بـالـرغـم مــن ضـغـط الـكـثـيـر مــن الــتــطــورات في منطقتنا العربية والشرق أوسطية وامتداداتها في القرن الأفريقي، تُعد متابعة الحوارات التي جرت فـي مؤتمر ميونيخ لـأمـن قبل ثـاثـة أيـــام مسألة مــهــمــة وضــــروريــــة لاســتــكــشــاف مـــا الـــــذي يُــحـتـمـل أن يـــحـــدث فــــي عــــاقــــات الأطـــلـــســـي، وكـــيـــف تـنـظـر أميركا في العهد الترمبي إلى العالم ومؤسساته الجماعية، وكيف تفكر أوروبا في أمنها «المستقل»، وعــاقــات الــقــوى الـكـبـرى بعضها مــع بـعـض ومـع منطقتنا العربية. جانب كبير من الكلمات عبَّر عن المخاوف من تبدل النظام الدولي من نظام مؤسَّس على قواعد حتى لو كـان بعضها غير عملي، إلى آخر بلا قواعد سوى القوة والضغط الاقتصادي. ما حولنا يتغير، لا شك في ذلك، ويظل عدم اليقين بشأن المستقبل القريب هو الأمر المؤكد. الـشـاهـد أن كـلـمـة وزيــــر الـخـارجـيـة الأمـيـركـي مـــارك روبـيـو كـانـت تصالحية فـي كلماتها بشأن أوروبـا، ومع ذلك لم تَخْل من انتقادات هي نفسها الـــتـــي عـــبَّـــر عــنــهــا نـــائـــب الـــرئـــيـــس الأمـــيـــركـــي جـيـه دي فــانــس فــي المـؤتـمـر الـسـابـق قـبـل عـــام بكلمات وعــبــارات صـادمـة. رسـالـة روبـيـو الظاهرية ركَّــزت عـلـى مــا يـجـمـع بــــاده ودول أوروبـــــا باعتبارهما شـريـكَــن فـي الحفاظ على أمنهما المشترك وعلى حضارة تجمع بينهما، وعلى مخاطر الهجرة التي تقلقهما، وفـــي المـقـابـل، جـــاءت كـلـمـات المـسـؤولـن الأوروبـــــيـــــن وتـعـلـيـقـاتـهـم ذات وجـــهـــن؛ تـرحـيـب بـالـنـزعـة الـتـصـالـحـيـة، والـتـأكـيـد عـلـى ضــــرورة أن تكون لأوروبـــا قــدرات أمنية مستقلة تتيح الدفاع عـــن نـفـسـهـا حـتـى مـــن دون مــشــاركــة أمــيــركــيــة، ما يشير إلــى أن الشكوك الأوروبــيــة مـا زالـــت عميقة. وزيـــــر خـــارجـــيـــة لــيــتــوانــيــا الـــســـابـــق غــابــريــلــيــوس لاندسبيرغيس، وصف كلمة روبيو بكونها «كمية كبيرة من الطلاء الأبيض لإخفاء الشقوق الناجمة عــن الــصــدع الـكـبـيـر»، مـضـيـفـا: «لــســت مــتــأكــدا من أن الـطـاء الأبـيـض سيصمد». وكأننا أمــام «طـاء مغشوش». الـعـاقـة عـبـر الأطـلـسـي مهمة ولا شــك للعالم بــــأســــره، والأهــــــم مـنـهـا هـــو كــيــف تـنـظـر واشـنـطـن إلــى المـؤسـسـات الـدولـيـة الـتـي يُــفـتـرض أنـهـا تنظم حركة كل الدول، وتوفِّر لكل منها قدرا من الحقوق والسيادة. موقف إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب يـرى المؤسسات الدولية مؤسسات عاجزة، وتقيد حـركـة أمـيـركـا. الــوزيــر روبـيـو كــان واضحا حين انتقد الأمم المتحدة باعتبار أن لديها إمكانات كــبــيــرة، ولـكـنـهـا مـــن وجــهــة نــظــره لـــم تـفـعـل شيئا في حل النزاعات ولخير العالم، بينما قـام البيت الأبيض بإشاعة السلام في أماكن مختلفة، داعيا إلـــى إصــــاح تـلـك المــؤســســات الــدولــيــة مـــن دون أن يحدد ماذا يعني بهذا الإصلاح المنشود. مثل هذا الحديث يتجاهل مسؤولية واشنطن عــن إضــعــاف أدوار الأمــــم المــتــحــدة فــي الــعــديــد من الأزمـــــات الــدولــيــة عـبـر اســتــخــدام حـــق الـنـقـض في غالبية القرارات التي قدمت في مجلس الأمن بشأن العدوان الإسرائيلي على غزة والعديد من الأزمات الدولية الأخـرى، وتجاهُلها تماما بعض مبادرات ومـــعـــاهـــدات الأمـــــم المـــتـــحـــدة، وتــقــاعــســهــا عـــن دفــع التزاماتها المالية للمنظمة، والامتناع عن التعاون مـع العديد مـن الـوكـالات الدولية فـي أمــور حيوية للعالم بأسره في مجال الأمن الغذائي وأمن البيئة والصحة الدولية، وممارسة ضغوط غير مسبوقة عـلـى المحكمة الجنائية الـدولـيـة وقـضـاتـهـا. ومـع ذلك يتحدث السيد روبيو عن فشل منظومة الأمم المتحدة. دعــــــوة إصــــــاح المــــؤســــســــات الــــدولــــيــــة لـيـسـت جديدة، فهي مطروحة منذ ثلاثة عقود، وقوامها التخلص مـن سطوة الـقـوى المالكة لحق النقض، وتوسيع عضوية مجلس الأمن ليكون أكثر تعبيرا عــن الـحـقـائـق الــدولــيــة الــراهــنــة ولـيـسـت الحقائق الدولية التي مر عليها أكثر من ثمانية عقود، ولم تَعُد تُعبِّر عن المصالح الجماعية للعالم بأسره. المشكلة الـكـبـرى فــي طـــرح روبــيــو أنـــه بــا معايير موضوعية، ولا يقدم رؤيــة متكاملة يُـــدار حولها نقاش موضوعي بين دول العالم بأسره، تمهيدا لإعــــادة هيكلة المــؤســســات الــدولــيــة لتصبح أكثر عدلا وإنصافا وتوازنا في مصالح العالم بأسره. بالقطع أن توقع مثل هـذا الطرح في ظل مكونات الاستراتيجية الأميركية المعلنة والتي تعيد إنتاج سياسات فرض النفوذ، لكنه يمثل في الآن نفسه فرصة لدول العالم الحريصة على نظام يقوم على قـــواعـــد عـــادلـــة، أن تـــبـــادر بـمـنـاقـشـة إصــــاح الأمـــم المـتـحـدة، وإزالــــة الـعـوائـق والـقـيـود الـتـي تُــحِــد من قدرتها على إفـــادة البشرية مـن دون تمييز، عبر تـعـديـل بـعـض بـنـود مـيـثـاق الأمـــم المـتـحـدة وليس كله. هــــنــــاك مــــســــاع ومـــــحـــــاولات دولــــيــــة لــتــرســيــخ مفهوم عالم متعدد الأقطاب، عبر بناء مؤسسات وشراكات تجمع بين دول عدة تتخلص من خلالها ولو جزئيا من هيمنة الولايات المتحدة في مجالات الـــتـــجـــارة وســـاســـل الإمــــــداد والـــتـــحـــويـــات المـالـيـة والاســتــثــمــارات الـتـنـمـويـة، لكنها تـظـل مــحــاولات مـحـدودة التأثير، وبحاجة إلـى مـدى زمني أطـول لكي تعطي نتائجها المرجوة، في وقت لن تعدم فيه واشنطن الوسائل والضغوط لإفشال تلك المساعي الدولية. الأمر المؤكد، على الأقل في ظني المتواضع، أن تـــضـــامـــن الـــعـــالـــم وراء خـــطـــة إصــــــاح حـقـيـقـيـة ومتوازنة لكل منظمات ووكالات الأمم المتحدة، هو المسار الأمثل، أيا كانت صعوباته. حرب إسرائيل الانتقامية في غزة ردا على هجوم حـركـة «حـمـاس» على المستوطنات دخـلـت الـتـاريـخ من أكثر أبوابه دموية، وصُنّفت بحرب إبادة من قبل لجنة الأمــم المتحدة الدولية المستقلة في تقرير أعلن رسميا ، ودعــت اللجنة الـدول 2025 ) فـي شهر سبتمبر (أيـلـول الأعضاء بالأمم المتحدة إلى الالتزام قانونيا باتخاذ كل التدابير المتوفرة لديها لوقف الإبـــادة، كما صـدر حكم من محكمة الجنايات الدولية في شهر نوفمبر (تشرين بالقبض على رئيس الحكومة الإسرائيلية 2024 ) الثاني ووزيـر دفاعه بوصفهما مجرمي حـرب، وأثــارت غضب الرأي العام العالمي على نحو غير مسبوق. حـــــرب الإبــــــــادة ضــــد ســـكـــان غـــــزة تـــوقـــفـــت بـتـدخـل الرئيس الأميركي ترمب، لكن انتهاك إسرائيل لشروط فلسطيني لقوا 500 الهدنة يوميا لم يتوقف. أكثر من حتفهم حسبما أفادت تقارير إعلامية. انـعـكـاسـات الـــحـــرب شعبيا وعــالمــيــا، تــبــدت أكثر وضوحا في عواصم دول الغرب، وفي مقدمتها العاصمة الـبـريـطـانـيـة لــنــدن، حـيـث شــهــدت تــظــاهــرات متواصلة طــيــلــة مـــــدة الــــحــــرب مـــنـــاوئـــة لــلــحــكــومــة الإســـرائـــيـــلـــيـــة، ومـطـالـبـة الـحـكـومـة الـبـريـطـانـيـة بـالـتـوقـف عـــن تـزويـد إســرائــيـل بـالأسـلـحـة، والــتــوقـف عــن مـدهـا بالمعلومات الاستخباراتية. الحكومة البريطانية سمحت لمواطنيها بالقتال في صف القوات الإسرائيلية. خلال تلك التظاهرات الغاضبة والحاشدة، برزت فــي الـسـاحـة حـركـة مــؤيــدة للفلسطينيين أطـلـق عليها «جـــمـــاعـــة الــعــمــل الــفــلــســطــيــنــي»، وقـــــام بــعــض أفـــرادهـــا بأعمال تخريبية في قاعدة جوية بريطانية، وفي مقرات تخص شركتين إسرائيليتين لتصنيع الأسـلـحـة، كما قـامـوا بتخريب ملعب غولف يملكه الرئيس الأميركي تــرمــب فـــي اســكــوتــلــنــدا. تــلــك الأعـــمـــال قــوبــلــت بــإصــدار وزيرة الداخلية في الحكومة البريطانية، آنذاك، إيفيت كوبر (وزيرة الخارجية حالياً) قانون يصنّف الجماعة بـــالإرهـــاب، ويـحـظـرهـا وفـقـا لـنـصـوص قــانــون مكافحة ، ويـضـعـهـا عـلـى قـــدم المـــســـاواة مع 2000 الإرهـــــاب لـعـام تـنـظـيـم «الـــقـــاعـــدة» والــجــيــش الــجــمــهــوري الآيـــرلـــنـــدي، عاما ً. 14 ويعاقب أنصارها بالسجن لفترات تصل إلى ، أصـــبـــح الــقــانــون 2023 ) يــولــيــو (تــــمــــوز 23 يــــوم ساري المفعول، بعد اجتيازه بنجاح العتبة البرلمانية، وحظي بموافقة النواب من جميع الأحـــزاب، باستثناء نائبا عماليا صوتوا ضده. وبتشريعه قانوناً، 26 عدد بــــدأت وســـائـــل الإعـــــام الـبـريـطـانـيـة تـنـقـل مــبــاشــرة في الأيام التالية صورا من مواقع التظاهرات أمام البرلمان البريطاني لقوات الشرطة البريطانية يقومون باعتقال كل متظاهر يرفع لوحة كُتب عليها «أنـا أعـارض القتل الـجـمـاعـي، وأؤيــــد (جـمـاعـة الـعـمـل الـفـلـسـطـيـنـي)». تلك الــصــور أثــــارت اشــمــئــزاز الـعـالـم مــن ذلـــك الــقــانــون ومـن الـشـرطـة؛ لأن أغـلـب المعتقلين، كـانـوا رجـــالا ونــســاء من مختلف فئات المجتمع، بلغوا من العمر عتيّاً، يثيرون الشفقة والإعجاب في آن لشجاعتهم في تحدي أوجاع شـيـخـوخـتـهـم، وإبـــــداء اعــتــراضــهــم عـلـى الــقــانــون الـــذي عـدُّوه تعدّيا على حقهم في التعبير عن آرائهم سلمياً، وعلى حقهم في حرية التجمع السلمي. فـبـرايـر (شـــبـــاط)، صـدر 13 يـــوم الجمعة المــاضــي حـــكـــم قـــضـــائـــي مــــن مــحــكــمــة عــلــيــا بـــريـــطـــانـــيـــة يـقـضـي بــاعــتــبــار قـــــرار وزارة الـــداخـــلـــيـــة بـتـصـنـيـف الـجـمـاعـة بالإرهاب غير قانوني. وأوضحت المحكمة في حكمها أن «الحظر لم يكن متناسبًا (مع أفعال الجماعة)، كما أن طبيعة أنشطة (جماعة العمل الفلسطيني) لم تصل إلى المستوى أو النطاق أو الاستمرارية التي تستدعي الـحـظـر». واعـتـرفـت الـقـاضـيـة بـقـيـام الـجـمـاعـة بأعمال وأنشطة إجرامية، وتشجيع الإجرام، إلا أن جزءا صغيرا من تلك الأنشطة يرقى إلى مرتبة الإرهاب. ومن ثم، فإن تـلـك الأنــشــطــة والأفـــعـــال الإجـــرامـــيـــة، تـقـع تـحـت طائلة الـقـانـون الجنائي الـعـام؛ أي لا حـاجـة لحظر الجماعة ووصفها بالإرهاب. شــخــص تـــعـــرضـــوا لـاعـتـقـال 2000 أكـــثـــر مـــن شخص 200 نتيجة ذلك القانون، وجرى اتهام نحو بارتكاب جرائم إرهابية. وزارة الداخلية البريطانية على لـسـان الــوزيــرة شعبانة محمود صـرحـت بأن الــوزارة ستستأنف الحكم. يوم الجمعة المقبل آخر يوم لتقديم الاستئناف. الجولة الأولى من الحرب بين الحكومة و«جماعة العمل الفلسطيني» عُــدَّت نكسة للحكومة البريطانية. والشرطة البريطانية أعلنت توقفها مؤقتا عن اعتقال العواجيز الذين يرفعون لافتات يعلنون فيها تأييدهم للجماعة، لكنها، حسب الإعلان، لن تتوقف عن تجميع الأدلة حتى يتم البت قضائيا في طلب الاستئناف. طبيعة الـحـروب القانونية أنها طويلة ومعقدة، ومنهكة، وتستنزف الجميع حتى القضاة، وهي ليست غريبة عن ساحات القضاء البريطاني، خصوصا حين تكون الحكومة طرفا في نزاع. والحكم القضائي الأخير يـهـدد بـإسـقـاط الـتـهـم عــن جميع المـعـتـقـلـن. وصـرحـت الـــــوزيـــــرة بـــأنـــهـــا ســـتـــرفـــع الأمــــــر إلـــــى المــحــكــمــة الـعـلـيـا البريطانية فــي حـالـة فشلها فــي الـحـصـول عـلـى حكم لصالحها من محكمة الاستئناف. الـــافـــت لـاهـتـمـام أن الـــوزيـــرة شـعـبـانـة محمود كــــانــــت فـــــي ســـــنـــــوات مــــضــــت مـــــن المـــــؤيـــــديـــــن لــلــقــضــيــة الفلسطينية، وتـحـرص على التظاهر ضـد أي مجازر ترتكبها إسرائيل في غزة أو في الضفة الغربية. رغـم صـدور حكم المحكمة العليا ببطلان الحظر، فإن القضاة سمحوا ببقاء الحظر ساريا بشكل مؤقت لمنح الحكومة فرصة لتقديم استئناف ضد الحكم. الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel OPINION الرأي 13 Issue 17248 - العدد Tuesday - 2026/2/17 الثلاثاء دعوة إصلاح المؤسسات الدولية ليست جديدة فهي مطروحة منذ ثلاثة عقود طبيعة الحروب القانونية أنها طويلة ومعقدة ومنهكة حسن أبو طالب جمعة بوكليب حوارات ميونيخ... مسار أحادي أم متعدد! بريطانيا... القضاء في مواجهة الحكومة
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky