Issue 17247 - العدد Monday - 2026/2/16 الاثنين الإعلام 17 MEDIA د. ياسر عبد العزيز حينما أطلقت «لوفيغارو» موقعها الإلكتروني تعاملت صحف كبرى مع «الإنترنت» كتهديد لا كفرصة ترند بنها... حين يُقلِّد الشارع عنف الشاشة بـن مـا نشاهده على الشاشات ومـا نفعله فـي الواقع صلة ما، والبعض يرى هذه الصلة علاقة تبادلية، أي تأثير وتأثُّر؛ وهو أمر يبدو مفهوما ومنطقياً، لكن البعض الآخر يعتقد أن مــا يـظـهـر عـلـى الـشـاشـة يمتلك تـأثـيـرا حـاسـمـا، بحيث يُــقـلِّــده الـنـاس أحـيـانـا، ويستسيغونه، وهـنـا مكمن الخطر. فخلال الأسبوع الماضي، انشغل الـرأي العام في مصر بواقعة اختطاف شـاب في إحـدى قـرى مركز بنها بالدلتا، على خلفية مزاعم عن علاقة عاطفية جمعته بفتاة. ووفق ما أعلنته الجهات الأمنية وتداولته وسائل الإعلام المحلية، أقدم عدد من الأشخاص على خطف هذا الشاب، ثم الاعتداء عليه بدنيا ومعنوياً، وتـصـويـره وهــو يـرتـدي بـدلـة رقص نسائية، في مشهد قُصِد به الإذلال والتشهير، قبل أن يوقَف المـتـهـمـون ويــحــالــوا إلـــى الـتـحـقـيـق بـتـهـم تتعلق بالخطف والاعتداء وهتك العِرض. هذه الوقائع الثابتة تكفي بذاتها لإدانة الفعل قانونيا وأخـــاقـــيـــا، غـيـر أنــهــا تـفـتـح بــابــا أوســــع لـلـتـأمـل فـــي المـنـاخ الثقافي الـذي يجعل من الإذلال عرضا عاماً، ومـن العقوبة مشهدا مطروحا للتداول. لـيـس خـافـيـا أن صـــورة الــشــاب المُـــكـــرَه عـلـى ارتـــــداء زي نـسـائـي لـــم تــولــد فـــي فـــــراغ؛ فـــالـــذاكـــرة الـبـصـريـة للجمهور الـعـربـي تـسـتـدعـي عـلـى الــفــور مـشـهـدا شـهـيـرا مــن مسلسل ،2016 «الأســـــطـــــورة»، الــــذي عُــــرض فـــي شــهــر رمـــضـــان عــــام وقـــام ببطولته المـمـثـل محمد رمــضــان، حـيـث يُــجـبـر خصم البطل على ارتـــداء ملابس نسائية في سياق انتقامي، في لقطة صُـــــوّرت بـوصـفـهـا ذروة إذلال تُــكـسـر بـهـا هيبة هـذا الـخـصـم. يومها صـفَّــق الجمهور داخـــل الــدرامــا وخارجها لـــ«الــرد الـقـاسـي»، وتــحــوَّل المشهد إلــى مـــادة مُــتــداوَلــة على نطاق واسع. الفارق أن ما كان تمثيلا صار، في واقعة بنها، ممارسة واقعية تتوسَّل المنطق ذاتـه؛ أي كسر الكرامة عبر التشهير العلني، وتحويل الجسد إلى أداة عقاب رمزي. هنا تتجلَّى إشكالية تأثير الدراما العنيفة في المجتمع، وهي مسألة خضعت لعقود من البحث العلمي الرصين في جامعات ومـراكـز دراســـات. فمنذ ستينيات القرن الماضي، أثـــبـــت ألــــبــــرت بـــــانـــــدورا، عـــبـــر تـــجـــاربـــه فــــي نـــظـــريـــة الـتـعـلـم الاجتماعي، أن الأفـراد يتعلمون السلوكيات العدوانية من خـال الملاحظة والمحاكاة، خصوصا حين يُقدم الفاعل في صـورة المنتصر الـذي لا يناله عقاب. لم يكن الاستنتاج أن المشاهدة تُنتج جريمة حتماً، بل إنها تزرع أنماطا إدراكية وســلــوكــيــة تـجـعـل الــعــنــف خـــيـــارا مــطــروحــا ومـــشـــروعـــا في الذهن. ومع تراكُم الدراسات المشابهة، ثبت وجـود ارتباط دال بـــن الـــتـــعـــرض المـــتـــكـــرر لمــحــتــوى عــنــيــف وبــــن ارتـــفـــاع مستويات العدوانية، وتقبُّل استخدام القوة لحل النزاعات. وفــي سبعينيات الـقـرن المــاضــي، طـــوَّر جـــورج غيربنر نظرية «الــغــرس الـثـقـافـي»، الـتـي ذهـبـت إلــى أن الاستهلاك الـكـثـيـف لــلــشــاشــات، ولا سـيـمـا المــضــامــن الـعـنـيـفـة، يعيد تشكيل تصور المشاهد للواقع. فالعالم يبدو أكثر قسوة، والـــنـــاس أكــثــر اســـتـــعـــدادا لـلـبـطـش، والــعــقــاب الـــفـــردي أكـثـر فاعلية من القانون البطيء. هذا الإدراك المتراكم لا يمر بلا أثر؛ إذ تشير بحوث لاحقة إلى أن من يكثرون من مشاهدة العنف الدرامي يميلون إلى تأييد العدالة الانتقامية، وإلى تقبُّل صور الإذلال بوصفها ردا مناسبا على «الخطأ». وفي العقدين الأخيرين، أصدرت جمعيات علم النفس الــغــربــيــة تـــقـــاريـــر تـحـلـيـلـيـة خَـــلُـــصـــت إلــــى أن هــــذا الـتـأثـيـر الــــدرامــــي تـــراكــمــي، ويـتـجـلـى فـــي ثــاثــة مـــســـارات رئـيـسـيـة: زيادة الاستثارة العدوانية، وتعلم مسارات سلوكية جاهزة لــاســتــخــدام، وحـــــدوث تــبــلُّــد انــفــعــالــي يـقـلـل الــتــعــاطــف مع الضحايا. حين نضع هذه النتائج إلى جوار مشهد «الأسطورة» وواقـــعـــة بـنـهـا، لا نــزعــم عــاقــة سـبـبـيـة مــبــاشــرة وبـسـيـطـة، فـــالـــســـلـــوك الإجـــــرامـــــي نــــتــــاج شـــبـــكـــة مـــعـــقـــدة مــــن الـــعـــوامـــل الاجــتــمــاعــيــة والاقـــتـــصـــاديـــة والـــتـــربـــويـــة. لـكـنـنـا نستطيع، اسـتـنـادا إلــى الأدبــيــات العلمية، الـقـول إن الــدرامــا العنيفة تمد المِخْيَال الجمعي بقوالِب جاهزةٍ: كيف يجري الانتقام، وكـــيـــف يُــكــســر الـــخـــصـــم، وكـــيـــف يُــســتــعــرض الـــعـــقـــاب أمـــام جمهور. وحــن يُكافأ البطل درامـيـا على فعله الانتقامي، ويُحتفى به شعبياً، تُرسَّخ رسالة ضمنية مفادها أن الإذلال أداة مشروعة لاستعادة «الهيبة». إن أخطر ما في واقعة بنها ليس فقط جريمة الخطف والإذلال، بـل البعد الاستعراضي فيها: التصوير والنشر والـــتـــداول؛ فـقـد تــحــوَّل الـعـقـاب إلـــى عـــرض، والـجـريـمـة إلـى مــحــتــوى. وهــــذه الـبـنـيـة الاســتــعــراضــيــة هـــي عـــن مـــا غـذَّتـه سـنـوات مـن الــدرامــا الـتـي جعلت مـن الـكـامـيـرا شـاهـدا على إذلال الـخـصـم، ومـــن الـجـمـهـور شـريـكـا فــي التصفيق. هنا يتقاطع الواقع مع المتخَيَّل، لا لأن الشاشة تخلق المجرم، بل لأنها تهيئ الأرض الرمزية التي ينبت فيها الفعل. المسؤولية، إذن، لا تكمن فـي دعــوة إلـى رقـابـة عمياء، بل إلى وعي نقدي، وإلى سياسات إعلامية رشيدة، وتعزيز التربية الإعـامـيـة الـتـي تُعلِّم المتلقي التفريق بـن الـدرامـا بوصفها بناء تخييليا وبين الواقع بوصفه مجالا تحكمه قــوانــن وحــقــوق. فالمجتمع الـــذي يـعـتـاد مـشـاهـدة الـكـرامـة تُداس على الشاشة قد يجد نفسه أقل فزعا حين تُنتهك في الشارع. رؤية استراتيجية واستثمارات جريئة وراء استمرار الصحيفة الفرنسية 200 «لوفيغارو»... تحول رقمي ناجح في العيد الـ وسـط عالم تتساقط فيه الصحف العريقة واحـدة تلو الأخـرى تحت ضغط الثورة الرقمية وتغيّر أنماط الاستهلاك الإعلامي، يبرز احتفال صحيفة «لـوفـيـغـارو» الفرنسية بـمـرور مائتي ســنــة عــلــى تـأسـيـسـهـا بــوصــفــه حـــدثـــا يــتــجــاوز الـبـعـد الـــرمـــزي، لـيـطـرح ســـــؤالا جــوهــريــا: كيف يمكن لمؤسسة صحافية وُلدت في القرن التاسع عشر أن تظل فاعلة، مؤثرة، ومربحة في القرن الحادي والعشرين؟ اسم عريق فــي مناخ 1826 أسّــســت «لـــو فـيـغـارو» عـــام سياسي شديد القسوة، إذ كانت حرية الصحافة مـــقّـــيـــدة، والـــرقـــابـــة أداة مــركــزيــة فـــي حــكــم المـلـك شــارل العاشر. ولقد أطلق عليها اسمها نسبة لـشـخـصـيـة «لـــوفـــيـــغـــارو» الـــتـــي ابــتــكــرهــا بــيــارأوغـــوســـتـــان بــومــارشــيــه، المـــوســـوعـــي الـفـرنـسـي الـشـهـيـر، فــي مــســرحــه... والــتــي جــسّــدت الــذكــاء الشعبي والتمرّد الناعم على السلطة، وهـذا ما سعت الصحيفة إلى ترجمته صحافياً. وبالفعل، مرّت الصحيفة الفرنسية العريقة في عقودها الأولى بمراحل انقطاع وعودة، قبل أن تجد استقرارها الحقيقي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين تحوّلت من نشرة أدبية ساخرة إلى صحيفة يومية مؤثرة بفضل هيبوليت دو فيلميسان، واضــعــة الأســــاس لما سيصبح لاحقا أحد أعمدة الصحافة الفرنسية. قرنان تاريخيان من دريفوس إلى العولمة لـــم تـكـن «لـــوفـــيـــغـــارو»، فـــي الـــواقـــع، شـاهـدا محايدا على التاريخ الفرنسي، بل فاعلا داخله. إذ لعبت دورا محوريا في قضية الضابط ألفريد دريـــــفـــــوس، الـــتـــي كــشــفــت انـــقـــســـامـــات المـجـتـمـع الفرنسي حول العدالة والهويّة والجمهورية. كذلك واكبت الحربين العالميتين، وسقوط أنـظـمـة، وقــيــام أخــــرى. وإبّــــان الاحــتــال الــنــازي، اتـــــخـــــذت الـــصـــحـــيـــفـــة قـــــــــرارا مــفــصــلــيــا بـتـعـلـيـق صـــدورهـــا بـــدل الــخــضــوع لــلــرقــابــة، وهـــو خـيـار رسّــــخ سـمـعـتـهـا كـصـحـيـفـة تــضــع الــحــريــة فــوق الاستمرارية الشكلية. ومن ثم، صار هذا الموقف جـــزءا مـن سرديتها المـؤسِّــسـة، ومــن رأس مالها الرمزي حتى اليوم. من الورق إلى المنصّات مــــــع دخـــــــــول الألــــفــــيــــة الــــــجــــــديــــــدة، أدركـــــــت الصحيفة الفرنسية الـعـريـقـة مـبـكـرا أن البقاء لــن يــكــون ممكنا مــن دون تــحــوّل جــــذري. ولــذا أطـــلـــقـــت مــوقــعــهــا الإلـــكـــتـــرونـــي فــــي حــــن كــانــت صحف كبرى تتعامل مـع «الإنـتـرنـت» كتهديد لا كفرصة. وبالتالي، نـرى الآن أن «لوفيغارو» لــيــســت مـــجـــرد صـحـيـفـة ورقــــيــــة، بـــل مـجـمـوعـة إعلامية متكاملة تضم موقعا إلكترونيا رائـداً، وقناة تلفزيونية (لو فيغارو تي في)، ومجلات متخصّصة، بـالإضـافـة إلــى حـضـور قـــوي على 38 مــنــصّــات الـــتـــواصـــل الاجــتــمــاعــي بــأكــثــر مـــن مليون متابع. هذا التحوّل لم يكن شكلياً، بل جاء مسنودا بــاســتــثــمــار تــقــنــي داخـــلـــي مـــكّـــن المــجــمــوعــة من التحكم في البيانات والاشتراكات والإعلانات. النجاح الاقتصادي: استثناء في زمن الأزمات الـيـوم، تبرز تجربة «لوفيغارو» بوصفها استثناء لافتا فـي المشهد الإعـامـي الـعـالمـي. إذ بينما يعاني هــذا القطاع مـن تـراجـع الإيـــرادات وانـــــحـــــســـــار الــــجــــمــــهــــور، واصــــــلــــــت الـــصـــحـــيـــفـــة الفرنسية الـعـريـقـة تسجيل نـتـائـج مـالـيـة قوية تــــؤكّــــد أن الأزمـــــــة لــيــســت حــتــمــيــة، بــــل مـرتـبـطـة بخيارات استراتيجية وإدارية محددة. وفــــي صــلــب هــــذا الـــنـــجـــاح، يـــبـــرز الــتــحــوّل الـــرقـــمـــي رافــــعــــة مــــركــــزيــــةً. فــلــقــد واصــــــل المـــوقـــع 2025 الإلـكـتـرونـي «لـوفـيـغـارو بـــوان إف إر» فـي تسجيل مستويات غير مسبوقة مـن التفاعل، ملايين زيـــارة شهرية، واحتلاله 210 بأكثر مـن مـرارا صـدارة مواقع الأخبار الفرنسية من حيث عدد الزوار. ومــن جهة ثـانـيـة، يصل عــدد المستخدمين الـيـومـيـن، عـبـر المــوقــع والـتـطـبـيـقـات، إلـــى نحو مليون مستخدم، ما يعكس رسوخ العلامة 3.4 الـرقـمـيـة للصحيفة. لـكـن الأهــــم لا ينحصر في حجم الـزيـارات فحسب، بل يشمل قــدرة المنصة على تحويل هـذا التدفّق الجماهيري إلـى قيمة اقتصادية ملموسة. ذلك أن الاشتراكات الرقمية استمرارا للمنحى التصاعدي، 2025 شهدت عام ألفا ً. 295 بعدما تجاوز عدد المشتركين الرقميين وهـــذا الـتـطـوّر الـنـوعـي جعل الإيـــــرادات الرقمية تمثّل أكثر من نصف إجمالي عائدات الصحيفة، فــــي ســـابـــقـــة تـــاريـــخـــيـــة تـــعـــكـــس نـــضـــج نـــمـــوذج الاشتراك المدفوع. بـــذا، انتقلت الصحيفة العريقة، المعروفة بتوجهها الـيـمـيـنـي، مــن منطق الاعـتـمـاد على الإعــــان إلـــى اقـتـصـاد قـائـم عـلـى الـــقـــارئ. وبــات في المائة من إجمالي 60 الجمهور يساهم بنحو فــــي المــــائــــة فـــقـــط قـبـل 50 الإيـــــــــــرادات، مـــقـــارنـــة بـــــــ سـنـة واحـــــدة، وهــــذا تــحــوّل اسـتـراتـيـجـي يمنح الصحيفة هامش استقلالية أوسع في قراراتها التحريرية. صمود غير متوقع بــالــتــوازي، ورغــــم الــسّــرديــة الــســائــدة حـول «مــــــوت الــــــــــورق»، واصــــلــــت الـــنـــســـخـــة المــطــبــوعــة . إذ 2025 للصحيفة أداء يفوق التوقعات في عام حافظت نسخة «لوفيغارو» الورقية على توزيع ألـــف نـسـخـة، وهـــو مـــا يـضـعـهـا في 400 يـــقـــارب المرتبة الثانية بعد صحيفة «لوموند» الشهيرة ألــف نسخة، 500 الـتـي سجلت تـوزيـع أكـثـر مـن وهو رقم نادر في السياق الأوروبـي الحالي. بل إن العائدات المرتبطة بالنسخة الورقية لصحيفة «لوفيغارو» سجّلت تحسنا ملحوظاً، مستفيدة من سياسة تسعير مدروسة، ومن الطلب المرتفع خلال فترات سياسية ورياضية مكثّفة. هذا الأداء يؤكد أن الورق لا يزال قادرا على تـحـقـيـق قـيـمـة اقــتــصــاديــة ورمـــزيـــة، حـــن يـكـون جزءا من منظومة متكاملة لا أعباء عليها. هوية تحريرية واضحة أخـــيـــراً، إن مـــا يــمــيّــز تــجــربــة «لــوفــيــغــارو» بـالـفـعـل لــيــس فــقــط حــجــم الإيــــــــرادات، بـــل أيـضـا طبيعتها. فلقد نجحت الصحيفة في بناء علاقة طويلة الأمد مع قرائها، تقوم على الثقة والهوية التحريرية الواضحة، لا على الاستهلاك السريع للمحتوى المجاني. وهـــــــذا الـــــــــولاء هـــــو مـــــا ســـمـــح لــلــمــجــمــوعــة بتحقيق تــــوازن نـــادر بــن الانـتـشـار والـربـحـيـة. وتتجلّى هذه السياسة في نموذج «الاشتراكات المــــدفــــوعــــة» الــــــذي طـــبّـــقـــتـــه الــصــحــيــفــة بـــبـــراعـــة. حــيــث بـــــدلا مـــن إغـــــراق الـــقـــارئ بــمــئــات الأخـــبـــار المـــجّـــانـــيـــة المــعــتــمــدة عــلــى الـــعـــنـــاويـــن الــصــادمــة )، ركّــــــزت «لـــوفـــيـــغـــارو» عــلــى تـقـديـم Clickbait( تـقـاريـر استقصائية وتـحـلـيـات جيوسياسية حـــصـــريـــة. ثـــم إنــــه إبـــــان الأزمـــــــات الـــكـــبـــرى، مثل الـتـدخـات الـعـسـكـريـة الأخــيــرة أو الانـتـخـابـات، تبتعد الصحيفة عن «النقل الحرفي» للبيانات الرسمية، لتقدم ملفّات تحليلية يكتبها خبراء ومـفـكّــرون، مـا يجعل المشترك يشعر بأنه يدفع مقابل «قيمة مُضافة» وليس مقابل معلومات متاحة للجميع. «لوفيغارو» بين الأمس واليوم (لوفيغارو) باريس: أنيسة مخالدي مبنى «لوفيغارو» في قلب العاصمة الفرنسية باريس (ويكيميديا) تصاعد الملاحقة القضائية لمنصات التواصل تـــصـــاعـــدت المـــاحـــقـــة الـــقـــضـــائـــيـــة لمـنـصـات التواصل الاجتماعي فـي مـزاعـم بشأن تسببها فـــي إدمـــــان المـسـتـخـدمـن، لا سـيـمـا الأطـــفـــال؛ ما عدّه خبراء محاولة قد تدفع المنصات إلى تقديم تنازلات أو تغيير سياسة الخصوصية، وتزيد من اتجاه الجمهور نحو تنويع التطبيقات التي يستخدمها. خــال الأســبــوع المــاضــي، بــدأ المحلفون في الــولايــات المتحدة نظر قضية «تسعى لتحميل مـنـصـات الــتــواصــل الاجـتـمـاعـي المـسـؤولـيـة عن الأضـرار التي تلحق بالأطفال». وهـذه المحاكمة مبنية على دعوى رفعتها شابة في العشرين من عمرها تُعرَف باسم «كيلي جي. إم» ضد شركتي «مـيـتـا بـاتـفـورمـز» مـالـكـة مـنـصـات «فيسبوك» و«إنــــســــتــــغــــرام»، و«غــــوغــــل» الــتــابــعــة لمـجـمـوعـة «ألـفـابـيـت» مالكة منصة «يـوتـيـوب»، تتهمهما بتعمد تصميم منتجاتهما بطريقة تتسبب في إدمان الأطفال. الــــشــــركــــتــــان نـــفـــتـــا الاتـــــهـــــامـــــات، وقـــــــال آدم مــوصــيــري، الـرئـيـس الـتـنـفـيـذي لـــ«إنــســتــغــرام»، في شهادة أدلى بها أمام المحكمة، إنه «من المهم التمييز بين الإدمان السريري والاستخدام الذي يعد إشكالياً»، نافيا «صحة الادعاء بأن (ميتا) تعطي الأولــويــة للربح على حـسـاب الـسـامـة... ذلك أن حماية القُصّر على المدى الطويل مفيدة أيضا للأعمال وللربحية». وفــــــق مــــراقــــبــــن، فــــــإن «صـــــــــدور حـــكـــم ضـد شـــركـــات الـتـكـنـولـوجـيـا قـــد يُــمـهـد الــطــريــق أمـــام قـضـايـا مـمـاثـلـة فــي مـحـاكـم الـــولايـــات المـتـحـدة، ويُزعزع الدفاع القانوني الراسخ لهذه الشركات ضــــد دعـــــــاوى الإضــــــــرار بـــالمـــســـتـــخـــدمـــن». حـيـث تــواجــه كــل مــن «غـــوغـــل» و«مــيــتــا» و«تــيــك تــوك» و«سنابشات» دعاوى قضائية مشابهة عدة. ومــــن المــنــتــظــر اســـتـــدعـــاء كـــــارك زوكــــربــــرغ، الـرئـيـس الـتـنـفـيـذي لـشـركـة «مـيـتـا»، شــاهــدا في المحاكمة التي قد تمتد إلى مارس (آذار) المقبل. الــــدكــــتــــورة مــــي عـــبـــد الــــغــــنــــي، الـــبـــاحـــثـــة فـي الإعـام الرقمي وأستاذة الإعـام بجامعة بنغازي في ليبيا، رأت في حــوار مع «الـشـرق الأوســـط» أن «الـدعـاوى القضائية المرفوعة حاليا في الولايات المـــتـــحـــدة وأوروبـــــــــا تــنــطــلــق مــــن فــلــســفــة قــانــونــيــة تتجاوز مجرد الاعتراض على المحتوى، لتصل إلى عيوب التصميم الهيكلي للمنصات والمتمثلة في الطريقة التي صُممت بها المنصات لجعل الطفل يقضي أطول وقت ممكن كالتمرير اللانهائي». وتـلـخـص عـبـد الـغـنـي الأســـبـــاب وراء هـذه الملاحقات القضائية في «استخدام هذه المنصات بــــاســــتــــخــــدام تـــقـــنـــيـــات عـــصـــبـــيـــة وبـــيـــولـــوجـــيـــة، مـثـل الـتـمـريـر الـانـهـائـي والإشــــعــــارات الـفـوريـة الــتــي تـعـمـل عـلـى تـعـطـيـل قـــــدرات الأطـــفـــال على التحكم في النزوات، إضافة إلى استغلال نقاط الـضـعـف الـنـفـسـيـة؛ حـيـث تـعـمـل هـــذه المـنـصـات عـــلـــى اســــتــــهــــداف أطــــفــــال تـــعـــرضـــوا لــلــصــدمــات بـــخـــوارزمـــيـــات تـتـضـمـن مــحــتــوى ضــــارا يتعلق بـاضـطـرابـات الأكـــل أو إيــــذاء الـنـفـس». وأشـــارت إلـى أن «المنصات تلاحق بتهمة انتهاك قوانين مـثـل (قـــانـــون حـمـايـة خـصـوصـيـة الأطـــفـــال على عـبـر جـمـع بـيـانـات الأطـفـال COPPA ) الإنــتــرنــت سنة واستخدامها في الإعلانات». 13 دون سن الـ ووفــــــق عـــبـــد الـــغـــنـــي، فـــــإن «هــــــذه الــــدعــــاوى القضائية تضع المنصات أمام مسؤولية مباشرة عـــن الأضــــــرار الـنـفـسـيـة الـــتـــي تـلـحـق بــالأطــفــال، مـثـل الاكــتــئــاب، واضـــطـــرابـــات الأكـــــل، أو التنمر الإلــكــتــرونــي». لكنها لـفـتـت إلـــى أن «قــــرار حظر استخدام الأطفال للمنصات لا ينهي الاستخدام، بــــل يـــحـــولـــه مــــغــــامــــرة... وبـــمـــجـــرد صــــــدور قــــرار VPN الــحــظــر، تـشـهـد تـطـبـيـقـات كــســر الــحــجــب طــــفــــرة غـــيـــر مـــســـبـــوقـــة». وأردفـــــــــــت: «الـــــدعـــــاوى القضائية الحالية قد تدفع بعض المنصات إلى تقديم تنازلات للحكومات، مثل تشديد الرقابة على المحتوى أو تغيير سياسات الخصوصية؛ ما يغير شكل المنصة التي عرفناها». وبــــــشــــــأن تــــأثــــيــــر الــــــــدعــــــــاوى عــــلــــى ســـلـــوك المستخدمين، أكدت عبد الغني أنه «عندما تزداد التهديدات بحظر المنصات العامة، يميل الناس سلوكيا نحو التطبيقات التي توفر خصوصية أعلى وتصعب مراقبتها أو حظرها بسهولة... وقــد يـدفـع هــذا إلــى الـهـجـرة الجماعية وتنويع المنصات»، موضحة أن «الجمهور قد يتجه لفتح حسابات احتياطية على منصات بديلة». القاهرة: فتحية الدخاخني النص الكامل على الموقع الإلكتروني
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky