وصلت إلى طرابلس في بداية شهر يناير (كانون الثاني) المـاضـي، آمــا العثور على بقعة ضـوء في عتم نفق الأزمــة السياسية المـسـدود، قد تقودني إلـى تفاؤل مؤمل بانفراجة تفضي إلى توافق ومصالحة، ينتهيان باتفاق بـن مختلف الأطـــراف على وضـع نهاية للأزمة بإجراء انتخابات يريدها الليبيون ويتفاداها القائمون عـلـى أمـــورهـــم. وغــادرتــهــا، فــي منتصف هــذا الأســبــوع، حزينا متألما من سوء أحوالها، متخوّفا مما يحيق بها من مخاطر تبدو للناظر المتمعن أنها ليست بعيدة. تركتُها تستعد للاحتفال بالذكرى الخامسة عشرة ، وتتهيأ لاستقبال شهر 2011 ) لانتفاضة فبراير (شباط الصَّوم. تزامن المناسبتين (الوطنية والدينية) ترافق مع وصــول شحنات السّيولة النقدية إلـى المـصـارف، وفتح «منظومة الأغــراض الشَّخصية» من قِبَل مصرف ليبيا المـــركـــزي؛ المـنـظـومـة تــتــولــى، مــــرّة كــل عــــام، بــيــع العملة الأجـنـبـيـة لـلـمـواطـنـن (هـــذه الـسـنـة اقـتـصـرت عـلـى بيع دولار أمـيـركـي لكل مـواطــن) بسعر منخفض عن 2000 سـعـر الــسّــوق المـــوازيـــة الـتـي يـقـتـرب فيها سـعـر الـــدولار دنانير! 10 الواحد من عتبة الـ الاســــتــــعــــداد لــشــهــر رمــــضــــان المـــــبـــــارك غـــطّـــى عـلـى الاستعداد للاحتفال بالانتفاضة، إذ كان أكثر وضوحا فـي ازدحـــام الأســـواق بالبضائع والسلع وبالمتسوقين، وفي اختناق حركة المـرور أمامها، وكذلك في اصطفاف المـواطـنـن فـي طوابير طويلة أمــام المـصـارف للحصول على السيولة. أما الاستعداد لذكرى الانتفاضة، فيبدو أكــثــر جــــاء فـــي مـــواقـــع الـــتـــواصـــل الاجــتــمــاعــي مــنــه في الـــشـــوارع، عـبـر حـــروب الـتـاسـن والـشـتـائـم بــن أنـصـار «فبراير» وخصومهم، التي ازداد سعيرها مؤخرا بعد اغـتـيـال سيف الإســـام الـقـذافـي فـي بـلـدة الـزنـتـان. وفي المـقـارنـة بـن الــواقــع المعيش والآخـــر الافـتـراضـي، تكون الغلبة والمكانة للأول؛ لكونه الحقيقي المرتبط بتفاصيل الحياة اليومية للناس وما يتخللها من معاناة وأزمات. لست متشائماً، وإن بدا التشاؤم مُخيّما على الروح. وادّعــاء تفاؤل لا وجود له يزيد الأمـور سُــوءاً. والأنسب وصـــف الـحـالـة النفسية بـالـتـشـاؤل؛ وهـــي وضـعـيـة من وجـد نفسه في منزلة بين منزلتين، تستدعي منه عدم التفريط في الأمل بالنجاة من الخطر المحدق به على أمل انبثاق بقعة ضـوء في نفق معتم. وهــذا بــدوره يفضي إلى تجنّب البكاء والنواح على لبن سُكِبَ، بعدم الخوض في تكرار حصر السبب والفشل فيما حدث ويحدث في النخب الحاكمة وفسادها فقط؛ كما يفعل أغلب المعلقين المحليين وغيرهم. ذلك أن أسباب الأزمـة في ليبيا، كما تـبـن واتــضــح، لا تقتصر على نخب قـاصـرة وفـاسـدة، بـــل إن أسـبـابـهـا مـعـقـدة ومـــتـــعـــددة، أبـــرزهـــا وأخـطـرهـا التدخلات الخارجية (عربيا وإقليميا وغربياً). النخب الـلـيـبـيـة الــحــاكــمــة، فـــي رأيـــــي، جـــــاءت نـتـيـجـة لـلـتـدخـل الخارجي، وليست سببا له. خـــمـــســـة عـــشـــر عــــامــــا مـــــن الـــــحـــــروب والاغــــتــــيــــالات والنزاعات والنهب، أوصلت البلاد إلـى نقطة بـدا فيها أن كفة التقسيم بدأت ترجح على كفة استعادة الوحدة. والــكــارثــة أن الانـقـسـام طـــال مــؤخــرا الـجـهـاز القضائي، وهو آخر الجدران التي نجت في السنوات السابقة من المحاصصة الجهوية وحافظت على وحدتها؛ وبسقوطه تكون البلاد قد دخلت طورا متقدما نحو التجزئة. ما قيل أعـاه عن الوضع في العاصمة طرابلس لا يعني أن بقية المــدن الليبية في منأى عنه وتعيش في أمان واستقرار وحصانة من الأزمات، بل هي في وضعية لا تختلف عنها إن لم تكن أسوأ وأشـدّ. المحاولات التي بـــدأت مـؤخـرا بتشكيل لجنة مصالحة وطنية مـن قِبَل رئيس المجلس الـرئـاسـي، لا أريــد التقليل مـن أهميتها ولا يـجـب. لـكـن مــن الــســذاجــة الاسـتـبـشـار بـهـا مــن دون الإشارة إلى قصورها؛ أولها ضعف مكونات وإمكانات ومــؤهــات أعــضــاء الـفـريـق المنتخب لـهـا، خـصـوصـا أن أبرزهم كانوا من مسببي الأزمة منذ البداية، وثانيا لأن الأزمــة بلغت مرحلة من التعقيد يصعب تفكيكها على أفـرادٍ، جُمّعوا على عجل من هنا وهناك، في ظل وجود مصالح أجنبية واضحة ومعروفة توطدت أقدامها على الأرض فعليا وواقـعـيـا، وتتحكم فـي الأجــنــدة المحلية، ولـيـس مـن السهل إقناعها بالتخلي عـن مكتسباتها. محاولات المصالحة، مهما صدقت نواياها، ستظل تدور في حلقة مفرغة ما لم تلامس جذور الأزمة المتمثلة في التدخل الخارجي. غادرت طرابلس متألماً، متمسكا بتشاؤلي بوصفه خيطا رفيعا يشدّني إلى ضفة أمل تبدو بعيدة وقريبة فـي آن، مـدركـا أن بقعة الـضـوء المـنـشـودة لـن تنبثق إلا إذا استعاد الليبيون إيمانهم بوطنهم المأمول، وبـدأوا سريعا في عملية بحث جماعي عن بوصلتهم الوطنية المـفـقـودة، قبل أن تجرفهم الأحــــداث، وتشتتهم خرائط التقسيم. لـــم تـكـن المـوسـيـقـى بـحـيـويّــتـهـا الـعـالـيـة إلا جـــزءا من تاريخ التكوين البشري؛ فهي عنصر أساسي من التعبير عن الوجود الإنساني، بتنوّع ظروفه وتغيّر حــقــبــه الـــزمـــانـــيـــة. ومـــــا كـــانـــت المـــوســـيـــقـــى بـــعـــيـــدة عـن النظريّة السوسيولوجية، ولا عن التأسيس والتبويب الفلسفي. نــعــم؛ إن المـوسـيـقـى لـيـسـت فــكــرة، ولا دعــــوة، ولا رسالة، وإنما هي حيلة حسّية، عمقها في اعتباطية دلالتها. وهي ليست دلالة حتى نحكّمها إلى الفهم، من هنا يكون التأثير الفلسفي على الموسيقى ليس تأثيرا فـي جوهر المـجـال، وإنـمـا بـالإيـحـاء إلــى تـمـاس المنتج الموسيقي مع المنجزات الفلسفية القائمة. مــــثــــاً؛ بــقــيــت «المـــوســـيـــقـــى الـــكـــاســـيـــكـــيـــة» ضـمـن الــتــهــم الـطـبـقـيـة مـــع صــعــود المــاركــســيــة، وانـــتـــهـــت لأن تكون وجبة شعبية تعمل في المحال وأماكن الترفيه. حُمّلت الموسيقى خطأ الأفكار، وباتت مشجبا لانهيار النظريات الكبرى. اســـتـــمـــرت المــوســيــقــى مـتـمـسّــكـة بـاسـتـقـالـيـتـهـا، ومتعايشة مع تأثّرها بالفضاءات الفلسفية، وما كان تأثرا دلالـيـا، وإنما هو التأثير الـذي يمنح الموسيقى قــدرتــهــا عــلــى المــمــانــعــة ضـــد تـدجـيـنـهـا؛ ســـــواء ضمن «الاتـهـام الشيوعي» أو أي ادعـــاءات أخـــرى، ولا يمكن لمطرقة النضال أن تهشّم بيت الموسيقى العتيد. لم تكن الفنون يوما منعزلة عن حلقات النقاش أو صرعات النظرية أو غليان التأويل، كانت حاضرة ومحايثة؛ بل سابقة في كثير من الأحايين، وآية ذلك أن الموسيقى ارتبطت بالتحولات البشرية، فهي تتفاعل مع المحيط وتأخذ منه وتعطيه، ذلك أن الفنون إجمالاً، والموسيقى تحديداً، لا تلبث أن تخاتل النظرية. ولو تأملنا في سير الحضارات وشرر النظريات، لوجدنا أن الموسيقى إمـا أن تسبق التحول، وإمـا أن تحايثه، وإمــــا أن تـتـبـعـه، فـهـي منفعلة بـالـتـحـول وفــاعــلــة لـه، والأمم التي تأسست تحولاتها ضمن فضاء الموسيقى استطاعت أن تفتتح مشروعا أبديا لتأميم الموسيقى وجعلها لـغـة ســائــدة بــن المـجـتـمـعـات، مــن هـنـا يكون العالم عبثا من دون موسيقى، أو غلطة كما هو تعبير نيتشه الشهير. يشكو الـراحـل الكبير فــؤاد زكريا من عـدم وجود مــوســيــقــى عــربــيــة بـيـنـمـا غــرقــنــا بــالأغــنــيــة الــعــربــيــة. والأغنية لا ترتبط بالفضاء الموسيقي بالمعنى الرحب؛ بـل تتحول الأصــــوات إلــى جـيـش مـن الـخـدم للكلمات، من هنا صارت حتى موسيقانا شعرية. طغت الأغنية على الموسيقى في الحال العربية. والموسيقيون العرب هم بمعنًى ما جـزء من حـال «الشعرنة»؛ إذ يرتبطون بالألحان والكلمات، غير أن نماذج التكوين الموسيقي عــلــى الـــطـــراز الــغــربــي لـــم تــكــن ســـائـــدة عــربــيــا، ذلــــك أن الفضاء الموسيقي فضاء شعري وكلاميّ. من هنا يأتي الـنـقـص فــي الــقــدرة الموسيقية الـعـربـيـة عـلـى مستوى التأليف الرحب، ليطغى التكوين الشعري، أو تحويل صـراعـات الموسيقى لتكون خـادمـة للأشعار، ومـن ثم تخلق الأغنية. قبل أيام اطَّلعت على قراءة مهمة لكتاب بعنوان: «سوسيولوجيا الفن طرق للرؤية» وهو مؤلَّف مشترك بين كل من ديفيد إنغليز، وجـون هغسون، وترجَمَتْه ليلى المـــوســـوي، وعــــرض فــحــواه إدريــــس الـغـيـاتـي في قراءة موسعة. مما تضمّنه الكتاب، أن: «مفهوم الفن والأشكال المــــرادفــــة لـــه لـــم تــكـن مـــوجـــودة بـالـطـريـقـة نـفـسـهـا قبل بضعة قرون، ويظهر أن الفهم الحديث للفن هو نتاج تطور تاريخي في الفكر الإنساني». ثــــم يـــقـــول فــــي عـــرضـــه لــلــكــتــاب إنـــــه فــيــمــا يــخــص الأغـانـي الشعبية القديمة «فـــإن ثمة تفسيرا تقليديا يعتبرها مجرد أغان تُغنَّى في المناسبات الاجتماعية التقليدية، بينما فــي التفسير الـسـوسـيـولـوجـي يتم تفسيرها كوسيلة لنقل التراث الشعبي، والتعبير عن تجارب المجتمع في زمانه». ويضيف أن: «إنغليز لا يقف عند حدود استعراض مفهوم الفن والكشف عن تاريخه؛ بل يذهب أيضا إلى دراسة مفهوم الفنان، بحيث يشير الكاتب إلى أنه في مجتمع مـــا، يُــعــرّف الـفـنـان بـوصـفـه شخصا تستحق أعماله الاعتناء بها، حتى مئات السنين. ويشير أيضا إنغليز إلـى أنـه من شـأن تصنيف الشخص كفنان في مجتمع مـا، إضـفـاء عـدد مـن المميزات عليه، مثل نوع معين من السلطة أو المكانة الاجتماعية». الخلاصة: إن الموسيقى جزء من تكوين المجتمع الأســـــاســـــي، وهــــــذا مــــا تــــؤكــــده الـــنـــظـــريـــات الـفـلـسـفـيـة والاجـــتـــمـــاعـــيـــة، فــكــمــا نــفــهــم أي مــجــتــمــع عــبــر شـعـره وروايـــــــاتـــــــه وقــــصــــصــــه؛ فــــــإن المـــوســـيـــقـــى أهــــــم شــــــارح لـلـمـجـتـمـعـات بـكـل أســاطــيــرهــا وتــنــوّعــهــا وخـيـالاتـهـا ومـشـاعـرهـا الــذاتــيــة وحـيـويّــتـهـا الــدنــيــويــة، وهــــذا ما نشهده الآن في التطوّر الموسيقي المتميز في الإقليم. لـــدى قـطـاع عـريـض مــن رمـــوز الثقافة الــــســــيــــاســــيّــــة الأوروبـــــــــيّـــــــــة، ومـــــــن المـــثـــقّـــفـــن الأمــيــركــيّــن ذوي الــهــوى الأوروبـــــــيّ، تبدو شؤون أميركا أمرا غير مفهوم وغير مقبول وغير عقلانيّ، فضلا عن استبطانها جرعة عنف ظُن أنّها انقضت. وبـن أمــور أخـــرى، تقيم وراء هـذا كلّه خلفيّة تـاريـخـيّــة «شــــاذّة» بقياس أوروبـــا، خلفيّة تبقى لحظة تأسيسيّة وإن أضيفت إليها لحظات كثيرة عدّلتها إلــى الأحسن وإلى الأسوأ. ففي أميركا حمل المستوطنون البيض الــــســــاح وخــــاضــــوا حـــربـــهـــم عـــلـــى الـــســـكّـــان الأصـــلـــيّـــن («الـــهـــنـــود الـــحـــمـــر«) قــبــل نـشـأة الدولة. فالتسلّح إذا سبق الدولة، وهذا قبل أن يكون للميليشيات، أواخر القرن التاسع عشر، دور كبير مع بدايات الحرب الأهليّة. هكذا أُسّس الحذر من مبدأ الدولة، والضبط والتنظيم، ونشأ تقاطع عريض بين الحرّيّة والاستيطان ولا محدوديّة المبادرة الفرديّة. وبــدورهــم اعتمد «الآبــــاء المـؤسّــسـون» طـــريـــقـــة انـــتـــقـــائـــيّـــة حـــيـــال فـــكـــر جـــــون لــــوك، الــفــيــلــســوف الإنـــجـــلـــيـــزي الـــــذي تــــأثّــــروا بــه. فلوك لم يتحدّث عن حق دستوري في حمل الـــســـاح، بـالـطـريـقـة الـتـي أكّـــدهـــا «الـتـعـديـل الــثــانــي» فــي الــدســتــور. لـقـد رأى أن البشر يـولـدون فـي «حـالـة الطبيعة» ولديهم حق طبيعي فـي الـحـيـاة والــحــرّيّــة والمُــلـكـيّــة، ما يجيز لهم، حين لا تتوافر سلطة مشتركة، استخدام السلاح عند الضرورة، دفاعا عن أنـفـسـهـم ضـــد الـعـنـف والــظــلــم. وقـــد اعتبر أن الــــســــاح والمــــقــــاومــــة يـــــغـــــدوان مـــبـــرّريـــن حــن تنتهك الـحـكـومـة الـحـقـوق الطبيعيّة وتـــخـــوض حـــربـــا ضــــد الـــشـــعـــب. لـــكـــن حمل الــــســــاح، عــــنــــده، قــــــرار جـــمـــاعـــي لا فــــــرديّ، مـحـصـور بـمـقـاومـة الـطـغـيـان. وبـمـجـرّد أن يتشكّل مجتمع سياسي يصار إلى التخلّي عــــن الــــحــــق الــــــفــــــردي فــــي الــــســــاح وإعــــــان الحرب وإنزال العقاب. لكن التعديل الثاني تجاهل اسـتـدراكـات لـوك مدفوعا بالتقليد المــيــلــيــشــيــوي وبــضــعــف الــثــقــة بـالـحـكـومـة المــــركــــزيّــــة وتـــدخـــلّـــيّـــتـــهـــا، كـــمـــا بــــ«الـــحـــيـــاة الـحـدوديّــة» الـتـي تجعل «هــل أنــت معنا أو ضدّنا؟» سؤال الأسئلة. مــــا لا يـــقـــل أهـــمـــيّـــة، وهـــــو مــــا تــنــاولــه كثيرون من أبـرزهـم بارينغتون مـور، عالم الاجتماع السياسي الأميركيّ، أن الولايات المـــتّـــحـــدة لـــم تـــعـــرف الإقــــطــــاع الـــــذي عـرفـتـه أوروبا، والذي خلّف غيابُه آثارا كبرى على تـاريـخـهـا. فـهـي عــاشــت مـــســـاواة سياسيّة مبكرة محصورة بالبيض، نظرا إلــى عدم وجود أريستوقراطيّة وراثيّة ذات امتيازات. وهذا ما ساعد في إقلاع الفكرة الجمهوريّة والمــشــاركــة الـسـيـاسـيّــة الـعـريـضـة، أقــلّــه بين المـسـتـوطـنـن. فــهــؤلاء أحــــرز معظمهم حـق الـــتـــصـــويـــت مـــطـــالـــع الــــقــــرن الـــتـــاســـع عــشــر، ممّا لم تعرفه أوروبـــا، جاعلا الديمقراطيّة تـــــبـــــدو كـــــأنّـــــهـــــا شــــــــيء «طـــــبـــــيـــــعـــــيّ». فــلــئــن تــطــوّرت الديمقراطيّة الأوروبـــيّـــة محكومة بــصــراع الـفـاّحـن والإقـــطـــاع، وبـمـواجـهـات الأريـسـتـوقـراطـيّــة والــبــورجــوازيّــة، تباعدت الــــديــــمــــقــــراطــــيّــــة الأمــــيــــركــــيّــــة عـــــن الــــعــــدالــــة الاجـــتـــمـــاعـــيّـــة، فـــكـــان مـــن الــــعــــادي عـــهـــدذاك أن يـــــكـــــون «الآبــــــــــــاء المــــــؤسّــــــســــــون» كـــلّـــهـــم، باستثناء جون أدامز، مُلاّك رقّ، وأن يمتلك جيفرسون، أكثرُهم بلاغة في الديمقراطيّة من الرَّقيق. 600 ، وفي فضائل أخرى عديدة وكــــــان لـــغـــيـــاب الاقــــطــــاع هـــــذا أن جـعـل الثورة الأميركيّة أشد محافظة من الفرنسيّة الــــتــــي اصــــطــــدمــــت بــــالإقــــطــــاع والـــكـــنـــيـــســـة. ولئن انشغلت تاليا بإعادة توزيع الثروة، فــالأمــيــركــيّــة اهــتــمّــت بــالــدفــاع عـــن المُــلـكـيّــة. ورغـــم الــاعــدالــة، خصوصا الـعِــرقـي منها، لم تستأثر العدالة بحصّة معتبرة من الفكر السياسي السائد. كــــذلــــك لـــــم يُــــفــــض تـــمـــلّـــك الأرض إلـــى مكانة اجتماعيّة، كما في أوروبــا، بل بقي مجرّد تملّك لسلعة. وهـذا ما سهّلته وفرة الأراضي وشساعتها، سيّما بعد انتزاعها مــــن الــــســــكّــــان المــــحــــلّــــيّــــن، وتـــــبـــــادل بـيـعـهـا وشـرائـهـا كعمل حــر غير مُــقـيّــد. وبنتيجة الـحَــراك الجغرافي والسيولة الاجتماعيّة، ساد الاعتقاد بأن الجهد الفرديّ، لا الأصل، هــــو وحـــــــده مــــصــــدر الــــنــــجــــاح الـــــــذي شــكّــل أســـطـــورة «الـــعـــصـــامـــيّ». وبــمــا أن الـعـقـود الـتـجـاريّــة والأســـــواق والـــروابـــط (الكنائس والاتّـــحـــادات والـــنـــوادي) الـتـي تحمّس لها تــوكــفــيــل صـــاغـــت تــــطــــوّر المـــجـــتـــمـــع، طـغـت الـــحـــقـــوق الــــفــــرديّــــة عـــلـــى حـــقـــوق الــجــمــاعــة وتــــعــــزّز اصـــطـــبـــاغ الـــلـــيـــبـــرالـــيّـــة الأمـــيـــركـــيّـــة بـالـتـشـكـيـك بـــالـــدولـــة ومــنــاهــضــة الـتـقـالـيـد الاشـتـراكـيّــة (والــضــرائــب) بوصفها أفـعـالا تــدخّــلــيّــة. أمّــــا الـــقـــانـــون، كــأحــد اسـتـطـالات الدولة، فلم يكن حـدّا على المبادرة الفرديّة بالمعنى الذي نراه في أوروبا. فــــ«الاســـتـــثـــنـــاء الـــجـــنـــوبـــيّ»، بــالــتــالــي، مـــــا هـــــو إلا أن الــــجــــنــــوب الأمـــــيـــــركـــــي غـيـر إقــطــاعــيّ، بــل نـظـام رأســمــالــي زراعـــــي قائم على العبوديّة التي خلقت تفاوتا حـادّا في الدخل، دون أن تُنشئ طبقة فلاحيّة قادرة عــلــى الــــثــــورة. وكـــــان اســتــئــنــاف ذلـــــك، بعد الحرب الأهليّة، حلول هَرميّة عِرقيّة محل الهرميّة الإقطاعيّة. بــــلــــغــــة أخـــــــــــــرى، طـــــغـــــى فـــــــي الــــــصــــــراع الاجــتــمــاعــي الـــعِـــرقـــي عـلـى الــطــبــقــيّ، أو أن الأوّل احـــتـــوى الـــثـــانـــي، بـحـيـث أن المـسـألـة الاجــــتــــمــــاعــــيّــــة لــــــم تــــكــــن مــــســــألــــة فــــاّحــــن فــــي مـــواجـــهـــة إقـــــطـــــاع، بــــل مـــســـألـــة أفــــارقــــة مستعبَدين وســكّــان محلّيّين فـي مواجهة بيض. وهنا يكون الاستغلال الاقتصادي أقسى في ظـل أســواق عمل منعزلة وتباين بــــن الــــعــــمّــــال الـــبـــيـــض الــــذيــــن يـسـتـوعـبـهـم النظام السياسي ومؤسّساته والعمّال غير البيض الذين يبقون خارجه. وبـــالـــنـــتـــيـــجـــة كـــــانـــــت الــــديــــمــــقــــراطــــيّــــة الــجــمــهــوريّــة فـــي أمــيــركــا أســهــل مـــنـــالا لـكـن أكثر سطحيّة وهشاشة. فـ«البيزنس» هو الصانع الأوّل لنظام القيم، والهجرة التي عُرفت بها البلاد هي، قبل كل شيء، «فرص نجاح»، والتمييز حـاد بين الذكاء بوصفه مـــفـــهـــومـــا عـــمـــلـــيّـــا مـــفـــيـــدا والـــفـــكـــر بــوصــفــه مـفـهـومـا نـظـريّــا لا نـفـع لـــه. وهـــذه وسـواهـا سـمـات سـبـق لــلــمــؤرّخ الأمــيــركــي ريـتـشـارد هوفستادر أن سمَّاها «نزعة مناهضة الفكر في الحياة الأميركيّة»، على ما يقول عنوان كتابه الأشهر. OPINION الرأي 12 Issue 17246 - العدد Sunday - 2026/2/15 الأحد حول الموسيقى وآثارها الاجتماعية عاما من الأزمات 15 ... ليبيا أميركا في عين أوروبا النقديّة وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com حازم صاغيّة فهد سليمان الشقيران جمعة بوكليب
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky