الثقافة CULTURE 17 Issue 17246 - العدد Sunday - 2026/2/15 الأحد بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثـــقـــيـــلـــة، مـــتـــســـلـــطـــة وكـــــاســـــحـــــة. أســــلــــوب الرواية نفسه هو نسج في اللغة، وكأنما الكاتبة تحوك خيوط كلماتها كما تفعل شـخـصـيـاتـهـا عـلـى نــولــهــن. فـالـنـسـاء في الـروايـة الـصـادرة حديثا عن «دار الآداب» فـــــي بــــــيــــــروت، يـــحـــكـــن الأثــــــــــــواب وبـــســـمـــة الخطيب تغزل الأحــداث بقلمها، في حفر عميق فـي الـــذات النسائية الجمعية، من خلال تتبع سلالة واحدة، بحيث تتقصى حياة الجدّات واحدة تلو الأخرى، وصولا إلـــى الــوريــثــة الأخـــيـــرة نـــدى الــتــي تعيش فـي عـزلـة بسبب وبـــاء «كـوفـيـد» وتـحـاول رتـــق الـنـسـيـج المــمــزق الــــذي ورثــتــه لتفهم تاريخها. شجرة العائلة نسائية على عكس شجرة العائلة التقليدية الـــتـــي تـحـتـفـظ بــأســمــاء الـــذكـــور وتـسـقـط الإناث من الاعتبار الجينيالوجي، تذهب الخطيب إلى اقتفاء سيرة عائلة من خلال تـــجـــارب نـسـلـهـا الأنــــثــــوي. هــــذا لا يعني أن الـشـخـصـيـات الأخــــرى غـيـر مــوجــودة، بــــل عـــلـــى الـــعـــكـــس الـــــروايـــــة تـــعـــج بـــأنـــاس يـصـنـعـون هــــذا الــعــالــم المــمــتــد مــثــل آمـــال ووالـدتـهـا، وهـن مـن جـيـران الـــوادي الـذي سكنته السلالة، لكن الربط الأساسي في الـــروايـــة يـظـل مـتـمـحـورا حـــول الـحـائـكـات اللواتي تنحدر من صلبهن ندى، وبينهن تانيس ومهجة وحسينة وأميرة وصولا إلى ندى. الحكاية تـبـدأ مـن الحفيدة الأخـيـرة نـــدى، مـعـاصـرتـنـا الـتـي تـوفـيـت والـدتـهـا أميرة، وها هي تعود إلى بيتها، وتغرق فـي تفاصيل العزلة والــحــداد. «هــل أمّها محظوظة لأنـهـا عـاشـت للثمانين؟ تشك ندى في ذلك. فغالبية أيّام عمر الأم كانت تــعــيــســة، قـضـتـهـا فـــي انـــتـــظـــار أحـــــام لن تتحقّق». تأتي المفاجأة لندى من حيث لم تكن تنتظر، مـن امـــرأة غريبة لا تعرفها، تطرق الباب وتطالبها باستعادة «أمانة» كـانـت قــد أودعــتــهــا عـنـد والــدتــهــا أمـيـرة. هــذه الأخــيــرة كـانـت «دايــــة» تـولـد النساء وتـدفـن «خـــاص» مواليدهن فـي الـــوادي، وهــي الـتـي حفظت «الأمــانــة» أو النسيج الـقـديـم، الـــذي نفهم بـعـد ذلـــك أنـــه الـرابـط الذي تتناقله السلالة النسائية. خـــط زمـــنـــي واحـــــد يــمــتــد مـــن مـــاض ســـحـــيـــق إلــــــى حــــاضــــر الـــــوبـــــاء الـــجـــديـــد، تتوارث النساء خلاله الألم ذاته وتقاومنه بـــالــصـــبــر والـــحـــيـــاكـــة، والـــــغـــــزل والــطــبــخ والتحايل وتجديل الشعر. ليس انتظارا مــجــانــيــا، إنـــمـــا هـــو تــفــاعــل بـــطـــيء، لكنه مــــتــــواصــــل وحـــثـــيـــث وفــــيــــه إصــــــــرار عـلـى بـلـوغ الــهــدف الـنـهـائـي، وهـــو تغيير هـذا المصير الذي يبدو لثقله أنه قدر لا مجال لزحزحته. لا اســـــتـــــخـــــدام لـــكـــلـــمـــات مـــمـــجـــوجـــة كــ«الـحـقـوق» أو «الـحـريـة» أو «المــســاواة» التي ترفعها جمعيات تحرير المـــرأة، بل عــلــى الــعــكــس تــمــامــا، هـــو ســــرد لمــســارات متلاحقة لنساء يتلحفن بالصبر ويقتتن على العمل الصامت الذي لا يكلّ. الاستعاضة عن الكلام بالنسج ننتقل مــع الـكـاتـبـة إلـــى زمـــن الـجـدة تـــانـــيـــس، المـــــــرأة الـــبـــكـــمـــاء الـــصـــمـــاء الــتــي نفيت إلـى «قصر الهجران» المنحوت في صخور الـــوادي، ليكون سجنا تـودع فيه الــنــســاء لـعـاقـبـهـن. وهــــو مـنـفـى خُــصـص للنساء «العاصيات» أو «الموبوءات». في هذا القصر، بـدلا من أن تستسلم تانيس لــلــمــوت، تُـــحـــوّل هـــي والــنــســاء الأخـــريـــات فـي القصر الحياكة إلــى أداتـهـن المتبقية لـاسـتـمـرار والـتـغـلـب عـلـى الــعــزلــة. بهذا تصبح تانيس هي الغازلة التي افتتحت مــســار الاسـتـعـاضـة عــن الــكــام بالنسج. وعـنـدمـا تـولـد ابنتها لـيـان فـي «القصر الملعون» ترث عن أمها هذا الغزل، ومعه الــصــبــر ورحـــلـــة الــــعــــذاب الـــطـــويـــل. هـكـذا تتناسل النساء ويتوارثن الوجع؛ إذ من بعدهن تأتي الحفيدة أثاليا، التي تهرب بـهـا تـانـيـس لـتـبـدأ رحـلـة عـلـى طـــول بـاد الـــصـــدع الـــزلـــزالـــي الــتــي تـمـتـد مـــن تـركـيـا إلى مصر. هناك على هذا الصدع ستولد مـهـجـة الــكــبــرى الـــتـــي واجـــهـــت الــطــاعــون والظلم الأسري. ومن السلالة نفسها تولد ضــحــى ومــــن ثـــم حـسـيـنـة الــلــتــان تابعتا بدورهما الغزل على النول، أمينات لتراث جدتهن تانيس. الــلــعــبــة الـــروائـــيـــة الـــتـــي تـنـقـلـنـا بين الحاضر (ندى) والماضي (الجدّات) تظهر لنا من خلال الأحداث أن الزلازل النفسية لــــهــــؤلاء الــــنــــســــوة المــــعــــذبــــات والمـــــصـــــرّات على الـكـدح، كأنما هـي انعكاس للصدع الــــزلــــزالــــي الــــــذي يـــمـــزق الأرض، وتـــأتـــي الحياكة الـتـي لا يتوقفن عـن ممارستها وسيلة لرتق جروحهن. فـالـرتـق عـنـد الـنـسّــاجـات لــه وظـائـف عـــدّة لأن «قـطـبـة واحــــدة ضــالّــة قــد تطيح النسيج أو تجبر الحائكة الـدؤوبـة على إعــادة العمل». ولكن «الـرتـق» أو «الرثو» أو «الـــوصـــل» هــو الـحـيـلـة المــنــقــذة. «حـن تعلّمت ندى حياكة الصوف، كان يعجبها أن تسحب خيطا من آخر، وتشبكهما، ثم تعقدهما، وإن أفلتت منها قطبة تسارع إلـــى إنـقـاذهـا وربـطـهـا بـأخـواتـهـا بقطبة مخفية». المهم هنا «أن قفا أقمشة النول تُظهِر بـوضـوح مـا رُمّـــم ووصِّـــل واُصـلِــح. وإن الــــقــــفــــا هـــــو دلــــيــــل رحــــلــــة الأخــــطــــاء والـــعـــثـــرات الــتــي قـطـعـهـا الــحــائــك وســـوء الحظ أيضاً». الرموز تحمل الرواية اعــتــمــدت الأديـــبـــة الأســـلـــوب الملحمي في القص الــذي تتداخل فيه الرومانسية مع القسوة، والتاريخ بالتخييل، والسيرة الفردية لكل امرأة بالحكاية الأسرية. تبدو الأجـــــواء وكــأنــهــا مـحـاطـة بـهـالـة ضبابية مليئة بالرموز رغم أنها تحدثنا عن نساء يمارسن حياة اعتيادية من طبخ وتنظيف وغــــزل وولادة وكـــفـــاح مـسـتـمـر. الخطيب في العودة إلى قصص النساء وتناسلهن المـــتـــخـــم بـــمـــيـــراث ثــقــيــل ومــــوجــــع، جـعـلـت الترميز وسيلتها لكتابة سيرة جماعية فـيـهـا مـــن الــنــضــال الــصــامــت مـــا يجعلها أسطورية النكهة. الـكـاتـبـة تـنـسـج مــع تـانـيـس وكـأنـهـا تــــشــــاركــــهــــا نــــولــــهــــا وخــــــيــــــوط تـــفـــاصـــيـــل مـــــــــرارة ســـجـــنـــهـــا، وصــــبــــرهــــا وصـــمـــتـــهـــا، وتـتـحـدث عـوضـا عـنـهـا، لـتـقـول المسكوت عــنــه بـطـريـقـتـهـا الـــتـــرمـــيـــزيـــة. فـــالأمـــراض الجينية كالصدفية التي تنتقل مع الميراث الأنــــثــــوي لــســالــة تـــانـــيـــس، مـــن أسـبـابـهـا أيضا الضغط النفسي، والكبت. والصدع الزلزالي الجغرافي مكان الحدث يتوازى مـع الـتـصـدع السيكولوجي الـــذي تخضع له الشخصيات. كذلك هناك رمزية «صدق القفا» التي تحدثنا عنها. فوجه النسيج المنتظم الخيوط، ليس كقفاه المليء بالعقد والــوصــات، ومقابل الـتـاريـخ الـــذي نقرأه للنساء هناك الوجه الآخر، الذي يخفي كل الخلفيات بجروحها ودمـوعـهـا وآهاتها التي يحكيها «قصر الهجران». تطرح الرواية فكرة أن هؤلاء النساء، رغــــم اخـــتـــاف شـخـصـيـاتـهـن وأزمـــانـــهـــن، يـمـثـلـن وجــــــودا واحــــــدا تـصـعـب تـجـزئـتـه. «الأســـمـــاء كـلـهـا واحـــــدة» كـمـا تــقــول المـــرأة الــغــريــبــة، ونــــدى هـــي آخـــر خـيـط فـــي رداء نسجته النساء في عمل متواصل. بيروت: سوسن الأبطح النص الكامل على الموقع الإلكتروني أنجزها الشاعر والمترجم السعودي غسان الخنيزي أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا صـــدر أخــيــرا عــن مـجـمـوعـة «كـلـمـات» لـلـنـشـر بـــالـــشـــارقـــة، ديــــــوان «فــــن الــطــيــور» لـبـابـلـو نـــيـــرودا بـتـرجـمـة عـربـيـة أنـجـزهـا الــــشــــاعــــر والمـــــتـــــرجـــــم الـــــســـــعـــــودي غـــســـان الخنيزي. ويقدّم هذا الإصدار أول ترجمة ،»Arte de Pájaros« عربية كاملة لـديـوان أحـد أهـم أعمال نيرودا المتأخرة وأكثرها تأملاً. ،1966 ويـــــعـــــود الــــــديــــــوان إلــــــى عــــــام حــن نُــشــر فــي مـوطـنـه تشيلي مصحوبا برسومات لفنانين بـارزيـن، قبل أن يُــدرج فـــي الأعـــمـــال الـكـامـلـة ويُــتــرجــم إلـــى لـغـات عــــدة. ويُــنـظـر إلــيــه نـقـديـا بـوصـفـه محطة أســـلـــوبـــيـــة فــــارقــــة تـــتـــراجـــع فــيــهــا الــنــبــرة الـخـطـابـيـة لـصـالـح كـتـابـة مكثفة تُصغي للطبيعة. في هذا العمل، لا يتعامل نيرودا مع الطيور بوصفها موضوعا زخرفيا أو اسـتـعـاريـا مـبـاشـراً، بــل بوصفها كائنات لغوية وحـسـيـة، تتيح إعـــادة التفكير في العلاقة بين الإنسان والطبيعة، وبين اللغة والحركة والزمن. كـــتـــب نـــــيـــــرودا هــــــذه الـــقـــصـــائـــد بـعـد جــــولات ربـيـعـيـة عــلــى الــســاحــل التشيلي برفقة زوجـتـه ماتيلدا أوروتـــيـــا، وهــو ما يظهر في حضور البحر والرياح وهجرات الـــطـــيـــور بـــوصـــفـــهـــا عـــنـــاصـــر بـــنـــائـــيـــة فـي الصورة الشعرية. قصيدة موزعة 53 يتألف الديوان من على قسمين: الأول مكرّس لطيور حقيقية من البيئة التشيلية، والثاني يتجه نحو طيور متخيلة، تُصاغ ضمن بنية لغزية تجعل من التسمية فعلا شعرياً. وتتخلل الــــــديــــــوان ثــــــاث قـــصـــائـــد طــــــــوال تـمـنـحـه تــمــاســكــا بــنــيــويــا يــجــمــع بــــن الــجــانــبــن: الوصفي والتأملي. ويــفــتــتــح نــــيــــرودا الـــــديـــــوان بـمـشـهـد جــــمــــاعــــي تــــتــــبــــدى فــــيــــه هـــــجـــــرة الـــطـــيـــور بوصفها حـركـة كـونـيـة صــارمــةً، تقودها غريزة لا تعرف التردّد: زاوية من الطيور باتجاه ٍخط عرضٍ، من حديد وثلجٍ، تتقدّم دونما هوادة ٌفي نهجها المستقيم: استقامة ساغبة كسهم مصوَّبٍ، ًلجموع سماوية تشق طريقها للتكاثر، مجبولة بحب وهندسة قاهرين... ومـــــن مــشــهــديــة الأســــــــراب وحــركــتــهــا فـــي الـــســـمـــاء، يـنـتـقـل الــشــاعــر إلــــى سـلـسـة مــن الـقـصـائـد يـتـأمـل فـيـهـا طــيــورا مــفــردة في موائلها، مثل طائر أبـو منجل ليربط بـن المـــاء والـــذاكـــرة، وبــن الجسد وصمت الغابة: المياه النهرية، أعرفها وبسابغ من ماء العشق وترابه انضوت في جسدي الأصوات السرية للغابة ... وحتى في إغفاءتي أحيا ذلك الصمت الجهوري، وأستيقظ، أو توقظني أسراب طيور أبو منجل الهائلة، المتئدة، وقد تمكّثت في حلمي. وفـي مواجهة هـذا القرب الحميم من الطبيعة، يتحوّل اللون في قصيدة «قُبّرة المروج حمراء الصدر» إلى سؤال، والجمال إلى أثر عنف خفي: لماذا تُريني كل يوم قلبك الدامي؟ أي خطيئة ترتدينها، أي قبلة من الدم لا تمّحى، وأي رمية صياد دهمتك؟ ويبتكر نيرودا طيورا متخيّلة تُصاغ مــــن الــــريــــش والـــلـــغـــة مـــعـــا، مـــثـــل «الـــطـــائـــر الهيروغليفي»: متداخل ريشه، ريشة جنب أخرى، يبسط جناحيه في ميادين العمل. طائر المتاهة، طائر البر والبحر، والألغاز... وفي ختام الديوان، يعود الشاعر إلى ذاتـــه، معلنا وداعـــا لا يخلو مـن الامتنان، ليغدو الطيران استعارة لحياة كاملة: شاعر ريفي ومحب للطيور. آتي وأذهب طائفا العالم، بلا عتاد، أُصفّر، بلا هدف، حيثما ذهبت. أستسلم للشمس وحقيقتها، وللمطر، ولغة قيثارته... وقـــــــد اعــــتــــمــــدت الــــتــــرجــــمــــة الـــعـــربـــيـــة عــلــى تــرجــمــة وســيــطــة بــالإنــجــلــيــزيــة مع الـــرجـــوع المـنـهـجـي إلــــى الــنــص الإســبــانــي الأصلي، بإشراف من الأديبة والأكاديمية الـدكـتـورة خديجة قـضّــوم أسـتـاذة اللغات الرومانسية وآداب أميركا اللاتينية، التي يــسّــرت تـدقـيـق الـتـرجـمـة لـضـمـان مطابقة المـــعـــنـــى والاقــــــتــــــراب مــــن الـــخـــصـــوصـــيـــات البيئية والـثـقـافـيـة لـلـنـص، خـصـوصـا ما يــتــعــلــق بـــالأســـمـــاء المــحــلــيــة والـــحـــمـــولات الـدلالـيـة المرتبطة بطيور تشيلي وإقليم باتاغونيا في أطراف أميركا الجنوبية. ويــتــيــح هــــذا الإصـــــــدار لــــقــــرّاء الـشـعـر الاطــاع على جانب تأمّلي أقـل تـــداولا من تجربة نيرودا، حيث تتقاطع الحساسية الــــشــــعــــريــــة مــــــع الـــطـــبـــيـــعـــة وعــــنــــاصــــرهــــا المختلفة، ويقدّم نصا يوسّع أفق المطالعة الشعرية مـن خـال تجربة لغوية وبيئية مختلفة. الدمام: «الشرق الأوسط» يظهر مكي في هذا الكتاب بوصفه «مستنطقاً» لا مجرّد سائل الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي فـي الـبـدء لـم تكن الكلمة. كــان الصمت. صـمـت لـم يــتــردّد فـي أروقـــة الـجـنّــة، استوطن قلب الـصـحـراء. وفــي الـصـحـراء يـولـد المعنى قبل الـعـبـارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها، ويـبـدأ الـعـالـم قبل أن يُــحـكـى. هـنـاك يكتشف الإنـــســـان أن الــصــمــت لــيــس حــــد الــلــغــة، إنـمـا ذروتـــهـــا الــقــصــوى، ولــيــس فـــراغـــا، بـــل كـثـافـة بــدئــيّــة لـــلـــوجـــود، ولـــيـــس غــيــابــا لــلــكــام، هو حضوره الأقصى قبل التسمية. مـــن هــــذا الأفـــــق المـــتـــرع بــالــصــمــت يـأتـي »2025 - كتاب «فـي صحراء إبراهيم الكوني نـــص مـــغـــرق فـــي شــاعــريــتــه يـــتـــجـــاوز منطق الـــــحـــــوار الـــصـــحـــافـــي الـــتـــقـــلـــيـــدي بــــن روائـــــي وقــــارئ ليستحيل «مـكـاشـفـة» وجـــوديـــة بين طـــرفـــن اعــتــصــم أحـــدهـــمـــا بــصــمــت الـحـكـمـة، والآخـر بجدوى السؤال. إن هذا العمل، الذي صـــاغ مـــحـــاوره الـعـشـرة الـصـحـافـي والـكـاتـب السعودي علي مكي، يمثل نموذجا تطبيقيا في فضاء الأدب العربي المعاصر لـ«جماليات التلقي» عند هانس روبـــرت يـــاوس؛ حيث لا يعود الـقـارئ (المـحـاور هنا) مجرد مستهلك ســلــبــي لـــنـــصـــوص الـــــروائـــــي الـــلـــيـــبـــي الأهـــــم، إبراهيم الكوني، بـل شريكا مكتمل الشراكة في إنتاج الدلالة، يسعى لردم فجوات النص الإبداعي المترع بالرمز والميثولوجيا. يــظــهــر مــكــي فـــي هــــذا الـــكـــتـــاب بـوصـفـه «مــســتــنــطــقــا» لا مــــجــــرّد ســــائــــل؛ ابـــــن جـــــازان الذي تشرَّب من تهامة موسيقاها البلاغية، ومن الصحراء صبرها، ويحمل في حقيبته المهنية تاريخا طويلا من المشاكسة الفكرية والــعــمــق الأدبـــــي الــــذي صُــقــل عـبـر عــقــود في الصحافة الثقافية السعودية والعربية. لم يكن غريبا عن عوالم الكوني؛ فهو من اعتاد مــطــاردة الـخـرافـة الـكـامـنـة فــي ثـنـايـا الــواقــع، ومساءلة العارفين عمّا يعجز الغارقون في يومياتهم الباهتة عن رؤيته. فــــــي هــــــــذا الـــــكـــــتـــــاب يـــخـــلـــع مــــكــــي رداء الصحافي ليكتسي عباءة المحاور المتشكّك؛ لا لــــيــــتــــحــــدّى الـــــكـــــونـــــي، بـــــل لـــيـــقـــتـــرب مـــنـــه، مستخدما أدواتـــه النقدية ليطوّق «سلطان الـصـحـراء» بأسئلة تمس لــب الـوجـود ذاتــه. هكذا يتحوّل الحوار إلى تجربة استبصارية عـمـيـقـة، أشــبــه بـرحـلـة ســـالـــك يـصـعـد مـــدارج الـــعـــرفـــان، حــيــث الــــســــؤال بــحــث عـــن مـعـنـى، والـجـواب ليس حقيقة نهائية، وإنـمـا عتبة لكشف أوسع. تـــنـــطـــلـــق رؤيـــــــــة الــــكــــونــــي فـــــي مـــجـــمـــوع أعــمــالــه مـــن اعــتــبــار الــصــحــراء «مـسـقـط رأس الـــتـــكـــويـــن»، ومـــخـــتـــبـــرا أزلــــيــــا لــقــيــم الـــحـــريـــة. وفــــي هــــذا الــــحــــوار، نــجــد تـقـاطـعـا عـمـيـقـا مع مفهوم «شعرية الـفـضـاء/ المـكـان» لغاستون بــــاشــــار؛ فــالــصــحــراء عــنــد الــــروائــــي الـلـيـبـي ليست محض حيز جـغـرافـي، إنها «فــردوس الـــــــروح» و«مــــحــــراب الـــصـــمـــت». هـــي الــفــضــاء الـذي يلقن الإنسان دروس الزهد الوجودي، محولا تجربة «التيه» من قدر مفروض بحكم البيئة إلى «خيار وجودي» يكتمل به جوهر الإنسان. إن التلقي عنده هنا يتجاوز إدراك المكان إلى تذوقه، حيث يستحث على كشف المفارقة: كيف يمكن لمكان يتسم بـ«العدم» الظاهري أن يـكـون مانحا لـــ«الــوجــود» الحقيقي؟ ويثبت الــحــوار أن الـصـحـراء - مكانيا وميثولوجيا معا - ليست رمــالاً، بل هي (لوغوس) كوني، ولغة قائمة بذاتها لا يفهمها إلا من تجرد من أوهام العمران. تــتــجــلــى فــــي إجـــــابـــــات الــــكــــونــــي وحــــــدة عـــضـــويـــة عــمــيــقــة تـــربـــط الـــكـــائـــنـــات بـعـضـهـا ببعض؛ إذ ينتقل بالعلاقة مـن أفــق «وحــدة الـــكـــائـــنـــات» الــتــقــلــيــديــة إلـــــى مـــرتـــبـــة «وحـــــدة الـــــوجـــــود»، مــســتــعــيــدا حــكــمــة بــدئــيــة تسبق نشوء الحضارات وخطابها العقلاني. ويقدّم الإنـسـان بوصفه شريكا للحيوان والطبيعة في «غنيمة الـوجـود» لا سيدا عليها، مانحا نصوصه صبغة أحيائية تعيد النبض إلى كل مظاهر العالم الطبيعي. وفي استنطاقه لهذه المنطقة، يتفعل في الـنـص مــا يمكن تسميته بــ«الـنـقـد البيئي»، إذ يـتـحـول الــســرد إلـــى صـرخـة أخـاقـيـة ضد تـوحّــش الـحـداثـة الـتـي قطعت صلة الإنـسـان برحم الكون، ويقودنا بيد حازمة إلى طفولة الـعـالـم الأولــــى، حـيـث يتكلم الـجـبـل، ويحمل الـــودان «الـغـزال الـصـحـراوي» أســـرار السماء، ويغدو الشجر تجسيدا لصلاة لا تنقطع. يــــــؤكــــــد الـــــكـــــونـــــي فـــــــي مــــكــــاشــــفــــاتــــه أن «الأســــطــــورة هـــي المـــرشـــد الأعـــلـــى لـلـسـرديـة»، معتبرا إياها الترياق الوحيد لداء الفناء. ومن خــال اسـتـلـهـام الــرمــوز الـتـوراتـيـة والـقـرآنـيـة والمـــيـــثـــولـــوجـــيـــا الأمــــازيــــغــــيــــة، يـــصـــوغ نـصـا يتخطى حدود الزمن الخطي (ماض - حاضر - مــســتــقــبــل)، لـيـقـيـم فـــي الـــزمـــن الأســـطـــوري السرمدي المفتوح بلا بداية ولا نهاية. يلاحق المحاور بطل الكوني في تحوّلاته الــوجــوديــة، ويـسـألـه عــن «الـخـطـيـئـة الأولـــى» التي جعلت من الصحراء عقابا وجنّة في آن؛ فضاء للعقوبة ومــاذا للخلاص في اللحظة نفسها. ويكشف الـحـوار أن الأسـطـورة عنده ليست حنينا إلى الماضي، ولا متحفا للذاكرة، لكنها أداة حيّة لتفسير «الآن»؛ فالإنسان ما زال يطارد السراب ذاته، والشهوة ما زالت هي الخطيئة التي تُخرجنا من فـردوس الصمت إلى جحيم الكلام. أمــا اللغة عنده فهي «لغة فــوق اللغة»، لا تُــريـد أن تُــسـمّــى الأشــيــاء بـقـدر مـا تـريـد أن تُصغي إلى ما قبل التسمية. إنها لغة تسعى إلــــى فــــك شــيــفــرة الـــوجـــود عــبــر الــصــمــت، لأن الـصـمـت - فـــي مــنــظــوره - لـيـس فـــراغـــا، بـقـدر مـا هـو أعلى درجـــات المعرفة وذروة الامتلاء الروحي في مواجهة لغو الحرف وضجيجه. بــهــذا المـعـنـى يــتــحــوّل فـعـل الـــروايـــة إلـى مـــعـــراج أخــيــر لــإنــســان فـــي مــواجــهــة الــعــدم؛ معراج يصعد فيه الوعي لا الجسد، وترتفع فيه الـعـبـارة لا الــرؤيــة، فتغدو الكلمة فرمان تشريف وجــودي يهب الإنسان حـق الانتماء إلى المعنى. يـــغـــوص مــكــي فـــي هــــذا الــبــحــر الــلــدنــي، متسائلا عن جـدوى الكتابة إذا كـان الصمت هو الغاية القصوى. وهنا يبدع الكوني في تفكيك مفارقة «الكتابة بالصمت»، فالحرف عنده ليس غاية، بل جسر ضرورة يعبر عليه الإنسان نحو ضفّة الحقيقة. هذه اللغة التي ينحتها الروائي، والتي يستجليها محاوره بذكاء، هي لغة «تطهرية» بالمعنى الأرسطي، تهدف إلى تخليص الروح من أدران المادة. ندى حطيط إبراهيم الكوني يخلع مكي رداء الصحافي ليكتسي عباءة المحاور المتشكّك لا ليتحدّى الكوني بل ليقترب منه النص الكامل على الموقع الإلكتروني
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky