قصة بطلة «ميثاق النساء» هي قصة الغالبية العظمى من النساء العربيات على اختلاف أديانهن وأوطانهن الثقافة CULTURE 18 Issue 17247 - العدد Monday - 2026/2/16 الاثنين فاضل السلطاني مجلس العالم يذكّر تشكيل مجلس غزة الدولي، الـذي من مهمته إعـادة إعمار المدينة المنكوبة، بعد تدميرها الممنهج على يد إسرائيل على مـدى أكثر من سنتين، وإدارتـهـا لحين من الوقت، بقصة لبورخيس عنوانها «المجلس»؛ يتحدث فيها، كما يدل عنوانها، عن تشكيل مجلس لا يختلف شكليا عن مجلس غزة، من ناحية طابعه الأممي، لكن يأمل المرء أن يكون جوهره ومآله مختلفين كلياً. هي بالطبع قصة خيالية أحداثها تجري في بداية القرن العشرين، ، ولا تنطبق بالضرورة على الواقع، كما لا ينبغي قراءتها أو تأويلها 1904 وبالتحديد عام خارج النص. . ونُـــشـــرت فــي «كــتــاب الـــرمـــل» -تـرجـمـة سعيد 1955 كـتـب بـورخـيـس هـــذه الـقـصـة عـــام - وكعادته في المزج بين الخيالي والواقعي، فلا تعرف كيف 1990 ،» الغانمي، عن دار «أزمنة تميز بينهما، يطرح بورخيس نفسه أحد أبطال القصة باسم مختلف، لكن التفاصيل التي يسردها تـدل على شخصيته. ولعل بورخيس، إذا لم نكن مخطئين، أول كاتب في تاريخ الأدب يدخل شخصيته لتكون شخصية رئيسية أو هامشية في قصصه، ثم واصـل كتاب آخــرون هـذا النهج، وأشهرهم كافكا، الــذي أدخــل شخصيته في معظم أعماله تقريباً، من خلال الرمز «ك». عاماً، الذي لا يزال يدرّس الإنجليزية 71 راوي القصة، واسمه أليخاندرو فيري، البالغ لمجموعة من التلاميذ، ويعيش وحـيـداً، هو آخـر أعضاء ذلـك المجلس، الــذي يقول عنه إنه يضم جميع الناس، «فليس على الأرض من ليس عضوا فيه، ولكنني أعرف أنني عضو من نـوع آخـــر». كـان رئيس المجلس، دون أليخاندرو، مالكا لمساحة شاسعة من الأرض تمتد حتى البرازيل (تدور القصة في بوينس آيرس)، التي ورثها من أبيه. وفي فترة ما، تاق دون أليخاندرو إلى الانضمام إلى المجلس القومي الأوروغواني. لكن الزعماء السياسيين وقفوا في طريقه، فقرر في ثورة غضبه أن يؤسس مجلسا آخر على مدى واسع، يُمثل الناس جميعا من الأمم جميعاً. وكان أليخاندرو، كما يصفه السارد، «إنسانا مهذباً، وكبيرا في السن، بجبين عريض، وشعر خفيف، وعيون رمادية، ولحية رمادية، تميل إلى الاحمرار، وكنت أراه دائما لابسا كنزة صوفية سوداء، وقد عقد يديه على رأس خيزرانته... كان قويا وطويلاً». ولكن لا بد أن يكون التاريخ والجغرافيا حاضرين؛ ولذلك، اقترح أعضاء المجلس إنشاء مكتبة مراجع لكل العالم: موسوعات فرنسية عن عصر التنوير، والموسوعة البريطانية، ومـجـلـدات موسوعية صينية، وعـــدد كبير مـن الكتب الصحافية، ثـاثـة آلاف وأربعمائة نسخة من «دون كيشوت»، بمختلف الطبعات، والأعمال الكاملة للجنرال ميتر، وأطروحات الدكتوراه، والكتب القديمة، والنشرات الخاصة، وبرامج المسارح، «فكل واحد من هذه الكتب يُشكل شهادة على ما يحدث»، و«ليس هناك كتاب سيئ لا يحتوي على أشياء جيدة». ابتدأ ركام الكتب بالارتفاع... دون أضابير أو فهارس، في الغرف الخلفية، وفي قبو الخمر. لكن «مكتبة كل العالم» لا يمكن حصرها بالمراجع فقط، وإنما يجب جمع كل الأعمال الكلاسيكية للأمم واللغات جميعاً، فهي «مستودع حقيقي للثقافة لا يمكن الاستغناء عنه». ولكي يُحقق أليخاندرو ذلك، أرسل مبعوثيه إلى مختلف الأمم لإيصال رسالته، ومنهم بورخيس، الواقعي أو الخيالي، الذي أرسل إلى بريطانيا، وزوّدهـم بأموال طائلة، على أن يعودوا بعد فترة ليقدموا تقاريرهم لرئيس المجلس عما أنجزوه. وكــان أحــد المبعوثين قـد بــدد أمـــوال المجلس فـي أوروبــــا، وقــد خالف أكثر مـن مــرة أمر العودة إلى الوطن. ولم يملك بورخيس المبعوث إلى بريطانيا سوى الاعتراف بأنه صرف الأموال على امرأة في لندن. لم يبد على رئيس المجلس أي انزعاج، ولم يوبخ أولئك الذين أهـدروا أمـوال المجلس، وخانوا الأمانة، وكأنه كان يتوقع ذلك أو كان يرغب في داخله ذلك ليزيح أعباء حملها على كتفيه في لحظة طائشة، واكتفى بالقول: «المجلس هـو ماشيتي. المجلس هـو الماشية التي بعتها وأمـــوال الأرض التي لـم تعد ملكي». ثم أصــدر أمــره: «أخـرجـوا صناديق الكتب هــذه، لا أريــد كتابا واحــدا في القبو» ثم أصدر أمرا قاطعاً: «أشعلوا النار في هذه القمامة». وحين تساءل أحد الأعضاء مستغرباً: «كيف سيتمكن مجلس العالم من العمل بغير هذه المواد الثمينة؟». أجـابـه رئـيـس المـجـلـس: «مجلس الـعـالـم! أي مجلس؟ هيا بنا إلــى أقـــرب مـقـهـى!». ثم، انتابته نوبة ضحك هستيرية، ساخرة لم يسبق لأحد من أعضاء المجلس أن سمعها من قبل. وهنا يعلق بورخيس، الواقعي هذه المرة: ثمة متعة غامضة في التدمير! جان جاك روسو والمؤامرة الجهنمية يـا لها مـن معركة حامية الوطيس تلك التي جرت في قلب القرن الثامن عشر: عصر الـــتـــنـــويـــر الـــكـــبـــيـــر. كــــل المــثــقــفــن الــفــرنــســيــن انقسموا إلى قسمين: قسم مع حزب الفلاسفة وقسم مع حزب الأصوليين. وهناك قسم ثالث بـن بــن. ولكن ينبغي الاعــتــراف بــأن أغلبية الــشــعــب الــســاحــقــة كـــانـــت مـــع الأصـــولـــيـــن لا مـع الفلاسفة. وهـــذا شــيء طبيعي لأن أفكار الأصـــولـــيـــن كـــانـــت مــســيــطــرة عـــلـــى الـجـمـيـع مــــنــــذ مـــــئـــــات الــــســــنــــن وكــــــانــــــت راســــــخــــــة فــي العقليات رسوخ الجبال. أما أفكار الفلاسفة وتـــصـــوراتـــهـــم عــــن الــــديــــن المــســيــحــي فـكـانـت جـــديـــدة كــلــيــا، وبــالــتــالــي فـــا قـــاعـــدة شعبية لــهــا. ولـــن تـتـشـكـل لـهـا قـــاعـــدة إلا بـعـد مـــرور وقت طويل. ولذلك قال أحدهم: كانت فرنسا أصولية ظلامية في بداية القرن الثامن عشر ثـم أصبحت فولتيرية تنويرية فـي نهايته. لكن ليس عن فولتير سوف أتحدث الآن وإنما عن القطب الآخر جان جاك روسو. فالواقع أن تأويله الجديد والمنعش جدا للدين المسيحي كان أخطر من تأويل فولتير، وتجديده أكبر بكثير، على عكس ما نظن. بــعــد أن أصـــــدر روسّــــــو كــتــابــه الـشـهـيـر هــاجــت عليه 1762 عــن الـتـربـيـة والـــديـــن عـــام الهوائج. ونزل مطران باريس كريستوف دو بومون شخصيا إلى ساحة المعمعة. قال عنه ما فحواه: «إننا نُدين الكتاب الصادر عن هذا الشخص المسمى جان جاك روسّو الذي يدَّعي العلم والفلسفة وهما منه بَــــرَاء. إننا نُدينه إدانـــة قاطعة مانعة لأنـه يحتوي على جملة مـــن الأخـــطـــاء الــفــاحــشــة عـــن ديــنــنــا وتــراثــنــا. إن كتابه مـلـيء بالكفر والهرطقة والـزنـدقـة. ينبغي أن يعلم الـجـمـيـع أن أفـــكـــاره الـهـدامـة تزعزع أركان الدين المسيحي». فـي الـواقـع أن أفـكـار روسّـــو لا تشكل أي خطر على الـديـن، وإنما فقط على الأصولية الدينية. وشتّان ما بينهما. ولكن ما كان أحد يستطيع الـتـفـريـق بينهما فــي ذلـــك الــزمــان. ونضيف؛ ولا حتى في هذا الزمان. مـــــن يـــســـتـــطـــيـــع الــــتــــفــــريــــق بـــيـــنـــهـــمـــا فــي العالم العربي حالياً؟ ولذلك رد عليه روسّو قــــائــــاً: «يـــــا مــــولانــــا صــــــدِّق أنـــنـــي مـــؤمـــن عـن جــــدٍّ، ولــكــن طـبـقـا لـعـقـيـدة الإنــجــيــل فــقــط. يا مــــولانــــا صــــــدِّق أنـــنـــي مـــؤمـــن عــــن جــــــدٍّ، ولــكــن لــيــس كـتـلـمـيـذ لـلـكـهـنـة والأصـــولـــيـــن وإنــمــا فــقــط كـتـلـمـيـذ لــيــســوع المــســيــح. إنـــنـــي مـؤمـن عـن جـــدٍّ، ولـكـن طبقا لقوانين العقل والمنطق لا طبقا للخرافات والشعوذات، والتعصبات والتكفيرات... إلخ». يقال إن فولتير عندما قـرأ نـص روسّــو عــن الــديــن صـــرخ قــائــاً: «رائــــع، رائــــع، ليتني أنـــا الـــذي كـتـبـتـه». ويــقــال إنـــه أحـــس بالغيرة تلسع قلبه لـسـعـا، وكــذلــك الـحـسـد. ومعلوم أن المــثــقــفــن الــفــرنــســيــن يـــغـــار بــعـضــهــم مـن بــعــض تــمــامــا كــالمــثــقــفــن الــــعــــرب. هـــل رأيــتــم امــرأة حلوة تعترف بجمال امــرأة أخــرى؟ من رابــع المستحيلات. تكاد تذبحها. وكـذلـك لن تــجــدوا مثقفا واحــــدا يُــثـنـي عـلـى مثقف آخـر الا ما نـدر. أين تكمن المشكلة بالضبط؟ إنها تكمن في الشيء البسيط التالي: الأصوليون الظلاميون يشكّلون صورة معينة عن الدين، والفلاسفة التنويريون يشكّلون صورة أخرى مـضـادة تماماً. الأصـولـيـون يشكّلون صـورة تكفيرية متجهمة، والفلاسفة يشكّلون صورة تسامحية متنورة. ينبغي العلم أن جان جاك روسّو كان يأخذ من الدين جوهره لا قشوره. ولــــهــــذا الـــســـبـــب انــــدلــــع الـــــصـــــراع بــيــنــه وبـــن الأصوليين. وجوهر الدين في رأيـه يتلخص فــــي عــــبــــارة واحــــــــدة: الإيــــمــــان بـــالـــلـــه والــعــمــل الـصـالـح ومــكــارم الأخــــاق. جـوهـر الــديــن هو الشفقة على الفقير والمـسـكـن واليتيم وابـن الـسـبـيـل. وهــــذا مــا نــص عـلـيـه الـــقـــرآن الـكـريـم حـرفـيـا كـمـا نـعـلـم. وبـالـتـالـي فـالـعـبـرة ليست فـــي الــشــعــائــر والـــطـــقـــوس والـــعـــبـــادات وإنــمــا فــــي الأفــــعــــال والمــــعــــامــــات. ولــــذلــــك قـــــال أحـــد فلاسفة الأنــوار الكبار: الدين المعاملة. نقطة عـلـى الـسـطـر. مَـــن كـانـت معاملته حسنة مع الآخـــريـــن، مَـــن كـــان نـزيـهـا صـــادقـــا، فـهـو أكبر متدين حتى ولو لم يؤد الطقوس والشعائر. وأمـــا مـن كــان غشاشا فـي التعامل فهو ليس من الدين في شيء حتى لو صلّى يوميا مائة ركعة. يضاف إلى ذلك أن الفلاسفة كانوا يقولون ما معناه: المسألة ليست هل أنت مع الـديـن أو ضـد الـديـن. كلنا مـع الـديـن. المسألة هــل أنـــت مــع الأصــولــيــة الـطـائـفـيـة التكفيرية التي تؤدي مباشرة إلى المجازر والمذابح أم لا؟ هذا هو السؤال الأساسي، والباقي تفاصيل. لـكـن لِــنَــعُــد إلـــى جـــان جـــاك روســــو. بعد أن أصـدر كتابه الشهير الـذي أشعل الحرائق فـــي كـــل مــكــان احـــمـــرَّت عـلـيـه الأعــــن وأصــبــح فـــي عـــن الـــعـــاصـــفـــة. ولـــذلـــك قــــال لـــه صـديـقـه الكبير وراعــيــه، المـاريـشـال دو لوكسمبورغ، بعد الثانية ليلاً: «البس ثيابك فــورا وارحـل على وجه السرعة. إنهم آتون للقبض عليك». ومعلوم أن الماريشال كـان ينتمي إلـى إحدى كـــبـــرى الـــعـــائـــات الأرســتــقــراطــيــة الـفـرنـسـيـة. وهكذا ودَّعـه روسّــو باكيا وهو يعرف أنه لن يراه بعد ذلك اليوم، لأن الماريشال كان متقدما في السن. وبالفعل فقد لمـح روسّـــو رجــال الشرطة الآتين للقبض عليه في منتصف الطريق. هم آتون وهو راحل. لقد نجا منهم بأعجوبة في آخر لحظة. وعندما وصل إلى سويسرا نزل مـن عـربـة الخيول وانبطح فـــورا على الـتـراب السويسري قائلاً: «أقبِّل أرض الحرية». كان يعتقد أنـــه قــد نـجـا بنفسه بـعـد أن عـــاد إلـى أرض آبــائــه وأجــــــداده. ومـعـلـوم أن سـويـسـرا الأقلّوية البروتستانتية كانت أكثر تسامحا واستنارة من فرنسا الظلامية الكاثوليكية. ولكن هذا لا يعني أن رجال الدين فيها كانوا قادرين على هضم أفكاره عن الدين. فقد كانت سابقة لأوانـهـا بكثير. والدليل على ذلـك هو أن كـتـبـه أُحـــرقـــت أيــضــا فــي جـنـيـف. فاضطر إلــى الـهـرب إلــى إنجلترا؛ أكـثـر بـلـدان أوروبـــا تسامحا واستنارة في ذلك الزمان. هاشم صالح أكبر الشرور اجتماعيا الرغبة في احتواء الآخر داخل الذات «ميثاق النساء» ورواية الأقليات مـــن دواعــــــي الــــســــرور عـــنـــدي أن أقـــرأ روايـــــــة صـــــــادرة عــــن قـــلـــم يــنــتــمــي لإحــــدى الأقليات الكثيرة التي يحفل بها العالم العربي، ولكنها في أغلب الأحيان تغيب عـــن الـتـمـثـيـل الــســيــاســي والــثــقــافــي وعــن الوعي العام للأغلبية الدينية أو العرقية أو اللونية المحيطة بها. لذلك أبتهج حين يـــبـــرز كـــاتـــب أو كــاتــبــة مـــن داخـــــل إحـــدى الأقليات فيثري الـوجـدان الـعـام بمقاربة الــــوضــــع الإنــــســــانــــي مــــن داخـــــــل الـنـسـيـج الحياتي اليومي لتلك الأقلية المغيّبة عادة من الشأن العام. هناك كتّاب من الأقليات ينضوون اخـتـيـارا فـي الثقافة الحياتية لـــأغـــلـــبـــيـــة المـــجـــتـــمـــعـــيـــة حـــــن يــجــلــســون للكتابة، فلا تـرى فيما يكتبون انعكاسا للنسيج الـيـومـي لحياتهم فــي اخـتـافـه عـن النسيج الــعــام. أذكـــر أنــي مــرة سألت الكاتب المسرحي الألمــع الفريد فــرج: لماذا لا نـجـد فـــي مـسـرحـه شـخـصـيـات قبطية أو انـعـكـاسـا مـــن أي لـــون لـكـونـه مصريا مسيحياً؟ فلم يحر جـوابـا فيما عــدا أنه قــــال إنــــه ثــقــافــيــا يـنـتـمـي إلــــى الــحــضــارة العربية الإسلامية. لا غبار على هذا عندي؛ فالحضارة العربية الإسلامية شيء أوسع من الدين الإسلامي ومـن الممكن الانتماء إليها من دون أن يـكـون المـــرء مسلماً، إلا أن هــذا لا يمنع مــن الخصوصية المسيحية داخــل الانــــتــــمــــاء الــــحــــضــــاري الأوســـــــــع. إلا أنـــي أعتقد أن الثقافات المهيمنة، دينية كانت أو عـرقـيـة، فــي بــادنــا الـعـربـيـة لا تفسح المجال التعبيري أمـام الثقافات الأخـرى، تماما كما أنـهـا لا تفسح المـجـال أمامها ســيــاســيــا. هـــنـــاك دائـــمـــا رفــــض ســـافـــر أو مُقنَّع لـاخـتـاف. هـنـاك رغـبـة لـم أفهمها أبــــدا فـــي احـــتـــواء الآخـــــر. هــنــاك عـجـز عن إدراك أن الاخـــتـــاف ثـــــروة وأن الـتـمـاثـل والتشابه والاصطفاف هو أجـدر بالآلات والروبوتات، لا بالوجود البشري الخلّق، المتغير، المولِّد للأفكار على مدى تاريخه مــن آلاف الـسـنـن. لـذلـك أفـــرح بـالـروايـات التي تؤكد فـي نسيجها خصوصية ما، عـرقـيـة أو ديـنـيـة أو لـغـويـة أو غــيــره، في الــوقــت ذاتـــه الـــذي تـؤكـد الـتـمـاثـل الأكـبـر: التماثل الـبـشـري الـعـابـر للخصوصيات المتمايزة. هذه هي الأخلاقية الكبرى في الـفـن والأدب: التأكيد على التماثل رغم الاخـــتـــاف. أمـــا أكــبــر الـــشـــرور اجتماعيا فهو الـرغـبـة فـي احــتــواء الآخـــر فـي الــذات وقــــصــــره عـــلـــى الـــتـــمـــاثـــل مـــعـــهـــا، ومــحــو خصوصيته ليتطابق مع ذات الغالبية. لذلك أفــرح إذا مـا قــرأت روايـــة تكشف لي عن الخصوصية الكردية أو الخصوصية الــطــوارقــيــة أو الــيــزيــديــة أو الـشـيـعـيـة أو المسيحية أو البهائية أو النوبية. أو كما في رواية حنين الصايغ «ميثاق النساء» )، الخصوصية الدرزية. 2023 ، (دار الآداب مـن يريد أن يعرف شيئا عـن تاريخ الـــــدروز ومـذهـبـهـم الـعـقـيـدي مـنـذ نشأته فـي الـقـرن الــحــادي عشر حتى الـيـوم فلن تنقصه المـــصـــادر والمـــراجـــع. لـكـن الــــدروز لــيــســوا مـــــادة تــاريــخــيــة وإنـــمـــا هـــم أفــــراد وأســــر وجـــمـــاعـــات لا يــزيــد عـــددهـــم حــول الــعــالــم عــلــى المــلــيــون إلا بـقـلـيـل ويـعـيـش أغـــلـــبـــهـــم فـــــي ســـــوريـــــا ولـــــبـــــنـــــان. تــصــف الموسوعات الـدروز بأنهم جماعة مغلقة، باطنية، سرية، إلخ. فمن كان لا يكفيه ما يُستقى مـن كتب الـتـاريـخ والمـــذاهـــب، من كان يريد أن يتعرف على إنسانية الدروز كبشر يعيشون في الشارع المجاور أو في القرية المجاورة في الوطن نفسه يتكلمون اللغة نفسها ولكن لهم معتقدات مخالفة لــلــشــائــع الـــغـــالـــب وفـــــي نــســيــج حـيـاتـهـم اليومية وعاداتهم خيوط من لون مختلف وإن كـانـوا فيما عــدا ذلــك يشبهوننا في كل شيء – من كان يريد ذلك فليس عليه إلا أن يـقـرأ روايــــة مـثـل «مـيـثـاق الـنـسـاء» لـحـنـن الـــصـــايـــغ؛ فــهــي حـقـيـقـة أن تـكـون خير دليل لنا في رحلة الاختلاف المفضي إلــــى الــتــمــاثــل تـــلـــك، فــهــي درزيـــــــة، تـعـرف تـلـك الــحــيــاة «الــســريــة» مـعـرفـة المعايشة اللصيقة مـن لحظة المــيــاد. وهــي كفيلة بفتح المغلق وكشف السري لنكتشف أن لا سرية هناك وإنما بشر عاديون مثلنا تماماً. هذا الاكتشاف لن تتيحه لك كتب الـتـاريـخ والعقائد، وإنـمـا المُــؤهَّــل لكشفه لـنـا هـــو فـــن الــــروايــــة، ذلـــك الــفــن المـنـسـوج مــن تـفـاصـيـل الـحـيـاة الـيـومـيـة بـعـاداتـهـا وطقوسها، بأكلها وشربها، بعلاقاتها الأســـريـــة، وبـمـعـتـقـداتـهـا الـديـنـيـة وكيف تؤثر تلك في حيوات أفرادها ومصائرهم. هـــــل تـــــصـــــدَّت حــــنــــن الــــصــــايــــغ إذن لـكـتـابـة روايـــــة تــصــور لــنــا حــيــاة الــــدروز وعقائدهم الإيمانية في «ميثاق النساء»؟ كلا بالتأكيد. إنما كانت الكاتبة، مثلها مثل أي روائـــي مـن أي مـذهـب أو خلفية، مـــشـــغـــولـــة بـــقـــضـــايـــا وأفـــــكـــــار عـــــن الـــفـــرد والمجتمع والحياة والموت وما بعد الموت إلـــى آخـــر مــا يشغلنا نـحـن الـبـشـر ونحن الـــكـــتّـــاب الـــذيـــن نـضـطـلـع بـالـتـعـبـيـر عما يــــؤرق الـبـشـر مــن أفــكــار وأوضــــــاع. كانت مــشــغــولــة بـــهـــذا كــلــه واخــــتــــارت أن تعبر عنه مـن داخـــل الـسـيـاق الاجـتـمـاعـي الـذي تـــعـــرفـــه خـــيـــر مـــعـــرفـــة وهـــــو ســـيـــاق حــيــاة الـــــــدروز فـــي المــجــتــمــع الــلــبــنــانــي. ولـعـلـي كنت غير دقيق حين كتبت «اختارت» فلا خيار عند الكاتب إلا يكتب لنا من داخل السياق الذي يعرفه معرفة حميمية، وإلا جاءت كتابته مصطنعة، خالية من نبض الحياة. أما الهاجس الرئيسي لدى الكاتبة، فـيـوحـي بـــه عـلـى الـــفـــور عـــنـــوان الـــروايـــة، «ميثاق النساء». يمكن أن نحزر من قبل الـقـراءة أننا أمـــام روايــــة عــن قضية المــــرأة فــي مجتمع عـــــربـــــي تــــقــــلــــيــــدي، حــــريــــتــــهــــا، عـــاقـــتـــهـــا بـــالـــرجـــل فـــي مـجـتـمـع ذكـــــــوري، عـاقـتـهـا بـالأب في مجتمع بطركي، ثقل التقاليد، الـــعـــوائـــق أمـــــام حـــريـــة الــــدراســــة والــعــمــل والـــكـــســـب والاســـتـــقـــال الاقــــتــــصــــادي، بل وإن شـئـنـا أيــضــا مــوقــف قـسـم مـــن رجـــال الدين منها والفهم المجتمعي لـه، وكيف أنـهـم يستخدمون الـديـن مـن حـريـة المــرأة وتـــكـــريـــس الـــســـيـــطـــرة الــــذكــــوريــــة عـلـيـهـا. كـل هـذا يمكن أن نتوقعه مـع فرصة غير ضئيلة أن يصدق توقعنا من رواية بهذا الــــعــــنــــوان، وخــــاصــــة أن كــاتــبــتــهــا امــــــرأة. لكن من لم يكن درزيــا أو غير مطلع على خـصـائـص الـعـقـيـدة الــــدرزيــــة، فـلـن يـــدرك المغزى الكامل لكلمة «ميثاق» في العنوان إلا بـــعـــد أن يــقــطــع شـــوطـــا فــــي الــــقــــراءة. فميثاق النساء الذي يمكن أن نفهمه فهما عـامـا باعتباره ميثاق السلوكيات الـذي يفرضه مجتمع بطركي على المرأة هو في الواقع أشد من ذلك؛ لأنه في الحقيقة نص عقيدي يحدد ضمن النصوص العقيدية للديانة الدرزية وضعية المرأة في المجتمع الدرزي. نص كتبه رجل بطبيعة الحال وقام عـــلـــى تــكــريــســه أجــــيــــال مــــن الــــذكــــور ومـــن الـنـسـاء الـاتـي تشربن بالقيم الـذكـوريـة المفروضة عليهن عبر الـقـرون. والمجتمع الدرزي كما نعرف من الرواية ومن خارج الـروايـة هـو مجتمع «مغلق»؛ لأنـه يحرّم على الــــدروز الــــزواج مـن غير الــــدروز كما أن الــدعــوة الـــدرزيـــة انغلقت عـلـى نفسها وكــــفّــــت عــــن الــتــبــشــيــر فــــي خـــــال فـــتـــرة لا تـتـجـاوز الـعـقـود الـثـاثـة مـن نشأتها في الـقـرن الـحـادي عشر. كـل هـذا ساعد على تماسك المجتمع وتقارب أفــراده القليلين نسبيا وزاد فــي حـرصـهـم عـلـى عـاداتـهـم وتـــقـــالـــيـــدهـــم. بــــل يـــزيـــد مــــن هـــــذا كـــلـــه أن الــــــدروز يــؤمــنــون بـتـنـاسـخ الأرواح وأن الروح الدرزية لا تعود إلا في جسد وليد درزي، وكأن المجتمع يعيد تدوير ذاته لا يتجدد فيه شيء إلى الأبد. هـــــــــذه هـــــــي الــــخــــلــــفــــيــــة الــــتــــاريــــخــــيــــة والـــعـــقـــيـــديـــة والمــجــتــمــعــيــة لـــحـــيـــاة بـطـلـة روايتنا، أمل بونمر التي نعاصرها على امـــتـــداد مـــا يـــقـــرب مـــن أربــعــمــائــة صفحة مـن الطفولة إلــى المـراهـقـة والــــزواج المبكر والـــجـــســـد المـــنـــتـــهـــك والأمـــــومـــــة المــتــعــثــرة والــطــمــوح المـكـبـوت لـلـمـعـرفـة والـــدراســـة. هـــي تـــواجـــه قــــدرا مــرســومــا لـهـا مـــن المـهـد إلــــى الــلــحــد ومــــا وراء الــلــحــد ثـــم الــعــودة مــن جــديــد. لكنه قـــدر لا تستسلم لـــه، بل تصارعه هي الضعيفة المقهورة المعتمدة اقتصاديا المُراقَبة أسريا واجتماعياً. قدر يـكـاد أن يـقـهـرهـا، لكنها تفلت مـنـه بعد نـضـال مـريـر وخـسـائـر وتضحيات ليس هنا مجال بسطها. هــــــذه روايــــــــة نـــســـويـــة إذن، بـمـعـنـى أنـهـا قـصـة تـحـرر امــــرأة، ولأنــهــا تتعامل مـع المعطيات الحتمية الـتـي نجدها في مــثــل هــــذه الــــروايــــات لأنــهــا مـــوجـــودة في المجتمعات القائمة وراءها. ولكنها فيما عـــدا ذلـــك قـصـة تحرر وحــــســــب. قـــصـــة تــــحــــرر إنــــســــانــــي. قـصـة مساءلة للمعتقدات والمقدسات والتقاليد المــــوروثــــة. قــصــة صــــراع الـــفـــرد للنهوض من تحت الثقل الباهظ للتاريخ والغيب والـــجـــمـــاعـــة والأســـــــــرة، ذلـــــك الـــثـــقـــل الــــذي ينسحق تحته الأغلبية في انصياع غير مُــــدرِك. وفــوق كـل هــذا فـالـروايـة بسياقها الدرزي غير المألوف لغير الدروز تمنحنا هــــبــــة أخـــــــــرى ضــــمــــن تــــوســــيــــع مــــداركــــنــــا الإنـــســـانـــيـــة الــــــذي نــتــوقــعــه مــــن كــــل عـمـل أدبي يستحق الاسم. هي تعلمنا التماثل الـــبـــشـــري الــــجــــوهــــري وراء كــــل اخـــتـــاف عــــرضــــي. فــقــصــة أمـــــل بـــونـــمـــر هــــي قـصـة الغالبية العظمى مــن الـنـسـاء العربيات عــلــى اخـــتـــاف أديـــانـــهـــن وأوطـــانـــهـــن في الــرقــعــة الـعـريـضـة لـلـعـالـم الــعــربــي. ليس هـــذا فـقـط وإنـــمـــا واقــــع الأمــــر أن المجتمع الدرزي الصغير المتشبث بموروثاته بأي ثمن، والذي نتعرف عليه عن قرب في هذا الحكي الشائق ليس إلا نموذجا مصغرا مع اختلاف التفاصيل لحال المجتمعات الـعـربـيـة الــتــي مـــا زالــــت مـــن الـخـلـيـج إلـى المـــحـــيـــط تـــعـــانـــي فـــصـــام الــــديــــن والـــعـــقـــل، والمــــــوروث والمــســتــحــدث عـلـى كـــل صعيد معاشي. رشيد العناني النص الكامل على الموقع الإلكتروني
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky