issue17249

Issue 17249 - العدد Wednesday - 2026/2/18 األربعاء OPINION الرأي 14 «ميونيخ لألمن»... تفكيك مالمح العالم القديم عالم ما بعد «ميونيخ» السودان وضرورة عودة الدولة عـلـى مــــدار ثــاثــة أيــــام، تــابــع الـعـالـم أعــمــال الــــدورة الثانية والستني من مؤتمر ميونيخ لألمن، الذي يكتسب أهميته مـن كونه منصة عاملية للحوار االستراتيجي؛ حـــيـــث يـــجـــتـــمـــع قــــــــادة دول ووزراء دفــــــــاع وخـــارجـــيـــة ومـــســـؤولـــون عــســكــريــون، عـطـفـا عــلــى خـــبـــراء أمـــــن، من مختلف أنحاء العالم، ملناقشة التحديات األمنية الكبرى، مثل الحروب، واإلرهاب، واألمن السيبراني، والطاقة. تـرسـم مـنـاقـشـات «مـيـونـيـخ» عـــادة دورًا مــؤثــرًا في بـلـورة الـسـيـاسـات الـدولـيـة، وإدارة األزمــــات، كما تميل عادة ملناقشة مستقبل األمن األوروبي. فـــي كـلـمـتـه االفــتــتــاحــيــة هــــذا الــــعــــام، وضــــع رئـيـس املـؤتـمـر، فـولـفـغـانـغ إيـشـنـغـر، الـعـالـم أمـــام حقيقة تكاد تكون مؤملة، على واقعيتها، وهي أن العالم يمر بمرحلة غــيـــر مــســبــوقــة مــــن االضـــــطـــــراب، مــــع تـــصــاعــد الـــحـــروب الدموية في أوروبا، وعلى مستوى العالم. هـــل دخــــل عــاملــنــا املــعــاصــر مــرحــلــة تــدمــيــر لـلـنـظـام العاملي الـذي دام قرابة ثمانية عقود منذ نهاية الحرب العاملية الثانية؟ غـالـب الـظـن أنـــه كــذلــك، وهـــو مــا ركـــز عليه التقرير السنوي للمؤتمر، والذي حمل عنوان «التدمير الشامل». خـاصـة الـتـقـريـر تفيد بـــأن الـتـيـار الــعــام الـسـائـد يدفع قسرًا نحو مزيد من سياسات الهدر، ويقود في دروب تحطيم الثوابت التي استنقذت البشرية من ويلت حروب عاملية. هــنــا يـــبـــدو الــخــطــر األكـــبـــر مــتــمــثــا فـــي تـفـضـيـات القائمني على الحوكمة األممية، الذين يعلون مسارات التدمير على مناهج اإلصـاح، حتى وإن كان تدريجيا، وإعــــطــــاء األولــــويــــة لــتــصــويــب املــــســــارات بـــــدال مـــن هــدم الهياكل البنيوية في كثير من البقاع واألصقاع. يلف التقرير حالة من خيبة األمل الواسعة النطاق، تلك التي باتت تخيم على عديد من املجتمعات اإلنسانية املعاصرة، من شمال الكرة األرضية إلـى جنوبها، ومن أقصى الشرق اآلسيوي إلى نهاية الغرب األميركي. تـــــحـــــوم الــــشــــكــــوك وبـــــقـــــوة حـــــــول جـــــــــدوى فـــاعـــلـــيـــة املـؤسـسـات الديمقراطية، وال سيما فـي ظـل تنامي -بل واشــــتــــداد عــــود- كـثـيـر مـــن الـــحـــركـــات الــشــعــبــويــة؛ حيث اإلقصاء والعزل، عوضا عن القبول والدمج. ال تبدو في األفـق القريب ملمح أو معالم واضحة إلمكانية اسـتـرداد الثقة في أنظمة قطبية، باتت تعمل على تفكيك ملمح العالم القديم، ومن غير أدنى شراكة حقيقية في تقديم بدائل أكثر رحابة واتساقا مع رؤى العيش الواحد؛ بل تفضيلت أحادية الـرأي، تسعى في طـريـق العظمة الـفـوقـيـة، ومــن غير أدنـــى التفاتة لفكرة الـخـيـر األعــظــم واألشـــمـــل واألعـــــم، لـبـشـريـة بــاتــت مهانة ومجروحة في كرامتها. يـــحـــاجـــج أصــــحــــاب األصـــــــــوات الــــزاعــــقــــة والـــــرايـــــات الفاقعة، بأن التدمير مطلوب في الحال واالستقبال، من أجل صالح ومصالح سكان هذا البلد أو ذلك. غــيــر أن ثــمــة أســـبـــابـــا وجــيــهــة لـلـتـشـكـيـك فـيـمـا إذا كانت هـذه السياسة تمهد الطريق حقا إلجـــراءات تفيد قـطـاعـا جـغـرافـيـا بـعـيـنـه، حـتـى وإن تـسـبـب فـــي أضـــرار بالغة القسوة والـضـراوة للبقية الباقية، ما يستحضر روح الشموليات من عند ماركس وإنغلز، مرورًا بالرايخ الثالث، وصوال إلى فكر نهاية التاريخ، وجميعها أثبت التاريخ زيفها وإفكها، وعدم مقدرتها على مواجهة رؤى العيش اإلنساني العادل واملتساوق مع معايير اإليمان باإلنسان واألديان. من هنا يمكننا القطع بأنه في الوقت الراهن يبرز شـــيء آخـــر، وهـــو مثير إلـــى حــد خـطـيـر، أي ظـهـور عالم تطغى فيه املصالح الخاصة على العامة، وحيث تحدد إرادة الـقـوى الـكـبـرى، ال اإلطـــار الــدولــي، مصير مناطق العالم. تُــرى أي نتيجة أولية يمكن أن تحصدها بشريتنا املعذبة؟ حكما، العالم الذي يفضل األغنياء واألقوياء، بينما يـتـرك أولــئــك الــذيــن يعلقون آمـالـهـم عـلـى نـهـج سياسي مُدمر لألوضاع خلف الركب. تـفـصـيـات مـــا دار عــبــر ثــاثــة أيــــام تــمــ الـصـحـف ونشرات األخبار، غير أن هناك مفاصل تاريخية، ربما يتحتم اإلشارة إليها، ولو اختصارًا. املــؤكــد أن أوروبـــــا بـــدت خـائـفـة، وقــادتــهــا يـعـوزهـم اليقني حول األمن والطمأنينة في قادم األيام، وال سيما مع هاجس تــواري زمـن «الباكس أميركانا» أو «السلم األميركي»، حني كان «العم سام» الضامن األكبر في وجه تقلبات قياصرة موسكو من البلشفة أو املناشفة. األوروبيون تتراوح خطواتهم بني مسارين: الحفاظ عـلـى مـشـاركـة أمـيـركـيـة وثـيـقـة، والـحـفـاظ عـلـى «الـعــروة الــوثــقــى» مــع األطــلــســي، وفـــي الــوقــت نفسه الـعـمـل على تعزيز مؤسساتهم املدنية والعسكرية دفعة واحدة. تتسع مساحات التدمير حسب تقرير ميونيخ، من جـــراء حـالـة اضـمـحـال تـلـف شـمـل املـؤسـسـات الـدولـيـة، تـلـك الــتــي حـفـظـت بــصــورة أو بــأخــرى تـــوازنـــات قطعت الطريق على االحتراب الكوني، مثل األمم املتحدة، والتي تكاد تشهر إفلسها عن عمد، بينما الــراوي يخبر بأن إرهاصات بدائل منفردة تطفو على السطح. أما عن الديون التي تهدد االقتصاد العاملي، واملناخ القاتل، واالنـفـاش الـنـووي، فجميعها تجعل مـن رؤيـة السيد إيشنغر حقيقة ال خيال. سألت صديقا قديما مهتما بالشأن السياسي: هل تابعت مؤتمر ميونيخ لألمن في دورته الثانية ؟ وهـــــل اســـتـــمـــعـــت إلـــــى خــطــابــات 2026 والـــســـتـــ إيــمــانــويــل مــــاكــــرون، وفـــريـــدريـــش مـــيـــرتـــس، وكـيـر سـتـارمـر؟ وهــل توقفت عند كلمة وزيـــر الخارجية األميركي ماركو روبيو؟ صـــمـــت قـــلـــيـــاً، كـــــان مــــن أولــــئــــك الــــذيــــن آمـــنـــوا طــويــا بـنـظـام الــقــواعــد، وبــقــدرة الـقـانـون الــدولــي، واملؤسسات املتعددة األطراف على ضبط الفوضى. بدا كأنه يبحث عن صيغة ال تسقط معها قناعاته، وال تتنكر ملا سمعه في ميونيخ. وقــــــال أخــــيــــرًا: مــــا يـــجـــري فــــي مــيــونــيــخ لـيـس مؤتمرًا عاديا، هو لحظة انتقال مفاجئ، من عالم قديم إلى آخر جديد من دون تمهيد. نتذكر دورات سابقة، كان املؤتمر يناقش فيها روسيا، والصني، واإلرهاب، والطاقة، أو االقتصاد، كملفات منفصلة، تناقَش ضمن إطــار مستقر نسبيا، أمـا هـذه املـرة، فالسؤال كان أعمق: ما موقع الغرب في عالم يتجه بوضوح نحو تعددية قطبية تنافسية؟ أبرز ما تكشفه الدورة الثانية والستون هو تـآكـل الـيـقـ الـــذي ســـاد مـرحـلـة مــا بـعـد الـحـرب الــــبــــاردة. لـــم يـعـد افـــتـــراض أن الــقــيــادة الـغـربـيـة قـــــادرة عــلــى ضــبــط الـــتـــوازنـــات الـــدولـــيـــة قـائـمـا، فـأوروبـا التي اعتادت العمل تحت مظلة أمنية أميركية شبه مطلقة، وجدت نفسها أمام سؤال الـــقـــدرة الـــذاتـــيـــة: كـيـف تـحـمـي نـفـسـهـا فـــي عـالـم تتراجع فيه الضمانات غير املشروطة؟ هــنــا اســتــشــهــد الـــصـــديـــق بــكــلــمــات املـسـتـشـار األملاني فريدريش ميرتس الـذي قـال بوضوح، إن: «النظام العاملي الذي اعتدناه قد انتهى»، وإن العالم دخــل «عـصـر التنافس بـ الـقـوى الـكـبـرى»، داعيا أوروبــــا إلـــى «بــنــاء قـدرتـهـا الــذاتــيــة، وعـــدم االتـكـال على اآلخـريـن فـي أمنها». لـم تكن عـبـارات ميرتس انفعالية، ولكنها كانت تشخيصا سياسيا ملرحلة جديدة. كنت أريد أن أستعيد موقف الرئيس الفرنسي األسـبـق شــارل ديـغـول مـن أوروبـــا املستقلة، ولكنه كـان يقرأ أفـكـاري، فقال من دون أن أسأله: الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سار في االتجاه نفسه حني أكد أن «أوروبا يجب أن تصبح قوة قادرة على الدفاع عن نفسها»، وأن السيادة األوروبية لم تعد شعارًا، ولكنها باتت شرطا للبقاء في بيئة دولية مضطربة، حتى بريطانيا، الحليف األوروبي األول لـواشـنـطـن، ذهـبـت بـعـيـدًا؛ إذ حـــذَّر رئـيـس الــــوزراء البريطاني كير ستارمر من أن «أوروبـا ال يمكن أن تبقى عملقا اقتصاديا وقـزمـا أمـنـيـا»، فـي إشــارة واضحة إلى ضرورة مواءمة الوزن االقتصادي مع القدرة الدفاعية. وهـــذه الـتـصـريـحـات -وفــقــا لـلـصـديـق- لــم تكن عبارات إنشائية، ولكنها كانت إشـارات إلى تحول ذهـنـي عميق داخـــل الـنـخـب األوروبـــيـــة: انـتـقـال من االطمئنان إلى املظلة األطلسية إلى التفكير الجاد في الردع الذاتي، ومن افتراض االستقرار إلى إدارة عدم اليقني. قــلــت لــــه: بــالــفــعــل، نــحــن إزاء لـحـظـة مــفــارقــة، وعـلـيـنـا أن نــقــرأهــا بـعـنـايـة نــحــن الـــعـــرب، ويـمـكـن القول إنه في هذا السياق يبرز مفهوم «االستقلل االستراتيجي األوروبي» بوصفه خيارًا اضطراريا، فالحرب فـي أوكـرانـيـا باتت اختبارًا لـقـدرة أوروبــا على الصمود عسكريا واقتصاديا، وبالتالي، فإن ضـرورة إعـادة التسلح، وتسريع اإلنتاج الدفاعي، ودعــــــم الـــصـــنـــاعـــات الـــعـــســـكـــريـــة، وتــــأمــــ ســاســل اإلمـــــــداد، مــســألــة ضـــروريـــة تــحــولــت إلــــى تـوجـهـات استراتيجية ستلزم القارة لسنوات. قــال صـديـقـي: ال بـد مـن أن نـرنـو بالبصر إلى الضفة األخـــرى مـن األطـلـسـي، فـالـصـورة ال تكتمل مــــن دون قـــــــراءة الـــرســـائـــل األمـــيـــركـــيـــة. فـــقـــد حـمـل خـــطـــاب مـــاركـــو روبــــيــــو، وزيـــــر خـــارجـــيـــة الـــواليـــات املـتـحـدة، نـبـرة عملية واضــحــة، حـ شــدد على أن «الشراكات القوية تقوم على تقاسم األعباء»، مؤكدًا أن الـواليـات املتحدة ستظل ملتزمة أمـن حلفائها، ولكن «على الحلفاء أن يتحملوا نصيبهم العادل من املسؤولية». مـضـيـفـا: وهــنــا وصـــل روبـــيـــو إلـــى لـــب الـحـالـة العاملية، حني قال إن السياسة الخارجية األميركية ستنطلق أوال من «املصلحة الوطنية»، في إشـارة إلى إعادة تعريف دور القيادة األميركية: من قيادة تـوسـعـيـة ذات نـــزعـــة كــونــيــة إلــــى قـــيـــادة مـشـروطـة بالقدرة الداخلية والحسابات السياسية املحلية. اســـتـــدرك الــصــديــق قـــائـــاً: الـنـتـيـجـة لـــن تـكـون انـهـيـار الـعـاقـة األطـلـسـيـة عـلـى الــفــور، ولكنها لن تكون علقة تلقائية، كما جـرى العرف منذ نهاية الـــحـــرب الــعـاملــيــة الــثــانــيــة، وســنــكــون أمــــام تـحـالـف مــســتــمــر، ولـــكـــن بـــشـــروط جـــديـــدة وتــــوازنــــات أكـثـر تعقيدًا. انــتــهــى كــــام الـــصـــديـــق، فـقـلـت لــــه: األهــــم أن «مـــيـــونـــيـــخ» أعــــــاد تـــعـــريـــف مـــفـــهـــوم األمـــــــن، فـلـم يــعــد مـــرادفـــا لــلــقــوات الـعـسـكـريـة وحـــدهـــا، إنـمـا بــــات يـشـمـل الـــطـــاقـــة، والــتــكــنــولــوجــيــا، والـــذكـــاء االصطناعي، وسلسل اإلمـداد، وأمن البيانات، ويبدو أن القوة اآلن تقاس بالقدرة على االبتكار، والسيطرة على املوارد الحيوية، وحماية البنية التحتية الرقمية، بقدر ما تقاس بعدد الطائرات والدبابات. وهذا التحول يعكس إدراكـا متزايدًا بــــــأن أدوات الــــنــــفــــوذ تــــغــــيــــرت، وأن االقـــتـــصـــاد والتكنولوجيا أصبحا امــتــدادًا مـبـاشـرًا لألمن القومي؛ بل في بعض الحاالت سيكونان شرطا له. االستنتاج األعمق أن العالم يتجه نحو حالة مـــن «االســـتـــقـــرار غــيــر املــســتــقــر»: ال انــهــيــار شــامــا ومفاجئا للنظام الدولي، وال عودة إلى نظام أحادي القطب، إنما تنافس منظم بني قـوى كبرى تسعى إلــــى إعــــــادة تـــوزيـــع الـنـفـوذ مـــن دون االنـــــــزالق إلــى مواجهة شاملة. إنها مرحلة انتقالية طويلة، تتسم بمرونة التحالفات، وارتفاع تكلفة الـردع، وازديـاد مركزية القوة االقتصادية والتكنولوجية. «ميونيخ» لم يقدم حلوال جاهزة، ولكنه يقدم اعترافا صريحا بأن النظام الذي تشكل بعد الحرب الباردة لم يعد قابل للستمرار بصيغته السابقة. إذن، العالم يتغير، والغرب يحاول إعـادة التمركز، لـيـس مـــن مــوقــع الـهـيـمـنـة املـطـلـقـة، كـمـا جـــرى عبر قـرون، ولكن من موقع املنافس في ساحة مزدحمة بالقوى الصاعدة. ختم صديقي حديثه قــائــاً: املشكلة ال تكمن في تراجع النظام القديم، إنَّما في النظام الجديد الذي لم يتبلور بعد، وربما كانت هذه هي الرسالة األعمق ملؤتمر ميونيخ: نحن ال نعيش نهاية عالم، إنما مخاض عالم آخر، فنحن نعيش زمن التحول، ال زمن اليقني. أقــــول خـتـامـا إنَّــهــا رســالــة إلـيـنـا نـحـن الــعــرب، فلنفكر في اليوم التالي لـ«ميونيخ األخير». يــقــف الــــســــودان الـــيـــوم أمــــام واحــــدة من أعقد أزماته البنيوية، حيث يتجاوز الـــــصـــــراع الـــــدائـــــر فـــيـــه حــــــدود الــتــنــافــس الـــســـيـــاســـي أو الـــعـــســـكـــري الـــتـــقـــلـــيـــدي، ليتحول إلـى صــدام وجــودي بني مفهوم الـدولـة الوطنية بمؤسساتها، ومفهوم الـــادولـــة الـــذي تمثله الــفــواعــل املسلحة املوازية. وفي علم االجتماع السياسي، ال يمكن قراءة مشاهد العنف املتصاعدة إال بوصفها نتيجة حتمية النهيار احتكار السلطة الشرعية ألدوات القوة، مما يفتح الــبــاب واســعــا أمـــام ارتـــــداد املـجـتـمـع إلـى والءاته العرقية والقبلية األولية، وبروز أمراء الحرب. إن هـــــــــــذا الــــــتــــــوصــــــيــــــف الـــــنـــــظـــــري لسوسيولوجيا الــفــراغ األمـنـي يتجسّد الــــيــــوم بـــدمـــويـــة مـــفـــرطـــة عـــلـــى األراضــــــي الـــســـودانـــيـــة. فــمــا كـشـفـت عــنــه الـتـقـاريـر األمـــمـــيـــة مــــؤخــــرًا حـــــول مــقــتــل أكـــثـــر مـن سـتـة آالف شـخـص خـــال أيــــام مــعــدودة فـي مدينة الفاشر على يـد «قـوات الدعم الــســريــع»، ومـــا رافـــق ذلـــك مــن اسـتـهـداف عــــرقــــي مـــمـــنـــهـــج ضـــــد بـــعـــض الـــقـــبـــائـــل، وممارسة العنف الجنسي واالعتقاالت التعسفية، ليست مجرد أضــرار جانبية لــلــحــروب، بـــل هـــي االنــعــكــاس الطبيعي لـــســـلـــوك املـــيـــلـــيـــشـــيـــات حــــ تـــحـــل مـحـل الــــدولــــة، حــيــث يــتــحــول الــعــنــف مـــن أداة سيادية منضبطة ومقيدة بالقانون إلى وسيلة استئصالية لفرض الهيمنة وبث الرعب. أمــــام هــــذه املــــأســــاة، وفــــي ظـــل حـالـة مــــن الـــتـــراخـــي الــــدولــــي الـــتـــي تــجــلــت فـي قمة االتـحـاد األفـريـقـي األخــيــرة، يتبلور املــــوقــــف الـــعـــربـــي وفـــــق مــنــطــق مـنـهـجـي يـــســـتـــنـــد إلــــــــى ضـــــــــــرورة حــــمــــايــــة كـــيـــان الدولة ومؤسساتها. وهنا تبرز الرؤية االستراتيجية السعودية التي تــدرك أن أمنها القومي مرتبط عضويا باستعادة هــيــبــة الــــدولــــة فـــي جــــوارهــــا الــجــغــرافــي. فاملقاربة السعودية في السودان تنطلق مــــن قـــنـــاعـــة راســــخــــة بـــــأن الـــحـــفـــاظ عـلـى وحــدة املؤسسة العسكرية الوطنية هو الضمانة الوحيدة للحيلولة دون تحول البلد إلى ساحة مفتوحة ألمراء الحرب. وهـذا التوجه يتعارض تماما مع بعض املـقـاربـات اإلقليمية البرغماتية التي ال تجد حرجا في التعامل مع قوى موازية، مــمــا يـطـيـل أمــــد الـــحـــرب ويــفــاقــم مــأســاة التفتت الـعـرقـي. فـدعـم خـيـار الــدولــة في الـــــســـــودان بــالــنــســبــة إلـــــى الـــــريـــــاض هـو ضرورة استراتيجية قصوى، إذ ال يمكن للبحر األحمر أن يـدار كبحيرة استقرار في ظل بيئة تعاني من التفتت املؤسسي والتشظي العرقي على ضفته املقابلة. ويــتــكــامــل هــــذا الــتــوجــه مـــع املــوقــف املصري األخير الذي يمثل تعبيرًا واضحا عن هـذه االستراتيجية العربية لحماية املـــركـــز؛ حــيــث رســمــت الـــقـــاهـــرة خـطـوطـا حـــمـــراء، مـــحـــذرة مـــن اسـتـجـابـة حاسمة وحـازمـة ألي تجاوز يهدد أمـن السودان الــــقــــومــــي، والــــــــذي يـــعـــد امــــــتــــــدادًا لــ مــن الـــقـــومـــي املــــصــــري. والــــافــــت فـــي الــطــرح الـدبـلـومـاسـي املــصــري هــو تـركـيـزه على تفكيك جـذور األزمــة، املتمثلة في وجود املرتزقة وامليليشيات غير الشرعية، مع الـتـشـديـد الـــصـــارم عـلـى رفـــض املـــســـاواة بني الجيش الوطني ومؤسسات الدولة مــن جــهــة، وبـــ تـلـك الـكـيـانـات املسلحة املـوازيـة مـن جهة أخـــرى. إن هـذا الرفض هو في جوهره دفـاع عن فكرة املؤسسة في مواجهة خطر التشظي. يـتـنـاغـم هـــذا االصــطــفــاف اإلقـلـيـمـي الــداعــم لـلـدولـة مــع املـــبـــادرات السياسية الجديدة املطروحة لوقف الحرب، والتي لــم تـعـد تكتفي بـالـدعـوة التقليدية إلـى التهدئة، بـل تذهب أعمق نحو املطالبة بــحــل «قــــــوات الـــدعـــم الـــســـريـــع» وتـرحـيـل املــــرتــــزقــــة األجــــــانــــــب. هــــــذا الــــتــــطــــور فـي بـنـيـة املــــبــــادرات يـعـكـس قـنـاعـة مـتـزايـدة بــــأن أنـــصـــاف الــحــلــول الـــتـــي تُــبــقــي على ازدواجـــــيـــــة الــــســــاح لــــن تُـــفـــضـــي إال إلـــى تــأجــيــل االنـــفـــجـــار، وأن الـــحـــل الـــجـــذري يـــكـــمـــن فـــــي إنـــــهـــــاء الــــتــــمــــرد واســــتــــعــــادة املركزية املفقودة. إن الفوقية التي تمارسها الجماعات املسلحة في السودان ضد املدنيني العزل، ومـــحـــاولـــتـــهـــا فـــــرض واقــــــع جـــديـــد بــقــوة الــســاح، تـصـطـدم الــيــوم بــجــدار الـرفـض العربي لتفكيك املؤسسات. بـاملـخـتـصـر، ال يـمـكـن الـــرهـــان على اســــتــــقــــرار الــــــســــــودان وتـــــأمـــــ مـحـيـطـه اإلقـلـيـمـي الــحــيــوي إال عـبـر الـــعـــودة إلـى املــربــع األول املتمثل فــي احـتـكـار الـدولـة للسلطة والسلح. وأي تسوية سياسية ال تضع في صلبها إنهاء ظاهرة الفواعل الـعـنـيـفـة غــيــر الــتــابــعــة لـــلـــدولـــة، هـــي في حـقـيـقـتـهـا تــشــريــع لــلــفــوضــى، وتــأجــيــل النهيار قـادم سيدفع ثمنه السودانيون ومحيطهم اإلقليمي بأكمله. عبد هللا فيصل آل ربح إميل أمين جمال الكشكي

RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==