issue17247

OPINION الرأي 12 Issue 17247 - العدد Monday - 2026/2/16 الاثنين وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com زيارة لم تبدّد قلق نتنياهو نقطة التقاء الأمان واليأس فلسطين... الفجوة المتسعة بين الشعب والسلطة ينبغي أن تزول يتعذّر وصف زيارة بنيامين نتنياهو إلى واشنطن الأسبوع الماضي بالناجحة أو الفاشلة دون معرفة خبايا لـم تُعلن عـن الاجـتـمـاع مـع الرئيس دونـالـد تـرمـب، ومن السذاجة أيضا الاعتقاد أن التباينات، مهما بلغت، قد تخرب العلاقة المتينة بين الطرفين. هذا لا يمنع تصاعد قلق إسـرائـيـل مـن المـفـاوضـات الـجـاريـة مـع إيــــران، لا لأن الـتـفـاوض بحد ذاتـــه مـفـاجـأة، بـل لأن الـسـيـاق الإقليمي والــدولــي الــذي يجري فيه يضعها أمــام معادلة حرجة: احتمال عودة الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران بـدعـم إقليمي، فـي لحظة تشعر فيها بــأن قـدرتـهـا على فرض مقاربتها الأمنية الأحادية تتآكل. الــقــلــق الإســـرائـــيـــلـــي لا يــتــركــز فــقــط عــلــى مـضـمـون أي اتـفـاق محتمل، بـل على فـكـرة الاتــفــاق نفسها. فمنذ ســنــوات، بُــنـيـت الـعـقـيـدة الأمـنـيـة الإسـرائـيـلـيـة عـلـى منع إيران من التحول إلى قوة نووية كامنة أو «دولة عتبة»، وعلى إبقاء الملف الإيراني ضمن خانة التهديد الوجودي الذي يبرر سياسات الردع القصوى. أي مسار تفاوضي يعيد إدماج إيران تدريجيا في النظام الدولي تنظر إليه إسرائيل كأنه مس مباشر بهذه العقيدة، حتى لو تضمن قيودا على البرنامج النووي. لا تــزال حاضرة 2015 تجربة الاتـفـاق الـنـووي لعام بــقــوة فــي الــوعــي الـسـيـاسـي الإســرائــيــلــي. بالنسبة لتل أبــيــب، لــم يُــنــه الاتـــفـــاق الـخـطـر بــل أجّـــلـــه، وســمــح لإيـــران بالتقاط أنفاسها اقتصاديا وسياسيا من دون معالجة سـلـوكـهـا الإقــلــيــمــي أو بــرامــجــهــا الـــصـــاروخـــيـــة. الـــيـــوم، تـــخـــشـــى إســــرائــــيــــل حـــــــدوث ســـيـــنـــاريـــو مـــشـــابـــه يـخـفـف الضغوط الاقتصادية عن إيران ويتيح لها إعادة تنظيم نفوذها الإقليمي، في ظل رغبة أميركية لصفقة تخفض التوتر وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مفتوحة. والـقـلـق الإســرائــيــلــي لا يتعلق بـــإيـــران وحـــدهـــا، بل بـالـتـحـول فــي المــقــاربــة الأمـيـركـيـة نـفـسـهـا. فـالمـفـاوضـات تعكس توجها أوسع في واشنطن نحو إدارة الصراعات بــــــدل حـــســـمـــهـــا، وتـــفـــضـــيـــل الـــتـــســـويـــات المـــرحـــلـــيـــة عـلـى المــواجــهــات المـفـتـوحـة. هـــذا المـنـطـق يـتـعـارض مــع الـرؤيـة الإســـرائـــيـــلـــيـــة الــقــائــمــة عــلــى الــضــغــط المــســتــمــر والــــــردع العسكري ومنع الخصم من إعــادة التموضع. لذلك، أي تقارب أميركي - إيراني يُقرأ في تل أبيب كأنه إشارة إلى تـراجـع الاسـتـعـداد الأميركي لاعتماد الخطوط الحمراء الإسرائيلية بوصفها مرجعية مطلقة. يـضـاف إلــى ذلــك تباين مـواقـف الـــدول العربية التي لا تشارك إسرائيل مستوى القلق نفسه إزاء المفاوضات، إذ يـــرى عـــدد منها أنـهـا وسـيـلـة لخفض مـنـسـوب التوتر الإقليمي، لا أنها تهديد مباشر لأمنه واستقراره. في ظل أولــويــات عربية باتت تركز على الاسـتـقـرار الاقـتـصـادي، وجذب الاستثمارات، وضبط المخاطر. مـــع مــقــاربــة أمـيـركـيـة لا تــأخــذ بـالـكـامـل الـهـواجـس الإسـرائـيـلـيـة بــالاعــتــبــار، وفـــي ظـــل واقــــع إقـلـيـمـي جـديـد يـتـمـيـز بــعــاقــات تـطـبـيـعـيـة قــائــمــة مـــع الــبــعــض دون أن تتحول تلقائيا إلى تحالفات استراتيجية صلبة عند كل منعطف أمني، يتعمق قلق إسرائيل ليتجاوز مضمون المــــفــــاوضــــات ويــــطــــول مــوقــعــهــا فــــي المـــعـــادلـــة الإقـلـيـمـيـة والدولية. تل أبيب التي اعتادت لعب دور الطرف المُقرر فـــي مــلــفــات الأمـــــن والــــــــردع، تــجــد نـفـسـهـا الـــيـــوم أســيــرة تـوازنـات لا تتحكم فيها وحدها، وأمــام مسار تفاوضي يُدار فوقها ولا تسيطر على إيقاعه، حتى يبدو القلق في كثير من الأحيان تعبيرا عن فقدان السيطرة. ومــع تفاقم الانـقـسـام السياسي والمجتمعي، يبرز البُعد الـداخـلـي الإسـرائـيـلـي فـي تفسير القلق مـن مسار المـــفـــاوضـــات إذ بـــاتـــت المــــخــــاوف مــنــهــا انــعــكــاســا لأزمـــة داخـلـيـة بـقـدر مــا هــي هــواجــس أمـنـيـة. فــي هـــذا الـسـيـاق، تعيد حكومة نتنياهو توظيف «الخطر الإيراني» لإنتاج حـد أدنـــى مـن الإجـمـاع وتأجيل الـخـافـات حــول القيادة ومستقبل الـنـظـام الـسـيـاسـي، فــي سـلـوك يـكـشـف مـأزقـا بـنـيـويـا: حـكـومـة تـكـتـفـي بــــــإدارة مــنــاخ الـقـلـق وتـغـذيـتـه سـيـاسـيـا بــــدل بـــلـــورة رؤيــــة اسـتـراتـيـجـيـة طــويــلــة الأمـــد للتعامل مع التحولات الإقليمية. هـل تملك إسـرائـيـل بـدائـل فعلية عـن سياسة القلق والــتــصــعــيــد؟ تــبــدو الـــخـــيـــارات مــــحــــدودة: فــالــحــرب كما يفضلها نتنياهو تكلفتها باهظة وتبدو غير مرجحة، والضغط السياسي على واشنطن لـه سقوفه، والـرهـان على جبهة إقليمية موحدة يتآكل. غـيـر أن ضـيـق الــبــدائــل لــن يـغـيـر سـيـاسـة نتنياهو القائمة على معادلة بسيطة: إمـا تسويات تصاغ وفق توقيته وعلى قياس حساباته السياسية والشخصية، وإمـــا الـحـلـول الــرمــاديــة: إنــهــاك «حـــمـــاس» دون القضاء عليها، وتقويض قـــدرات «حــزب الـلـه» وتـركـه قـــادرا على زعزعة استقرار لبنان، وتقليم أظافر إيــران دون نزعها من المعادلة الإقليمية. فـــي ظـــل هـــذه المــعــطــيــات، قـــد يـسـعـى نـتـنـيـاهـو إلـى دفع واشنطن نحو صيغة وسـط: إبـرام اتفاق يركز على الأنشطة النووية بما يمنح ترمب إنجازا يريده ومخرجا مـــن الــــحــــرب، مــقــابــل هـــامـــش أوســـــع لإســـرائـــيـــل لـلـتـحـرك عسكريا ضد الصواريخ والأذرع الإيرانية المحيطة بها. أي تسوية مؤقتة ترضي الطرفين لكنها تؤجل الإشكال بدل حسمه. بـالمـحـصـلـة، الـقـلـق حــالــة دفــاعــيــة تـسـتـثـمـر لـكـنـه لا يشكل سياسة ولا استراتيجية بديلة تواكب التحولات المـتـسـارعـة، مـا يـبـدده هـو الأمـــر الـــذي ترفضه إسـرائـيـل: انـــخـــراطـــهـــا فـــي ســــام إقــلــيــمــي شـــامـــل ودائـــــــم، والــقــبــول بــالــعــيــش إلـــــى جـــانـــب كـــيـــان فـلـسـطـيـنـي مــســتــقــل يـعـيـد للفلسطينيين بعضا من حقوقهم. أكــثــر الأفـــكـــار الـسـيـاسـيـة كــســا اعـتـنـقـتـهـا وأنــــا في وظيفة مأمونة. وأعني بالوظيفة المأمونة عقدا دائماً، في مؤسسة حكومية، وراتبا يرتفع سنويا بنسبة التضخم على الأقل، بلا شروط. وكانت هذه الأفكار نتيجة لعوامل عدة. أوّلها أن الأمان يرفع عنك عبء الخوف من المستقبل، وهو ضروري لكي تفكر في قراراتك بإمعان. ومع طبيعة عـمـلـي فــي الـصـحـافـة، أعــطــانــي الأمــــان مـسـاحـة للتجمل الـفـكـري بـا حـسـاب ولا تكلفة. فتطرح على الآخــريــن ما تجمل صياغته، وما تمدحه الدوائر والأقـــران. كأنَّنا في لعبة مسابقات ترفيهية، الفائز من يغرف أكثر من نفس الوعاء ويصب أكثر من نفس الحساء. لا يعني هذا أن الموظف الحكومي لن يتأثر بالظروف الاقتصادية غير المواتية. سيتأثر بالتأكيد، ربَّما يضطر إلى دفع قسط دين عقاري أكبر، وسينفق أكثر على السلع. لكن هـذا ضئيل إن قــورن بحجم المخاطر التي يواجهها أصـحـاب الأعـمـال الخاصة، لا سيَّما الصغير والمتوسط مــنــهــا. هــــؤلاء الـــذيـــن يـــديـــرون حـيـاتـهـم بــحــاصــل الـجـمـع والطرح، ولا ضمان لاستمرارهم وإن اجتهدوا إلا سياسة عامة كفؤة. أزمـة اقتصادية واحــدة كفيلة بالقضاء على تجارتهم قضاء مبرماً، وتضخم مع ضرائب كفيل بإخفاء قطاع من زبائنهم. عالم لا يعلم عنه الموظف الحكومي إلا القليل. وقد جرَّبت بنفسي الحياة على الضفتين. أعيش في منطقة تجارية في لندن. أستطيع بالعين المجردة أن أرى الازدهار والانهيار. فكر في القطاعات التي ، ثـم القطاعات التي انـهـارت فـي أزمـة 2008 تـأثـرت بـأزمـة كوفيد. في كل هذا كانت الوظيفة الوحيدة المضمونة هي الوظيفة الحكومية. في قلب الأزمة الاقتصادية قد يصدر حزب سياسي قرارا برفع الحد الأدنى للأجور، فيجعله هذا أكثر شعبية بين الجمهور. لكن الواقع أن الحكومة ستموّل القرار من ضرائب الجميع، وأن القطاع الخاص الصغير والمتوسط سيدخل في أزمــة أكبر بسببه، تضيف إلـى بند الإنفاق، وســــوف يـعـجـز عـــن تــوظــيــف مــزيــد مـــن الــعــامــلــن وربَّــمــا يضطر إلى الاستغناء عن عمالة. هذا الانتقال في زاوية النظر صعب على كتاب الرأي الــذيــن تــولــوا مــهــام إداريـــــة. لا يملكون رفـاهـيـة الـوصـول إلى قناعة ثم كتمانها حفاظا على حظوة القبول، ولا أن يصرّحوا بشيء ككتاب رأي ثم يفعلوا عكسَه كإداريين. حيث يـتـحـوّل الـجـدل السياسي والاقــتــصــادي فـي نطاق المـشـتـغـلـن بـالـلـغـة الــعــربــيــة إلــــى جــــدل أخـــاقـــي، وتـبـقـى الـسـيـاسـات الـنـظـريـة أكــثــر جـاذبـيـة مــن اخـتـبـارهـا خــارج النطاق الحكومي. الــجــهــة الأخـــــرى الـــتـــي يـتـحـقـق لــهــا أمـــــان لا يتحقق لصاحب ورشة نجارة صغيرة أو تجارة محدودة هي فئة المستثمرين الكبار. نسمع أحيانا من بعضهم دعوة إلى تعميم إجراءات يسهل عليهم تطبيقها في شركاتهم، ولا يطيقها أصحاب الأعمال الصغيرة. وإذا كان الأمان المفرط يحرر صاحبه من القلق، فإن اليأس يفعل الشيء نفسَه، قادما من المدخل المقابل. من يعتقد أن الـغـد سيئ على أي حــال، لـن يكترث بما يقرّر اليوم. يصبح الحديث عن إنتاج طويل الأجل ترفاً، ويغدو الــحــل الـــفـــوري، ولـــو كـــان سيئا عـلـى المـــدى الـبـعـيـد، أكـثـر إغـــراء مـن دواء اقتصادي مـر لا يثق أحـد بعائده ولا في استفادته الشخصية منه. في الحالتين يغيب ذلك الخوف الـضـروري الــذي يجعلنا نحسب التكلفة قبل أن نحتفي بالشعار. ولـــذلـــك مـــن الـــافـــت أن الــســيــاســات الــتــي تــخــرج عن عقلية الأمان، ومحدودية الخوف من العاقبة الاقتصادية، شبيهة للغاية بالسياسات التي تخرج عن عقلية اليأس. كلتاهما متركزة على التوزيع لا الإنتاج، وبصورة أبسط كلتاهما معنية بتوفير أوراق النقد، لا بصياغة سياسات تـعـزز الاسـتـثـمـار. والمـحـزن هنا أنـنـي لا أتـحـدث فقط عن رجل الشارع البسيط الـذي يـردد بثقة: «لمـاذا لا يطبعون مزيدا من النقود؟»، بل عن سياسات اقتصادية في أوقات اليأس، هذا توصيفها الحقيقي غير المعلن، أما ما ينتج عن ذلك من أضرار بنيوية فمتروك لمستقبل لا يعرف أحد كيف سيبدو. لـو جلست مـع أي مـن المـسـؤولـن في السلطة الفلسطينية، مـن أصـغـر موظف فـي وزاراتــهــا، وجنودها وضباطها، إلى مـن يـسـمّــون مـسـؤولـي الـصـف الأول، إلى أعـــضـــاء الـــحـــكـــومـــة... فــإنــك تـجـد إجـمـاعـا مطلقا على التذمر مـن السلطة، وانتقاد أدائها على جميع المستويات، وهذا أنتج مناخا مواتيا يصلح للاستخدام من قبل إسرائيل التي تعترض أساسا على وجود السلطة وليس أداءها، كما يصلح لتبرير الدعوات، محقة كانت أم مغرضة، من قبل مـــن يـــدعـــون لإصــاحــهــا كـــشـــرط للتعامل السياسي معها. الــتــذمــر الــعــام مــن الـسـلـطـة، وبـلـوغـه مـسـتـوًى مقلقا كـحـالـة رسـمـيـة وشعبية عــامــة، تـبـلـور فــي وقـــت بلغت فـيـه جهود إسـرائـيـل لتصفية الـحـقـوق الفلسطينية أقصى مدى، من حيث القرارات والسلوك، ونـــظـــرا لـانـقـسـام المـــأســـاوي الــــذي وضـع الضفة وغـــزة تحت نظامين عـاجـزيـن عن توحيد الـوطـن، بل عاجزين عن إدارة كل مـا يقع تحت مسؤولياتهما؛ فقد تعمّق الانـــقـــســـام فــــي الـــــواقـــــع، مــــا وفّــــــر لـلـخـصـم المفترض أن يكون مشتركا فـرصـة نــادرة لإحكام السيطرة ليس فقط على السلطة ومـسـاحـات حـضـورهـا الضيقة أصـــا في الضفة، وكذلك الأمر بصورة مباشرة في غـــزة، حـتـى أصـبـحـت إســرائــيــل فــي وضـع المقرر، بدءا من عدد من يدخل ويخرج من معبر رفـــح، إلــى الـتـدخـل فـي كـل تفصيلة تتعلق بالضفة وأهلها. الملاحظ أن الوضع الإقليمي والدولي لــلــحــالــة الـفـلـسـطـيـنـيـة أقــــــوى بــكــثــيــر مـن الـحـالـة المحلية، وهـــذا أمـــر يصل إلــى حد الكارثة، ما دام الانقسام مستمرا بين من يـــتـــصـــدرون المــشــهــد فـــي الــضــفــة، وأولــئــك الذين يتصدرونه فيما تبقى من غزة، وما دام الطرفان لا يبذلان أي جهد ولو بحدود دنـــيـــا لإنـــهـــاء الانـــقـــســـام وتــوحــيــد الــوطــن وأهله تحت شرعية واحدة تمتلك المؤهل للتحدث باسم الجميع. الانـــــقـــــســـــام الــــــــذي أعــــيــــا الــــعــــالــــم فــي مـحـاولات معالجته بما يقارب العشرين ســنــة، والـــــذي ازداد وتــعــمّــق رغـــم الـحـالـة الــــــكــــــارثــــــيــــــة المـــــــفـــــــروضـــــــة عـــــلـــــى الــــشــــعــــب الفلسطيني، أفرز حالة أخرى وهي سعي كـــل طــــرف مـــن أطـــرافـــه إلــــى حـــل مـشـكـاتـه الخاصة؛ إذ لا رابط بين الطرفين سوى أن إسرائيل تفرض على كليهما ما تستطيع من أجنداتها، وليس لهما سوى الصراخ والشكوى خشية فقدان ما تبقى لهما في الضفة وغزة. لا أحـــــب إلـــقـــاء الـــلـــوم عــلــى إســرائــيــل وحـدَهـا فـي مـا تخطط وتفعل، فذلك وإن كـان مؤثرا في كل المـسـارات الفلسطينية، ومـــــا يــتــصــل بـــهـــا مــــن إقــلــيــمــيــة ودولــــيــــة، فــــإن مـــا يــتــعــن عــلــى الــطــبــقــة الـسـيـاسـيـة الفلسطينية فعله، ولـم تفعل، يتقدم في المـــســـؤولـــيـــة عــلــى مـــا تـتـحـمـلـه إســـرائـــيـــل، ذلـك وفـق مبدأ: إذا كانت إسرائيل عملت على إنتاج الانقسام وإدامته، فعلى قوى الواجهة الفلسطينية مسؤولية إنهائه. عــامــل الـــوقـــت فـــي هـــذه الــحــالــة يـبـدو مـــــؤثـــــرا رئـــيـــســـيـــا مـــنـــذ الـــــبـــــدايـــــة، ذلــــــك أن عــــــدم إنـــــهـــــاء الانــــقــــســــام وهــــــو فـــــي مـــهـــده راكــــم مــعــطــيـات كـــارثـــيـــة، لـــم تــتــوقــف عند الـــخـــســـارات الــبــشــريــة والــســيــاســيــة الـتـي نتجت بفعله على مـدى سنواته العديدة والمـــــــديـــــــدة، بـــــل وصــــلــــت إلــــــى حــــــد وضـــع المنجزات الفلسطينية التي تحققت بشق الأنـــفـــس وفــــداحــــة الــتــضــحــيــات فـــي مهب الريح، ولسنا بحاجة لسَوق براهين على ذلك. يـتـسـاءل الفلسطينيون بـعـد كـــل ما حدث والـذي لم تتوقف مفاعيله الكارثية حتى الآن: ما العمل؟ وكيف يخرجون من هـــذه الـحـالـة إن لــم يـكـن مــن أجـــل تحقيق الأهداف الكبرى، فمن أجل حماية الحقوق مــــن الـــتـــبـــدد وإبـــــقـــــاء الـــقـــضـــيـــة عـــلـــى قـيـد الحياة؟ بفعل عربي وإقليمي ودولي، أُغلقت الـــدائـــرة الـخـارجـيـة عـلـى إنـــجـــاز تـاريـخـي تحقق على مسار الهدف الأصعب، ولكنَّه الأهم، وهو قيام الدولة الفلسطينية على ، بما في 1967 الأرض التي احتُلت في عام ذلك القدس الشرقية. ولقد تجاوز التقدم على هذا المسار حدود الإقـرار بالحق إلى الاعتراف الكامل والصريح بالدولة. ومما يـبـدو غير منطقي ولا مفهوم هـو الفرق الــعــمــيــق والــــواســــع بـــن الإرادة الــدولــيــة الشاملة نحو حتمية قـيـام الــدولــة، وبين التباطؤ الفلسطيني فـي ترتيب الوضع الــداخــلــي وتــوحــيــده، وبـــالأخـــص توحيد شـرعـيـتـه. وأمـــــر آخـــر غـيـر مـنـطـقـي وغـيـر مـفـهـوم، هــو اتــســاع الـفـجـوة بــن الشعب الفلسطيني وبين من يُفترض أنهم قيادته وممثلوه. هـــذا الـشـعـب قـــدّم كــل مــا هــو مطلوب مــنــه لـحـمـايـة حــقــوقــه بــالــصــمــود المـعـجـز على الأرض، والتحمل الذي لا طاقة لبشر على تحمله؛ إذ لم يعد التهجير الذي هو أســــاس الــبــرنــامــج الإســرائــيــلــي واردا ولا حتى ممكناً، ولم تعد البلاد لقمة سائغة يـبـتـلـعـهـا المــحــتــل لمــجــرد اتـــخـــاذه قـــــرارات بذلك. إن الـــفـــجـــوة المـــتـــســـعـــة بــــن الــشــعــب القوي وسلطته ينبغي أن تـزول، ذلك أن أسلحة إسرائيل الفتّاكة التي لم تتوقف عن العمل ضد الفلسطينيين منذ بدايات الـــقـــرن المـــاضـــي وحـــتـــى أيـــامـــنـــا هـــــذه، لم تنجح في إنهاء القضية رغم رهانها على تدمير الحالة الفلسطينية مـن داخلها، الـــتـــي هـــي فـــي الـــواقـــع مـــركـــز الــضــعــف أو القوة في مسألة الصراع الدائم في الشرق الأوســــط، ومـكـانـة القضية الفلسطينية فيه. الفضل في ذلك حتى الآن يعود إلى الــشــعــب الـــقـــوي وتـلـقـائـيـة مـــبـــادراتـــه في حماية حقوقه وآماله. نبيل عمرو سام منسى خالد البري

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky