Issue 17248 - العدد Tuesday - 2026/2/17 الثلاثاء جــــاءت مــحــادثــات مـسـقـط الأخـــيـــرة بــن إيـــران والــــولايــــات المــتــحــدة لـتـفـتـح نـــافـــذة صــغــيــرة وســط جــــدار سـمـيـك مـــن انـــعـــدام الــثــقــة. وهــــذه المــحــادثــات الأولـــى منذ أحـــداث يونيو (حــزيــران) المـاضـي التي شـمـلـت ضـــربـــات عــلــى مـــواقـــع رئــيــســيــة لـلـبـرنـامـج يوماً. وبالتالي 12 الـنـووي الإيـرانـي خـال حـرب الـــ فهي اختبار لقدرة الطرفين على العودة إلى طاولة التفاوض بعد عام من التصعيد، سواء الإعلامي أو الاقتصادي أو حتى العسكري. ولا يخفى أن دول المنطقة، وفـي مقدمتها المملكة العربية السعودية ودول مـجـلـس الـــتـــعـــاون، تـنـظـر إلـــى مــســار مسقط باعتباره فـرصـة حقيقية لخفض منسوب التوتر وإعــــــادة الاســـتـــقـــرار إلــــى الإقـــلـــيـــم. وقــــد عـــبّـــرت دول الخليج بوضوح عن دعمها لجهود الحوار؛ إذ أكد وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان أن أي تفاهمات جـادة حول الملف النووي الإيراني ستسهم في تعزيز أمن المنطقة واستقرارها، وهو مـــوقـــف يــعــكــس رغـــبـــة خـلـيـجـيـة عـــامـــة فـــي تغليب الدبلوماسية على منطق التصعيد. تابعت من كثب السلوك التفاوضي الإيراني، ،2015 إلى 2013 لا سيما خلال الفترة الممتدة من وهــــي المـــرحـــلـــة الـــتـــي أفـــضـــت إلــــى تــوقــيــع الاتـــفـــاق .)1+5( بين إيران ومجموعة دول 2015 النووي في ومــــن خــــال تــتــبــع مـــســـار المـــلـــف الــــنــــووي بـوصـفـه حالة تفاوضية نموذجية، يتضح أن هـذا المسار مـــر بمرحلتين رئـيـسـيـتـن. المـرحـلـة الأولــــى يمكن تسميتها منطق الأمــن قبل منطق الدبلوماسية، وهــــي المــرحــلــة الـــتـــي تـــولـــى فـيـهـا المــجــلــس الأعــلــى -2003 لـــأمـــن الـــقـــومـــي قـــيـــادة المـــلـــف (خـــصـــوصـــا )، لـم يكن لــــوزارة الـخـارجـيـة فـي تلك الفترة 2013 أي دور سـوى دور تنفيذي محدود الصلاحيات، بينما كـــان الـــقـــرار يُــصـنـع داخــــل الـــدوائـــر الأمـنـيـة والسياسية الضيقة داخــل المجلس. تميزت هذه المـــرحـــلـــة بــصــابــة تــفــاوضــيــة عـــالـــيـــة، واســـتُـــخـــدم الـتـفـاوض كــــأداة لإدارة الـضـغـط الــدولــي أكـثـر من كــونــه مــســارا لـلـوصـول إلـــى تـسـويـة. بــــرزت ثلاثة وجـــوه رئيسية قـــادت الـتـفـاوض فـي تلك المرحلة، الــرئــيــس حـسـن روحـــانـــي الــــذي كـــان حـيـنـهـا أمـن المــجــلــس الأعـــلـــى لــأمــن الــقــومــي ورئـــيـــس الـفـريـق ، كان 2005-2003 التفاوضي، قاد الملف لعامين من بـراغـمـاتـيـا ركـــز عـلـى كـسـب الــوقــت وإدارة الأزمـــة بـــدل الـتـصـعـيـد. ثــم جـــاء عـلـي لاريــجــانــي وسعيد بعد 2013 إلـى 2005 جليلي الـلـذان قـادا الملف من وصـــــول الـــرئـــيـــس أحـــمـــدي نـــجـــاد، وتـــمـــيـــزت هــذه المرحلة بالتشدد والمـواجـهـة. كانت فترة تحولت فيها المـفـاوضـات إلـى منصة خطابية وشـعـارات. بالمجمل كان الهدف الرئيسي هو حماية البرنامج النووي من التفكيك، وتثبيت أكبر قدر ممكن من المكتسبات التقنية على الأرض، حتى ولو طال أمد المـفـاوضـات لسنوات. مـع صعود حكومة الرئيس ، الـتـي تـمـيـزت بــقــدر من 2013 حـسـن روحــانــي عـــام البراغماتية السياسية، انتقل مركز الثقل في إدارة الملف التفاوضي إلى وزارة الخارجية. وتولى قيادة هــذه المـرحـلـة وزيـــر الخارجية محمد جـــواد ظريف وعـبـاس عـراقـجـي نـائـب الــوزيــر وكبير المفاوضين المـــيـــدانـــيـــن، وكـــانـــت مـــدرســـة تــفــاوضــيــة مـخـتـلـفـة، محترفة متعددة الاختصاصات، بأسلوب نوعا ما مــرن يقوم على الصفقات المتبادلة، ويمكن القول إنها اعتمدت الاحتراف القانوني والتقني، والقدرة على صياغة اتفاقات مفصلة قابلة للتنفيذ. وقد ،2015 توج هذا المسار بتوقيع الاتفاق النووي عام فــــي مــحــطــة بـــــدت ذروة لـــهـــذا الـــنـــهـــج الـــتـــفـــاوضـــي. ومــع ذلــك، لـم تمس إيـــران ثوابتها الاستراتيجية، بــل أعــــادت ضـبـط أســلــوب إدارتـــهـــا لـلـتـفـاوض بما يــتــنــاســب مـــع الـــســـيـــاق الــــدولــــي آنـــــــذاك. أمــــا الـــقـــرار الـنـهـائـي، فظل فـي جـوهـره قـــرارا سـيـاديـا مركزياً، حتى وإن بدا في الظاهر أن وزارة الخارجية هي من تقود المشهد التفاوضي. 2015 اسـتـمـر محمد جـــواد ظـريـف بــن عـامـي فــــي قــــيــــادة الـــجـــهـــد الـــســـيـــاســـي الإيــــرانــــي 2021 و لـحـمـايـة الاتـــفـــاق الـــنـــووي بـعـد تـوقـيـعـه، فـيـمـا ظـل عــبــاس عــراقــجــي يــديــر الــجــانــب الـفـنـي والـقـانـونـي بوصفه كبير المـفـاوضـن. ومـع انسحاب الـولايـات ، انتقل تركيز الفريق 2018 المتحدة من الاتفاق عام الإيـــرانـــي إلـــى مـحـاولـة الإبـــقـــاء عـلـى الاتـــفـــاق قائما عـــبـــر الــتــنــســيــق المـــكـــثـــف مــــع الأطــــــــراف الأوروبـــــيـــــة، والبحث عـن آلـيـات اقتصادية بديلة لتخفيف أثر العقوبات. وفي الوقت نفسه، تبنّت طهران سياسة «التصعيد المرحلي المحسوب»، من خـال تقليص تـــدريـــجـــي لالـــتـــزامـــاتـــهـــا الـــنـــوويـــة بـــهـــدف مــمــارســة ضغط تفاوضي على واشـنـطـن، مـع الـحـرص على إبـقـاء قـنـوات الـحـوار مفتوحة ومنع انهيار المسار إلى 2021 الـدبـلـومـاسـي بـالـكـامـل. وفــي الـفـتـرة مـن ، تــولّــى عـلـي بــاقــري كـنـي قــيــادة المـفـاوضـات، 2024 وهــــو أحــــد رمـــــوز الـــتـــيـــار المـــحـــافـــظ وكـــــان مــســاعــدا لكبير المفاوضين السابق سعيد جليلي. واتسمت هذه المرحلة بنبرة أكثر تشدداً، حيث أصر الفريق الإيراني على الحصول على ضمانات تمنع تكرار الانسحاب الأميركي، وربـط أي الـتـزام نـووي برفع فـــوري ومـلـمـوس للعقوبات. وبـذلـك عـــادت مقاربة «الـتـنـازل البطيء المـشـروط» لتصبح السمة الأبـرز في الأداء التفاوضي الإيراني خلال تلك المرحلة. لـكـن لعلي أسـتـطـرد هـنـا بـأنـه عـلـى الــرغــم من تغير الأدوار بــن مرحلتي الأمـــن الـقـومـي ووزارة الخارجية، فإن بنية التفاوض الإيراني تظل ثابتة في جوهرها؛ إذ إن عملية القرار معقدة ومتشابكة. فالفريق لا يعمل كجسم أو كيان منفصل، بل كجزء من منظومة قرار متعددة المستويات، تبدأ بتحديد الـــتـــوجـــيـــهـــات والــــخــــطــــوط الــــحــــمــــراء ورســــــم سـقـف التنازلات الممكنة في الدوائر السياسية العليا، ثم تنتقل إلـى طبقة الإدارة التفاوضية التي تقودها وزارة الخارجية أو المجلس الأعلى للأمن القومي، حـسـب طـبـيـعـة المــرحــلــة. يـلـي ذلـــك عـمـل فـــرق فنية وقـانـونـيـة واقـتـصـاديـة تتولى صياغة التفاصيل الدقيقة للاتفاقات، قبل أن تدار الرواية إعلاميا بما يخدم الموقف الداخلي والـخـارجـي. وبهذا المعنى، فـــإن المـــفـــاوض الإيـــرانـــي مـهـمـا بـــدا واثــقــا ومتمكنا وقويا على الطاولة، يظل مقيدا بتفويض محدود ولا يملك تفويضا مطلقاً، بل يتحرك ضمن هامش مـــرســـوم بــدقــة ويـــعـــود بــاســتــمــرار إلــــى مـرجـعـيـاتـه الـسـيـاسـيـة قـبـل الإقـــــدام عـلـى أي خـطـوة جـوهـريـة، وهــو مـا يفسر الـبـطء النسبي فـي اتـخـاذ الــقــرارات الــكــبــرى والـــحـــرص الـــدائـــم عـلـى الـــتـــدرج فــي تقديم التنازلات. وبالتالي فإن محاولة فهم السياق التاريخي والمـؤسـسـي للعملية التفاوضية الإيــرانــيــة، يمكن مـــن خــالــهــا قــــــراءة مـــا جــــرى فـــي مــســقــط بــصــورة أكـــثـــر وضــــوحــــا. فـــقـــيـــادة وزيـــــر الـــخـــارجـــيـــة عـبـاس عراقجي للمحادثات تعني أن الملف ما زال يدار من الخارجية وأن طهران اختارت واجهة دبلوماسية مـحـتـرفـة قــــادرة عـلـى إدارة نـقـاش تقني وقـانـونـي معقد، مستفيدة من خبرته كأحد مهندسي اتفاق . غير أن تركيبة الوفد المرافق، بوجود مجيد 2015 تــخــت روانــــجــــي لــلــشــق الـــســـيـــاســـي، وكـــاظـــم غـريـب آبــــادي لـلـشـؤون الـقـانـونـيـة والــدولــيــة، ومـسـؤولـن مـعـنـيـن بـالـدبـلـومـاسـيـة الاقـــتـــصـــاديـــة، تـكـشـف أن المفاوضات تُدار وفق مقاربة متعددة الأبعاد هدفها الأساسي تخفيف العقوبات مقابل التزامات نووية مـحـسـوبـة. وفـــي مـــــوازاة ذلـــك فـــإن الـتـحـركـات التي قـــادهـــا عـلـي لاريــجــانــي ســــواء زيـــارتـــه إلـــى مسقط ثـم انتقاله مباشرة إلـى الـدوحـة، ولـقـاؤه القيادات الـعُــمـانـيـة والـقـطـريـة، تشير إلـــى أن المــســار الأمـنـي حاضر بقوة إلى جانب المسار الدبلوماسي. فبينما يــقــود عــراقــجــي الـــتـــفـــاوض الـتـقـنـي عــلــى الــطــاولــة، تتولى القناة الأمنية اختبار حدود الممكن، وتهيئة البيئة الإقليمية، وضبط سقف القرار داخل طهران. ويـعـنـي ذلـــك عمليا أن إيــــران تُــديــر الـتـفـاوض على مستويين متزامنين: مستوى تفاوضي يحافظ على الطابع النووي الضيق، ومستوى أمني يضمن أل تنزلق الجولة إلى صفقة واسعة تتجاوز ما تريده طهران في هذه المرحلة. لكنني أعـتـقـد أن أســلــوب الـتـفـاوض الإيــرانــي ســــــــــواء فــــــي نـــســـخـــتـــه الأمـــــنـــــيـــــة أو فــــــي واجــــهــــتــــه الــدبــلــومــاســيــة الــقــائــمــة فـــي مـجـمـلـهـا عــلــى إطــالــة المفاوضات وإدارة عامل الزمن، قد لا يكون مناسبا لـــهـــذه المــــرحــــلــــة، فــــي ظــــل إدارة أمـــيـــركـــيـــة لا تــبــدو مستعدة لمـسـار طـويـل بــا سـقـف واضــــح، مــع بقاء الخيار العسكري حاضرا في الخلفية. وفي المقابل، تـمـتـلـك إيــــــران فـــرصـــة نــــــادرة مـــع الـــدعـــم الـخـلـيـجـي والانفتاح الدولي على الحلول الدبلوماسية، غير أن استغلالها يتطلب انتقالا حقيقيا مـن سياسة المماطلة إلـى حسم مـسـؤول للملفات العالقة التي تــــؤرق المـجـتـمـع الـــدولـــي، بــوصــف هـــذا الــخــيــار هو الخيار الأكثر حكمة ويسهم في تعزيز أمن المنطقة واستقرارها. مـــن جـــزيـــرة إبـسـتـن إلـــى فـلـسـطـن، يقف الـعـالـم الـيـوم أمـــام صـدمـة أخـاقـيـة تـبـدو غير مسبوقة. ليست الصدمة فـي تفاصيل الفعل الـجـنـسـي أو فـــي عـــدد الـضـحـايـا فـحـسـب، بل فـــي انــكــشــاف بـنـيـة كــامــلــة مـــن الإذلال المـنـظَّــم واحــتــقــار الإنـــســـان، وخــصــوصــا الأطـــفـــال. ما جرى على جزيرة إبستين ليس حادثة شاذة، بـــل يُــعــد تـفـشـيـا لـــوبـــاء قــديــم ظـهـر كتقيحات عـلـى جـسـد الـحـداثـة الـغـربـيـة. والـــســـؤال الــذي يـــجـــب مـــواجـــهـــتـــه دونـــــمـــــا مــــــواربــــــة هــــــو: هـل ســيــتــطــور الـــوعـــي الأخــــاقــــي فـــي الـــغـــرب بعد فضيحة إبستين كما تطور بعد صدمة أسواق الـنـخـاسـة فــي الــقــرن الـتـاسـع عـشـر ومـــا قبله، أم أن الضجيج الإعــامــي مـجـرد سـتـار جديد لسوق قديمة؟ جـــــزيـــــرة إبـــســـتـــن لـــيـــســـت جـــــديـــــدة، فـمـن قبلها كــانــت جــزيــرة ســـان دومـيـنـغ (هاييتي اليوم) والمسافة بين الجزيرتين ليست مسافة جـغـرافـيـة، بــل مـسـافـة أخــاقــيــة فــي صـورتـهـا الأعـمـق. سـوق النخاسة الـجـديـدة بطائراتها الخاصة وملابس الفتيات القاصرات والسادة الجدد من ولايـات الرق في آركنساه التي أتى منها بيل كلينتون هي السوق القديمة ذاتها بسلاسلها وأصفادها. كانت أسواق النخاسة في ليتل رووك حيث عاش كلينتون مستمرة حتى نهاية القرن التاسع عشر، وعندما زرت آركـــنـــســـاه فـــي تـسـعـيـنـات الـــقـــرن المـــاضـــي كــان البيض لا يأكلون مع السود رغم القانون الذي يمنع هذه العنصرية، ولكنهم كانوا يحتالون عليها بتسمية المطاعم «أندية خاصة»، وبهذا لا تـبـدو الـعـنـصـريـة والـنـخـاسـة بعيدتين عن حياة كلينتون. مسارح سوق النخاسة تغيرت أسوارها وسماسرتها وزبائنها. الاستعمار والاحــــتــــال يـــعـــدان الــــوريــــث الـــشـــرعـــي لـسـوق الــنــخــاســة: ألـــم يـكـن إبـسـتـن مـغـرمـا بـخـرائـط فـلـسـطـن وهــــو يــتــلــذذ بــتــعــذيــب الـــقـــاصـــرات؟ انشغل إبستين بأنفاق غـزة لأنـه بنى الأنفاق ذاتـــهـــا فـــي جـــزيـــرتـــه، لا لمـــقـــاومـــة احــــتــــال، بل لتعذيب من هم أضعف منه. حين أُغلقت سوق الرقيق في زنجبار في القرن التاسع عشر بقرار من السلطان برقاش، لـــم يــكــن الـــحـــدث مـــجـــرد قـــــرار إداري، بـــل كــان اعترافا متأخرا بـأن عـرض الفتيات والفتيان فـي الـسـاحـات وفـحـص الأجـسـاد كما تُفحص السلع، ليس من أخـاق العصر. ومـع ذلـك، لم تُغلَق السوق لأن الضمير الإنساني استيقظ فجأة، بل لأن صورة المجتمع أمام نفسه وأمام العالم أصبحت لا تُحتمل، ولا يمكن تسويقها أو تبريرها. فـي ســان دومـيـنـغ، المستعمرة الفرنسية الــــتــــي ســتــصــبــح هـــايـــتـــي، انـــفـــجـــر الــتــنــاقــض الأخــاقــي بـن شــعــارات الــثــورة الفرنسية عن الحرية والمـسـاواة والإخـــاء وبـن واقــع ملايين الـبـشـر المـسـحـوقـن فــي مــــزارع الـسـكـر كرقيق. هـــنـــاك ظــهــر اســــم تــــوسَّــــان لـــوفـــرتـــور بـوصـفـه رمزا للتمرد على هذا النظام، مؤكدا أن بعض المجتمعات لا تملك رفاهية الـحـوار الأخلاقي الطويل؛ فتتحول الأسئلة إلى ثورة. فـــي كـلـتـا الــحــالــتــن، لـــم تـكـن المـشـكـلـة في وجـود عبودية فحسب، بل في قبول المجتمع لنفسه وهو ينظر إلى الإنسان باعتباره مادة أولية للاستهلاك. وهذا هو لب القضية اليوم مع إبستين. ما الذي يجعل جزيرة خاصة في الـكـاريـبـي تـتـحـوَّل إلـــى فـضـاء مغلق لانتهاك الــطــفــولــة؟ لــيــس الـــشـــذوذ الـــفـــردي وحـــــده؛ بل شـبـكـة حـمـايـة غـيـر مــرئــيــة، ونــفــوذ سـيـاسـي، ومــــــال عـــابـــر لــــلــــحــــدود، وصـــمـــت مـــؤســـســـات، وإعلام يتعامل مع الجريمة بوصفها فضيحة شخصية لا بـوصـفـهـا جـريـمـة منهجية ضد جوهر الإنسان. هنا يصبح السؤال أكثر حدّة: هل إبستين حالة منفردة؟ أم أنه تاجر أعاد تركيب أسوار ســـوق نـخـاسـة قـديـمـة بــزبــائــن جـــدد وخـطـاب حداثي ناعم؟ الـــنـــخـــاســـة الـــقـــديـــمـــة كــــانــــت عـــلـــنـــيـــة، لـهـا نـــخّـــاس وســـاحـــة ومــــــزاد. الــنــخــاســة الـحـديـثـة تعمل فـي الـظـل: شـركـات واجـهـة، ومؤسسات دبلوماسية، ومؤتمرات دولية، وجزر خاصة لا تـــطـــالـــهـــا عــــن الــــقــــانــــون إلا حــــن تــتــســرب فـضـيـحـة. الأخـــطـــر مـــن الــجــريــمــة نـفـسـهـا هي الطريقة التي تُروى بها. الإعلام الغربي قدّم قضية إبستين كدراما شخصية: رجل ثري منحرف، وشبكة علاقات مشبوهة، وضحايا يتحدثن بعد سنوات. لكن أيـــن الـنـقـاش الأخـــاقـــي الـعـمـيـق؟ أيـــن الـسـؤال عـن البنية الـتـي سمحت لـه أن يعمل عشرات السنين دون أن يمسّ؟ وأيـن مساءلة المجتمع عــن شهيته الــدائــمــة لـتـحـويـل الألــــم إلـــى مــادة استهلاك تلفزيوني؟ وهنا، بالذات، يصبح الانتقال من جزيرة إبستين إلــى فلسطين ليس قـفـزة خطابية بل ضــــرورة أخــاقــيــة. لأن مـنـطـق الــســوق واحـــد، وإن تغيّر شكلها. في إسرائيل، وتحت واقع الاحـــــتـــــال فـــــي فـــلـــســـطـــن، يُـــســـجـــن الأطـــــفـــــال، ويُحقَّق معهم في غرف مغلقة، ويُجرَّدون من أبـسـط حقوقهم الإنـسـانـيـة ويـعـتـدي الجنود الإسرائيليون عليهم ولا يتحرك ضمير بيل كلينتون والذين معه. قد تختلف الأدوات وقد يختلف السياق السياسي، لكن جوهر الفعل واحــــد: تـحـويـل الإنـــســـان الـضـعـيـف والأطــفــال على وجه الخصوص إلى موضوع للسيطرة والإذلال وكسر الإرادة. السؤال الصادم الذي يجب ألا نخاف من طرحه: أليس منطق السجن المغلق والتحقيق القسري وانـتـزاع الطفولة تحت الاحـتـال في فلسطين هو جوهره ذاته ما جرى على جزيرة إبستين؟ الاختلاف في اللغة القانونية لا في الـبـنـيـة الـعـمـيـقـة لـلـسـلـطـة حـــن تـمـتـلـك جسد الآخر وحريته. هنا تتعرّى الحداثة الغربية أمام مرآتها. فمن جهة، خطاب عالمي عـن حقوق الإنـسـان، وحـــمـــايـــة الـــطـــفـــل، وكــــرامــــة الــــفــــرد. ومــــن جهة أخـــــــرى، صـــمـــت طـــويـــل عـــلـــى أنــــمــــاط مــتــكــررة مـن الإذلال: فـي السجون السرية، فـي مناطق الاحـــــتـــــال، وفـــــي شـــبـــكـــات الاتــــجــــار الـجـنـسـي العابرة للقارات. الــصــدمــة الـــتـــي فــجّــرتــهــا قـضـيـة إبـسـتـن تـشـبـه، فــي لحظتها الــرمــزيــة، الـصـدمـة التي فجّرها إغلاق سوق زنجبار أو الثورة في سان دومينغ. لكنها تختلف في شيء جوهري: في الــقــرن الـتـاسـع عـشـر كـــان الــســؤال يُــطــرح على بنية اقتصادية واضحة المعالم. أما اليوم فإن السوق الجديدة للنخاسة مـوزّعـة، وشبكية، ومــتــخــفــيــة خــلــف شــــعــــارات الـــحـــريـــة الــفــرديــة والسفر المفتوح والعلاقات العابرة للحدود. يبقى السؤال الأخير، وهو الأكثر قسوة: هــل أحـــاديـــث الـتـلـفـزيـونـات عــن الـفـضـائـح في حـقـيـقـتـهـا تــفــكــيــك أخـــاقـــي لـــلـــســـوق؟ أم أنـهـا دعـــايـــة مــجــانــيــة لــــه؟ هـــل مـــا يـفـعـلـه مـذيـعـون حـن يعرضون التفاصيل بـا سياق أخلاقي هــو دعــايــة لـهـذه المــمــارســات البشعة بـصـورة حديثة أم مساءلة أخلاقية. هل عـدم مساءلة الأنـظـمـة الـتـي تحمي المـجـرمـن، واستبدالها بتافه الــقــول، يـعـدان خـدعـة إعـامـيـة جـديـدة؟ وهـل التملص مـن ربـط هـذه الجرائم وأنماط أوسع من السيطرة على البشر، مثل الاحتلال فـي فلسطين هـو رغـبـة مـن الإعـــام فـي حماية وترميم سوق النخاسة القديمة بدلا من هدم أسوارها وفضح ما يرى داخلها؟ إبستين، فـي هـذه الــقــراءة، ليس شيطانا استثنائياً. إنه حلقة في سلسلة طويلة: تاجر في سوق متحوّلة، وسمسار في اقتصاد خفي يــقــوم عـلـى امــتــاك الــجــســد، وشــــراء الـصـمـت، وتحويل الإنسان إلى «قابل للاستعمال». من زنجبار إلى سان دومينغ، ومن جزيرة إبـسـتـن إلـــى أطــفــال فلسطين، يـتـكـرر الـسـؤال نفسه، ولكن بأقنعة جديدة: هل يملك العالم الشجاعة ليعيد تعريف نفسه أخـاقـيـا حين يرى صورته في المرآة؟ أم سيكتفي مرة أخرى بـــإغـــاق ســــوق واحــــــدة، وتــــرك بـقـيـة الأســــواق تـــعـــمـــل، لـــيـــس فــــي ظــــــام، بــــل عـــلـــى الـــشـــاشـــات الزرقاء التي أصبحت تعمي القلوب التي في الصدور. إبراهيم العثيمين مأمون فندي OPINION الرأي 14 قصة جزيرتين... من إبستين إلى فلسطين مفاوضات مسقط... تغليب الدبلوماسية على منطق التصعيد
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky