الثقافة CULTURE 18 Issue 17248 - العدد Tuesday - 2026/2/17 ًالثلاثاء معجب العدواني: صراع الأنواع الأدبية أصبح وجوديا بـــــدا كـــتـــابـــك «مـــفـــهـــوم الــــعــــامــــة: الــجــلــي > والـخـفـي» منشغلا بـإزالـة الـصـورة السلبية عن العامة... فكيف ترى تقسيم العالم لثنائية ضدية بين النخبة والعامة؟ - ربما حرص ذلك المدخل الطويل إلى حــد مـا فـي كـتـاب «مـفـهـوم الـعـامـة: الجلي والخفي» على إبـــراز تلك العيوب الناتئة فــي وجـــه ثقافتنا الـعـربـيـة، ولـــم يتجاهل غيرها من الثقافات؛ ذلك أن التقسيم هنا كان نتيجة فعل منهجي، يتلمس تحديد تلك الـعـيـوب كـي يكشفها عـن فئة مــا، قد يــكــون هـــذا الـكـشـف صـعـبـا أو مستحيلاً، طـــالمـــا بــقــي مــفــهــوم الـــعـــامـــة مــســتــنــدا -فــي موقعه التاريخي- إلـى تلك الثنائية التي تتشكل من العامة والنخبة، إنها الثنائية التي أجادت تحييده ثقافياً، ونجحت في خلق فجوة ليس من السهل ردمها، فأكدت اســـتـــمـــرار صــرامــتــهــا بـتـفـعـيـل مـــا وُصـــف بـالمـركـز، وإهــمــال مـا وُصـــم بالمهمش؛ لذا يمكن القول: إن كسر تلك الثنائية يقتضي إزالة الشوائب السلبية التي تحجب النظر عن أولئك، مقابل فحص الإيجابيات التي تـــؤكـــد أهــمــيــة هــــــؤلاء، وتـــدعـــم مـركـزيـتـهـم الثقافية. في مقدمة كتابك عن الحداثة في الأدب > الـسـعـودي، انـتـقـدت تـحـول الكثيرين إلــى كتابة الرواية، لكن هناك توجها «جماهيرياً» من «عامة القراء» نحو قراءتها... فكيف ترى هذه المفارقة؟ - لم يكن النقد في هذه الإشارة، التي اقـتـنـصـتـهـا، مـوجـهـا إلـــى الـــقـــراء، بـــل كـان متجها إلـــى بـعـض الــكــتــاب، أولــئــك الـذيـن بُني وعيهم الفني بـصـورة أحــاديّــة، على الـتـعـامـل مــع الـكـتـابـة الإبــداعــيــة بوصفها منتجا اسـتـهـاكـيـا، فـــــأرادوا الـتـوجـه إلـى كتابة الــروايــة، لا لحاجتهم إليها، وإنما لمـــحـــاكـــاتـــهـــم غـــيـــرهـــم، فـــكـــانـــت تـجـربـتـهـم قاصرة؛ إذ لم تفلح في استنطاق الجنس الروائي بتعدده واختلافه، ولم تذهب عمقا في الاشتغال على الأشكال التي ألِفوها من قبل، كي يحدثوا بعدا إبداعيا لتطويرها، أو تقديمها بصورة استثنائية. أظن أن تلك القفزات الأفقية لا تضيف إلى الإبداع في معظم التجارب؛ ومع أنها ستسهم في لصق مصطلح «الأديب» على ذلــك المـتـحـول، لكنها ستبعد عنه مسافة الـكـشـف الــرأســي فــي عـمـق الـتـجـربـة، ومـن ثـــم فــلــن يـــكـــون شـــاعـــرا مــبــدعــا أو روائـــيـــا مــتــمــيــزا أو قـــاصـــا خـــاقـــا. ولا يــتــعــارض ذلـــك مــع مـبـدأ حـريـة الاخــتــيــار، ذلـــك المـبـدأ الــذي يستند إليه شــرط الكتابة؛ لأن تلك الـــحـــريـــة سـتـصـبـح إشــــكــــالا مــضــاعــفــا في تنقل الكاتب بين الأجـنـاس، وكأنه يخرج من سجن كتابي إلى آخـر، فيعجز عن فك أسره في كليهما، وفقا لحالة الرواج التي تحدث، فيترك الأول، ويفقد كسر المعتاد مــــن قـــوانـــيـــنـــه، ويــجــعـــل مــنــه ذلـــــك الـتـنـقـل معتادا على الأبنية التي يقدمها «السجن» الجنس الأدبي. الآن انقلبت الآية، وأصبحت كلمات مثل > «نخبة» و«نخبوي» بمثابة سُبة... فكيف يمكن ضبط المسافة بين النخبة والجماهير بحيث لا تهمش إحداهما الأخرى أو تقصيها وتدينها؟ - هـــذا صـحـيـح، فـالـلـحـظـة المـعـاصـرة قـــــادت إلــــى الـتـخـفـيـف مـــن وهــــج فــئــة على حساب أخرى، وذلك نتيجة عوامل أبرزها اهـــتـــزاز الــعــوامــل الـثـقـافـيـة والاقــتــصــاديــة التي تشكل هذين المكونين، ومع أن المسافة مهما ضاقت بين النخبة والجماهير تبقى عبئا ثقافياً، ومسألة إشكالية ينبغي ألا تميل، غير أن اللحظة المـعـاصـرة نجحت فـــي خـلـخـلـة الـــتـــوازنـــات، وكــســر الــثــوابــت، ومــــن ثـــم أرجـــــو أن مـشـكـلـة الــــفــــروق تـبـدو مترسخة فــي أذهــــان الأفــــراد فـحـسـب، كي تــؤكــد أن ذلــــك الانـــحـــيـــاز الـسـلـبـي قـــد فقد بوصلته في هذا الاتجاه. كيف ترى صراع الأنواع الأدبية وما يقال > عن تراجع الشعر والقصة القصيرة في مقابل صعود «زمــن الـروايــة» أو أنها أصبحت «ديــوان العرب»؟ - يبدو لي أن هذا الصراع لا تنحصر نـتـائـجـه فــي قـائـمـة أعــــداد الــقــراء فحسب، لـــكـــنـــه صـــــــراع وجــــــــودي لــلــجــنــس الأدبــــــي نفسه، يتصل بالبعد الحضاري، فالشعر مهما حـــدث فسيظل لــه بـعـده التجذيري التأصيلي القابع في روح الأمـة، والرواية حاملة مشعل التنوير سيظل لها بعدها الـحـداثـي الـتـنـويـري، الـــذي لا ينكره أحـد. وهــنــا، لا يمكن مـقـارنـة الـقـصـة القصيرة بــقــطــبــي الأدب: الـــشــعـــر والــــــروايــــــة، كـثـيـر مـن المثقفين يـصـر على أن المشكلة ليست مــوجــودة، لكنها مشكلة جلية، تستدعي التوقف عندها والتأمل فيها، حتى الكاتبة الـكـنـديـة ألــيــس مـــونـــرو، الــفــائــزة بـجـائـزة م، أشـــــارت إلـــى بهجتها 2014 نــوبــل عـــام بـذلـك الــفــوز، وأمـلـهـا فـي أن يـتـزايـد الـقـراء الـذيـن يتابعون القصة الـقـصـيـرة، فقالت بُــعــيــد الإعــــــان عـــن الـــجـــائـــزة، إنـــهـــا تـأمـل «أن تكون الجائزة جالبة لمزيد من القراء لأعمالي، كما آمل أن يحدث هذا ليس لي فحسب، بل للقصة القصيرة عامة». وفي هـــذا وعـــي دقــيــق بـحـجـم قــرائــهــا، يتباعد عن المبالغات التي نتبناها في أعداد قراء القصة القصيرة، ومع ذلك سأكون سعيدا جــــدا لـــو ثـبــت لـــي أن الــقــصــة الــقــصــيــرة لم تتراجع، وأنها محط اهتمام القراء. «احــــتــــبــــاس الـــــضـــــوء: بــــاغــــة الإعــــاقــــة > الـبـصـريـة» كـتـاب شـائـق مــن عــنــوانــه... لـكـن هل ثمة فــارق جوهري بين بلاغة وجماليات النص الــذي يكتبه المبصر وغير المبصر... بما يكفي لتدشين نظرية؟ - لا أزعـم أن هذا الكتاب يضم نظرية مكتملة، إنه محاولة نقدية تأبى تصنيف التجارب الإبداعية في رف واحـد، وتدعو إلـــى وجـــوب التشكيك فــي ادعــــاء أن حالة إبداعية لكفيف تماثل نظيرتها لمبصر... وتصل إلى أن كل تجربة لكفيف تستحق أن تُــدرس على حـدة، وفـي هيئة مستقلة، وأن تتشكل أدواتها بما يلائمها، أو لنقل: بـمـا يحايثها، مــن أجـــل مـزيـد مــن نجاعة الفحص النقدي؛ لذا يضم الكتاب سلسلة مـــن درس الـــحـــالات الــتــي بـنـيـت عـلـى نبذ الآخــريــة الـتـي أقـيـمـت اســتــهــالاً؛ لتستند إلــــــى تـــلـــك المـــصـــطـــلـــحـــات الــــتــــي قــــد يــكــون مبعثها الـشـفـقـة، وتــهــدف إلـــى التخفيف والمــواســاة، فنتبناها، ومــن ثـم تؤمن بها بعض المؤسسات الثقافية، مثل: «أصحاب الــهــمــم» أو «ذوي الاحــتــيــاجــات». إن هـذا التمييز لا يُلغي التصنيف، الذي يقود إلى آخرية مُدَّعاة، أو مبتغاة من نوع ما، وهذا المستوى الأول يشكل أساسا أوليا للتمييز المــســتــتــر، ومــــن ثـــم كــانــت إقـــامـــة الـــقـــراءات النقدية مستوى آخر لا ينبغي تجاهله. لـــك كــتــابــات كــثــيــرة عـــن الـــتـــنـــاص، مثل > «الــقــراءة التناصية الثقافية» و«الكتابة والمحو» و«المــوروث وصناعة الـروايـة»، فكيف ترى حوار الشاعر الراهن مع أشباح سلفه الشاعر القديم؟ - الـتـنـاص، فـي معظم مـا كتبت، كان حالة مركبة لها عدد من الأوجه، وتتنافى مع الحالات الجزئية كالاقتباس أو غيره، لكنها تتوافق مـع «الـنـص» بوصفه جـزءا من المصطلح الدال على التداخل والتفاعل، وباكتماله تبدأ دورة ترحله من ثقافة إلى أخـــرى، فرسم الطيور المتناثرة فـي لوحة فن تشكيلي، تتفق في كونها طيوراً، ولا فــــرق بـــن مـــا كــــان يـطـيـر مـنـهـا مــنــفــردا أو بصورة جماعية؛ لأن كلتا الحالتين تجعل الـطـيـر حــاضــراً. وتنبغي الإشــــارة إلـــى أن الــتــنــاص يــظــل حــالــة «هــدمـــيـــة» قـــد نــراهــا متحققة في دراســة هارولد بلوم عن قلق التأثير، فالنص التالي هادم افتراضي لما أنتج في النص الأول، أما التعامل الجزئي مــع الـتـنـاص بــصــورة جـزئـيـة فيظل نظرا إلى شظايا نصية لدينا من المصطلحات الــتــراثــيــة مـــا يـفـي بـمـعـالـجـتـهـا. هـــل نجح شعراؤنا في التفاعل مع منتج أسلافهم؟ الإجـــــابـــــة ســـتـــكـــون: نـــعـــم، ولـــكـــن بـــصـــورة جزئية في أغلب ما جرى توظيفه. بـــوصـــفـــك مـــفـــكـــرا مــنــشــغــا بــالــحــداثــة > ومـــــا بـــعـــدهـــا، هــــل مــجــتــمــعــنــا الـــعـــربـــي مـــواكـــب لـهـذه الـتـطـورات العالمية أم أنــه يقف عند حـدود «التحديث» المادي وليس الحداثة؟ - لــــدي اهـتـمـام لا بـــأس بــه بـالـحـداثـة ومــا بعدها، لكنه لا يصنفني مفكراً، كل قـراءة عن هذه العوالم تسوغ التوافق مع مـــا تـفـضـلـت بــــالإشــــارة إلــيــه عـــن المجتمع الـــعـــربـــي، فـــي كـــونـــه يـــدخـــل فـــي الـتـحـديـث المـــــادي. لـقـد نـجـح مصطلح الــحــداثــة ومـا بعدها في عالمنا العربي مرتين؛ مرة بذلك الــتــوافــق الـعـلـمـي عـلـيـه، والأخـــــرى بكونه جاء متوازياً، إلى حد ما، مع ما هو شائع في العالم الغربي، وفـي رأيـي إن الإشكال الــنــقــدي يـتـمـثـل فـــي غـــيـــاب الــنــظــر إلــــى أن الــحــداثــة ومـــا بـعـدهـا طـــائـــران لا يـقـومـان إلا عـــلـــى جــــنــــاحــــن: أولــــهــــمــــا مـــــا يـتـصـل بالفلسفة والانتماء، والآخر ما يتمثل في الاتـــكـــاء عـلـى المـصـطـلـحـات والإســـهـــام مع الأســـمـــاء الــتــي لـهـا مـنـجـزهـا فــي النظرية وتطبيقاتها. كتابك المهم «إعادة كتابة المدينة العربية» > يـــحـــاول كــشــف الــتــمــثــيــل الاســـتـــعـــمـــاري لـلـمـدن العربية... لماذا يرانا العالم الغربي بهذه الصورة وكيف يمكن تغييرها؟ - تـبـنّــى هـــذا الـكـتـاب الـتـتـبـع الـنـقـدي لــــظــــاهــــرة ســـــائـــــدة فـــــي عــــــدد مـــــن الأعــــمــــال الـــروائـــيـــة المــكــتــوبــة بــالإنــجــلــيــزيــة؛ وهــي الـــكـــتـــابـــة الــســلــبــيــة عــــن المــــــدن فــــي الـــشـــرق الأوسط، ومن ثم كان الوقوف على النماذج والتصنيفات الـتـي يمكن أن تخضع لها فـــي إطــــار مـفـاهـيـم مـنـهـجـيّــة مـــحـــددة، في م، 2013 م و 1957 أعمال صـدرت بين عامي كــــانــــت جـــنـــســـيـــات كـــتّـــابـــهـــا الـــبـــريـــطـــانـــيـــة والأميركية، لكنها تتفق في الارتهان إلى خـطـاب يميل إلــى إنـتـاج تمثيلات سلبية عن الشرق عامة، وقد خصص الكتاب لتلك المــســاءلــة جـانـبـن: الأول فــرعــي، ويتصل بتمثيلات القبح والتقبيح، والتمثيلات الشبقية، والغرائبية، وكان الجانب الآخر مـــركـــزيـــا عـــالـــج تــمــثــيــات الـــكـــراهـــيـــة الـتـي تــعــود جـــذورهـــا إلــــى الــخــطــابــات الـديـنـيـة والـــســـيـــاســـيـــة والاقــــتــــصــــاديــــة، وعــــلــــي أن أضيف: إنه يتبدّى أن تلك الرؤية الغربية لـــيـــســـت مـــقـــتـــصـــرة عــــلــــى المــــــــدن الـــعـــربـــيـــة فـحـسـب، لكنها تمتد إلـــى المـــدن الشرقية بصورة عامة، نتيجة خطاب استعماري له جذوره التاريخية. أخيراً، ما رؤيتك للمشهد الثقافي العربي > مع بزوغ عصر «السوشيال ميديا» وتراجع دور المثقف التقليدي؟ - هـــنـــاك تــــراجــــعــــات كـــبـــيـــرة لــــــأدوار الـــتـــقـــلـــيـــديـــة فــــــي المـــــرحـــــلـــــة الــــحــــالــــيــــة مــن مثقف أو غـيـره، وبـــدا لـي أن «السوشيال ميديا» أضحت مقرونة مـع عـوالـم الذكاء الاصطناعي فـي حياتنا جــزء مـن تعاظم آلي، يقابله تراجع لم يعد خاصا بالمثقف وحـــــده، بـــل امــتــد إلـــى الإنـــســـان الــــذي بـات متصلا بالأجهزة الصناعية؛ التي تحيط بــــه، وتــلــقــنــه، وتـــقـــدم لـــه مـــا يــحــتــاج إلـيـه مـــن عـــشـــرات المـثـقـفــن فـــي لـحـظـة واحـــــدة، ويضيف إلـى ذلـك قدرته على إدارة حوار بـــيـــنـــهـــا، ومــــنــــاظــــرة؛ إذ أصــــبــــح الإنــــســــان الـحـالـي كـائـنـا مـعـدلا يجمع بــن الإنـسـان والـتـقـنـيـة (الـــســـايـــبـــورغ)، وهــــي الــظــاهــرة الـــتـــي نـعـيـشـهـا فـــي أدق تـفـاصـيـلـهـا، بما يتصل بنا من تقنية تحيط بنا وتشكّلنا، أما إيجابياتها فتتجلى في كونها سترفع مستوى الوعي عالياً، ليعود هذا الإنسان «الاسـتـثـنـائـي» فيكتب مـزيـدا مـن الإنـتـاج الثقافي أو العلمي، كـي يُضيف بوصفه آلــــة إلــــى مـــا لــــدى الآلات المــحــيــطــة، وهــكــذا نصبح في دوامة من التقنية التي يُخشى أن تُـــســـهـــم فــــي تــغــيــيــب شـــمـــس الإنــــســــان وانحسار صوته رمزياً. معجب العدواني يُــعــد الـنـاقـد الأكــاديــمــي الــســعــودي الــدكــتــور معجب الـعـدوانـي مـن أصـحـاب البصيرة النقدية الـنـافـذة، التي تتجلى في متابعته للمشهد الثقافي العربي، وقضايا الـتـراث، ومستجدات النظرية الأدبية الغربية، وتطورات المناهج النقدية الحديثة. صدر له عدد من المؤلفات المهمة، منها «إعــادة كتابة المـدن العربية»، و«قـــراءات في السرد العربي»، و«بلاغة الإعاقة البصرية»، و«مفهوم العامة»، و«الحداثة في الأدب السعودي»، وله أكثر من كتاب عن الــتــنــاص... هـنـا حـــوار مـعـه عــن أبـــرز مـؤلـفـاتـه، ورؤيـتـه للمشهد الثقافي العربي. الناقد السعودي يرى أن الذكاء الاصطناعي يسهم في تغييب الإنسان عمر شهريار بعض الكتاب أرادوا التوجه إلى كتابة الرواية لا لحاجتهم إليها وإنما لمحاكاتهم غيرهم... فكانت تجربتهم قاصرة عمرو البطا يرسم لغزها عبر «الحياة في الأبراج الرملية» الرواية حين تصبح مسرحا للجريمة لا تنفصل الإحـــالـــة الــتــي يحملها عــــنــــوان روايــــــــة «الــــحــــيــــاة فــــي الأبـــــــراج الــرمــلــيــة» لـلـشـاعـر والــــروائــــي المــصــري عـــمـــرو الــبــطــا عـــن مــعــمــارهــا الـــســـردي، الـــقـــائـــم عـــلـــى ثــنــائــيــة الـــبـــنـــاء والــــهــــدم، بوصفها آلية لكشف هشاشة البنيان الــــذي لا يـفـلـح فــي حـمـايـة الإنـــســـان من جــمــوح أحـــامـــه وأشـــبـــاحـــه، فـــ«الــبــرج» لا يُــسـتـدعـى هـنـا بـوصـفـه حلما فـرديـا فـحـسـب، بـــل فــانــتــازيــا لـلـسـيـطـرة على عالم «رملي» مُراوغ بطبيعته. في هذه الرواية، الصادرة أخيرا عن دار «الشروق» بالقاهرة، يؤسّس الكاتب أســـئـــلـــتـــه الــــوجــــوديــــة مــــن خـــــال حـبـكـة لجريمة جنائية غامضة، حيث يصحو سكان شــارع على مشهد جثة مسجاة على الأرض، فـيـتـورطـون فـي سجالات مــمــتــدة، ولـعـبـة مــن الــشــد والـــجـــذب في محاولة لتتبّع لغز القتيل وسيرته، غير أن الـــروايـــة لا تكتفي بحبكة الجريمة بـــقـــدر مـــا تـتـخـذهـا ذريـــعـــة لـلـنـفـاذ إلــى مـسـتـويـات نـفـسـيـة واجـتـمـاعـيـة أعـمـق لشخصياتها المعقدة. لا يتحوّل الـشـارع في الـروايـة إلى مجرد خلفية مكانية للأحداث، بل يغدو مسرحا جماعيا تتقاطع فوقه مشاعر الـــذنـــب والارتــــيــــاب، حــــيــــث يـــصـــبـــح كــل سـاكـن فـي مواجهة احـــــــــــتـــــــــــمـــــــــــالات أن يــــكــــون شـــــاهـــــداً، أو متورطاً، أو شريكا بـــــالـــــصـــــمـــــت. ومـــــع تــصــاعــد مــحــاولات تفكيك لـغـز الجثة، تـتـكـشـف الــعــاقــات الــهــشّــة الــتــي تـربـط الــــــــشــــــــخــــــــصــــــــيــــــــات بـالمـكـان وببعضها الـــبـــعـــض، ويـصـبـح الــــــــــشــــــــــارع فــــــضــــــاء مــــكــــثــــفــــا لـــلـــشـــكـــوك المتبادلة. طموح خيالي تنهض الرواية في بنيتها السردية على صوت راو عليم، فيما يُفرد الكاتب لبطله الرئيسي فصولا بضمير المتكلم، تتقاطع مع سردية الــراوي العليم قبل أن يذوبا معا في النهاية، ويبدو صوت البطل، عبر تداعي الـذاكـرة، كاشفا عن تعقيدات طفولته، ومـسـاره التعليمي فـــــي الــــــغــــــرب، وقـــــصـــــة حـــــب مـــتـــوهـــجـــة بالخيال، وصولا إلى حلمه ببناء برج فــي الـصـحـراء يستعصي تحقّقه على أرض الواقع، غير أن هذا الحلم لا يبدو امتدادا رومانسيا لطموح فردي، بقدر ما يكشف عن رغبة عميقة في إخضاع الفوضى وبناء معنى جمالي، وهو ما يــدفــع الـبـطـل، بـعـنـاد واع، إلـــى المـضـي فـــي اســتــكــمــالــه رغــــم إدراكـــــــه لـهـشـاشـة الأساس، وعدم واقعية إنجازه. وتـــبـــدو ذروة الـــتـــحـــوّل فـــي صــوت الــــــــراوي فــــي عـــبـــارتـــه: «إن كـــاتـــب هـــذه الــســطــور أصــبــح شـخـصـا مـخـتـلـفـا عن كـــاتـــب الــصــفــحــات الـــســـابـــقـــة»، بـمـثـابـة وعي سردي يُعلن اكتمال التحوّل الذي راكـمـتـه الــروايــة على مستوى الصوت والذات معاً، فهنا يتقاطع مسار السرد مــــع مـــســـار الــــــــذات، فــــي تــــحــــوّل داخـــلـــي لا يــقــل هــشــاشــة وتــعــقــيــدا عـــن الأبــــراج الرملية التي يسعى البطل إلى بنائها. عين رمادية يــتــكــئ الـــكـــاتـــب عـــلـــى رمـــــز «الـــعـــن الرمادية» بوصفه علامة سردية تتكرّر فـــي مــســرح الـجـريـمـة وبـــن مـشـاهـدات الــــجــــيــــران، لـــتـــقـــود إلـــــى ســــــؤال الـــرؤيـــة وحـــدودهـــا، ففي مـسـار فـانـتـازي يعثر أحد الجيران على عين الجثة، فيحملها إلــى بيته، لتورطه فـي مـــأزق كبير، إلا أنه قبل هذا يكون قد تماهى وجدانيا مــــع قـــصـــة الــقــتــيــل وهـــــو يُـــطـــالـــع عـيـنـه تـــلـــك: «رأى مـــا كـــابـــده صـــاحـــب الــعــن، هواجسه، وأحـامـه، آلامـــه، مـوتـه، رأى كـــل ذلــــك فـــي لمـــحـــات خــاطــفــة لا تكشف لــــه فــــكــــرة واضــــحــــة عــــن شـــــــيء، لـكـنـهـا كفيلة بالتحامه وجـدانـيـا مـع صاحب العين»، حيث تتحوّل العين إلى علامة شـــعـــوريـــة، وصـــــوت مُـــخـــتـــزن، يصعب تفسيره أو السيطرة عليه. ويظل السرد يُهمِّش شفرة «اللون الـرمـادي» حتى نهاية الـروايـة، قبل أن تتكشّف مع تقدّمه دلالتان متوازيتان؛ دلالـة جنائية تشير إلـى هُوية القتيل، ودلالة إنسانية يستدرّها البطل بقوله: «يمكنني أن أقــــول بـثـقـة إن كــل البشر ذوو عيون رمادية. كلهم يولدون بهذا الــــلــــون، ثـــم تـصـبـغـهـم الـــحـــيـــاة بـــألـــوان أخرى»، وهكذا لا يعود الرمادي مجرّد عــــامــــة لــــونــــيــــة، بـــــل تـــوصـــيـــف لــحــالــة إنسانية مُعلّقة. يُــوّظــف الـكـاتـب الأمـكـنـة الصغيرة والـــــهـــــامـــــشـــــيـــــة فـــــــي تــــعــــمــــيــــق روابـــــــــط الــــشــــخــــصــــيــــات وألـــــــغـــــــازهـــــــا، مـــــــا بـــن «الـــبـــوتـــيـــك» و«الـــصـــيـــدلـــيـــة» و«الـــشـــقـــة المــــهــــجــــورة» و«الـــــــدكـــــــان» و«المــــقــــابــــر»، لــتــغــدو هــــذه الـــفـــضـــاءات بـــــؤرا ســرديــة تُراكم التوتر وتعيد وصل الشخصيات بـــمـــاضـــيـــهـــا، وعــــلــــى مـــســـتـــوى الـــبـــنـــاء، يعتمد الـــســـارد فــي كثير مــن الفصول على إنهائها عند نقاط ذروة، في تقنية تتسق مـع بنية لغز الجريمة المُــشـوّق، لـكـنـهـا فـــي الـــوقـــت ذاتـــــه تــعــمّــق الـبـعـد الـــتـــأمـــلـــي لــــلــــروايــــة، حيث يتحرّك الزمن فــــــي مـــــســـــار دائــــــــري يـعـيـد الـشـخـصـيـات باستمرار إلى جرح المـــــــاضـــــــي الـــــــــــذي لـــم يُحسم. ويـــــــــتـــــــــجـــــــــلّـــــــــى هـــــــــذا المـــــنـــــحـــــى فـــي اخــــــــتــــــــيــــــــار بــــعــــض عــنــاويــن الــفــصــول، مـــــــثـــــــل «أوديــــــــــــــــــــب» و«قـــــــــابـــــــــيـــــــــل»، فـــي مــــــــســــــــاحــــــــة فــــنــــيــــة تتناص مـع تعقيد عـــــــــــاقـــــــــــة الــــــبــــــطــــــل بـوالـده، وتستدعي فـــــــــكـــــــــرة الـــــــــصـــــــــراع الأبـــــدي والــجــريــمــة الأولـــــى بوصفها أصـــــــــا مــــؤســــســــا لـــلـــعـــنـــف والــــــذنــــــب، ويـــتـــكـــثـــف هـــــذا الـــتـــنـــاص فــــي مـشـهـد يـتـقـمـص فــيــه الــبــطــل صـــــورة والــــــدهً: «وجــدتــنــي أحــــل فـــي جـسـد أبـــي وهـو يــــدلــــف عـــبـــر الــــبــــاب ويـــــوصـــــده بــقــوة ثـــم يـسـعـل ويـجـلـس واضـــعـــا حقائبه فـــوق المــنــضــدة. وجــدتــنــي أمــــرر يـديـه الخشنتين على وجهه المبلل بالعرق. كان وجهه عابساً، غارقا في التفكير». هـــنـــا لا يـــكـــتـــفـــي الـــــســـــرد بـتـفـكـيـك صـورة الأب بوصفه سلطة قاسيةً، بل ينتقل إلى مستوى أعمق من التقمّص والــتــعــاطــف، حـيـث تــــذوب المــســافــة بين الابـن والأب، لتغدو عقدة الجريمة في جوهرها عقدة نفسية بالدرجة الأولى. وتتكثف ثيمة «الـبـصـيـرة» داخــل الـــــروايـــــة عـــبـــر شــخــصــيــات تـــــرى مــــا لا يـــراه الآخـــــرون، لـتـأخـذنـا تـدريـجـيـا من منطقة الـرؤيـة إلـى منطقة «التعامي»، فشخصية «أم مطيعة» تمتلك قدرة على الـرؤيـة تتجاوز الظاهر، لكنها تُواجَه بالاستخفاف والإقــصــاء، كنموذج لمن يُهمشون لأنهم يرون أكثر مما يحتمل الــــواقــــع، وعـــلـــى الــضــفــة الأخــــــرى، يقف «شحاتة» بوصفه عينا تراقب الشاردة والواردة أمام دكانه الشاغر. في المقابل، تمثل «الأم» و«العمة» نماذج متواطئة بفعل القهر، لا لأنهما لا تـــــبـــــصـــــران، بــــــل لأنــــهــــمــــا تــــخــــتــــاران «الـــــتـــــعـــــامـــــي» بــــوصــــفــــه آلـــــيـــــة لـــلـــبـــقـــاء، فيصبح العمى استراتيجية دفاعية، في عالم لا يُكافئ من يـرى، بل يحمّله تكلفة إضافية. أمــا البطل، فيبدو ضحية ملكاته الخيالية الـجـامـحـة، تلك الـتـي تمنحه قــــــدرة مــضــاعــفــة عـــلـــى الـــــرؤيـــــة، لـكـنـهـا تــــضــــعــــه فــــــي مـــــواجـــــهـــــة مـــــبـــــاشـــــرة مــع الــــخــــوف، وفـــــي رحـــلـــة تــصــالــحــه مــعــه، يصل إلـى لحظة إدراك فـارقـة: «عندما غادرني الخوف لم أعد أكره أحدا حتى من أساءوا إليّ». القاهرة: منى أبو النصر
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky