحي األول، ثــم تـحـوّلـت إلى رمــز للقداسة فـي الـقـرن الـخـامـس، ويبدو أن الفن األموي تبنّاها بمعناها األوّل في هذه الجدارية. وجـــه األمــيــر مــشــوّه، ويـكـشـف الـرسـم التوثيقي عن وجه ملتح ضاعت مالمحه، يعلوه شعر أســـود تـحـدّه مساحة دائـريـة بيضاء رفيعة، تبدو أشبه بعمرة بسيطة. يبدو اللباس كذلك بسيطًا، وقـوامـه جبة طويلة حمراء تزيّنها شبكة من املكعبات املرصوفة، يعلوها معطف أزرق، ينسدل على الكتفني، ويمتد أفقيًا بني الـذراعـ . ترتفع اليد اليمنى نحو الصدر، وتقبض على صولجان يتمثّل هنا بعصا قصيرة ونـحـيـلـة. تـرتـفـع الــيــد الـيـسـرى فــي حركة مــــوازيــــة، وتــظــهــر أصــابــعــهــا مــلــتــفّــة على راحــتــهــا. تــخــرج الـــقـــدم الـيـمـنـى مـــن خلف طــــرف الـــجـــبّـــة األســــفــــل، كــاشــفــة عـــن حـــذاء مـزخـرف بنقوش هندسية، وتـبـدو القدم األخــــــرى مـــمـــحـــوة، ومــــا تــبــقّــى مـــن أثــرهــا الطفيف يوحي بأنّها صُوّرت في وضعيّة مـــمـــاثـــلـــة. يـــرتـــفـــع الـــــعـــــرش املـــلـــكـــي وســـط عــمــوديــن يـعـلـو كـــ مـنـهـمـا تـــاج عـريـض، وتـعـلـو هـــذه الـعـنـاصـر املـعـمـاريـة خطوط مــلــتــويــة تـــحـــاكـــي شـــكـــل الــــرخــــام األحـــمـــر. يشكّل هذان العمودان قاعدة لقوس يُعرف في قاموس الفن الكالسيكي باسم «قوس املجد»، وهو هنا على شكل مساحة زرقاء تعلوها كتابة بالخط الكوفي ضـاع جزء كبير مـن أحـرفـهـا، ويشير نــص مـا تبقّى منها إلـى دعــاء بالعافية والرحمة للولي الــــجــــالــــس عـــلـــى الـــــعـــــرش، ونــــصّــــه يـــقـــول: ««الــلــهـــ(م) أ(غــفــر) لـولـي (عـــ)هــد املسلمني واملـ(سلـ)مات (...) وعافية من الله ورحمة (...)». عــنــد طـــرفـــي هــــذا الــــقــــوس، يظهر طــــائــــران مــتــواجــهــان صــــــوّرا فـــي وضـعـيـة جـانـبـيـة، ويــوحــي تكوينهما بـأنّــهـمـا من فصيلة الدراج. يحوط بهذا األمير املتربّع على عرشه شـابـان أمــــردان يقفان فـي وضعية نصف جانبية، فـي حـركـة واحـــدة جـامـعـة، يرفع كل من هذين الخادمني فـوق هامة األمير مروحة تتألّف من قضيب طويل ونحيل، تـعـلـوه رزمـــة مــن الـــريـــش. تـفـوق مقاييس األمــيــر فــي حجمها قــامــتَــي خــادمــيــه مما يـــعـــمّـــق صــــــــورة مـــكـــانـــتـــه، ويـــعـــكـــس هـــذا األســلــوب طــــرازًا مـعـروفـ اتّــبــع فــي الـشـرق الـــــقـــــديـــــم، كــــمــــا فـــــي الــــعــــاملــــ الــــرومــــانــــي والــــبــــيــــزنــــطــــي. يـــتـــشـــابـــه هــــــذا الــــخــــادمــــان بشكل كبير، وتـبـدو صـورتـاهـمـا واحـــدة. الــوجــه فـتـي ونــضــر، تحيط بــه خـصـل من الــشــعــر األســـــــود، تــعــلــوهــا عـــمـــرة بـيـضـاء بسيطة. يـتـكـوّن الـلـبـاس مــن جـبـة طويلة زرقـــاء يعلوها معطف فـضـفـاض، ويـزيّــن طـرف أعلى هـذا الـــرداء شريط يأخذ شكل طوق تعلوه سلسلة من الدوائر اللؤلؤية. يــحــضــر األمـــيـــر وســــط خـــادمـــيـــه فـــي بـنـاء تعادلي محكم، ويحيط بهذه اللوحة إطار مقوّس تزيّنه سلسلة طيور متراصة بلغ عـــددهـــا الــعــشــريــن. تـحـضـر هــــذه الـطـيـور فــي وضـعـيـة جـانـبـيـة ثـابـتـة، وتـمـاثــل في تكوينها صــورة الطيرين املتواجهني عن طرفي قوس املجد. تـــســـتـــقـــر هـــــــذه الــــلــــوحــــة فـــــــوق لـــوحـــة مستطيلة ممحوة، ويتب أن هذه اللوحة دخـــلـــت مــتــحــف الـــفـــن اإلســــ مــــي بــبــرلــ ، بـعـد أن حملتها معها البعثة التشيكية الـتـي قـامـت باستكشاف قصير عـمـرة في مـطـلـع الـــقـــرن. فــقــدت هـــذه الـعـيـنـة الكثير مــن مـعـاملـهـا، ومـــا تـبـقّــى مـنـهـا يـشـيـر إلـى منظر طبيعي بحري، يشابه مناظر أخرى تــحــضــر فــــي أمــــاكــــن مـــتـــعـــدّدة مــــن قـصـيـر عمرة، وحضور هذه املشاهد البحرية في بـرنـامـج هـــذا املــوقــع الـتـصـويـري الشاسع يثير الحيرة، ودالالتـــه االفتراضية تبقى موضع بحث مستمر. األمير متربعا على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة محمود الزيباوي تحتوي على مالحظات فلسفية لرواياته المنشورة خالل حياته كراسات ألبير كامو تُنشر كاملة للمرة األولى صـــدر املـجـلـد األول مــن مـــذكـــرات ألبير ، بـــعـــد ثـــــ ث ســــنــــوات مـن 1963 كـــامـــو عـــــام عامًا. وحظي 46 وفاته في حادثة سيارة عن الكتاب، الذي يضم مذكرات كامو بني عامي ، بمراجعتني بارزتني باللغة 1942 إلى 1935 اإلنجليزية، من كاتبني مختلفني. جـاءت املراجعة األولــى بقلم إيـه. جي. ليبينغ، الصحافي في مجلة «نيويوركر». وكــــان ليبينغ قـــد ربـطـتـه أواصـــــر الـصـداقـة بــــكــــامــــو، عـــنـــدمـــا زار الــــكــــاتــــب الـــفـــرنـــســـي ـ . وأُعــــجــــب 1946 الــــجــــزائــــري أمــــيــــركــــا عــــــام ليبينغ، املـولـع بالثقافة الفرنسية، بشكل خــاص بأعمال كـامـو خــ ل الـحـرب العاملية الـــثـــانـــيـــة، بــصــفــتــه مــــحــــررًا ملــجــلــة املـــقـــاومـــة «كـــومـــبـــا». ووصــــف لـيـبـيـنـغ مـــذكـــرات كـامـو بــأنــهــا «مـمـتـعـة وعــمــيــقــة»، و«كـــتـــاب يمكن للمرء أن يعود إليه، في أي صفحة تقريبًا، وهو على يقني من أنه سيشعر بمتعة». أمــــا املـــراجـــعـــة الـــثـــانـــيـــة، فـــجـــاءت بقلم ســـــــوزان ســـونـــتـــاغ، فــــي دوريـــــــة «نـــيـــويـــورك ريــفــيــو أوف بــــوكــــس». اســتــهــلــت ســونــتــاغ مراجعتها بعبارة مثيرة للجدل: «الكتاب العظماء إما أزواجًا أو عشاقًا». وكان كامو، بـفـضـل هــدوئــه وعـقـ نـيـتـه الــظــاهــريــة، كما أشارت سونتاغ، «الزوج املثالي بني األدباء املـــعـــاصـــريـــن». (لــــم يــكــن بـــمـــقـــدور ســونــتــاغ مـــعـــرفـــة هــــــذا عـــلـــى وجــــــه الــــيــــقــــ ، فـحـسـب سيرته الذاتية الالحقة، فإنه خـان زوجتيه مرارًا، املمثلة سيمون هييه وعازفة البيانو فرانسني فور). أمـــا بـقـيـة مــراجــعــة ســونــتــاغ، فحملت نقدًا الذعًا لكامو بصفته روائيًا وفيلسوفًا. وكـتـبـت سـونـتـاغ: «هـــل كـــان كـامـو مـفـكـرًا ذا شأن؟» «الجواب: ال». وبعد ذلك، كالت مزيدًا مـن االنـتـقـادات الـ ذعـة إلــى كـتـاب «الدفاتر الــكــامــلــة» نـفـسـه، واصـــفـــة إيــــاه بالسطحية وافـــتـــقـــاره إلــــى الـــطـــابـــع الــشــخــصــي و«غــيــر الجيد». ظــــهــــرت مــــجــــلــــدات أخــــــــرى مـــــن دفــــاتــــر مالحظات كامو على مـر السنني، وجُمعت كـــامـــلـــة لـــلـــمـــرة األولـــــــى فــــي كـــتـــاب «الـــدفـــاتـــر الــكــامــلــة». عـنـدمـا أمـسـكـت بـالـكـتـاب، كانت أصوات ليبينغ وسونتاغ املتضاربة تتردد في ذهني. وبعد أن أنهيت قــراءة صفحاته صـفـحـة، فـوجـئـت بأنني، 700 الـتـي تــقــارب وأنــا مـن أشــد املعجبني بليبينغ، أميل إلى سونتاغ وأتفق معها. ولكن ينبغي الخلط بـ دفـاتـر كامو، ، وبني 1959 إلـى 1935 التي امتدت من عـام الـــيـــومـــيـــات، فـــهـــي تـــكـــاد تــخــلــو تـــمـــامـــ مـن أي شــــيء يــخــص أصـــدقـــائـــه أو عــائــلــتــه، أو تجاربه خـ ل الحرب، أو الكثير عن حياته الشخصية. بوجه عام، فقد كان كامو رجال شـــديـــد الـــخـــصـــوصـــيـــة، يــنــفــر مــــن الـنـمـيـمـة واالعترافات. في الواقع، عندما نال جائزة نوبل في مـن عـمـره، وكـان 44 ، فـي الــــ 1957 األدب عــام أحـــد أصـغـر الـكـتـاب الــذيــن حـصـلـوا عليها، كـــتـــب فــــي دفـــتـــر مـــ حـــظـــاتـــه: «خــــائــــف مـمـا يــحــدث لـــي، مـمـا لــم أطــلــبــه». وذكــــر أنـــه كـان يـعـانـي مــن نــوبــات هـلـع. وبـعـد بضعة أيــام كـتـب: «ال تتحدث أبـــدًا عـن عملك» و«أولـئـك الـذيـن لديهم حقًا مـا يقولونه ال يتحدثون عنه أبدًا». تحتوي هـذه املـذكـرات على مالحظات فـلـسـفـيـة لـــروايـــاتـــه املـــنـــشـــورة خــــ ل حـيـاتـه -«الغريب»، و«الطاعون»، و«السقوط». كتب تُــعــد اسـتـكـشـافـات فــريــدة مــن نـوعـهـا، وهـي ال تـقـتـصـر عــلــى عـبـثـيـة الــــوجــــود فـحـسـب، بـل تـتـنـاول كـذلـك الـعـزلـة والـشـعـور بالذنب والـــــخـــــ ص والــــصــــمــــود. وقـــــد رُويــــــــت هـــذه املالحظات بوضوح وعمق مؤثر. مثل كثير مـن الــقــراء، عـــدت إلــى روايــة La« «الـــــطـــــاعـــــون» (عـــنـــوانـــهـــا بـــالـــفـــرنـــســـيـــة » أكـثـر رعـبـ وضــوحــ) خـــ ل جائحة Peste ، فــــــوجــــــدت فـــيـــهـــا بـــعـــضـــ مــن 19- كــــــوفــــــيــــــد العقالنية املرتبطة بالحياة الزوجية، التي وصفتها سونتاغ. على سبيل املثال، ينفي طــبــيــب يــعــمــل بــشــجــاعــة ودأب فــــي الــبــلــدة الجزائرية التي تفشَّى فيها الـطـاعـون، عن نفسه صفة البطولة. وقــال بكلمات تعكس :2020 كذلك لحظة من تلك التي عشناها عام «األمــر برمته ال يتعلق بالبطولة. قد يبدو األمــــر فــكــرة سـخـيـفـة، لـكـن الـسـبـيـل الـوحـيـد ملكافحة الطاعون هو التحلي باألخالق». عـــ وة على ذلـــك، تحتوي دفـاتـر كامو على مقتطفات من قراءاته املتعمقة، ألعمال كـتّــاب من أمثال ميلتون وغوته إلـى فوكنر وروزا لوكسمبورغ -اقتباسات تُشكّل دفترًا شخصيًا للمالحظات. كــان كامو فـي حالة بـحـث دائـــم عــن جـوهـر األشـــيـــاء، وعـــاش في عـاملـه الـداخـلـي أكـثـر مـن معظم الـنـاس. وما يـــبـــرز بــشــكــل خـــــاص إحـــســـاســـه بـالـرسـالـة األدبـــيـــة، فـقـد كـــان يُــحـفّــز نفسه بـاسـتـمـرار. ومـن بني املـقـوالت النموذجية املعبرة عنه: «انعزل تمامًا واركض في طريقك الخاص». وتبدو هذه الدفاتر، في هذه الترجمة لريان بلوم، كثيفة وتحمل منظورًا داخليًا، وال يُفترض أنها مُعدّة للنشر العام. (مع أنه حـرّر الدفاتر األولـــى، فإنه من غير الواضح موقفه من نشر كل شيء دفعة واحدة). إنها ليست مناسبة للقارئ العادي. مـع ذلـــك، فقد سُـــر هــذا الــقــارئ الـعـادي بـاالطـ ع عليها، حتى وإن كـان البحث عن األجـــــزاء األكــثــر وضــوحــ وإثــــــارة لالهتمام أشـــبـــه بـالـتـنـقـيـب عـــن الــــذهــــب. ومــــن بعض أشهر مـا ورد هنا، سـرد لـرحـ ت كامو في وفـــي أمـيـركـا 1946 الـــواليـــات املــتــحــدة عـــام ، سبق نـشـره فـي كتب 1949 الالتينية عــام أخــــرى، أولــهــا بـعـنـوان «يـومـيـات أميركية» )، ثــــم فــــي تـــرجـــمـــة جــــديــــدة بــعــنــوان 1987( .)2023( » «رحالت في األميركتني ثمة مـــواد أخـــرى جـديـرة بالثناء هنا. مـن حـ آلخـــر، كــان كـامـو يعلق بـ الحني :1942 واآلخــــــر عــلــى مــنــتــقــديــه، فـكـتـب عــــام «ثالث سنوات لكتابة كتاب، وخمسة أسطر للسخرية منه - مع اقتباسات غير دقيقة». وكتب في وقت الحق: «الحقد هو الصناعة الـــوحـــيـــدة فــــي فـــرنـــســـا الـــتـــي ال تـــعـــانـــي مـن البطالة». أما عن السياسة، فقد قرر: «أُفضّل األشخاص امللتزمني على األدب امللتزم». وجــــــــاءت بـــعـــض الــتــعــلــيــقــات ســـاخـــرة : «أتساءل 1949 ومضحكة. مثالً، كتب عـام دائـمـ: ملــاذا أجــذب النخبة االجتماعية. كل تلك القبعات؟!». أمــــــا الـــبـــعـــض اآلخــــــــر مـــــن املـــ حـــظـــات فيُثير مشاعر جيّاشة: «متعة بناء روابـط بني الـرجـال. متعة خفية تتمثل في إشعال سيجارة أو طلبها -نوع من التواطؤ، أشبه بجماعة سرّية حول السيجارة». كان كامو يـبـدو أكـثـر أنــاقــة وهـــو يـدخـن سـيـجـارة من معظم رجـال عصره. إال أنـه بسبب إصابته بمرض السل -خصوصًا أن الشعور باملرض مــوضــوع مـتـكـرر فــي هـــذه الــدفــاتــر- كـــان من املفترض أال يدخن على اإلطالق. وتتجلى روح كـامـو املرتبطة بنشأته في إقليم حوض البحر املتوسط، خصوصًا فـــي حــبــه لــلــســبــاحــة والـــشـــمـــس. كــــان يحب الـسـفـر، لكنه لـم يكن يُــحـب الـتـرف املُــبـهـرج. وكتب في إحـدى مذكراته املبكرة: «الخوف هــو مــا يـجـعـل الـسـفـر ذا قـيـمـة» -يـنـبـغـي أن يـــكـــون «تـــجـــربـــة زاهــــــــدة». كــمــا كــــان يــــزدري املطاعم الفاخرة في الغالب، مشيدًا بمدينة وهــران الجزائرية، بوصفها مكانًا «ال يزال بإمكانك فيه العثور على مـقـاه استثنائية ذات طـــاوالت مطلية بطالء مُتسخ، مُغطاة بـأجـزاء ذبـــاب: ســاق، جـنـاح، حيث تُــقـدَّم لك املشروبات في أكواب مُتشققة». وتــشــبــه دفـــاتـــر كـــامـــو إلــــى حـــد مـــا تلك الـــــطـــــاوالت. لـــم يــتــبــق لــنــا ســــوى األغـــصـــان والبذور، كما كان يقول مدمنو الحشيش -أو كما فعل جيمس فنتون في قصيدته الرائعة التي تحمل نفس العنوان. إال أنه حتى وإن كانت هذه الدفاتر فوضوية بعض الشيء، ثمة فكرة صادقة تظهر. وكتب كامو، بينما كـــــان فــــي الــــرابــــعــــة والـــعـــشـــريـــن، فــــي إحــــدى أمــســيــات الــربــيــع: «هـــنـــاك أيــــام يــكــذب فيها العالم، وأيام أخرى يقول فيها الحقيقة». * خدمة: «نيويورك تايمز» ألبير كامو *دوايت غارنر تتجلى في الكراسات روح كامو المرتبطة بنشأته في إقليم حوض البحر المتوسط الدفاتر الكاملة أللبير كامو ترجمة: ريان بلوم صفحة 704 ، دار نشر جامعة شيكاغو
RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==